روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

الخميس، 2 يونيو 2022

مجلد 7. و8. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني

 

7   مجلد 7. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار
المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني

3 - وعنه أيضا قال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم خرج يستسقي قال فحول إلى الناس ظهره واستقبل القبلة يدعو ثم حول رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة )
- رواه أحمد والبخاري وأبو داود والنسائي . ورواه مسلم ولم يذكر الجهر بالقراءة

- الحديث الأول أخرجه أيضا أبو عوانة والبيهقي قال تفرد به النعمان بن راشد وقال في الخلافيات رواته ثقات والرواية الأولى من حديث عبد الله بن زيد ذكرها الحافظ في التلخيص والفتح ولم يتكلم عليها مع معارضتها للرواية الأخرى المذكورة في الصحيحين . وقد أخرج نحوها ابن قتيبة في الغريب من حديث أنس . وقد اختلفت الأحاديث في تقديم الخطبة على الصلاة أو العكس ففي حديث أبي هريرة وحديث أنس وحديث عبد الله بن زيد عند أحمد أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة وفي حديث عبد الله بن زيد في الصحيحين وغيرهما
وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود وحديث عائشة المتقدم أنه بدأ بالخطبة قبل الصلاة ولكنه لم يصرح في حديث عبد الله بن زيد الذي في الصحيحين أنه خطب وإنما ذكر تحويل الظهر لمشابهتها للعيد . وكذا قال القرطبي يعتضد القول بتقديم الصلاة على الخطبة بمشابهتها للعيد وكذا ما تقرر من تقديم الصلاة أمام الحاجة . قال في الفتح ويمكن الجمع بين ما اختلف من الروايات في ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم بدأ بالدعاء ثم صلى ركعتين ثم خطب فاقتصر بعض الرواة على شيء وعبر بعضهم بالدعاء عن الخطبة فلذلك وقع الاختلاف والمرجح عند الشافعية والمالكية الشروع بالصلاة وعن أحمد رواية كذلك
قال النووي وبه قال الجماهير وقال الليث بعد الخطبة وكان مالك يقول به ثم رجع إلى قول الجماهير . قال قال أصحابنا ولو قدم الخطبة على الصلاة صحتا ولكن الأفضل تقديم الصلاة كصلاة العيد وخطبتها . وجاء في الأحاديث ما يقتضي جواز التقديم والتأخير واختلفت الرواية في ذلك عن الصحابة انتهى
وجواز التقديم والتأخير بلا أولوية هو الحق وحكى المهدي في البحر عن الهادي والمؤيد بالله أنه لا خطبة في الاستسقاء واستدلا لذلك بقول ابن عباس الآتي ولم يخطب كخطبتكم وهو غفلة عن أحاديث الباب وابن عباس إنما نفى وقوع خطبة منه صلى الله عليه وآله وسلم مشابهة لخطبة المخاطبين ولم ينف وقوع مطلق الخطبة منه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك ما وقع في الرواية التي ستأتي من حديثه أنه صلى الله عليه وآله وسلم رقى المنبر . وقد دلت الأحاديث الكثيرة على مشروعية صلاة الاستسقاء وبذلك قال جمهور العلماء من السلف والخلف ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة مستدلا بأحاديث الاستسقاء التي ليس فيها صلاة
( واحتج الجمهور ) بالأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى الاستسقاء ركعتين ) وهي مشتملة على الزيادة التي لم تقع منافية فلا معذرة عن قبولها وقد وقع الإجماع من المثبتين للصلاة على أنها ركعتان كما حكى ذلك النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح للتصريح بذلك في أحاديث الباب وغيرها
وقال الهادي أنها أربع بتسليمتين واستدل له بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استسقى في الجمعة وهي بالخطبة أربع ونصب مثل هذا الكلام الذي هو عن الدلالة على مطلوب المستدل بمراحل في مقابلة الأدلة الصحيحة الصريحة من الغرائب التي يتعجب منها . ووقع الاتفاق أيضا بين القائلين بصلاة الاستسقاء على أنها سنة غير واجبة كما حكى ذلك النووي وغيره واختلف في صفة صلاة الاستسقاء فقال الشافعي وابن جرير وروى عن ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز أنه يكبر فيها كتكبير العيد وبه قال زيد بن علي ومكحول وهو مروي عن أبي يوسف ومحمد
وقال الجمهور أنه لا تكبير فيها واختلفت الرواية عن أحمد في ذلك وقال داود أنه مخير بين التكبير وتركه
( واستدل ) الأولون بحديث ابن عباس الآتي بلفظ ( فصلى ركعتين كما يصلي في العيد ) وتأوله الجمهور على أن المراد كصلاة العيد في العدد والجهر بالقراءة وكونها قبل الخطبة . وقد أخرج الدارقطني من حديث ابن عباس أنه يكبر فيها سبعا وخمسا كالعيد وأنه يقرأ فيه بسبح وهل أتاك وفي إسناده محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري وهو متروك
( وأحاديث الباب ) تدل على أنه يستحب للإمام أن يستقبل القبلة ويحول ظهره إلى الناس ويحول رداءه وسيأتي الكلام على ذلك قوله ( جهر فيهما بالقراءة ) قال النووي في شرح مسلم أجمعوا على استحبابه وكذلك نقل الإجماع على استحباب الجهر ابن بطال

4 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ( وسئل عن الصلاة في الاستسقاء فقال خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متواضعا متبذلا متخشعا متضرعا فصلى ركعتين كما يصلي في العيد لم يخطب خطبتكم هذه )
- رواه أحمد والنسائي وابن ماجه . وفي رواية : ( خرج متبذلا متواضعا متضرعا حتى أتى المصلى فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه ولكن لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير ثم صلى ركعتين ) . رواه أبو داود وكذلك النسائي والترمذي وصححه لكن قالا ( وصلى ركعتين ) ولم يذكر الترمذي رقى المنبر )

- الحديث أخرجه أيضا أبو عوانة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي وصححه أيضا أبو عوانة وابن حبان
قوله ( متبذلا ) أي لابسا البذلة تاركا الثياب الزينة تواضعا لله تعالى : قوله ( متخشعا ) أي مظهرا للخشوع ليكون ذلك وسيلة إلى نيل ما عند الله عز و جل وزاد في رواية مترسلا أي غير مستعجل في مشيه : قوله ( متضرعا ) أي مظهرا للضراعة وهي التذلل عند طلب الحاجة . قوله ( فصلى ركعتين ) فيه دليل على استحباب الصلاة وأنها قبل الخطبة وقد تقدم الكلام في ذلك . قوله ( كما يصلي في العيد ) تمسك به الشافعي ومن معه في مشروعية التكبير في صلاة الاستسقاء وقد تقدم الجواب عليه : قوله ( ولم يخطب خطبتكم هذه ) النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد كما يدل على ذلك الأحاديث المصرحة بالخطبة ويدل عليه أيضا قوله في هذا الحديث فرقى المنبر ولم يخطب خطبتكم هذه فلا يصح التمسك به لعدم مشروعية الخطبة كما تقدم

باب الاستسقاء بذوي الصلاح وإكثار الاستغفار ورفع الأيدي بالدعاء وذكر أدعية مأثورة في ذلك

1 - عن أنس رضي الله عنه : ( أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبيك فاسقنا فيسقون )
- رواه البخاري

- قوله ( كان إذا قحطوا ) قال في الفتح قحطوا بضم القاف وكسر المهملة أي أصابهم القحط قال وقد بين الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة والوقت الذي وقع فيه ذلك فأخرج بإسناده ( أن العباس لما استسقى به عمر قال اللهم أنه لا ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة وقد توجه بي القوم إليك لمكاني من نبيك وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث ) فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس
وأخرج أيضا من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال استسقى عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب وذكر الحديث وفيه ( فخطب الناس عمر فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يرى للعباس ما يرى الولد للوالد فاقتدوا أيها الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله وفيه فما برحوا حتى أسقاهم الله
وأخرج البلاذري من طريق هشام ابن سعد عن زيد بن أسلم فقال عن أبيه بدل ابن عمر فيحتمل أن يكون لزيد فيه شيخان . وذكر ابن سعد وغيره أن عام الرمادة كان سنة ثماني عشرة وكان ابتداؤه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب فاغبرت الأرض جدا من عدم المطر قال ويستفاد من قصة العباس استحباب الاستشفاع بأهل الخير والصلاح وأهل بيت النبوة وفيه فضل العباس وفضل عمر لتواضعه للعباس ومعرفته بحقه انتهى كلام الفتح
وظاهر قوله كان إذا قحطوا استسقى بالعباس أنه فعل ذلك مرارا كثيرة كما يدل عليه لفظ كان فإن صح أنه لم يقع منه ذلك إلا مرة واحدة كانت مجردة عن معناها الذي هو الدلالة على الاستمرار

2 - وعن الشعبي رضي الله عنه قال : ( خرج عمر يستسقي فلم يزد على الاستغفار فقالوا ما رأيناك استسقيت فقال لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء الذي يستنزل به المطر ثم قرأ استغفروا ربكم أنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه الآية )
- رواه سعيد في سنه

- قوله ( فلم يزده على الاستغفار ) فيه استحباب الاستكثار من الاستغفار لأن منع القطر متسبب عن المعاصي والاستغفار بمحوها فيزول بزوالها المانع من القطر قوله ( بمجاديح ) بجيم ثم دال مهملة ثم حاء مهملة أيضا جمع مجدح كمنبر . قال في القاموس مجاديح السماء أنواؤها انتهى . والمراد بالأنواء النجوم التي يحصل عندها المطر عادة فشبه الاستغفار بها . واستدل عمر بالآيتين على أن الاستغفار الذي ظن الاقتصار عليه لا يكون استسقاء من أعظم الأسباب التي يحصل عندها المطر والخصب لأن الله جل جلاله قد وعد عباده بذلك وهو لا يخلف الوعد ولكن إذا كان الاستغفار واقعا من صميم القلب وتطابق عليه الظاهر والباطن وذلك مما يقل وقوعه

3 - وعن أنس رضي الله عنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه )
- متفق عليه . ولمسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استسقى فأشار بظهر كفه إلى السماء )

- قوله ( إلا في الاستسقاء ) ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء وهو معارض للأحاديث الثابتة في الرفع في غير الاستسقاء وهي كثيرة وقد أفردها البخاري بترجمة في آخر كتاب الدعوات وساق فيها عدة أحاديث وصنف المنذري في ذلك جزءا
وقال النووي في شرح مسلم وهي أكثر من أن تحصر قال وقد جمعت منها نحوا من ثلاثين حديثا من الصحيحين أو أحدهما قال وذكرتها في آخر باب صفة الصلاة في شرح المهذب انتهى
فذهب بعض أهل العلم إلى أن العمل بها أولى وحمل حديث أنس على نفي رؤيته وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفي على جهة مخصوصة أما على الرفع البليغ . ويدل عليه قوله ( حتى يرى بياض إبطيه ) ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء وكأنه عند الاستسقاء زاد على ذلك فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذتاه وحينئذ يرى بياض إبطيه
وأما على صفة رفع اليدين في ذلك كما في رواية مسلم المذكورة في الباب . ولأبي داود من حديث أنس كان يستسقي هكذا ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه . والظاهر أنه ينبغي البقاء على النفي المذكور عن أنس فلا ترفع اليد في شيء من الأدعية إلا في المواضع التي ورد فيها الرفع ويعمل فيما سواها بمقتضى النفي وتكون الأحاديث الواردة في الرفع في غير الاستسقاء أرجح من النفي المذكور في حديث أنس إما لأنها خاصة فيبنى العام على الخاص أو لأنها مثبتة وهي أولى من النفي وغاية ما في حديث أنس أنه نفي الرفع فيما يعلمه ومن علم حجة على من لم يعلم
قوله ( فأشار بظهر كفه إلى السماء ) قال في الفتح قال علماء السنة في كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلا ظهور كفيه إلى السماء وإذا دعا بحصول شيء أو تحصيله أن يجعل بطن كفيه إلى السماء وكذا قال النووي في شرح مسلم حاكيا بذلك عن جماعة من العلماء
( وقيل الحكمة ) في الإشارة بظهر الكفين في الاستسقاء دون غيره التفاؤل بتقلب الحال كما قيل في تحويل الرداء وقد أخرج أحمد من حديث السائب بن خلاد عن أبيه : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سأل جعل باطن كفيه إليه وإذا استعاذ جعل ظاهرهما إليه ) . وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال مشهور

4 - وعن أنس رضي الله عنه قال : ( جاء أعرابي يوم الجمعة فقال يا رسول الله هلكت الماشية وهلكت العيال وهلك الناس فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون قال فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا )
- مختصر من البخاري

- قوله ( جاء أعرابي ) لفظ البخاري أتى رجل أعرابي من أهل البادية وفي لفظ له جاء رجل . وفي لفظ دخل رجل المسجد يوم جمعة وسيأتي قال في الفتح لم أقف على تسمية هذا الرجل : قوله ( هلكت الماشية ) في الرواية الآتية في باب ما يقول وما يصنع هلكت الأموال وهي أعم من الماشية ولكن المراد هنا الماشية كما سيأتي . وفي رواية للبخاري ( هلكت الكراع ) بضم الكاف وهي تطلق على الخيل وغيرها . قوله ( وهلكت العيال وهلك الناس ) هو من عطف العام على الخاص . قوله ( فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) زاد مسلم في رواية شريك ( حذاء وجهه ) ولابن خزيمة ( حتى رأيت بياض إبطيه ) وزاد البخاري في رواية ذكرها في الأدب فنظر إلى السماء والحديث سيأتي بطوله وإنما ذكره المصنف ههنا للاستدلال به على مشروعية رفع اليدين عند الاستسقاء

5 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله لقد جئتك من عند قوم ما يتزود لهم راع ولا يخطر لهم فحل فصعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فحمد الله ثم قال اللهم اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا غدقا عاجلا غير رائث ثم نزل فما يأتيه أحد من وجه من الوجوه إلا قالوا قد أحيينا )
- رواه ابن ماجه

- الحديث إسناده في سنن ابن ماجه هكذا حدثنا محمد بن أبي القاسم أبو الأحوص حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا الربيع حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا حصين عن حبيب بن أبي ثابت عن ابن عباس فذكره ورجاله ثقات أخرجه أيضا أبو عوانة وسكت عنه الحافظ في التلخيص وقد رويت بعض هذه الألفاظ وبعض معانيها عن جماعة من الصحابة مرفوعة . منها عن أنس وسيأتي . وعن جابر عند أبي داود والحاكم . وعن كعب بن مرة عند الحاكم في المستدرك . وعن عبد الله بن جراد عند البيهقي وإسناده ضعيف جدا . وعن عمرو بن شعيب وسيأتي . وعن المطلب بن حنطب وسيأتي أيضا . وعن ابن عمر عند الشافعي . وعن عائشة بنت الحكم عن أبيها عند أبي عوانة بسند واه . وعن عامر بن خارجة بن سعيد عن جده عند أبي عوانة أيضا . وعن سمرة عند أبي عوانة أيضا وإسناده ضعيف . وعن عمرو بن حريث عن أبيه عند أبي عوانة أيضا . وعن أبي أمامة عند الطبراني وسنده ضعيف ( ولا يخطر لهم فحل ) بالخاء المعجمة ثم الطاء المهملة بعدها راء قال في القاموس خطر الفحل بذنبه يخطر خطرا أو خطرانا وخطيرا ضرب به يمينا وشمالا انتهى
وأراد بقوله لا يخطر لهم فحل أن مواشيهم قد بلغت لقلة المرعى إلى حد من الضعف لا تقوى معه على تحريك أذنابها . قوله ( غيثا ) الغيث المطر ويطلق على النبات تسمية له باسم سببه : قوله ( مغيثا ) بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون الياء التحتية بعدها ثاء مثلثة وهو المنقذ من الشدة : قوله ( مريئا ) بالهمزة هو المحمود العاقبة المنمى للحيوان . قوله ( مريعا ) بضم الميم وفتحها وكسر الراء وسكون الياء التحتية بعدها عين مهملة هو الذي يأتي بالريع وهو الزيادة مأخوذ من المراعة وهي الخصب . ومن فتح الميم جعله اسم مفعول أصله مريوع كمهيب ومعناه مخصب ويروى بضم الميم وسكون الراء بعدها موحدة مكسورة من قولهم أربع يربع إذا أكل الربيع ويروى بضم الميم ومثناة فوقية مكسورة من قولهم أربع المطر إذا أنبت ما ترتع فيه الماشية
قوله ( طبقا ) هو المطر العام كما في القاموس . قوله ( غدقا ) الغدق هو الماء الكثير وأغدق المطر وأغدودق كبر قطره وغيدق كثر براقه : قوله ( غير رائث ) الريث الإبطاء والرائث المبطئ . قوله ( قد أحببنا ) أي مطرنا لما كان المطر سببا للحياة عبر عن نزوله بالإحياء

6 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استسقى قال اللهم اسق عبادك وبهائمك وانشر رحمتك وأحي بلدك الميت )
- رواه أبو داود

7 - وعن المطلب بن حنطب رضي الله عنه : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول عند المطر اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق اللهم على الظراب ومنابت الشجر اللهم حوالينا ولا علينا )
- رواه الشافعي في مسنده وهو مرسل

- الحديث الأول أخرجه أبو داود متصلا ورواه مالك مرسلا ورجحه أبو حاتم والحديث الثاني هو مرسل كما قال المصنف وأكثر ألفاظه في الصحيحين وقد تقدم ما في الباب من الأحاديث . قوله ( على الظرب ) بكسر المعجمة وآخره موحدة جمع ظرب بكسر الراء وقد تسكن قيل هو الجبل المنبسط الذي ليس بالعالي وقال الجوهري الرابية الصغيرة : قوله ( اللهم حوالينا ) بفتح اللام وفيه حذف تقديره جعل أو أمطر والمراد به صرف المطر عن الأبنية والدور . قوله ( ولا علينا ) فيه بيان للمراد بقوله حوالينا لأنه يشمل الطرق التي حولهم فأراد إخراجها بقوله ولا علينا . قال الطيبي في إدخال الواو هنا معنى لطيف وذلك لأنه لو أسقطها لكان مستسقيا للأكمام وما معها فقط ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودا لعينه ولكن ليكون وقاية من أذى المطر فليست الواو محصلة للعطف ولكنها للتعليل كقولهم تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها فإن الجوع ليس مقصودا لعينه ولكن ليكون مانعا من الرضاع بأجرة إذ كانوا يكرهون ذلك أنفا انتهى
( والحديث الأول ) يدل على استحباب الدعاء بما اشتمل عليه عند الاستسقاء والحديث الثاني يدل على استحباب الدعاء بما فيه عند نزول المطر

باب تحويل الإمام والناس أرديتهم في الدعاء أو صفته ووقته

1 - عن عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين استسقى لنا أطال الدعاء وأكثر المسألة قال ثم تحول إلى القبلة وحول رداءه فقلبه ظهرا لبطن وتحول الناس معه )
- رواه أحمد . وفي رواية : ( خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوما يستسقي فحول رداءه وجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا الله عز و جل ) . رواه أحمد وأبو داود . وفي رواية : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استسقى يوما وعليه خميصة له سوداء فأراد أن يأخذ أسفلها فيجعله أعلاها فثقلت عليه فقلبها الأيمن على الأيسر والأيسر على الأيمن ) . رواه أحمد وأبو داود

- حديث عبد الله بن زيد أصله في الصحيح وله ألفاظ منها هذه الروايات التي أوردها المصنف ومنها ألفاظ أخر وقد سبق بعضها في باب صفة صلاة الاستسقاء ورجال أبي داود رجال الصحيح
قوله ( ثم تحول إلى القبلة ) في لفظ للبخاري ( ثم حول إلى الناس ظهره ) فيه استحباب استقبال القبلة حال تحويل الرداء وقد سبق بيان الحكمة في ذلك ومحل هذا التحويل بعد الفراغ من الخطبة وإرادة الدعاء كما في الفتح . قوله ( وحول رداءه ) ذكر الواقدي أن طول ردائه صلى الله عليه وآله وسلم كانت ستة أذرع في عرض ثلاثة أذرع وطول إزاره أربعة أذرع وشبر في ذراعين وشبر انتهى : وقد اختلفت الروايات ففي بعضها أنه صلى الله عليه وآله وسلم حول رداءه وفي بعضها أنه قلبه وفسر التحويل في هذه الرواية بالقلب فدل ذلك على أنهما بمعنى واحد كما قال الزين بن المنير واختلفت في حكمة التحويل فجزم المهلب أنه للتفاؤل بتحويل الحال عما هي عليه وتعقبه ابن العربي بأن من شرط الفأل أن لا يقصد إليه قال وإنما التحويل إمارة بينه وبين ربه قيل له حول رداءك لتحول حالك
قال الحافظ وتعقب بأن الذي جزم به يحتاج إلى نقل والذي رده ورد فيه حديث رجاله ثقات أخرجه الدارقطني والحاكم من طريق جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن جابر ورجح الدارقطني إرساله وعلى كل حال فهو أولى من القول بالظن
وقال بعضهم إنما حول رداءه ليكون أثبت على عاتقه عند رفع يديه في الدعاء فلا يكون سنة في كل حال وأجيب بأن التحويل من جهة إلى جهة لا يقتضي الثبوت على العاتق فالحمل على المعنى الأول أولى فإن الإتباع أولى من تركه لمجرد احتمال الخصوص انتهى
وقد اختلف في صفة التحويل فقال الشافعي ومالك هو جعل الأسفل أعلى مع التحويل وروى القرطبي عن الشافعي أنه اختار في الجديد تنكيس الرداء لا تحويله والذي في الأم هو الأول . وذهب الجمهور إلى استحباب التحويل فقط واستدل الشافعي ومالك بهمه صلى الله عليه وآله وسلم بقلب الخمصة لأنه لم يدع ذلك إلا لثقلها كما في الرواية المذكورة في الباب . قال في الفتح ولا ريب أن الذي استحبه الشافعي أحوط انتهى . وذلك لأنه اختار الجمع بين التحويل والتنكيس كما تقدم وإذا كان مذهبه ما رواه عنه القرطبي فليس بأحوط
( واستدل الجمهور ) بقوله في رواية حديث الباب فجعل عطافه الأيمن الخ وبقوله فقلبها الأيمن على الأيسر الخ . قال الغزالي في صفة التحويل أو يجعل الباطن ظاهرا وهو ظاهر قوله فقلبه ظهرا لبطن أي جعل ظاهره باطنا وباطنه ظاهرا وقال أبو حنيفة وبعض المالكية أنه لا يستحب شيء من ذلك وخالفهم الجمهور :
قوله ( وتحول الناس معه ) هكذا رواه المصنف رحمه الله تعالى ورواه غيره بلفظ ( وحول ) وفيه دليل لما ذهب إليه الجمهور من استحباب تحويل الناس بتحويل الإمام . وقال الليث وأبو يوسف يحول الإمام وحده وظاهر قوله ويحول الناس أنه يستحب ذلك للنساء . وقال ابن الماجشون لا يستحب في حقهن : قوله ( وعليه خميصة ) قال في القاموس الخميصة كساء أسود مربع له علمان انتهى

باب ما يقول وما يصنع إذا رأى المطر وما يقول إذا كثر جدا

1 - عن عائشة قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى المطر قال اللهم صيبا نافعا )
- رواه أحمد والبخاري والنسائي

2 - وعن أنس قال : ( أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطر قال فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا لم صنعت هذا قال لأنه حديث عهد بربه )
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود

- قوله ( صيبا ) بالنصب بفعل مقدر أي اجعله صيبا ونافعا صفة للصيب ليخرج الضار منه والصيب المطر قاله ابن عباس وإليه ذهب الجمهور وقال بعضهم الصيب السحاب ولعله أطلق ذلك مجازا وهو من صاب المطر يصوب إذا نزل فأصاب الأرض
( والحديث ) فيه استحباب الدعاء عند نزول المطر وقد أخرج مسلم من حديث عائشة قالت كان إذا كان يوم ريح عرف ذلك في وجهه فيقول إذا رأى المطر رحمة ) وأخرجه أبو داود والنسائي عنها بلفظ ( كان إذا رأى ناشئا من أفق السماء ترك العمل فإن كشف حمد الله فإن مطر قال اللهم صيبا نافعا ) قوله ( حسر ) أي كشف بعض ثوبه : قوله ( لأنه حديث عهد بربه ) قال العلماء أي بتكوين ربه إياه . قال النووي ومعناه أن المطر رحمة وهو قريب العهد بخلق الله تعالى لها فيتبرك بها
( وفي الحديث ) دليل أنه يستحب عند أول المطر أن يكشف بدنه ليناله المطر لذلك

3 - وعن شريك بن أبي نمر عن أنس : ( أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان نحو دار القضاء ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب فاستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائما ثم قال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يغثنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ثم قال اللهم أغثنا اللهم أغثنا قال أنس ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار قال فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت قال فلا والله ما رأينا سبتا قال ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يخطب فاستقبله قائما فقال يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله يمسكها عنا قال فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه ثم قال اللهم حوالينا ولا علينا اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر قال فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس قال شريك فسألت أنسا أهو الرجل الأول قال لا أدري )
- متفق عليه

- قوله ( أن رجلا ) في مسند أحمد ما يدل على أن هذا المبهم كعب بن مرة وفي البيهقي من طريق مرسلة ما يدل على أنه خارجة بنحصن بن حذيفة بن بدر الفزاري وزعم بعضهم أنه أبو سفيان بن حرب
قال في الفتح وفيه نظر لأنه جاء في واقعة أخرى . وقال الحافظ لم أقف على تسميته كما تقدم : قوله ( يوم جمعة ) فيه دليل على أنه إذا اتفق وقوع الاستسقاء يوم جمعة اندرجت خطبة الاستسقاء وصلاتها في الجمعة وقد بوب لذلك البخاري وذكر حديث الباب : قوله ( من باب كان نحو دار القضاء ) فسر بعضهم دار القضاء بأنها دار الإمامة قال في الفتح وليس كذلك وإنما هي دار عمر بن الخطاب وسميت دار القضاء لأنها بيعت في قضاء دينه فكان يقال لها دار قضاء دين عمر ثم طال ذلك فقيل لها دار القضاء ذكره الزبير بن بكار بسنده إلى ابن عمر . وقد قيل في تفسيرها غير ذلك : قوله ( ثم قال يا رسول الله ) هذا يدل على أن السائل كان مسلما وبه يرد على من قال أنه أبو سفيان لأنه حين سؤاله لذلك لم يكن قد أسلم : قوله ( هلكت الأموال ) المراد بالأموال هنا الماشية لا الصامت : قوله ( وانقطعت السبل ) المراد بذلك أن الإبل ضعفت لقلة القوت عن السفر لكونها لا تجد في طريقها من الكلأ ما يقيم أودها . وقيل المراد نفاذ ما عند الناس من الطعام أو قلته فلا يجدون ما يجلبونه ويحملونه إلى الأسواق : قوله ( فادع الله يغثنا ) هكذا في رواية للبخاري بالجزم وفي رواية له يغيثنا بالرفع وفي رواية له أن يغيثنا فالجزم ظاهر والرفع على الاستئناف أي فهو يغيثنا قال في الفتح وجائز أن يكون من الغوث أو من الغيث والمعروف في كلام العرب غثنا لأنه من الغوث . وقال ابن القطاع غاث الله عباده غيثا وغياثا سقاهم المطر وأغاثهم أجاب دعاءهم ويقال غاث وأغاث بمعنى
قال ابن دريد الأصل غاثه يغوثه غوثا واستعمل أغاثه ومن فتح أوله فمن الغيث ويحتمل أن يكون معنى أغثنا أعطنا غوثا وغيثا : قوله ( فرفع يديه ) فيه استحباب رفع اليد عند دعاء الاستسقاء وقد تقدم الكلام عليه : قوله ( من سحاب ) أي مجتمع : قوله ( ولا قزعة ) بفتح القاف والزاي بعدها مهملة أي سحاب متفرق
وقال ابن سيده القزع من السحاب رقاق . قال أبو عبيدة وأكثر ما يجيء في الخريف . قوله ( وما بيننا وبين سلع ) بفتح المهملة وسكون اللام جبل معروف بالمدينة وقد حكى أنه بفتح اللام . قوله ( من بيت ولا دار ) أي يحجبنا من رؤيته وأشار بذلك إلى أن السحاب كان مفقودا لا مستترا ببيت ولا غيره . قوله ( فطلعت ) أي ظهرت من وراء سلع . قوله ( مثل الترس ) أي مستديرة ولم يرد أنها مثله في القدر . وفي رواية ( فنشأت سحابة مثل رجل الطائر ) . قوله ( فلما توسطت السماء انتشرت ) هذا يشعر بأنها استمرت مستديرة حتى انتهت إلى الأفق وانبسطت حينئذ وكأن فائدته تعميم الأرض بالمطر . قوله ( ما رأينا الشمس سبتا ) هذا كناية عن استمرار الغيم الماطر وهو كذلك في الغالب وإلا فقد يستمر المطر والشمس بادية وقد تحتجب الشمس بغير مطر . وأصرح من ذلك ما وقع في رواية أخرى للبخاري بلفظ ( فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى ) والمراد بقوله سبتا أي من السبت إلى السبت قاله ابن المنير والطبري قال وفيه تجوز لأن السبت لم يكن مبتدأ ولا الثاني منتهي وإنما عبر أنس بذلك لأنه كان من الأنصار وقد كانوا جاوروا اليهود فأخذوا بكثير من اصطلاحهم وإنما سموا الأسبوع سبتا لأنه أعظم الأيام عند اليهود كما أن الجمعة عند المسلمين كذلك وفي تعبيره عن الأسبوع بالسبت مجاز مرسل والعلاقة الجزئية والكلية . وقال صاحب النهاية أراد قطعة من الزمان وكذا قال النووي . ووقع في رواية ستا أي ستة أيام . ووقع في رواية فمطرنا من جمعة إلى جمعة . قوله ( ثم دخل رجل من ذلك الباب ) ظاهره أنه غير الأول لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد وقد قال شريك في آخر هذا الحديث سألت أنسا أهو الرجل الأول فقال لا أدري وهذا يقتضي أنه لم يجزم بالتغاير
وفي رواية للبخاري عن أنس ( فقام ذلك الرجل أو غيره ) وفي رواية له عنه ( فأتى الرجل فقال يا رسول الله ) ومثلها لأبي عوانة وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدا فلعل أنسا تذكره بعد أن نسيه ويؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي عنه بلفظ ( فقال الرجل ) يعني الذي سأله يستسقي . قوله ( هلكت الأموال وانقطعت السبل ) أي بسبب غير السبب الأول والمراد أن كثرة الماء انقطع المرعى بسببها فهلكت المواشي من عدم المرعى أو لعدم ما يكنها من المطر ويدل على ذلك ما عند النسائي بلفظ من كثرة الماء . وأما انقطاع السبل فلتعذر سلوك طريق من كثرة الماء . وفي رواية عند ابن خزيمة واحتبس الركبان وفي رواية للبخاري تهدمت البيوت . وفي رواية له هدم البناء وغرق المال . قوله ( يمسكها ) يجوز ضم الكاف وسكونها والضمير يعود إلى الأمطار أو إلى السحاب أو إلى السماء . قوله ( اللهم حوالينا ولا علينا ) تقدم الكلام عليه . قوله ( على الآكام ) بكسر الهمزة وقد تفتح جمع أكمة مفتوحة الحروف جميعا قيل هي التراب المجتمع وقيل هي الحجر الواحد وبه قال الخليل . وقال الخطابي هي الهضبة الضخمة . وقيل الجبل الصغير . وقيل ما ارتفع من الأرض . قوله ( والظراب ) تقدم تفسيره وضبطه . قوله ( وبطون الأودية ) المراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به . قوله ( فانقلعت ) أي السماء أو السحابة الماطرة والمعنى أنها أمسكت عن المطر على المدينة
( وفي الحديث ) فوائد منها جواز المكالمة من الخطيب حال الخطبة وتكرار الدعاء وإدخال الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء به على المنبر وترك تحويل الرداء والاستقبال والاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء كما تقدم . وفيه علم من أعلام النبوة في إجابة الله تعالى دعاء نبيه وامتثال السحاب أمره كما وقع في كثير من الروايات وغير ذلك من الفوائد

كتاب الجنائز

- هي جمع جنازة بكسر الجيم وفتحها قال ابن قتيبة وجماعة والكسر أفصح وحكى صاحب المطالع أنه يقال بالفتح للميت وبالكسر للنعش عليه الميت ويقال عكس ذلك انتهى
والجنازة مشتقة من جنز إذا ستر قاله ابن فارس وغيره والمضارع يجنز بكسر النون قاله النووي . والجنائز بفتح الجيم لا غير قاله النووي والحافظ وغيرهما

باب عيادة المريض

1 - عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال حق المسلم على المسلم خمس رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس )
- متفق عليه

2 - وعن ثوبان قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المسلم إذا دعا أخاه المسلم لم يزل في مخرفة الجنة حتى يرجع )
- رواه أحمد ومسلم والترمذي

- قوله ( خمس ) في رواية لمسلم ( حق المسلم على المسلم ست ) وزاد ( وإذا استنصحك فانصح له ) وفي رواية للبخاري من حديث البراء ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسبع ) وذكر الخمس المذكورة في حديث الباب وزاد ( ونصر المظلوم وإبرار القسم ) والمراد بقوله ( حق المسلم ) أنه لا ينبغي تركه ويكون فعله إما واجبا أو مندوبا ندبا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه ويكون استعماله في المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه فإن الحق يستعمل في معنى الواجب كذا ذكره ابن الأعرابي وكذا يستعمل في معنى الثابت ومعنى اللازم ومعنى الصدق وغير ذلك . وقال ابن بطال المراد بالحق هنا الحرمة والصحبة . وقال الحافظ الظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية : قوله ( رد السلام ) فيه دليل على مشروعية رد السلام ونقل ابن عبد البر الإجماع على أن ابتداء السلام سنة وأن رده فرض وصفة الرد أن يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وهذه الصفة أكمل وأفضل فلو حذف الواو جاز وكان تاركا للأفضل وكذا لو اقتصر علي وعليكم السلام بالواو أو بدونها أجزاه فلو اقتصر علي وعليكم لم يجزه بلا خلاف ولو قال وعليكم بالواو ففي أجزائه وجهان لأصحاب الشافعي
وظاهر قوله ( حق المسلم ) أنه لا يرد على الكافر
وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم )
وفي الصحيحين عن أنس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم ) . وأخرج البخاري نحوه من حديث ابن عمر وقد قطع الأكثر بأنه لا يجوز ابتداؤهم بالسلام وفي الصحيحين عن أسامة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين فسلم عليهم )
وفي الصحيحين أيضا : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى )
قوله ( وعيادة المريض ) فيد دلالة على شرعية عيادة المريض وهي مشروعة بالإجماع وجزم البخاري بوجوبها فقال باب وجوب عيادة المريض قال ابن بطال يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية كإطعام الجائع وفك الأسير ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولا على الندب وجزم الداودي بالأول وقال الجمهور بالندب وقد تصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض وعن الطبري تتأكد في حق من ترجى بركته وتسن فيمن يراعي حاله وتباح فيما عدا ذلك وفي الكافر خلاف ونقل النووي الإجماع على عدم الوجوب
قال الحافظ يعني على الأعيان وعامة في كل مرض : قوله ( واتباع الجنائز ) فيه أن اتباعها مشروع وهو سنة بالإجماع واختلف في وجوبه وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى
قوله ( وإجابة الدعوة ) فيه مشروعية إجابة الدعوة وهي أعم من الوليمة وسيأتي الكلام على ذلك في كتاب الوليمة إن شاء الله تعالى . قوله ( وتشميت العاطس ) التشميت بالسين المهملة والمعجمة لغتان مشهورتان . قال الأزهري قال الليث التسميت ذكر الله تعالى على كل شيء ومنه قولك للعاطس يرحمك الله . وقال ثعلب الأصل فيه المهملة فقلبت معجمة . وقال صاحب المحكم تسميت العاطس معناه الدعاء له بالهداية إلى السمت الحسن . وفيه دليل على مشروعية تسميت العاطس وهو أن يقول له يرحمك الله
وأخرج أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله على كل حال وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك الله ويقول هو يهديكم الله ويصلح بالكم )
وأخرج البخاري عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل أخوه أو صاحبه يرحمك الله فإذا قال يرحمك الله فليقل له يهديكم الله ويصلح بالكم )
وأخرج مالك في الموطأ عن ابن عمر قال : ( إذا عطس أحدكم فقيل له يرحمك الله يقول يرحمنا الله وإياكم ويغفر لنا وإياكم )
والتشميت سنة على الكفاية ولو قال بعض الحاضرين أجزأ عن الباقين ولكن الأفضل أن يقول كل واحد لما في البخاري عن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول يرحمك الله تعالى ) وقال أهل الظاهر أنه يلزم كل واحد وبه قال ابن أبي مريم واختاره ابن العربي والتسميت إنما يكون مشروعا للعاطس إذا حمد الله كما في حديث أبي هريرة المذكور
وفي الصحيحين عن أنس قال : ( عطس رجلان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسمت أحدهما ولم يسمت الآخر فقال الذي لم يسمته فلان عطس فسمته وعطست فلم تسمتني فقال هذا حمد الله وأنت لم تحمد الله )
وفي صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه فإن لم يحمد الله فلا تشمتوه ) . وإذا تكرر العطاس فهل يشرع تكرير التسميت أو لا فيه خلاف
وقد أخرج ابن السني بإسناد فيه من لم يتحقق حاله عن أبي هريرة قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا عطس أحدكم فليسمته جليسه وإن زاد على ثلاث فهو مزكوم ولا يسمت بعد ثلاث )
وفي مسلم عن سلمة بن الأكوع : ( أنه قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الثانية إنك مزكوم ) . وأخرج أبو داود والترمذي من حديث سلمة أنه قال له في الثالثة يرحمك الله هذا رجل مزكوم
وأخرج أبو داود والترمذي أيضا عن عبيد بن رفاعة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسميت العاطس ثلاثا فإن زاد فإن شئت سمته وإن شئت فلا ) . ولكنه حديث ضعيف قال الترمذي إسناده مجهول
قال ابن العربي ومعنى قوله إنك مزكوم أي إنك لست ممن يسمت بعد هذا لأن هذا الذي بك زكام ومرض لا خفة العطاس ولكنه يدعى له بدعاء المسلم للمسلم بالعافية والسلامة ولا يكون من باب التسميت
والسنة للعاطس أن يضع ثوبه أو يده على فيه عند العطاس لما أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا عطس وضع ثوبا أو يده على فيه وخفض أو غض بها صوته ) . وحسنه الترمذي
ويكره رفع الصوت بالعطاس لما أخرجه ابن السني عن عبد الله بن الزبير قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله عز و جل يكره رفع الصوت بالتثاؤب والعطاس )
وأخرج أيضا عن أم سلمة قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول التثاؤب الرفيع والعطسة الشديدة من الشيطان )
قوله ( لم يزل في مخرفة الجنة ) بالخاء المعجمة على زنة مرحلة وهي البستان ويطلق على الطريق اللاحب أي الواضح . ولفظ الترمذي ( لم يزل في خرفة الجنة ) والخرف بالضم المخترف والمجتني أفاده صاحب القاموس

3 - وعن علي رضي الله عنه قال ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا عاد المسلم أخاه مشى في خرافة الجنة حتى يجلس فإذا جلس غمرته الرحمة فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ملك حتى يمسى وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح )
- رواه أحمد وابن ماجه . وللترمذي وأبي داود نحوه

4 - وعن أنس قال ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يعود مريضا إلا بعد ثلاث )
- رواه ابن ماجه

5 - وعن زيد ابن أرقم قال ( عادني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجع كان بعيني )
- رواه أحمد وأبو داود

- حديث علي قال أبو داود أنه أسند عن علي من غير وجه صحيح وقال الترمذي أنه حسن غريب . وقال أبو بكر البزلر هذا الحديث رواه أبو معاوية عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى . ورواه شعبة عن الحكم عن عبد الله عن نافع وهذا اللفظ لا يعلم رواه الأعلى . وقد رويعن علي من غير وجه وحديث أنس في إسناده مسلم بن علي وهو متروك وحديث زيد بن ارقم سكت عنه أبو داود والمنذري وأخرجه أيضا البخاري في الأدب المفرد وصححه الحاكم ( وفي الباب ) عن أبي موسى عند البخاري قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عودوا المريض وأطعموا الجائع وفكوا العاني ) وعن جابر عند البخاري وأبي داود قال ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعودني ليس براكب بغل ولا برذون ) وعن أنس غير حديث الباب عند أبي داود قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من توضأ فأحسن الوضوء وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنم مسير سبعين خريفا ) وفي إسناده الفضل بن دلهم . قال يحيى بن معين ضعيف الحديث وقال أحمد لا يحتفظ . وقال مرة ليس به باس . وقال ابن حبان كان ممن يخطئ فلا يفحش خطؤه حتى يبطل الاحتجاج به ولا أقتفي أثر العدول فيسلك به سنتهم فهو غير محتج به إذا انفرد . وعن عائشة عند البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي قال ( لما أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب ) وعن عائشة بنت سعد عن أبيها قال ( اشتكيت فجاءني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعودني ووضع يده على جبهتي ثم مسح صدري وبطني ثم قال اللهم اشف سعدا وأتمم له هجرته ) أخرجه البخاري وأبو داود . وعن البراء أشار إليه الترمذي . وعن أبي هريرة عند الترمذي وابن ماجه بلفظ ( من عاد مريضا نادي منادمن السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا ) : قوله ( من خرافة ) بزنة كناسة المخترف والمجتني كذا قال في القاموس قال في الفتح خرفة بضم المعجمة وسكون الراء بعدها فاء هي الثمرة وقيل المراد بها هنا الطريق . والمعنى أن العائد يمشي في طريق يؤديه إلى الجنة والتفسير الأول أولى فقد أخرجه البخاري في الأدب من هذا الوجه وفيه قلت لأبي قلابة ما خرفة الجنة قال جناها وهو عند مسلم من جملة المرفوع : قوله ( إلا بعد ثلاث ) يدل على أن زيارة المريض إنما تشرع بعد مضي ثلاثة أيام من ابتداء مرضه فتقيد به مطلقات الأحاديث الواردة في الزيارة ولكنه غير صحيح ولا حسن كما عرفت فلا يصح لذلك . قوله ( من وجع كان بعيني ) فيه أن وجع العين من الأمراض التي تشرع لها الزيارة فيرد بالحديث على من لم يقل باستحباب زيارة من كان مرضه الرمد ونحوه من الأمراض الخفيفة : ( وأحاديث ) الباب تدل على تأكد مشروعية زيارة المريض وقد تقدم الخلاف في حمكها ويستحب الدعاء للمريض وقد ورد في صفته أحاديث منها حديث عائشة بنت سعد المتقدم . ومنها حديث ابن عباس عند أبي داود والنسائي والترمذي وحسنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ( من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض ) وفي إسناده يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد المعروف بالدالاتي وقد وثقه أبو حاتم وتكلم في غير واحد . ومنها حديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود قال ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا جاء الرجل يعود مريضا فليقل اللهم اشف عبدك ينكا لك عدوا أو يمشي لك إلى جنازة )

باب من كان آخر قوله لا إله إلا الله وتلقين المحتضر وتوجيهه وتغميضه الميت والقراءة عنده

1 - عن معاذ قال ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من كان آخر قوله لا إله إلا الله دخل الجنة )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم وفي إسناده صالح ابن أبي غريب . قال ابن القطان لا يعرف واعل الحديث به وتعقب بأنه روى عنه جماعة وذكره ابن حبان في الثقات وقد عزا هذا الحديث ابن معن إلى الصحيحين فغلط فإنه ليس فيهما والذي فيهما لك يقيد بالموت ولكنه روى مسلم من حديث عثمان ( من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة ) وفي الباب عن أبي سعيد وأبي هريرة عند الطبراني بلفظ ( من قال عند موته لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله لا تطعمه النار أبدا ) وفي إسناده جابر بن يحيى الحضرميز وأخرج النسائي نحوه عن أبي هريرة وحده وأخرج مسلم من حديث أبي ذر قال ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ) وأخرج الحاكم عن عمر مرفوعا ( أني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم على النار لا إله إلا الله ) وفي الباب أيضا عن طلحة وعبادة وعمر عند أبي نعيم في الحلية . وعن ابن مسعود عند الخطيب مثل حديث الباب . وعن حذيفة عنده أيضا بنحوه . وعن جابر وابن عمر عند الدارقطني في العلل بنحوه أيضا ( والحديث ) يه دليل على نجاة من كان آخر قوله لا إله إلا الله من النار واستحقاقه لدخول الجنة وقد وردت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما عن الجماعة من الصحابة أن مجرد قوله لا إله إلا الله من موجبات دخول الجنة من غير تقييد بحال الموت فبالأولى أن توجب ذلك إذا قالها في وقت لا تتعقبه معصية

2 - وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( قال لقنوا موتاكم لا إله إلا الله )
- رواه الجماعة إلا البخاري

- وفي الباب عن أبي هريرة عند مسلم بمثل حديث أبي سعيد ورواه ابن حبان عنه وزاد ( فإنه من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر وان أصابه ما أصابه قبل ذلك ) وعنه أيضا حديث آخر بلفظ ( إذا ثقلب مرضاكم فلا تملوهم قول لا إله إلا الله ولكن لقنوهم فإنه لم يختم به لمنافق قط ) وفي إسناده محمد بن الفضل ابن عطية وهو متروك . وعن عائشة عن النسائي بنحو حديث الباب . وعن عبد الله ابن جعفر عند ابن ماجه وزاد ( الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين ) وعن جابر عند الطبراني في الدعاء والعقيلي في الضعفاء وفيه عبد الله بن مجاهد وهو متروك
وعن عروة بن مسعوج الثقفي عند العقيلي بإسناد ضعيف . وعن حذيفة عند ابن أبي الدنيا وزاد . ( فإنها تهدم ما قبلها من الخطايا ) وعن ابن عباس عند الطبراني . وعن ابن مسعود عنده أيضا . وعن عطاء بن السائب عن أبيه عن جده عنده أيضا . قال العقيلي روى في الباب أحاديث صحاح عن غير واحد من الصحابة . وروى فيه أيضا عن عمر وعثمان وابن مسعود وأنس وغيرهم هكذا في التلخيص قوله ( لقنوا موتاكم ) قال النووي أي من حضره الموت والمراد ذكر لا إله إلا الله لتكون آخر كلامه كما في الحديث ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) والأمر بهذا التلقين أمر ندب وأجمع العلماء على هذا التلقين وكرهوا الأكثار عليه والموالاة لئلا يضجره لضيق حاله وشدة كربه فيكره ذلك بقلبه أو يتكلم بكلام لا يليق قالوا وإذا قاله مرة لا يكرر عليه إلا أن يتكلم بعده بكلام آخر فيعاد التعريض له به ليكون آخر كلامه . ويتضمن الحديث الحضور عند المحتضر لتذكيره وتأنيسه واغماض عينيه والقيام بحقوقه وهذا مجمع عليه اه كلام النووي ولكنه ينبغي أن ينظر ما القرينة الصارفة للأمر عن الوجوب

3 - وعن عبيد بن عمير عن أبيه وكانت له صحبة ( أن رجلا قال يا رسول الله ما الكبائر قال هي سبع فذكر منا واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا )
- رواه أبو داود

- الحديث أخرجه أيضا النسائي والحاكم ولفظه عند أبي داود والنسائي ( ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وقد سأله رجل عن الكبائر فقال هن تسع الشرك والسحر وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات وعقوق الوالدين واستحلال البيت ) الحديث ( وفي الباب ) عن ابن عمر عند البغوي في الجعديات بنحو حديث الباب ومداره على أيوب بن عتبة وهو ضعيف وقد اختلف عليه فيه . قوله ( قال هي سبع ) بتقديم السين هكذا وقع في نسخ الكتاب الصحيحة التي وقفنا عليها والصواب تسع بتقديم التاء الفوقية ( والحديث ) استدل به على مشروعية توجيه المحتضر إلى القبلة لقوله واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا . وفي الاستدلال به على ذلك نظر لأن المراد بقوله أحياء عند الصلاة وامواتا في اللحد والمحتضر حي غير مصل فلا يتناوله الحديث والإلزام وجوب التوجه إلى القبلة على كل حي وعدم اختصاصه بحال الصلاة وهو خلاف الإجماع . والأولى الاستدلال لمشروعية التوجيه بما رواه الحاكم والبيهقي عن أبي قتادة ( أن البراء بن معرور أوصى أن يوجه للقبلة إذا احتضر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصاب الفطرة ) وقد ذكر هذا الحديث في التلخيص وسكت عنه . وقد اختلف في صفة التوجيه إلى القبلة فقال الهادي والناصر والشافعي في أحد قوليه أنه يوجه مستلقيا ليستقبلها بكل وجهه . وقال المؤيد بالله وأبو حنيفة والامام يحيى والشافعي في أحد قوليه أنه يوجه على جنبه الأيمن وروى عن الأمام يحيى أنه قال الأمران جائزان والأولى أن يوجه على جنبه الأيمن لما أخرجه ابن عدي في الكامل ولم يضعفه من حديث البراء بلفظ ( إذا أخذ أحدكم مضجعه فليتوسد يمينه ) الحديث . أخرجه البيهقي في الدعوات بإسناد قال الحافظ حسن . وأصل الحديث في الصحيحين بلفظ ( إذا أويت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن وقل اللهم أني سلمت نفسي إليك ) وآخره ( فان مت من ليلتك فأنت على الفطرة ) وفي الباب عن عبد الهل ابن زيد عند النسائي والترمذي وأحمد بلفظ ( كان إذا نام وضع يده اليمنى تحت خده ) وعن ابن مسعود عند النسائي والتزمذي وابن ماجه . وعن حفصة عند أبي داود . وعن سلمى أم أبي رافع عند أحمد في المسند بلفظ ( أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها ) وعن حذيفة عند الترمذي . وعن أبي قتادة عند الحاكم والبيهقي بلفظ ( كان إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه ) وأصله في مسل . ووجه الاستدلال بأحاديث توسد اليمين عند النوم على استحباب أن يكون المحتضر عند الموت كذلك أن النوم مظنة للموت وللإشارة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( فإن مت من ليلتك فأنت على الفطرة ) بعد قوله ( ثم اضطجع على شقك الأيمن ) فإنه يظهر منها أنه ينبغي أن يكون المحتضر على تلك الهيئة

4 - وعن شداد بن أوس قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حضر موتاكم فأغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح وقولوا خيرا فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت )
- رواه أحمد وابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم والطبراني في الأوسط والبزار وفي إسناده قزعة ابن سويد قال في التقريب قزعة بفتح القاف والزاي والعين قال في الخلاصة قال أبو حاتم محله الصدق ليس بذاك القوي . وفي الباب عن أم سلمة قالت ( دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال ان الروح إذا قبض تبعه البصر ) أخرجه مسلم : قوله ( فان البصر يتبع الروح ) قال النووي معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر ناظرا اين يذهب قال وفي الروح لغتان التذكير والتأنيث قال وفيه دليل لمذهب أصحابنا التكلمين ومن وافقهم أن الروح أجسام لطيفة متخللة في البدن وتذهب الحياة عن الجسد بذهابها وليس عرضا كما قاله آخرون ولا دما كما قاله آخرون وفيها كلام متشعب للمتكلمين اه . قوله ( وقولوا خيرا ) الخ هذا في صحيح مسلم من حديث أم سلمة بلفظ ( لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ) والحديث فيه الندب إلى قول الخير حينئذ من الدعاء والاستغفار له وطلب اللطف به والتخفيف عنه ونحوه وحضور الملائكة حينئذ وتأمينهم . وفيه أن تغميض الميت عند موته مشروع . قال النووي وأجمع المسلمون على ذلك قالوا والحكمة في أن لا يقبح منظره لو ترك أغماضه

5 - وعن معقل بن يسار قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اقرؤا يس على موتاكم )
- رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد ولفظه ( يس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار والآخرة إلا غفر له وأقرؤها على موتاكم )

- الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن حبان وصححه وأعله ابن القطان بالاضطراب وبالوقف وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه المذكورين في السند . وقال الدارقطني هذا حديث ضعيف الإسناد مجهول المتن ولا يصح في الباب حديث قال أحمد في مسنده حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان قال كانت المشيخة يقولون إذا قرئت يعني يس لميت خفف عنه بها وأسنده صاحب مسند الفردوس من طريق مروان بن سالم عن صفوان بن عمر وعن شريح عن أبي الدرداء وأبي ذر قالا ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه ) وفي الباب عن أبي ذر وحده أخرجه أبو الشيخ في فضل القرآن هكذا في التلخيص . قال ابن حبان في صحيحه قوله ( اقراؤا على موتاكم يس ) أراد به من حضرته المنية لا أن الميت يقرأ عليه وكذلك ( لقينوا موتاكم لا إله إلا الله ) ورده المحب الطبري في القراءة وسلم له في التلقين اه واللفظ نص في الأموات وتناوله للحي المحتضر مجاز فلا يصال إليه إلا لقرينة

باب المبادرة إلى تجهيز الميت وقضاء دينه

1 - عن الحصين بن وحوح ( ان طلحة بن البراء مرض فاتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده انى لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت فاذنوني به وعجلوا فانه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله )
- رواه أبو داود

- الحديث سكت عنه أبو داود وقال المنذري قال أبو القاسم البغوي ولا أعلم روى هذا الحديث غير سعيد بن عثمام البلوي وهو غريب اه وقد وثق سعيد المذكور ابن حبان ولكن في إسناد هذا الحديث عروة ابن سعيد الأنصاري ويقال عزرة عن أبيه وهو وأبوه مجهولان ( وفي الباب ) عن علي ( أن رسول الله قال ثلاث يا علي لا يؤخرن الصلاة إذا آنت والجنازة إذا حضرت والأيم لا تؤخرها مكان قوله لا يؤخرهن وقال هذا حديث غريب وما أرى إسناده بمتصل وأخرجه أيضا ابن ماجه والحاكم وابن حبان واعلال الترمذي له بعدم الأتصال لأنه من طريق عمر بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب قيل ولم يسمع منه وقد قال أبو حاتم أنه سمع منه فاتصل إسناده وقد أعله الترمذي أيضا بجهالة سعيد بن عبد الله الجهني ولكنه عده ابن حبان في الثقات . قوله ( عن الحصين بن وحوح ) هو أنصاري وله صحبة ووحوح بفتح الواو وسكون الحاء المهملة وبعدها واو مفتوحة وحاء مهملة أيضا . وطلحة بن البراء أنصاري له صحبة ( والحديث ) يدل على مشروعية التعجيل بالميت والإسراع في تجهيزه وتشهد له أحاديث الإسراع بالجنازة وستأتي

2 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( قال نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه )
- رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن

- الحديث رجال إسناده ثقات إلاعمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهو صدوق يخطيء . فيه الحث للورثة على قضاء دين الميت والاخبار لهم بان نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه وهذا مقيد بمن له مال يقضى منه دينه وأما من لامال له ومات عازما على القضاء فقد ورد في الأحاديث ما يدل على أن الله تعالى يقضي عنه بل ثبت أن مجرد محبة المديون عند موته للقضاء موجبة لتولي الله سبحانه لقضاء دينه وإن كان له مال ولم يقض منه الورثة أخرجه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعا ( من دان بدين في نفسه وفاؤه تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء ومن دان بدين وليس في نفسه وفاؤه ومات اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة ) وأخرج أيضا من حديث ابن عمر ( الدين دينان فمن مات وهو ينوي قضاؤه فانا وليه ومن مات ولا ينوي قضاءه فذلك الذي يؤخذ من حسناته ليس يومئذ دينار ولا درهم ) وأخرج أيضا من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر ( يؤتى بصاحب الدين يوم القيامة فيقول الله فيم أتلفت أموال الناس فيقول يارب إنك تعلم أنه أتى على اما حرق وأما عرق فيقول فأني سأقضي عنك اليوم فيقضى عنه ) وأخرج أحمد وأبو نعيم في الحلية والبزار والطبراني بلفظ ( يدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله عز و جل فيقول يا بن آدم فيم أخذت هذا الدين وفيم ضيعت حقوق الناس فيقول يا رب إنك تعلم اني أخذته فلم أكل ولم أشرب ولم أضيع ولكن أتي على يدي أما حرق وأما سرق وأما وضيعة فيقول الله صدق عبدي وأنا أحق منه قضي عنك فيدعو الله بشيء فيضعه في كفة ميزانه فترجح حسناته على سيئاته فيدخل الجنة بفضل رحمته ) وأخرج البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد أتلافها أتلفه الله ) وأخرج ابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث ميمونة ( ما من مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداؤه إلا أدى الله عنه في الدنيا والأخرى ) وأخرج الحاكم بلفظ ( من تداين بدين في نفسه وفاؤه ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء ) وقد ورد أيضا ما يدل على أن من مات من المسلمين مديونا فدينه على من إليه ولاية أمور المسلمين يقضيه عنه من بيت مالهم وإن كان له مال كان لورثته أخرج البخاري من حديث أبي هريرة ( ما من مؤمن إلا وأنا أولى في الدنيا والأخرة أقرؤها إن شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا ومن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه ) وأخرج نحوه أحمد وأبو داود والنسائي وأخرج أحمد وأبو يعلى من حديث أنس ( من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا فعلى الله وعلى رسوله ) وأخرج ابن ماجه من حديث عائشة ( من حمل من أمتي دينا فجهد في قضائه فمات قبل أن يقضيه فأنا وليه ) وأخرج ابن سعد من حديث جابر يرفعه ) أحسن الهدى هدى محمد وأشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة من مات فترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي ) وأخرج أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه في حديث آخر ( من ترك مالا فلأهله ومن ترك دينا أو ضياعا فإلي وعلي وأنا أولى بالمؤمنين ) وفي معنى ذلك عدة أحاديث ثبتت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قالها بعد أن كان يمتنع من الصلاة على المديون فلما فتح الله عليه البلاد وكثرت الأموال صلى على من مات مديونا وقضى عنه وذلك مشعربأن من مات مديونا استحق أن يقضى عنه دينه من بيت مال المسلمين وهو أحد المصارف الثمانية فلا يسقط حقه بالموت ودعوى من إدعى اختصاصه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك ساقطة وقياس الدلالة ينفي هذه الدعوى في مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرثه ) أخرجه أحمد وابن ماجه وسعيد بن منصور والبيهقي وهم لا يقولون أن ميراث من لا وارث له مختص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد أخرج الطبراني من حديث سلمان ما يدل على انتفاء هذه الخصوصية المدعاة ولفظه ( من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا فعلى وعلى الولاة من بعدي من بيت المال )

باب تسجية الميت والرخصة في تقبيله

1 - عن عائشة ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين توفى سجى ببرد حبرة )
- متفق عليه

2 - وعن عائشة ( أن أبا بكر دخل فبصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو مسجي ببرده فكشف عن وجهه وأكب عليه فقبله )
- رواه أحمد والبخاري والنسائي

3 - وعن عائشة وابن عباس ( أن أبا بكر قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد موته )
- رواه البخاري والنسائي وابن ماجه

4 - وعن عائشة ( قالت قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت حتى رأيت الدموع تسيل على وجهه )
- رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه

- حديث عائشة الرابع في إسناده عاصم بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب وهو ضعيف . قوله ( سجى ) بضم السين وبعدها جيم مشددة مكسورة أي غطى . قوله ( حبرة ) بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة بعدها بعدها راء مهملة وهي ثوب فيه أعلام وهي ضرب من برود اليمن وفيه استحباب تسجية الميت قال النووي وهو مجمع عليه وحكمته صيانته من الإنكشاف وستر عورته المتغيرة عن الأعين . قال أصحاب الشافعي ويلف طرف الثوب المسجى به تحت رأسه وطرفه الآخر تحت رجليه لئلا ينكشف منه قال وتكون التسجية بعد نزع ثيابه التي توفى فيها لئلا يتغير بدنه بسببها . قوله ( فقبله ) فيه جواز تقبيل الميت تعظيما وتبركا لأنه لم ينقل أنه أنكر أحد من الصحابة على أبي بكر فكان إجماعا . قوله ( قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عثمان ) فيه دلالة على جواز تقبيل الميت كما تقدم . قوله ( حتى رأيت الدموع ) الخ فيه جواز البكاء على الميت وسيأتي تحقيقه

أبواب غسل الميت

باب من يليه ورفقه به وستره عليه

1 - عن عائشة قالت ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غسل ميتا فأدى فيه الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه وقال ليله أقربكم إن كان يعلم فإن لم يكن يعلم فمن ترون عنده حظا من ورع وأمانة )
- رواه أحمد

2 - وعن عائشة ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن كسر عظم الميت مثل كسر عظمه حيا )
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

3 - وعن ابن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة )
- متفق عليه

4 - عن أبي بن كعب ( أن آدم عليه السلام قبضته الملائكة وغسلوه وكفنوه وحنطوه وحفروا له وألحدوا وصلوا عليه ثم دخلوا قبره فوضعوه في قبره ووضعوا عليه اللبن ثم خرجوا من القبر ثم حثوا عليه التراب ثم قالوا يا بني آدم هذه سنتكم )
- رواه عبد الله بن أحمد في المسند

- حديث عائشة الأول أخرجه الطبراني في الأوسط وفي إسناده جابر الجعفي وفيه كلام كثير وحديث عائشة الثاني رجاله رجال الصحيح على كلام في سعد بن سعيد الأنصاري . وحديث أبي بن كعب أخرجه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه : قوله ( فأدى فيه الأمانه ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك ) المراد بتأدية الأمانة ولم يفش عليه ما يكون منه عند ذلك ( المراد بتأدية الأمانة ) إما كتم ما يرى منه مما يكرهه الناس ويكون قوله ولم يفش عطفا تفسيرا أو يكون المراد بتأدية الأمانة أن يغسل الغسل الذي وردت به الشريعة لأن العلم عند حامله أمانة واستعماله في مواضعه من تأديتها : قوله ( ليله أقربكم ) فيه أن الأحق بغسل الميت من الناس الأقرب إلى الميت بشط أن يكون عالما بما يحتاج إليه من العلم وقد قال بتقديم القريب على غيره الإمام يحيى : قوله ( فمن ترون عنده خطأ من ورع وأمانة ) فيه دليل لما ذهبت إليه الهادوية من اشتراط العدالة في الغاسل وخالفهم الجمهور فإن صح هذا الحديث فذاك وإلا فالظاهر عدم اختصاص هذه القربة بمن ليس فاسقا لأنه مكلف بالتكاليف الشرعية وغسل الميت من جملتها والألزم عدم صحة كل تكليف شرعي منه هو خلاف الإجماع ودعوى صحة بعضها دون بعض بغير دليل تحكم . وقد حكى المهدي في البحر الإجماع على أن غسل الميت واجب على الكفاية . وكذلك حكى الإجماع النووي وناقش دعوى الإجماع صاحب ضوء النهار مناقشة واهية حاصلها أنه لا مستند له إلا أحاديث الفعل وهي لا تفيد الوجوب وأحاديث الأمر بغسل الذي وقصته ناقته والأمر بغسل ابنته صلى الله عليه وآله وسلم والأمر مختلف في كونه للوجوب أو للندب ورد كلامه بأنه إن ثبت الإجماع على الوجوب فلا يضر جهل المستند ويراد أيضا بأن الاختلاف في كون الأمر للوجوب لا يستلزم الاختلاف في كل مأمور به لأنه ربما شهدت لبعض الأوامر قرائن يستفاد منها وجوبه وهذا مما لا يخالف فيه القائل بأن الأمر ليس للوجوب لأن محل الخلاف الأمر المجرد كما تقرر في الأصول نعم قال في الفتح وقد نقل النووي الإجماع على أن غسل الميت فرض كفاية وهو ذهول شديد فإن الخلاف مشهور جدا عند المالكية على أن القرطبي رجح في شرح مسلم أنه سنة ولكن الجمهور على وجوبه وقد رد ابن العربي على من لم يقم بذلك وقال قد توارد به القول والعمل انتهى . وهكذا فليكن التعقب لدعوى الإجماع : قوله ( إن كسر عظم الميت ) الخ فيه دليل على وجوب الرفق بالميت في غسله وتكفينه وحمله وغير ذلك لأن تشبيه كسر عظمه بكسر عظم الحي إن كان في الإثم فلا شك في التحريم وإن كان في التألم فكما يحرم تأليم الحي يحرم تأليم الميت وقد زاد ابن ماجه من حديث أم سلمة لفظ ( في الإثم ) فيتعين الاحتمال الأول : قوله ( من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) فيه الترغيب في ستر عورات المسلم وظاهره عدم الفرق بين الحي والميت فيدخل في عمومه ستر ما يراه الغاسل ونحوه من الميت وكراهة إفشائه والتحدث به وأيضا قد صح الغيبة هي ذكرك لأخيك بما يكره ولا فرق بين الأخ الحي والميت ولا شك أن الميت يكره أن يذكر من عيوبه التي تظهر حال موته فيكون على هذا ذكرها محرما وسيأتي بقية الكلام على هذا في باب الكف عن ذكر مساوى الأموات . قوله ( وعن أبي بن كعب أن آدم ) الخ سيأتي الكلام في تفاصيل ما أشتمل عليه حديث أبي بن كعب هذا في أبوابه من هذا الكتاب

باب ما جاء في غسل أحد الزوجين للآخر

1 - عن عائشة قالت ( رجع إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعا في رأسي وأقول وا رأساه فقال بل أنا وارأساه ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ثم صليت عليك ودفنتك )
- رواه أحمد وابن ماجه

2 - وعن عائشة أنها كانت تقول ( لو أستقبلت من الأمر ما أستدبرت ما غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا نساؤه )
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه . وقد ذكرنا أن الصديق أوصى أسماء زوجته أن تغسله فغسلته

- حديث عائشة الأول أخرجه أيضا الدارمي وابن حبان والدارقطني والبيهقي وفي إسناده محمد بن إسحاق وبه أعله البيهقي قال الحافظ ولم ينفرد به بل تابعه عليه صالح بن كيسان عند احمد والنسائي . وأما ابن الجوزي لم يقل غسلتك إلا ابن إسحاق وأصل الحديث عند البخاري بلفظ ( ذاك لو كان وأنا حي فاستفغر لك وأدعو لك ) وأثرها الثاني سكت عنه أبو داود المنذري ورجاله ثقات إلا ابن إسحاق وقد عنعن . وغسل أسماء لأبي بكر الذي أشار إليه المصنف قد تقدم في باب الغسل من غسل الميت من أبواب الغسل وليس فيه إن ذلك كان بوصية من أبي بكر : قوله ( فغسلتك ) فيه دليل على أن المرأة يغسلها زوجها إذا ماتت وهي تغسله قياسا وبغسل أسماء لأبي بكر كما تقدم وعلي لفاطمة كما أخرجه الشافعي والدارقطني وأبو نعيم والبيهقي بإسناد حسن ولم يقع من سائر الصحابة إنكار على علي وأسماء فكان إجماعا . وقد ذهب إلى ذلك العترة الشافعية والأوزاعي وإسحاق والجمهور . وقال أحمد لا تغسله لبطلان النكاح ويجوز العكس عند كالجمهور . وقال أبو حنيفة وأصحابه والشعبي والثوري لا يجوز أن يغسلها لمثل ما ذكر أحمد ويجوز العكس عندهم كالجمهور قالوا لأنه لا عدة عليه بخلافها . ويجاب عن المذهبين الآخرين بأنه إذا سلم ارتفاع حل الاستمتاع بالموت وأنه العلة في جواز نظر الفرج فغايته تحريم نظر الفرج فيجب ستره عند غسل أحدهما للآخر وقد قيل إن النظر إلى الفرج وغيره لازم من لوازم العقد فلا يرتفع بارتفاع جواز الاستمتاع المرتفع بالموت والأصل بقاء حل النظر على ما كان عليه قبل الموت : قوله ( لو استقبلت من الأمر ) الخ قيل فيه أيضا متمسك لمذهب الجمهور ولكنه لا يدل على عدم جواز غسل الجنس لجنسه مع وجود الزوجة ولا على أنها أولى من الرجال لأنه قول صحابية ولا حجة فيه وقد تولى غسله صلى الله عليه وآله وسلم علي والفضل بن العباس وأسامة بن زيد يناول الماء والعباس واقف . قال ابن دحية لم يختلف في أن الذين غسلوه صلى الله عليه وآله وسلم علي والفضل واختلف في العباس وأسامة وقثم وشقران انتهى . وقد استوفى صاحب التلخيص الطرق في ذلك ولم ينقل إلينا أن أحدا من الصحابة أنكر ذلك فكان إجماعا منهم . وروى البزار من طريق يزيد بن بلال قال قال علي ( أوصى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يغسله أحد غيري ) وروى ابن المنذر عن أبي بكر أنه أمرهم أن يغسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنو أبيه وخرج من عندهم

باب ترك غسل الشهيد وما جاء فيه إذا كان جنبا

1 - عن جابر قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجمع بين الرجلين من قتلي أحد في الثواب الواحد ثم يقول أيهم أكثر أخذا للقرآن فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم )
- رواه البخاري والنسائي وابن ماجه والترمذي وصححه . ولأحمد ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في قتل أحد لا تغسلوهم فإن كان جرح أو دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصل عليهم )

- قول ( يجمع بين الرجلين ) الخ فيه جواز جمع الرجلين في كفن واحد عند الحاجة إلى ذلك والظاهر أنه كان يجمعها في ثوب واحد . وقيل كان يقطع الثوب بينهما نصفين . وقيل المراد بالثوب القبر مجازا ويرده ما وقع في رواية عن جابر فكفن أبي وعمي في نمرة وأحدة . وقد ترجم البخاري على هذا الحديث باب دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد وأورده مختصرا بلفظ ( كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ) وليس فيه تصريح بالدفن . قال ابن رشيد أنه جرى علي عادته من الإشارة إلى ما ليس على شرطه أو اكتفى بالقياس يعني على جمعهم في ثوب واحد انتهى . ولا يخفى أن قوله في هذا الحديث قدمه في اللحد يدل على الجمع بين الرجلين فصاعدا في الدفن . وقد أورد الحديث البخاري باللفظ الذي ذكره المصنف في باب الصلاة على الشهيد فلعل البخاري أشار بما أورده مختصرا إلى هذا لا إلى ما ليس على شرطه ولا سيما مع إتصال باب دفن الرجلين والثلاثة بباب الصلاة على الشهيد بلا فاصل وقد ثبت عن عبد الرزاق بلفظ ( وكان يدفن الرجلين والثلاثة في القبر الواحد ) وورد ذكره الثلاثة أيضا في هذه القصة عند الترمذي وغيره . وروى أصحاب السنن من حديث هشام بن عامر الأنصاري ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الأنصار أن يجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر ) وصححه الترمذي قال في الفتح ويؤخذ من هذا جواز دفن المرأتين في قبر واحد وأما دفن الرجل من المرأة فروى عبد الرزاق بإسناد حسن عن وائلة بن الأسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد فيقدم الرجل ويجعل المرأة وراءه وكأنه كان يجعل بينهما حاجزا لا سيما إذا كانا أجنبيين : قوله ( أيهم أكثر أخذ للقرآن ) فيه استحباب تقديم من كان أكثر قرآنا ومثله سائر أنواع الفضائل قياسا . قوله ( ولم يغسلوا ) فيه دليل على أن الشهيد لا يغسل وبه قال الأكثر وسيأتي الكلام في بيان ماهية الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله في الصلاة على الشهيد . وقال سعيد بن المسيب والحسن البصري حكاه عنهما ابن المنذر وابن أبي شيبة أنه يغسل وبه قال ابن سريج من الشافعية والحق ما قاله الأولون والاعتذار عن حديث الباب بأتن الترك إنما كان لكثرة القتلى وضيق الحال مردود بعلة الترك المنصوصة كما في رواية أحمد والحاكم وأبي داود والترمذي وقال غريب وغلط بعض المتأرخين فقال وحسنه ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على قتلى أحد ولم يغسلهم ) وعن جابر حديث آخر غير حديث الباب عند أبي داود قال ( رمى رجل بسهم في صدره أو في حلقه فمات فأدرج في ثيابه كما هو ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) وإسناده على شرط مسلم . وعن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجه قال ( أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم ) وفي إسناده علي بن عاصم الواسطي وقد تكلم فيه جماعة وعطاء بن السائب وفيه مقال ( وفي الباب ) أيضا عن رجل من الصحابة وسيأتي وقد اختلف في الشهيد إذا كان جنبا أو حائضا وسيأتي الكلام على ذلك وأما سائر من يطلق عليه اسم شهيد كالطعين والمبطون والنفساء ونحوهم فيغسلون إجماعا كما في البحر : قوله ( ولم يصل عليهم ) قال في التلخيص وهو بفتح اللام وعليه المعنى قال النووي ويجوز أن يكون بكسرها ولا يفسد لكنه لا يبقى فيه دليل على ترك الصلاة عليهم مطلقا لأنه من قوله ( لم يصل عليهم أن لا يأمر غيره بالصلاة عليهم ) انتهى . وسيأتي الكلام في الصلاة على الشهيد

2 - وروى محمد بن إسحاق في المغازي بإسناده عن عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن صاحبكم لتغسله الملائكة يعني حنظلة فسألوا أهله ما شأنه فسئلت صاحيته فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهائعة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك غسلته الملائكة )

- الحديث قال في الفتح قصته مشهورة رواها ابن إسحاق وغيره انتهى وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي من حديث ابن الزبير والحاكم في الإكليل من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف والسرقسطي في غريبه من طريق الزهري مرسلا والحاكم أيضا في المستدرك والطبراني والبيهقي عن ابن عباس أيضا وفي إسناد الحاكم معلى بن عبد الرحمن وهو متروك وفي إسناد الطبراني حجاج وهو مدلس وفي إسناد البيهقي أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف جدا ( وفي الباب ) أيضا عن ابن عباس عند الطبراني بإسناد قال الحافظ لا بأس به عنه قال أصيب حمزة بن عبد المطلب وحنظلة بن الراهب وهما جنب فقال ( رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيت الملائكة تغسلهما ) وهو غريب في ذكر حمزة كما قال في الفتح . قوله ( الهائعة ) هي الصوت الشديد . وقد استدل بالحديث من قال أنه يغسل الشهيد إذا كان جنبا وبه قال أبو حنيفة والمنصور بالله . وقال الشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد وإليه ذهب الهادي والقسم والمؤيد بالله وأبو طالب أنه لا يغسل لعموم الدليل وهو الحق لأنه لو كان واجبا علينا ما اكتفى فيه بغسل الملائكة وفعلهم ليس من تكليفنا ولا أمرنا بالاقتداء بهم

3 - وعن أبي سلام عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلا منهم فظربه فأخطأه وأصاب نفسه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخوكم يا معشر المسلمين فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه ودفنه فقالوا يا رسول الله أشهيد هو قال نعم وأنا له شهيد )
- رواه أبو داود

- الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده سلام بنابي سلام وهو مجهول . وقال أبو داود بعد إخراجه عن سلام المذكور وإنما هو عن زيد بن سلام عن جده أبي سلام انتهى . وزيد ثقة . قوله ( فلفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بثيابه ودمائه ) ظاهره أنه لم يغسله ولا أمر بغسله فيكون من أدلة القائلين بأن الشهيد لا يغسل كما تقدم وهو يدل على أن من قتل نفسه في المعركة خطأ حكمه حكم من قتله غيره في ترك الغسل وأما من قتل نفسه عمدا فإنه لا يغسل عند العترة والأوزاعي لفسقه لا لكونه شهيدا : قوله ( وصلى عليه ) فيه إثبات الصلاة على الشهيد وسيأتي الكلام على ذلك . قوله ( قال نعم ) الخ فيه أن من قتل نفسه خطأ شهيد وقد أخرج مسلم والنسائي وأبو داود عن سلمة بن الأكوع قال ( لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا فارتد عليه سيفه فقتله فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك وشكوا فيه رجل مات بسلاحه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مات جاهدا مجاهدا ) وفي رواية ( كذبوا مات جاهدا مجاهدا فله أجره مرتين ) هذا لفظ أبي داود

باب صفة الغسل

1 - عن أم عطية قالت ( دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين توفيت ابنته فقال اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور فإذا فرغتن فآذنني فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه فقال أشعرنها إياه يعني إزاره )
- رواه الجماعة . وفي رواية لهم ( إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ) وفي لفظ ( اغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ) وفيه قالت ( فضفرنا شعرها ثلاثة قرون فألقيناها خلفها ) متفق عليهما لكن ليس لمسلم فيه ( فألقيناها خلفها )

- قوله ( حين توفيت ابنته ) في رواية متفق عليها ( ونحن نغسل ابنته ) قال في الفتح ويجمع بينهما بأن المراد أنه دخل حين شرع النسوة في الغسل وابنته المذكورة هي زينب زوج أبي العاص بن الربيع كما في مسلم . وقال الداودي أنها أم كلثوم زوج عثمان . ويدل عليه ما أخرجه ابن ماجه بإسناد على شررط الشيخين كما قال الحافظ ولفظه ( دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم ) وكذا وقع لابن بشكوال في المبهمات عن أم عطية والدولابي في الذرية الطاهرة قال في الفتح فيمكن ترجيح أنها أم كلثوم بمجيئه من طرق متعددة ويمكن الجمع بأن تكون أم عطية حضرتها جميعا فقد جزم ابن عبد البر في ترجمتها بأنها كانت غاسلة الميتات انتهى . قوله ( إغسلنها ) قال ابن بريدة استدل به على وجوب غسل الميت قال ابن دقيق العيد لكن قوله ( ثلاثا ) الخ ليس للوجوب على المشهور من مذاهب العلماء فيتوقف الاستدلال به على تجويز إرادة المعنيين المختلفين بلفظ واحد لأن قوله ثلاثا غير مستقل بنفسه فلا بد أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر فيراد بلفظ الأمر الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل أو الندب بالنسبة إلى الإيتار انتهى . فمن جوز ذلك جوز الاستدلال بهذا الأمر على الوجوب بدليل آخر . وقد ذهب الكوفيون وأهل الظاهر والمزني إلى إيجاب الثلاث وروى ذلك عن الحسن وهو يرد ما حكاه في البحر من الإجماع على أن الواجب مرة فقط . قوله ( من ذلك ) بكسر الكاف لأنه خطاب للمؤنث . قال في الفتح ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله سبعا وإما أو أكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود وأما سواه فأما أو سبعا وإما أو أكثر من ذلك انتهى . وهو ذهول منه عما أخرجه البخاري في باب يجعل الكافور فإنه روى حديث أم عطية هنالك بلفظ ( اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أكثر من ذلك ) وقد صرح المصنف رحمه الله تعالى بأن الجمع بين التعبير بسبع وأكثر متفق عليه كما وقع في حديث الباب لكن قال ابن عبد البر لا أعلم أحدا قال بمجاوزة السبع . وصرح بأنها مكروهة أحمد والماوردي وابن المنذر : قوله ( إن رأيتن ذلك ) فيه دليل على التفويض إلى اجتهاد الغاسل ويكون ذلك بحسب الحاجة لا التشهي كما قال في الفتح . قال ابن المنذر إنما فوض الرأي إليهن بالشرط المذكور وهو الإيتار : قوله ( بماء وسدر ) قال الزين بن المنير ظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل لأن قوله بماء وسدر يتعلق بقوله أغسلنها قال وهو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير لأن الماء المضاف لا يتطهر به وتعقبه الحافظ بمنع لزوم مصير الماء مضافا بذلك لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرة فإن لفظ الخبر لا يأتي ذلك : قوله ( واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور ) هو شك من الراوي قال في الفتح والأول محمول على الثاني لأنه نكرة في سياق الإثبات فيصدق بكل شيء منه وقد جزم البخاري في رواية باللفظ الأول وظاهره أنه يجعل الكافور في الماء وبه قال الجمهور
وقال النخعي والكوفيون إنما يجعل الكافور في الحنوط والحكمة في الكافور كونه طيب الرائحة وذلك وقت تحضر فيه الملائكة وفيه أيضا تبريد وقوة نفوذ وخاصة في تصلب بدن الميت وطرد الهوام عنه وردع ما يتحلل من الفضلات ومنع إسراع الفساد إليه وإذا عدم قام غيره مقامه مما فيه هذه الخواص أو بعضها قوله ( فآذنني ) أي أعلمنني . قوله ( فأعطانا حقوه ) قال في الفتح بفتح المهملة ويجوز كسرها وهي لغة هذيل بعدها قاف ساكنة والمراد هنا الإزار كما وقع مفسرا في آخر هذه الرواية . والحقو في الأصل معقد الإزار وأطلق على الإزار مجازا . وفي رواية للبخاري ( فنزع عن حقوه إزاره ) والحقو على هذه الحقيقة . قوله ( فقال أشعرنها إياه ) أي ألففنها فيه لأن الشعار ما يلي الجسد من الثياب والمراد إجعلنه شعارا لها قال في الفتح قيل الحكمة في تأخير الإزار معه إلى أن يفرغن من الغسل ولم يناولهن إياه أولا ليكون قريب العيد من جسده حتى لا يكون بين انتقاله من جسده إلى جسدها فاصل وهو أصل في التبرك بآثار الصالحين . وفيه جواز تكفين المرأة في ثوب الرجل وقد نقل ابن بطال الاتفاق على ذلك . قوله ( إبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها ) ليس بين الأمرين تناف لإمكان البداءة بمواضع الوضوء وبالميامن معا . قال الزين بن منير قوله ( إبدأن بميامنها ) أي في الغسلات التي لا وضوء فيها ومواضع الوضوء منها أي في الغسلة المتصلة بالوضوء وفي هذا رد على من لم يقل بستحباب البداءة بالميامن وهو الحنفية واستدل به على استحباب المضمضة والاستنشاق في غسل الميت خلافا للحنفية قوله ( اغسلنها وترا ثلاثا ) الخ استدل به على أن أقل الوتر ثلاث قال الحافظ ولا دلالة فيه لأنه سيق مساق البيان للمراد إذا لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها . قوله ( فضفرنا شعرها ثلاثة قرون ) هو بضاد وفاء خفيفة وفيه استحباب ضفر شعر المرأة وجعله ثلاثة قرون وهي ناصيتها وقرناها أي جانبا رأسها كما وقع في رواية وكيع عن سفيان عند البخاري تعليقا ووصل ذلك الإسماعيلي وتسمية الناصية قرنا تغليب وقال الأوزاعي والحنفية أنه يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقا . قال القرطبي وكأن سبب الخلاف أن الذي فعلته أم عطية هل استندت فيه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون مرفوعا أو هو شيء رأته ففعلته استحبابا كلا الأمرين محتمل لكن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء من جنس القرب إلا بأذن الشرع ولم يرد ذلك مرفوعا كذا قال . وقال النووي الظاهر عدم إطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقريره له وتعقب ذلك الحافظ بأن سعيد بن منصور روى عن أم عطية أنها قالت ( قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اغسلنها وترا واجعلن شعرها ضفائر ) وأخرج ابن حبان في صحيحه عن أم عطية مرفوعا بلفظ ( واجعلن لها ثلاث قرون ) قوله ( فالقيناها خلفها ) فيه استحباب جعل ضفائر المرأة خلفها وقد زعم ابن دقيق العيد أن الوارد في ذلك حديث غريب . قال في الفتح وهو مما يتعجب منه مع كون الزيادة في صحيح البخاري وقد توبع رواتها عليها وقد استوفى تلك المتابعات وذكر للحديث فوائد غير ما تقدم

2 - وعن عائشة قالت ( لما أرادوا غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أختلفوا فيه فقالوا والله ما ندري كيف نصنع أنجرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما نجرد موتانا أم نغسله وعليه ثيابه قالت فلما اختلفوا أرسل الله عليهم السنة حتى والله ما من القوم من رجل إلا ذقنه في صدره نائما قالت ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو فقال اغسلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليه ثيابه قالت فثاروا إليه فغسلوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في قميصه يفاض عليه الماء والسدر ويدلك الرجال بالقميص )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه أيضا ابن حبان والحاكمز وفي رواية لابن حبان فكان الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب وروى الحاكم عن عبد الله بن الحرث ( قال غسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي وعلى يده خرقة فغسله فأدخل يده تحت القميص فغسله والقميص عليه ) وفي الباب عن بريدة عند ابن ماجه والحاكم والبيهقي قال ( لما أخذوا في غسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناداهم مناد من الداخل لا تنزعوا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قميصه ) وعن ابن عباس عند أحمد ( أن عليا أسند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى صدره وعليه قميصه ) وفي إسناده حسين ابن عبد الله وهو ضعيف . وعن جعفر بن محمد عن أبيه عند عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي والشافعي قال ( غسل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثا بسدر وغسل وعليه قميص وغسل من بئر يقال لها الغرس بقبا كانت لسعد بن خيثمة وكان يشرب منها وولي سفلته على والفضل محتضنه والعباس يصيب الماء فجعل الفضل يقول أرحني قطعت وتيني لا أجد شيئا يترطل على ) قال الحافظ وهو مرسل جيد : قوله ( السنة بسين مهملة مكسورة بعدها نون وهي ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمى النعاس قال عدي بن الرقاع العاملي
وسنان أقصده النعاس فرنقت ... في عينه سنة وليس بنائم

أبواب الكفن وتوابعه

باب التكفين من رأس المال

1 - عن خباب بن الأرث ( أن مصعب بن عمير قتل يوم أحد ولم يترك إلا نمرة فكنا إذا عطينا بها رأسه بدت رجلاه وإذا غطينا رجليه بدا رأسه فامرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نغطي بها رأسه ونجعل على رجليه شيئا من لا ذخر )
- رواه الجماعة إلى ابن ماجه

2 - وعن خباب أيضا ( أن حمزة لم يوجد له كفن إلا بردة ملحاء إذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه حتى مدت على رأسه وجعل على قدميه الاذخر )
- رواه أحمد

- الحديث الثاني أخرجه الحاكم عن أنس : قوله ( أن مصعب بن عمير قتل ) في رواية للبخاري ( أن عبد الرحمن بن عوف قال قتل مصعب بن عمير وكان خيرا مني فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة وقتل حمزة أو رجل آخر فلم يوجد له ما يكفن فيه إلا بردة ) قال في الفتح قوله ( أو رجل آخر ) لم أقف على اسمه ولم يقع في أكثر الروايات إلا بلفظ حمزة ومصعب فقط : قوله ( إلا نمرة ) هي شملة فيها خطوط بيض وسود أو بردة من صوف يلبسها الأعراب كذا في القاموس . قوله ( فأمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نغطي بها رأسه ) فيه دليل على أنه إذا ضاق الكفن عن ستر جميع البدن ولم يوجد غيره جعل مما يلي الرأس وجعل النقص مما يلي الرجلين . قال النووي فان ضاق عن ذلك سترت العورة فان فضل شيء جعل فوقها وان ضاق عن العورة سترت السوأتان لانهما أهم وهما الأصل في العورة قال وقد يستدل بهذا الحديث على أن الواجب في الكفن ستر العورة فقط ولا يجب استيعاب البدن عند التمكن ( فان قيل ) لم يكونوا متمكنين من جميع البدن لقوله ( لم يوجد غيرها ) فجوابه أن معناه لم يوجد مما يملكه الميت إلا نمرة ولو كان ستر جميع البدن واجبا لوجب على المسلمين الحاضرين تتميمه ان لم يكن له قريب يلزمه نفقته فان كان وجبت عليه ( فان قيل ) كانوا عاجزين عن ذلك لان القضية جرت يوم أحد وقد كثرت القتلى من المسلمين واشتغلوا بهم وبالخوف من العدو عن ذلك وجوابه أنه يبعد من حال الحاضرين المتولين دفنه أن لا يكون مع واحد منهم قطعة من ثوب ونحوها انتهى . وقد استدل بالحديثين على أن الكفن يكون من رأس المال لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بالتكفين في النمرة ولامال غيرها . قال ابن المنذر قال بذلك جميع أهل العلم إلا رواية شاذذة عن خلاص بن عمر وقال الكفن من الثلث . وعن طاوس قال من الثلث ان كان قليلا . وحكى في البحر عن الزهري وطاوس أنه من الثلث إن كان معسرا . وقد أخرج الطبراني في الأوسط من حديث علي أن الكفن من جميع المال وإسناده ضعيف واخرجه ابن أبي حاتم في العلل من حديث جابر وحكى عن أبيه أنه منكر وقد أخرجهما عبد الرزاق : قوله ( ونجعل على رجليه شيئا من الاذخر ) فيه أنه يستحب إذا لم يوجد ساتر البتة لبعض البدن أولكله أن يغطي بالأذخر فان لم يوجد فما تيسر من نبات الأرض وقد كان الأذخر مستعملا لذلك عند العرب كما يدل عليه قول العباس إلا الأذخر فانه لبيوتنا وقبورنا

باب استحباب إحسان الكفن من غير مغالاة

1 - عن أبي قتادة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا ولى أحدكم أخاه فليحسن كفنه )
- رواه ابن ماجه والترمذي

2 - وعن جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا فزجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقبر الرجل ليلا حتى يصلى عليه إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه )
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود

- حديث أبي قتادة حسنه الترمذي ورجال إسناده ثقات . وفي الباب عن أم سلمة عند الديلمي : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بعويل ولا بتزكية ولا بتأخير وصية ولا بقطيعة وعجلوا بقضاء دينه واعدلوا عن جيران السوء وإذا حفرتم فاعمقوا ووسعوا )
وعن جابر غير حديث الباب عند الديلمي أيضا قال : ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحسنوا كفن موتاكم فإنهم يتباهون ويتزاورون بها في قبورهم )
قوله ( فليحسن كفنه ) ضبط بفتح الحاء وإسكانها . قال النووي وكلاهما صحيح والمراد بإحسان الكفن نظافته ونقاؤه وكثافته وستره وتوسطه وكونه من جنس لباسه في الحياة لا أفخر منه ولا أحقر قال العلماء وليس المراد بإحسانه السرف فيه والمغالاة ونفاسته وإنما المراد ما تقدم
قوله ( غير طائل ) أي حقير غير كامل . قوله ( حتى يصلي عليه ) هو بفتح اللام كما قال النووي وإنما نهى عن القبر ليلا حتى يصلي عليه لأن الدفن نهارا يحضره كثيرون من الناس ويصلون عليه ولا يحضره في الليل إلا الأفراد . وقيل لأنهم كانوا يفعلون ذلك بالليل لرداءة الكفن فلا يبين في الليل ويؤيده أول الحديث وآخره
قال القاضي العلتان صحيحتان قال والظاهر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قصدهما معا قال وقد قيل غير هذا
قوله ( إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك ) يدل على أنه لا بأس به في وقت الضرورة
( وقد اختلف ) العلماء في الدفن بالليل فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة وقال جماعة العلماء من السلف والخلف لا يكره واستدلوا بأن أبا بكر الصديق وجماعة من السلف دفنوا ليلا من غير إنكار . وبحديث المرأة السوداء أو الرجل الذي كان يقم المسجد فتوفي بالليل فدفنوه ليلا وسألهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه فقالوا توفي فدفناه في الليل فقال آلا آذنتموني قالوا كانت ظلمة ولم ينكر عليهم أخرجه البخاري
وسيأتي في باب الدفن ليلا وأجابوا عن حديث الباب بأن النهي كان لترك الصلاة لا لمجرد الدفن بالليل أو عن إساءة الكفن أو عن المجموع وتأتي بقية الكلام إن شاء الله في باب الدفن ليلا

3 - وعن عائشة : ( أن أبا بكر نظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه به ردع من زعفران فقال اغسلوا ثوبي هذا وزيدوا عليه ثوبين فكفنوني فيها قلت إن هذا خلق قال إن الحي أحق بالجديد من الميت إنما هو للمهلة )
- مختصر من البخاري

- قوله ( به ردع ) بسكون المهملة بعدها عين مهملة أي لطخ لم يعمه كله : قوله ( وزيدوا عليه ثوبين ) في رواية جديدين . قوله ( فكفنوني فيها ) رواية أبي ذر فيهما . وفسر الحافظ ضمير المثنى بالمزيد والمزيد عليه وفي رواية غير أبي ذر فيها كما وقع عند المصنف
قوله ( خلق ) بفتح المعجمة واللام أي غير جديد . وفي رواية عند ابن سعد ألا نجعلها جددا كلها قال لا . وظاهره أن أبا بكر كان يرى عدم المغالاة في الأكفان ويؤيده قوله إنما هو للمهلة . وروى أبو داود من حديث علي عليه السلام مرفوعا ( لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعا ) ولا يعارضه حديث جابر في الأمر بتحسين الكفن كما تقدم فإنه يجمع بينهما بحمل التحسين على الصفة وحمل المغالاة على الثمن . وقيل التحسين حق للميت فإذا أوصى بتركه اتبع كما فعل الصديق ويحتمل أن يكون اختار ذلك الثوب بعينه لمعنى فيه من التبرك لكونه صار إليه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لكونه قد كان جاهد فيه أو تعبد فيه
ويؤيده ما رواه ابن سعد من طريق القاسم بن محمد بن أبي بكر قال قال أبو بكر كفنوني في ثوبي اللذين كنت أصلي فيهما
قوله ( إنما هو أي الكفن للمهلة ) قال القاضي عياض روى بضم الميم وفتحها وكسرها وبذلك جزم الخليل . وقال ابن حبيب هو بالكسر الصديد وبالفتح التمهل وبالضم عكر الزيت والمراد هنا الصديد ويحتمل أن يكون المراد بقوله وإنما هو أي الجديد وأن يكون المراد المهلة على هذا التمهل أي الجديد لمن يريد البقاء . قال الحافظ والأول أظهر
( وفي هذا الأثر ) استحباب التكفين في ثلاثة أكفان وجواز التكفين في الثياب المغسولة وإيثار الحي بالجديد . ويدل على استحباب أن يكون الكفن جديدا ما أخرجه أبو داود وابن حبان والحاكم من حديث أبي سعيد : ( أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الميت يبعث في ثيابه التي مات فيها ) . رواه ابن حبان بدون القصة وقال أراد بذلك إعماله لقوله تعالى { وثيابك فطهر } يريد وعملك فأصلحه قال والأخبار الصحيحة صريحة أن الناس يحشرون حفاة عراة وحكى الخطابي في الجمع بينهما أنه يبعث في ثيابه ثم يحشر عريانا

باب صفة الكفن للرجل والمرأة

1 - عن ابن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفن في ثلاثة أثواب قميصه الذي مات فيه وحلة نجرانية الحلة ثوبان )
- رواه أحمد وأبو داود

2 - وعن عائشة قالت : ( كفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية جدد يمانية ليس فيها قميص ولا عمامة أدرج فيها إدراجا )
- رواه الجماعة . ولهم إلا أحمد والبخاري ولفظه لمسلم ( وأما الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنما اشتريت ليكفن فيها فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ) . ولمسلم قالت : ( أدرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حلة يمنية كانت لعبد الله ابن أبي بكر ثم نزعت عنه وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية يمانية ليس فيها عمامة ولا قميص )

- حديث ابن عباس في إسناده يزيد ابن أبي زياد وقد تغير وهذا من أضعف حديثه . وقال النووي أنه مجمع على ضعف يزيد المذكور وقد بين مسلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكفن في الحلة وإنما شبه على الناس كما ذكر المصنف
( وفي الباب ) عن جابر بن سمرة عند البزار وأبي عدي في الكامل أنه كفن صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب قميص وإزار لفافة . وفي إسناده ناصح وهو ضعيف . وعن ابن عباس غير حديث الباب عند ابن عدي قال كفن صلى الله عليه وآله وسلم في قطيفة حمراء . وفي إسناده قيس بن الربيع وهو ضعيف قال الحافظ وكأنه اشتبه عليه بحديث جعل في قبره قطيفة حمراء فإنه يروى بالإسناد المذكور بعينه . وعن علي عند ابن أبي شيبة وأحمد والبزار قال كفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في سبعة أثواب . وفي إسناده عبد الله بن محمد بن عقيل وهو سيء الحفظ لا يصلح الاحتجاج بحديثه إذا خالف الثقات كما هنا وقد خالف ههنا رواية نفسه فإنه روى عن جابر أنه صلى الله عليه وآله وسلم كفن في ثوب نمرة . قال الحافظ وروى الحاكم من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر ما يعضد رواية ابن عقيل عن ابن الحنفية عن علي بمعنى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كفن في سبعة
وعن جابر عند أبي داود أنه صلى الله عليه وآله وسلم كفن في ثوبين وبرد حبرة وفي رواية للنسائي فذكر لعائشة قولهم في ثوبين وبرد حبرة فقالت قد أتى بالبرد ولكنهم ردوه . وأخرج مسلم والترمذي عنها أنها قالت أنهم نزعوها عنه . وروى عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لف في برد حبرة جفف فيه ثم نزع عنه . قال الترمذي تكفينه في ثلاثة أثواب أصح ما ورد في كفنه
قوله ( قميصه الذي مات فيه ) دليل لمن قال باستحباب القميص في الكفن وهم الحنفية ومالك وزيد بن علي والمؤيد بالله وذهب الجمهور إلى أنه غير مستحب واستدلوا بقول عائشة ليس فيها قميص ولا عمامة وأجابوا عن حديث ابن عباس بأنه ضعيف الإسناد كما تقدم وأجاب القائلون بالاستحباب أن قول عائشة ليس فيها قميص ولا عمامة يحتمل نفي وجودهما ويحتمل أن يكون المراد نفي المعدود أي الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة وهما زائدان وأن يكون معناه ليس فيها قميص جديد أو ليس فيها القميص الذي غسل فيه أو ليس فيها قميص مكفوف الأطراف ويجاب بأن الاحتمال الأول هو الظاهر وما عداه متعسف فلا يصار إليه . قوله ( جدد ) هكذا وقع عند المصنف وكذلك رواه البيهقي وليس في الصحيحين لفظ جدد . ووقع في رواية لهما بدل جدد من كريف . وهو القطن : قوله ( بيض ) فيه دليل على استحباب التكفين في الأبيض قال النووي وهو مجمع عليه . قوله ( سحولية ) بضم المهملتين ويروى بفتح أوله نسبة إلى سحول قرية باليمن قال النووي والفتح أشهر وهو رواية الأكثرين . قال ابن الأعرابي وغيره هي ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن وقال ابن قتيبة ثياب بيض ولم يخصها بالقطن وفي رواية للبخاري سحول بدون نسبة وهو جمع سحل والسحل الثوب الأبيض النقي ولا يكون إلا من قطن كما تقدم
وقال الأزهري بالفتح المدينة وبالضم الثياب وقيل النسبة إلى القرية بالضم وأما بالفتح فنسبة إلى القصار لأنه يسحل الثياب أي ينقيها كذا في الفتح : قوله ( يمانية ) بتخفيف الياء على اللغة الفصيحة المشهورة . وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما لغة في تشديدها
ووجه الأول أن الألف بدل من ياء النسبة فلا يجتمعان فيقال يمنية بالتشديد أو يمانية بالتخفيف وكلاهما نسبة إلى اليمن . قوله ( فإنما شبه على الناس ) بضم الشين المعجمة وكسر الباء المشددة ومعناه اشتبه عليهم واعلم أنه قد اختلف في أفضل الكفن بعد الاتفاق على أنه لا يجب أكثر من ثوب واحد يستر جميع البدن فذهب الجمهور إلى أن أفضلها ثلاثة أثواب بيض واستدلوا بحديث عائشة المذكور قال في الفتح وتقرير الاستدلال به أن الله عز و جل لم يكن ليختار لنبيه إلا الأفضل وعن الحنفية أن المستحب أن يكون في أحدها ثوب حبرة وتمسكوا بحديث جابر المتقدم وإسناده كما قال الحافظ حسن ولكنه معارض بالمتفق عليه من حديث عائشة على أنا قد قدمنا عن عائشة أنهم نزعوا عنه ثوب الحبرة وبذلك يجمع بين الروايات
وقال الهادي أن المشروع إلى سبعة ثياب واستدل بحديث علي المتقدم وأجيب عنه بأنه لا ينتهض لمعارضة حديث عائشة الثابت في الصحيحين وغيرهما . وقد قال الحاكم أنها تواترت الأخبار عن علي وابن عباس وابن عمر وعبد الله ابن مغفل وعائشة في تكفين النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة ولكنه لا يخفى أن إثبات ثلاثة ثياب لا ينفي الزيادة عليها وقد تقرر أن ناقل الزيادة أولى بالقبول على أنه لو تعرض رواة الثلاثة لنفي ما زاد عليها لكان المثبت أولى من النافي نعم حديث علي فيه المقال المتقدم فإن صلح الاحتجاج معه فالمصير إلى الجمع بما ذكرنا متعين وإن لم يصلح فلا فائدة في الاشتغال به لا سيما وقد اقتصر على رواية الثلاثة جماعة من الصحابة ويبعد أن يخفى على جميعهم الزيادة عليها وقد قال الإمام يحيى أن السبعة غير مستحبة إجماعا

3 - وعن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لبسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم )
- رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي

- الحديث أخرجه أيضا الشافعي وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه ابن القطان . وأخرجه أيضا الترمذي وصححه وابن ماجه والنسائي والحاكم من حديث سمرة واختلف في وصله وإرساله وقد تقدم في اللباس
( وفي الباب ) عن عمران بن حصين عند الطبراني . وعن أنس عند أبي حاتم في العلل والبزار في مسنده . وعن ابن عمر عند ابن عدي في الكامل . وعن أبي الدرداء عند ابن ماجه يرفعه ( أحسن ما زرتم الله به في قبوركم ومساجدكم البياض )
( والحديث ) يدل على مشروعية لبس البياض وقد تقدم الكلام على ذلك في أبواب اللباس وعلى مشروعية تكفين الموتى في الثياب البيض وهو إجماع كما تقدم في شرح الحديث الذي قبله وقد تقدم أيضا عن الحنفية أنهم يستحبون أن يكون في الأكفان ثوب حبرة واستدلوا بما سلف
ومن أدلتهم حديث جابر عند أبي داود بإسناد حسن كما قال الحافظ بلفظ ( إذا توفي أحدكم فوجد شيئا فليكفن في ثوب حبرة ) والأمر باللبس والتكفين في الثياب البيض محمول على الندب لما قدمنا في أبواب اللباس

4 - وعن ليلى بنت قانف الثقفية قالت : ( كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاتها وكان أول ما أعطانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحقا ثم الدرع ثم الخمار ثم الملحفة ثم ادرجت بعد ذلك في الثوب الآخر قالت ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند الباب معه كفنها يناولنا ثوبا ثوبا )
- رواه أحمد وأبو داود . قال البخاري قال الحسن الخرقة الخامسة يشد بها الفخذان والوركان تحت الدرع

- الحديث في إسناده ابن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث وفي إسناده أيضا نوح بن حكيم . قال ابن القطان مجهول ووثقه ابن حبان وقال ابن إسحاق كان قارئا للقرآن وفي إسناده أيضا داود رجل من بني عروة بن مسعود فإن كان داود بن عاصم بن عروة بن مسعود فهو ثقة وقد جزم بذلك ابن حبان وإن كان غيره فينظر فيه :
قوله ( ليلى بنت قانف ) بالقاف بعد الألف نون ثم فاء : قوله ( الحقا ) بكسر المهملة وتخفيف القاف مقصور قيل هو لغة في الحقو وهو الإزار
( والحديث ) يدل على أن المشروع في كفن المرأة أن يكون إزارا ودرعا وخمارا وملحفة ودرجا ولم يقع تسمية أم عطية في هذا الحديث فيمن حضر . وقد وقع عند ابن ماجه أن أم عطية قالت : ( دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن نغسل ابنته أم كلثوم ) . الحديث
ورواه مسلم فقال زينب ورواته أتقن وأثبت وقد تقدم الكلام على هذا الاختلاف في باب صفة الغسل : قوله ( قال البخاري قال الحسن ) الخ وصله ابن أبي شيبة قال في الفتح وهذا يدل على أن أول الكلام أن المرأة تكفن في خمسة أثواب . وروى الخوارزمي من طريق إبراهيم بن حبيب ابن الشهيد عن هشام بن حسان عن حفصة عن أم عطية أنها قالت : ( وكفناها في خمسة أثواب وخمرناها كما نخمر الحي ) قال الحافظ وهذه الزيادة صحيحة الإسناد وقول الحسن إن الخرقة الخامسة يشد بها الفخذان والوركان قال به زفر . وقالت طائفة على صدرها ليضم أكفانها ولا يكره القميص للمرأة على الراجح عند الشافعية والحنابلة

باب وجوب تكفين الشهيد في ثيابه التي قتل فيها

1 - عن ابن عباس قال : ( أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد بالشهداء أن ننزع عنهم الحديد والجلود وقال ادفنوهم بدمائهم وثيابهم )
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

2 - وعن عبد الله بن ثعلبة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم أحد زملوهم في ثيابهم وجعل يدفن في القبر الرهط ويقول قدموا أكثرهم قرآنا )
- رواه أحمد

- الحديث الأول في إسناده عطاء بن السائب وهو مما حدث به بعد الاختلاط وحديث عبد الله بن ثعلبة أخرجه أيضا أبو داود بإسناد رجاله رجال الصحيح وفي الباب أحاديث قد تقدم ذكرها في باب ترك غسل الشهيد
( والحديثان ) المذكوران في الباب وما في معناهما فيها مشروعية دفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب ونزع الحديد والجلود عنه وكل ما هو آلة حرب
وقد روى زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه قال ينزع من الشهيد الفرو والخف والقلنسوة والعمامة والمنطقة والسراويل إلا أن يكون أصاب السراويل دم وفي إسناده أبو خالد الواسطي والكلام فيه معروف . وقد روى ذلك أحمد بن عيسى في أماليه من طريق الحسين بن علوان عن أبي خالد المذكور عن زيد بن علي والحسين ابن علوان متكلم فيه أيضا والظاهر أن الأمر بذفن الشهيد بما قتل فيه من الثياب للوجوب . قوله ( وجعل يدفن في القبر ) الخ قد تقدم الكلام على هذا في باب ترك غسل الشهيد

باب تطبيب بدن الميت وكفنه إلا المحرم

1 - عن جابر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا )
- رواه أحمد

2 - وعن ابن عباس قال : ( بينما رجل واقف مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإن الله تعالى يبعثه يوم القيامة ملبيا )
- رواه الجماعة . وللنسائي عن ابن عباس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اغسلوا المحرم في ثوبيه اللذين أحرم فيهما واغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة محرما )

- حديث جابر أخرجه أيضا البيهقي والبزار قيل ورجاله رجال الصحيح وأخرج نحوه أحمد بن حنبل أيضا عن جابر مرفوعا بلفظ إذا أجمرتم الميت فأوتروا ) . قوله ( إذا أجمرتم الميت ) أي بخرتموه وفيه استحباب تبخير الميت ثلاثا : قوله ( بينما رجل ) قال في الفتح لم أقف في شيء من الطرق على تسمية المحرم المذكور ووهم بعض المتأخرين فزعم أن اسمه واقد بن عبد الله وعزاه إلى ابن قتيبة في ترجمة عمر من كتاب المغازي وسبب الوهم أن ابن قتيبة لما ذكر ترجمة عمر ذكر أولاده ومنهم عبد الله بن عمر ثم ذكر أولاد عبد الله فذكر فيهم واقد بن عبد الله بن عمر فقال وقع عن بعيره وهو محرم فهلك فظن هذا المتأخر أن لواقد بن عبد الله صحبة وأنه صاحب القصة التي وقعت في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس كما ظن فإن واقد المذكور لا صحبة له فإن أمه صفية بنت أبي عبيد وإنما تزوجها أبوه في خلافة عمر وفي الصحابة أيضا واقد بن عبد الله آخر ولكنه مات في خلافة عمر كما ذكر ابن سعد : قوله ( فوقصته ) بفتح الواو بعدها قاف ثم صاد مهملة . وفي رواية للبخاري فأقصعته . وفي أخرى له أيضا أقصعته وفي أخرى له أيضا أوقصته والوقص الكسر كما في القاموس والقصع الهشيم وقيل هو خاص بكسر العظم . قال الحافظ ولو سلم فلا مانع أن يستعار لكسر الرقبة والقعص القتل في الحال ومنه قعاص الغنم وهو موتها كذا في الفتح
قوله ( اغسلوه بماء وسدر ) فيه دليل على وجوب الغسل بالماء والسدر وقد تقدم الكلام على ذلك . قوله ( وكفنوه في ثوبيه ) فيه أنه يكفن المحرم في ثيابه التي مات فيها وقيل إنما اقتصر على تكفينه في ثوبيه لكونه مات فيهما وهو متلبس بتلك العبادة الفاضلة ويحتمل أنه لم يجد غيرهما
قوله ( ولا تحنطوه ) هو من الحنوط بالمهملة وهو الطيب الذي يوضع للميت . قوله ( ولا تخمروا رأسه ) أي لا تغطوه وفيه دليل على بقاء حكم الإحرام وكذلك قوله ( ولا تحنطوه ) وأصرح من ذلك التعليل بقوله ( فإن الله يوم القيامة يبعثه ملبيا ) . وقوله في الرواية الأخرى ( فإنه يبعث يوم القيامة محرما ) وخالف في ذلك المالكية والحنفية وقالوا أن قصة هذا الرجل واقعة عين لا عموم لها فتختص به وأجيب بأن الحديث ظاهر في أن العلة هي كونه في النسك وهي عامة في كل محرم والأصل أن كل ما ثبت لواحد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثبت لغيره حتى يثبت التخصيص . وما أحسن ما اعتذر به الداودي عن مالك فقال إنه لم يبلغه الحديث قوله ( ولا تمسوه ) بضم أوله وكسر الميم من أمس . قال ابن المنذر وفي الحديث إباحة غسل المحرم الحي بالسدر خلافا لمن كرهه وأن الوتر في الكفن ليس بشرط وأن الكفن من رأس المال لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بتكفينه في ثوبيه ولم يستفصل هل عليه دين مستغرق أم لا وفيه استحباب تكفين المحرم في إحرامه وأن إحرامه باق وأنه لا يكفن في المحنط كما تقدم وأنه يجوز التكفين في الثياب الملبوسة وأن الإحرام يتعلق بالرأس

أبواب الصلاة على الميت

باب من يصلي عليه ومن لا يصلي عليه

الصلاة على الأنبياء

1 - عن ابن عباس قال : ( دخل الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسالا يصلون عليه حتى إذا فرغوا أدخلوا النساء حتى إذا فرغوا أخلوا الصبيان ولم يؤم الناس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد )
- رواه ابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا البيهقي قال الحافظ وإسناده ضعيف لأنه من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة
( وفي الباب ) عن أبي عسيب عند أحمد ( أنه شهد الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال كيف نصلي عليك قال ادخلوا أرسالا ) كذا في التلخيص
وعن جابر وابن عباس أيضا عند الطبراني وفي إسناده عبد المنعم بن إدريس وهو كذاب وقد قال البزار أنه موضوع . وعن ابن مسعود عند الحاكم بسند واه . وعن نبيط بن شريط عند البيهقي وذكره مالك بلاغا
( وفي الحديث ) أن الصلاة كانت عليه صلى الله عليه وآله وسلم فرادى الرجال ثم النساء ثم الصبيان . قال ابن عبد البر وصلاة الناس عليه أفرادا مجمع عليه عند أهل السير وجماعة أهل النقل لا يختلفون فيه . وتعقبه ابن دحية بأن ابن القصار حكى الخلاف فيه هل صلوا عليه الصلاة المعهودة أو دعوا فقط وهل صلوا فرادى أو جماعة واختلفوا فيمن أم بهم فقيل أبو بكر وروى بإسناد قال الحافظ لا يصح وفيه حرام وهو ضعيف جدا قال ابن دحية هو باطل بيقين لضعف رواته وانقطاعه قال والصحيح أن المسلمين صلوا عليه أفرادا لا يؤمهم أحد وبه جزم الشافعي . قال وذلك لعظم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأبي هو وأمي وتنافسهم في أن لا يتولي الإمامة عليه في الصلاة واحد . قال ابن دحية كان المصلون عليه ثلاثين ألفا قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث وتمسك به من قدم النساء على الصبيان في الصلاة على جنائزهم وحال دفنهم في القبر الواحد اه

ترك الصلاة على الشهيد

1 - عن أنس : ( أن شهداء أحد لم يغسلوا ودفنوا بدمائهم ولم يصل عليهم )
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي . وقد أسلفنا هذا المعنى من رواية جابر وقد رويت الصلاة عليهم بأسانيد لا تثبت

- أما حديث أنس فأخرجه أيضا الحاكم . وقال الترمذي أنه حديث غريب لا نعرفه من حديث أنس إلا من هذا الوجه . وأخرجه أبو داود في المراسيل والحاكم من حديثه قال مر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على حمزة وقد مثل به ولم يصل على أحد من الشهداء غيره وأعله البخاري والترمذي والدارقطني بأنه غلط فيه أسامة بن زيد فرواه عن الزهري عن أنس ورجحوا رواية الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر . وأما حديث جابر فقد تقدم في باب ترك غسل الشهيد وأما الأحاديث الواردة في الصلاة على شهداء أحد التي أشار إليها المصنف وقال أنها بأسانيد لا تثبت فستعرف الكلام عليها وفي الصلاة على الشهيد أحاديث
منها ما أخرجه الحاكم من حديث جابر قال : ( فقصد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمزة حين جاء الناس من القتال فقال رجل رأيته عند تلك الشجيرات فلما رآه ورأى ما مثل به شهق وبكى فقام رجل من الأنصار فرمى عليه بثوب ثم جيء بحمزة فصلى عليه ) . الحديث وفي إسناده أبو حماد الحنفي وهو متروك
وعن شداد بن الهاد عند النسائي بلفظ : ( أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فآمن به واتبعه ) . وفي الحديث ( أنه استشهد فصلى عليه صلى الله عليه وآله وسلم فحفظ من دعائه صلى الله عليه وآله وسلم له اللهم أن هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك فقتل في سبيلك ) . وحمل البيهقي هذا على أنه لم يمت في المعركة . وعن أنس عند أبي داود في المراسيل والحاكم وقد تقدم لفظه
وعن عقبة بن عامر في البخاري وغيره : ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على ميت كالمودع للأحياء والأموات ) . وفي رواية لابن حبان ثم دخل بيته ولم يخرج حتى قبضه الله :
وعن ابن عباس عند ابن إسحاق قال : ( أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بحمزة فسجى ببرده ثم صلى عليه وكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى فيوضعون إلى حمزة فيصلي عليهم وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة ) . وفي إسناده رجل مبهم لأن ابن إسحاق قال حدثني من لا أتهم عن مقسم مولى ابن عباس عن ابن عباس قال السهيلي إن كان الذي أبهمه ابن إسحاق هو الحسن بن عمارة فهو ضعيف وإلا فهو مجهول لا حجة فيه
قال الحافظ الحامل للسهيلي على ذلك ما وقع في مقدمة مسلم عن شعبة أن الحسن بن عمارة حدثه عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قتلى أحد فسألت الحكم فقال لم يصل عليهم اه . لكن حديث ابن عباس روى من طرق أخرى منها ما أخرجه الحاكم وابن ماجه والطبراني والبيهقي من طريق يزيد بن أبي زياد عن مقسم عن ابن عباس مثله وأتم منه ويزيد فيه ضعف يسير
( وفي الباب ) أيضا عن أبي مالك الغفاري عند أبي داود في المراسيل من طريقه وهو تابعي اسمه غزوان ولفظه : ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قتلى أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة )
قال الحافظ ورجاله ثقات وقد أعله الشافعي بأنه متدافع لأن الشهداء كانوا سبعين فإذا أتى بهم عشرة عشرة يكون قد صلى سبع صلوات فكيف تكون سبعين قال وإن أراد التكبير فيكون ثمانية وعشرين تكبيرة وأجيب بأن المراد صلى على سبعين نفسا وحمزة معهم كلهم فكأنه صلى عليه سبعين صلاة
وعن ابن مسعود عند أحمد بلفظ ( رفع الأنصاري وترك حمزة فصلى عليه ثم جيء برجل من الأنصار ووضعوه إلى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة حتى صلى عليه يومئذ سبعين صلاة
( وفي الباب ) أيضا حديث أبي سلام عن رجل من الصحابة عند أبي داود وقد تقدم في باب ترك غسل الشهيد هذا جملة ما وقفنا عليه في هذا الباب من الأحاديث المتعارضة وقد اختلف أهل العلم في ذلك قاله الترمذي قال بعضهم يصلى على الشهيد وهو قول الكوفيين وإسحاق وقال بعضهم لا يصلى عليه وهو قول المدنيين والشافعي وأحمد اه وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والمزني والحسن البصري وابن المسيب وإليه ذهب العترة واستدلوا بالأحاديث التي ذكرناها وأجاب عنها القائلون بأنه لا يصلى على الشهيد فقالوا أما حديث جابر ففيه متروك كما تقدم وأما حديث شداد بن الهاد فهو مرسل لأن شدادا تابعي وقد أجيب عنه بما تقدم عن البيهقي وبأن المراد بالصلاة الدعاء وأما حديث أنس فقد تقدم أن البخاري والترمذي والدارقطني قالوا بأنه غلط فيه أسامة وقد قال البيهقي عن الدارقطني أن قوله فيه : ولم يصل على أحد من الشهداء غيره ليست بمحفوطة على أنه يقال الحديث حجة عليهم لا لهم لأنها لو كانت واجبة لما خص بها واحدا من سبعين . وأما حديث عقبة فلنبدأ بتقرير الاستدلال به ثم نذكر جوابه وتقريره ما قال الطحاوي أن معنى صلاته صلى الله عليه وآله وسلم عليهم لا يخلو من ثلاثة معان إما أن يكون ناسخا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم أو يكون من سنتهم أن لا يصلي عليهم إلا بعد هذه المدة أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة وأيها كان فقد ثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء ثم الكلام بين المختلفين في عصرنا إنما هو في الصلاة عليهم قبل دفنهم وإذا ثبتت الصلاة عليهم بعد الدفن كانت قيل الدفن أولى اه وأجيب بأن صلاته عليهم تحتمل أمورا أخر منها أن تكون من خصائصه ومنها أن تكون بمعنى الدعاء ثم هي واقعة عين لا عموم لها فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد ثبت
وأيضا لم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره الطحاوي . كذا قال الحافظ وأنت خبير بأن دعوى الاختصاص خلاف الأصل ودعوى أن الصلاة بمعنى الدعاء يردها قوله في الحديث صلاته على الميت وأيضا قد تقرر في الأصول أن الحقائق الشرعية مقدمة على اللغوية فلو فرض عدم ورود هذه الزيادة لكان المتعين المصير إلى حمل الصلاة على حقيقتها الشرعية وهي ذات الأذكار والأركان ودعوى أنها واقعة عين لا عموم لها يردها أن الأصل فيما ثبت لواحد أو لجماعة في عصره صلى الله عليه وآله وسلم ثبوته للغير على أنه يمكن معارضة هذه الدعوى بمثلها فيقال ترك الصلاة على الشهداء في يوم أحد واقعة عين لا عموم لها فلا تصلح للاستدلال بها على مطلق الترك بعد ثبوت مطلق الصلاة على الميت ووقوع الصلاة منه على خصوص الشهيد في غيرها كما في حديث شداد بن الهاد وأبي سلام
وأما حديث ابن عباس وما ورد في معناه من الصلاة على قتلى أحد قبل دفنهم فأجاب عن ذلك الشافعي بأن الأخبار جاءت كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على قتلى أحد قال وما روى أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى عليهم وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث أن يستحي على نفسه اه
وأجيب أيضا بأن تلك الحالة الضيقة لا تتسع لسبعين صلاة وبأنها مضطربة وبأن الأصل عدم الصلاة ولا يخفى عليك أنها رويت من طريق يشد بعضها بعضا وضيق تلك الحالة لا يمنع من إيقاع الصلاة فإنها لو ضاقت عن الصلاة لكان ضيقها عن الدفن أولى ودعوى الاضطراب غير قادحة لأن جميع الطرق قد أثبتت الصلاة وهي محل النزاع ودعوى أن الأصل عدم الصلاة مسلمة قبل ورود الشرع وأما بعد وروده فالأصل الصلاة على مطلق الميت والتخصيص ممنوع وأيضا أحاديث الصلاة قد شد من عضدها كونها مثبتة والإثبات مقدم على النفي وهذا مرجح معتبر والقدح في اعتباره في المقام يبعد غفلة الصحابة عن إيقاع الصلاة على أولئك الشهداء معارض بمثله وهو بعد غفلة الصحابة عن الترك الواقع على خلاف ما كان ثابتا عنه صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة على الأموات فكيف يرجح ناقله وهو أقل عددا من نقله الإثبات الذي هو مظنة الغفول عنه لكونه واقعا على مقتضى عادته صلى الله عليه وآله وسلم من الصلاة على مطلق الميت ومن مرجحات الإثبات الخاصة بهذا المقام أنه لم يرو النفي إلا أنس وجابر وأنس عند تلك الواقعة من صغار الصبيان وجابر قد روى أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على حمزة وكذلك أنس كما تقدم فقد وافقا غيرهما في وقوع مطلق الصلاة على الشهيد في تلك الواقعة ويبعد كل البعد أن يخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم بصلاته حمزة لمزية القرابة ويدع بقية الشهداء ومع هذا فلو سلمنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل عليهم حال الواقعة وتركنا جميع هذه المرجحات لكانت صلاته عليهم بعد ذلك مفيدة للمطلوب لأنها كالاستدراك لما فات مع اشتمالها على فائدة أخرى وهي أن الصلاة على الشهيد لا ينبغي أن تترك بحال وإن طالت المدة وتراخت إلى غاية بعيدة
وأما حديث أبي سلام فلم أقف للمانعين من الصلاة على جواب عليه وهو من أدلة المثبتين لأنه قتل في المعركة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسماه شهيدا وصلى عليه نعم لو كان النفي عاما غير مقيد بوقعة أحد ولم يرد في الإثبات غير هذا الحديث لكان مختصا بمن قتل على مثل صفته . واعلم أنه قد اختلف في الشهيد الذي وقع الخلاف في غسله والصلاة عليه هل هو مختص بمن قتل في المعركة أو أعم من ذلك فعند الشافعي أن المراد بالشهيد قتيل المعركة في حرب الكفار وخرج بقوله في المعركة من جرح في المعركة وعاش بعد ذلك حياة مستقرة وخرج بحرب الكفار من مات في قتال المسلمين كأهل البغي وخرج بجميع ذلك من يسمى شهيدا بسبب غير السبب المذكور ولا خلاف أن من جمع هذه القيود شهيد وروى عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن من جرح في المعركة أن من مات قبل الارتثاث فشهيد والارتثاث أن يحمل ويأكل أو يشرب أو يوصي أو يبقى في المعركة يوما وليلة حيا وذهبت الهادوية إلى أن من جرح في المعركة يقال له شهيد وإن مات بعد الارتثاث وأما من قتل مدافعا عن نفس أو مال أو في الممر ظلما فقال أبو حنيفة وأبو يوسف والهادوية أنه شهيد
وقال الإمام يحيى والشافعي أنه وإن قيل له شهيد فليس من الشهداء الذين لا يغسلون . وذهبت العترة والحنفية والشافعي في قول له إن قتيل البغاة شهيد قالوا إذ لم يغسل على أصحابه وهو توقيف
( فائدة ) لم يرد في شيء من الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على شهداء بدر ولا أنه لم يصل عليهم . وكذلك في شهداء سائر المشاهد النبوية إلا ما ذكرنا في هذا البحث فليعلم ذلك

الصلاة على السقط والطفل

1 - عن المغيرة بن شعبة : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها والسقط يصلى عليه ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة )
- رواه أحمد وأبو داود وقال فيه ( والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها ويسارها قريبا منها ) . وفي رواية ( الراكب خلف الجنازة والماشي حيث شاء منها والطفل يصلى عليه ) . رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه

- الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وصححه والحاكم وقال على شرط البخاري بلفظ ( السقط يصلي عليه ويدعى لوالديه بالعافية والرحمة ) وأخرجه بهذا اللفظ الترمذي وصححه ولكن رواه الطبراني موقوفا على المغيرة ورجح الدارقطني في العلل الموقوف
( وفي الباب ) عن علي عند ابن عدي وفي إسناده عمرو بن خالد وهو متروك . وعن ابن عباس عنده أيضا من رواية شريك عن أبي إسحاق عن عطاء عنه وقواه ابن طاهر في الذخيرة وقد ذكره البخاري من قول الزهري تعليقا ووصله ابن أبي شيبة
وعن أبي هريرة عند ابن ماجه يرفعه بلفظ ( صلوا على أطفالكم فإنهم من أفراطكم ) وإسناده ضعيف
قوله ( الراكب خلف الجنازة ) أي يمشي وسيأتي الكلام على المشي مع الجنازة . قوله ( والسقط يصلي عليه ) فيه دليل على مشروعية الصلاة على السقط وإليه ذهبت العترة والفقهاء ولكنها إنما تشرع الصلاة عليه إذا كان قد استهل والاستهلال الصياح أو العطاس أو حركة يعلم بها حياة الطفل . وقد أخرج البزار عن ابن عمر مرفوعا ( استهلال الصبي العطاس ) قال الحافظ وإسناده ضعيف . ويدل على اعتبار الاستهلال حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي بلفظ ( إذا استهل السقط صلي عليه وورث ) وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي عن أبي الزبير عنه وهو ضعيف قال الترمذي رواه أشعث بن سوار وغير واحد عن أبي الزبير عن جابر . ورواه النسائي أيضا وابن حبان في صحيحه والحاكم من طريق إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر وصححه الحاكم على شرط الشيخين . قال الحافظ ووهم لأن أبا الزبير ليس من شرط البخاري وقد عنعن فهو علة هذا الخبر إن كان محفوظا عن سفيان قال ورواه الحاكم أيضا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير مرفوعا وقال لا أعلم أحدا رفعه عن أبي الزبير غير المغيرة وقد وقفه ابن جريج وغيره وروى أيضا من طريق بقية عن الأوزاعي عن أبي الزبير مرفوعا . وقال الشافعي إنما يغسل لأربعة أشهر إذ يكتب في الأربعين الرابعة رزقه وأجله وإنما ذلك للحي
وقد رجح المصنف رحمه الله تعالى هذا واستدل له فقال قلت وإنما يصلى عليه إذا نفخت فيه الروح وهو أن يستكمل أربعة أشهر فأما إن سقط لدونها فلا لأنه ليس بميت إذ لم ينفخ فيه روح . وأصل ذلك حديث ابن مسعود قال : ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصادق المصدوق أن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ) . متفق عليه اه
ومحل الخلاف فيمن سقط بعد أربعة أشهر ولم يستهل . وظاهر حديث الاستهلال أنه لا يصلي عليه وهو الحق لأن الاستهلال يدل على وجود الحياة قبل خروج السقط كما يدل على وجودها بعده فاعتبار الاستهلال من الشارع دليل على أن الحياة بعد الخروج من البطن معتبرة في مشروعية الصلاة على الطفل وأنه لا يكتفي بمجرد العلم بحياته في البطن فقط

ترك الإمام الصلاة على الغال وقاتل نفسه

1 - عن زيد بن خالد الجهني : ( أن رجلا من المسلمين توفي بخيبر وأنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه القوم لذلك فلما رأى الذي بهم قال إن صاحبكم غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا فيه خرزا من خرز اليهود ما يساوي درهمين )
- رواه الخمسة إلا الترمذي

2 - وعن جابر ابن سمرة : ( أن رجلا قتل نفسه بمشاقص فلم يصل عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه الجماعة إلا البخاري

- الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح . قوله ( فقال صلوا على صاحبكم ) فيه جواز الصلاة على العصاة وأما ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة عليه فلعله للزجر عن الغلول كما امتنع من الصلاة على المديون وأمرهم بالصلاة عليه
قوله ( ففتشنا متاعه ) الخ فيه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لإخباره بذلك وإنكشاف الأمر كما قال . قوله ( ما يساوي درهمين ) فيه دليل على تحريم الغلول وإن كان شيئا حقيرا وقد ورد في الوعيد عليه أحاديث كثيرة ليس هذا محل بسطها . قوله ( بمشاقص ) جمع مشقص كمنبر نصل عريض أو سهم فيه ذلك والنصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمي به الوحش كذا في القاموس . قوله ( فلم يصل عليه ) فيه دليل لمن قال إنه لا يصلى على الفاسق وهم العترة وعمر ابن عبد العزيز والأوزاعي فقالوا لا يصلى على الفاسق تصريحا أو تأويلا ووافقهم أبو حنيفة وأصحابه في الباغي والمحارب ووافقهم الشافعي في قول له في قاطع الطريق وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء إلى أنه يصلى على الفاسق وأجابوا عن حديث جابر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس وصلت عليه الصحابة . ويؤيد ذلك ما عند النسائي بلفظ ( أما أنا فلا أصلي عليه ) وأيضا مجرد الترك لو فرض أنه لم يصل عليه هو ولا غيره لا يدل على الحرمة المدعاة
ويدل على الصلاة على الفاسق حديث ( صلوا على من قال لا إله إلا الله ) وقد تقدم الكلام عليه في باب ما جاء في إمامة الفاسق من أبواب الجماعة

الصلاة على من قتل في حد

1 - عن جابر : ( أن رجلا من أسلم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعترف بالزنا فأعرض عنه حتى شهد على نفسه أربع مرات فقال أبك جنون قال لا قال أحصنت قال نعم فأمر به فرجم بالمصلى فلما أذلقته الحجارة فر فأدرك فرجم حتى مات فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيرا و صلى عليه )
- رواه البخاري في صحيحه ورواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه وقالوا ( ولم يصل عليه ) ورواته الإثبات أولي وقد صح عنه عليه السلام أنه صلى على الغامدية وقال الإمام أحمد ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك الصلاة على أحد إلا علي الغال وقاتل نفسه )

- حديث جابر أخرجه البخاري باللفظ الذي ذكره المصنف عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة عنه وقال لم يقل يونس وابن جريج عن الزهري وصلى الله وعلل بعضهم هذه الزيادة أعني قوله ( فصلى عليه ) بأن محمد بن يحيى لم يذكرها وهو أضبط من محمود بن غيلان . قال وتابع محمد ابن يحيى نوح بن حبيب وقال غيره كذا روى عن عبد الرزاق والحسن بن علي ومحمد بن المتوكل ولم يذكروا الزيادة وقال ما أرى مسلما ترك حديث محمود بن غيلان إلا لمخالفة هؤلاء وقد خالف محمود أيضا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه وحميد بن زنجويه وأحمد بن منصور الرمادي وإسحاق بن إبراهيم الديري فهؤلاء ثمانية من أصحاب عبد الرزاق خالفوا محمودا وفيهم هؤلاء الحفاظ إسحاق بن راهويه ومحمد بن يحيى الذهلي وحميد بن زنجويه . وقد أخرجه مسلم في صحيحه عن إسحاق عن عبد الرزاق ولم يذكر لفظه غير أنه قال نحو رواية عقيل
وحديث عقيل الذي أشار إليه ليس فيه ذكر الصلاة . وقال البيهقي ورواه البخاري عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق إلا أنه قال ( فصلى عليه ) وهو خطأ لإجماع أصحاب عبد الرزاق على خلافه ثم إجماع أصحاب الزهري على خلافه انتهى
وعلى هذا تكون زيادة قوله ( وصلى عليه ) شاذة ولكنه قد تقرر في الأصول أن زيادة الثقة إذا وقعت غير منافية كانت مقبولة وهي ههنا كذلك باعتبار رواية الجماعة المذكورين لأصل الحديث وأما باعتبار ما وقع عند أحمد وأهل السنن من أنه لم يصل عليه فرواية الصلاة أرجح من جهات . الأولى كونها في الصحيح الثانية كونها مثبتة . الثالثة كونها معتضدة بما أخرجه مسلم في صحيحه وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عمران بن حصين ( أن امرأة من جهينة أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت أنها قد زنت وهي حبلى فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليها فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحسن إليها فإذا وضعت فجيء بها فلما وضعت جاء بها فأمر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها فرجمت ثم أمرهم فصلوا عليها ) . الحديث وبما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث بريدة أن امرأة من غامد أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحو حديث عمران ( وقال فأمر بها فصلى عليها ) الحديث وبما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبي بكرة ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجم امرأة وفيه فلما طفئت أخرجها فصلى عليها ) وفي إسناده مجهول ومن المرجحات أيضا الاجتماع على الصلاة على المرجوم قال النووي قال القاضي مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا اه
ويتعقب بأن الزهري يقول لا يصلى على المرجوم وقتادة يقول لا يصلى على ولد الزنا وأما قاتل نفسه فقد تقدم الخلاف فيه
( ومن جملة ) المرجحات ما حكاه المصنف عن أحمد أنه قال ما نعلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك الصلاة على أحد إلا الغال وقاتل نفسه . وأما ما أخرجه أبو داود من حديث أبي برزة الأسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه ففي إسناده مجاهيل وبقية الكلام على حديث ماعز والغامدية يأتي إن شاء الله في الحدود وهذا المقدار هو الذي تدعو إليه الحاجة في المقام

الصلاة على الغائب بالنية وعلى القبر إلى شهر

1 - عن جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على أصحمة النجاشي فكبر عليه أربعا ) . وفي لفظ قال ( توفي اليوم رجل صالح من الحبش فهلموا فصلوا عليه فصففنا خلفه فصلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه ونحن صفوف )
- متفق عليهما

2 - وعن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه أربع تكبيرات )
- رواه الجماعة . وفي لفظ ( نعى النجاشي لأصحابه ثم قال استغفروا له ثم خرج بأصحابه إلى المصلى ثم قام فصلى بهم كما يصلي على الجنازة ) . رواه أحمد

3 - وعن عمران بن حصين : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إن أخاكم النجاشي قد مات فقوموا فصلوا عليه قال فقمنا فصففنا عليه كما يصف على الميت وصلينا عليه كما يصلى على الميت )
- رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه

- قوله ( على أصحمة ) قال في الفتح وقع في جميع الروايات التي اتصلت بنا من طريق البخاري أصحمة بمهملتين بوزن أفعلة مفتوح العين . ووقع في مصنف ابن أبي شيبة صحمة بفتح الصاد وسكون الحاء وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد أصخمة بخاء معجمة وإثبات الألف قال وهو غلط وحكى الكرماني أن في بعض النسخ صحبة بالموحدة بدل الميم انتهى . وهو اسم النجاشي . قال ابن قتيبة وغيره معناه بالعربية عطية والنجاشي بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء كياء النسب وقيل بالتخفيف ورجحه الصنعاني لقب لمن ملك الحبشة وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه
قال المطرزي وابن خالويه وأخرون أن كل من ملك المسلمين يقال له أمير المؤمنين ومن ملك الحبشة النجاشي ومن ملك الروم قيصر ومن ملك الفرس كسرى ومن ملك الترك خاقان ومن ملك القبط فرعون ومن ملك مصر العزيز ومن ملك اليمن تبع ومن ملك حمير القيل بفتح القاف وقيل القيل أقل درجة من الملك
قوله ( فكبر عليه أربعا ) فيه دليل على أن المشروع في تكبير الجنازة أربع وسيأتي الكلام في ذلك . قوله ( وخرج بهم إلى المصلى ) تمسك به من قال بكراهة صلاة الجنازة في المسجد وسيأتي البحث في ذلك وقد استدل بهذه القصة القائلون بمشروعية الصلاة على الغائب عن البلد قال في الفتح وبذلك قال الشافعي وأحمد وجمهور السلف حتى قال ابن حزم لم يأت عن أحد من الصحابة منعه . قال الشافعي الصلاة على الميت دعاء له فكيف لا يدعى له وهو غائب أو في القبر
وذهبت الحنفية والمالكية وحكاه في البحر عن العترة أنها لا تشرع الصلاة على الغائب مطلقا قال الحافظ وعن بعض أهل العلم إنما يجوز ذلك في اليوم الذي يموت فيه أو ما قرب منه لا إذا طالت المدة حكاه ابن عبد البر وقال ابن حبان إنما يجوز ذلك لمن كان في جهة القبلة قال المحب الطبري لم أر ذلك لغيره واعتذر من لم يقل بالصلاة على الغائب عن هذه القصة بأعذار منها أنه كان بأرض لم يصل عليه بها أحد ومن ثم قال الخطابي لا يصلى على الغائب إلا إذا وقع موته بأرض ليس فيها من يصلي عليه واستحسنه الروياني وترجم بذلك أبو داود في السنن فقال باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر قال الحافظ وهذا محتمل إلا أنني لم أقف في شيء من الأخبار أنه لم يصل عليه في بلده أحد انتهى
وممن اختار هذا التفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية حفيد المصنف والمحقق المقبلي واستدل له بما أخرجه الطيالسي وأحمد وابن ماجه وابن قانع والطبراني والضياء المقدسي . وعن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن أخاكم مات بغير أرضكم فقوموا فصلوا عليه ) ومن الأعذار قولهم أنه كشف له صلى الله عليه وآله وسلم حتى رآه فيكون حكمه حكم الحاضر بين يدي الإمام الذي لا يراه المؤتمون ولا خلاف في جواز الصلاة على من كان كذلك
قال ابن دقيق العيد هذا يحتاج إلى نقل ولا يثبت بالاحتمال وتعقبه بعض الحنفية بأن الاحتمال كاف في مثله هذا من جهة المانع . قال الحافظ وكأن مستند القائل بذلك ما ذكره الواحدي في أسباب النزول بغير إسناد عن ابن عباس قال ( كشف للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن سرير النجاشي حتى رآه وصلى عليه ) ولابن حبان من حديث عمران بن حصين ( فقاموا وصفوا خلفه وهم لا يظنون إلا أن جنازته بين يديه ) ولأبي عوانة من طريق أبان وغيره عن يحيى فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا
ومن الأعذار أن ذلك خاص بالنجاشي لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على ميت غائب غيره وتعقب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على معاوية بن معاوية الليثي وهو مات بالمدينة والنبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذ ذاك بتبوك ذكر ذلك في الاستيعاب
وروى أيضا عن أبي أمامة الباهلي مثل هذه القصة في حق معاوية بن مقرن وأخرج مثلها أيضا عن أنس في ترجمة معاوية بن معاوية المزني ثم قال بعد ذلك أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية ولو أنها في الأحكام لم يكن شيء منها حجة
وقال الحافظ في الفتح متعقبا لمن قال أنه لم يصل على غير النجاشي قال وكأنه لم يثبت عنده قصة معاوية بن معاوية الليثي وقد ذكرت في ترجمته في الصحابة أن خبره قوي بالنظر إلى مجموع طرقه انتهى
وقال الذهبي لا نعلم في الصحابة معاوية بن معاوية وكذلك تكلم فيه البخاري . وقال ابن القيم لا يصح حديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على معاوية بن معاوية لأن في إسناده العلاء بن يزيد قال ابن المديني كان يضع الحديث وقال النووي مجيبا على من قال بأن ذلك خاص بالنجاشي أنه لو فتح باب هذا الخصوص لانسد كثير من ظواهر الشرع مع أنه لو كان شيء مما ذكروه لتوفرت الدواعي إلى نقله
وقال ابن العربي قال المالكية ليس ذلك إلا لمحمد قلنا وما عمل به محمد تعمل به أمته يعني لأن الأصل عدم الخصوص قالوا طويت له الأرض واحضرت الجنازة بين يديه قلنا إن ربنا عليه لقادر وأن نبينا لأهل لذلك ولكن لا تقولوا إلا ما رويتم ولا تخترعوا حديثا من عند أنفسكم ولا تحدثوا إلا بالثابتات ودعوا الضعاف فإنه سبيل إتلاف إلى ما ليس له تلاف . وقال الكرماني قولهم رفع الحجاب عنه ممنوع ولئن سلمنا فكان غائبا عن الصحابة الذين صلوا عليه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم
( والحاصل ) أنه لم يأت المانعون من الصلاة على الغائب بشيء يعتد به سوى الاعتذار بأن ذلك مختص بمن كان في أرض لا يصلي عليه فيها وهو أيضا جمود على قصة النجاشي يدفعه الأثر والنظر

4 - وعن ابن عباس قال : ( انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى قبر فصلى عليه وصفوا خلفه وكبر أربعا )

5 - وعن أبي هريرة : ( أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابا ففقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسأل عنها أو عنه فقالوا مات قال أفلا آذنتموني قال فكأنهم صغروا أمرها أو أمره فقال دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وأن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم )
- متفق عليهما وليس للبخاري ( أن هذه القبور مملوءة ظلمة ) إلى آخر الخبر

6 - وعن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر بعد شهر )

7 - وعنه : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على ميت بعد ثلاث )
- رواهما الدارقطني

8 - وعن سعيد بن المسيب : ( أن أم سعد ماتت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم غائب فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر )
- رواه الترمذي

- حديث ابن عباس الآخر أخرج الدارقطني الرواية الأولى منه من طريق بشر بن آدم عن أبي عاصم عن سفيان الثوري عن الشيباني عن الشعبي عن ابن عباس . وأخرجه أيضا البيهقي وأخرج الثانية من طريق سفيان عن الشيباني به
ووقع في الأوسط للطبراني من طريق محمد بن الصباح الدولابي عن إسماعيل بن زكريا عن الشيباني به أنه صلى بعد دفنه بليلتين . وحديث سعيد بن المسيب أخرجه البيهقي . قال الحافظ وإسناده مرسل صحيح . وقد رواه البيهقي عن ابن عباس وفي إسناده سويد بن سعيد
( وفي الباب ) عن أبي هريرة عند الشيخين بنحو حديث الباب . وعن أنس عند البزار نحوه . وعن أبي أمامة بن سهل عند مالك في الموطأ نحوه أيضا . وعن زيد بن ثابت عند أحمد والنسائي نحوه أيضا . وعن أبي سعيد عند ابن ماجه وفي إسناده ابن لهيعة . وعن عقبة بن عامر عند البخاري . وعن عمران بن حصين عند الطبراني في الأوسط . وعن ابن عمر عنده أيضا . وعن عبد الله بن عامر ابن ربيعة عند النسائي . وعن أبي قتادة عند البيهقي أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر البراء . وفي رواية بعد شهر . قال حرب الكرماني
( وفي الباب ) أيضا عن عامر ابن ربيعة وعبادة وبريدة بن الحصيب :
قوله ( إلى قبر رطب ) أي لم ييبس ترابه لقرب وقت الدفن فيه . قوله ( وكبر أربعا ) فيه أن المشروع في تكبير صلاة الجنازة أربع وسيأتي . قوله ( أن امرأة سوداء ) سماها البيهقي أم محجن وذكر ابن منده في الصحابة خرقاء اسم امرأة سوداء كانت تقم المسجد فيمكن أن يكون اسمها خرقاء وكنيتها أم محجن . قوله ( أو شابا ) هكذا وقع الشك في ألفاظ الحديث وفي حديث أبي هريرة الجزم بأن صاحبة القصة امرأة وجزم بذلك ابن خزيمة في روايته لحديث أبي هريرة . قوله ( كانت تقم ) بضم القاف أي تجمع القمامة وهي الكناسة : قوله ( ثم قال إن هذه القبور مملوءة ظلمة ) الخ احتج بهذه الرواية من قال بعدم مشروعية الصلاة على القبر وهو النخعي ومالك وأبو حنيفة والهادوية قالوا أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم وأن الله ينورها بصلاتي عليهم يدل على أن ذلك من خصائصه وتعقب ذلك ابن حبان فقال في ترك إنكاره صلى الله عليه وآله وسلم على من صلى معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره وأنه ليس من خصائصه وتعقب هذا التعقب بأن الذي يقع بالتبعية لا ينتهض دليلا للأصالة
( ومن جملة ) ما أجاب به الجمهور عن هذه الزيادة أنها مدرجة في هذا الإسناد وهي من مراسل ثابت بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد قال الحافظ وقد أوضحت ذلك بدلائله في كتاب بيان المدرج . قال البيهقي يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت كما قال أحمد انتهى
وقد عرفت غير مرة أن الاختصاص لا يثبت إلا بدليل ومجرد كون الله ينور القبور بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم على أهلها لا ينفي مشروعية الصلاة على القبر لغيره لا سيما بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وهذا باعتبار من كان قد صلى قبل الدفن وأما من لم يصل عليه ففرض الصلاة عليه الثابت بالأدلة وإجماع الأمة باق وجعل الدفن مسقطا لهذا الفرض محتاج إلى دليل وقد قال بمشروعية الصلاة على القبر الجمهور كما قال ابن المنذر وبه قال الناصر من أهل البيت
وقد استدل بحديث الباب على رد قول من فصل فقال يصلي على قبر من لم يكن قد صلى عليه قبل الدفن لا من كان قد صلى عليه لأن القصة وردت فيمن قد صلى عليه والمفصل هو بعض المانعين الذين تقدم ذكرهم واختلفوا في أمد ذلك فقيده بعضهم إلى شهر . وقيل ما لم يبل الجسد وقيل يجوز أبدا . وقيل إلى اليوم الثالث . وقيل إلى أن يترب
( ومن جملة ) ما اعتذر به المانعون من الصلاة على القبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما فعل ذلك حيث صلى من ليس بأولى بالصلاة مع إمكان صلاة الأولى وهذا تمحل لا ترد بمثله هذه السنة لا سيما مع ما تقدم من صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على البراء بن معرور مع أنه مات والنبي صلى الله عليه وآله وسلم غائب في مكة قبل الهجرة وكان ذلك بعد موته بشهر . وعلى أم سعد وكان أيضا عند موتها غائبا وعلى غيرهما

باب فضل الصلاة على الميت وما يرجى له بكثرة الجمع

1 - عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان قيل وما القيراطان قال مثل الجبلين العظيمين )
- متفق عليه . ولأحمد ومسلم ( حتى توضع في اللحد ) بدل تدفن وفيه دليل فضيلة اللحد على الشق )

- وفي الباب عن عائشة عند البخاري . وعن ثوبان عند مسلم . وعن عبد الله بن مغفل عند النسائي . وعن أبي سعيد عند أحمد وعن ابن مسعود عند أبي عوانة قال الحافظ وأسانيده هذه صحاح . وعن أبي بن كعب عن ابن ماجه . وعن ابن مسعود عند البيهقي في الشعب وأبي عوانة . وعن أنس عند الطبراني في الأوسط . وعن واثلة بن الأسقع عند ابن عدي . وعن حفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال . قال الحافظ وفي كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف
قوله ( من شهد ) في رواية للبخاري ( من شيع ) وفي أخرى له ( من تبع ) وفي رواية لمسلم ( من خرج مع جنازة من بيتها ثم تبعها حتى تدفن ) فينبغي أن تكون هذه الرواية مقيدة لبقية الروايات فالتشييع والشهادة والإتباع يعتبر في كونها محصلة للأجر المذكور في الحديث أن يكون ابتداء الحضور من بيت الميت . ويدل على ذلك ما وقع في رواية لأبي هريرة عند البزار بلفظ ( من أهلها ) وما عند أحمد من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ ( فمشى معها من أهلها ) ومقتضاه أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة وبذلك جزم الطبري :
قال الحافظ والذي يظهر لي أن القيراط يحصل لمن صلى فقط لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى . واستدل بما عند مسلم بلفظ ( من صلى على جنازة ولم يتبعها فله قيراط ) وبما عند أحمد عن أبي هريرة ( ومن صلى ولم يتبع فله قيراط ) فدل على أن الصلاة تحصل القيراط وإن لم يقع إتباع قال ويمكن أن يحمل الإتباع هنا على ما بعد الصلاة انتهى
وهكذا الخلاف في قيراط الدفن هل يحصل بمجرد الدفن من دون إتباع أو لابد منه
قوله ( حتى يصلي عليها ) قال في الفتح اللام للأكثر مفتوحة . وفي بعض الروايات بكسرها ورواية الفتح محمولة عليها فإن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يحصل له انتهى . قال ابن المنير أن القيراط لا يحصل إلا لمن اتبع وصلى أو إتبع وشيع وحضر الدفن لا لمن اتبع مثلا وشيع ثم انصرف بغير صلاة وذلك لأن الإتباع إنما هو وسيلة لا حد مقصودين إما الصلاة وإما الدفن فإذا تجردت الوسيلة عن المقصد لم يحصا المترتب على المقصود وإن كان يترجى أن يحصل لذلك فضل ما يحتسب وقد روى سعيد بن منصور عن مجاهد أنه قال إتباع الجنازة أفضل النوافل وفي رواية عبد الرزاق عنه إتباع الجنازة أفضل من صلاة التطوع : قوله ( فله قيراط ) بكسر القاف قال في الفتح قال الجوهري القيراط نصف دانق قال والدانق سدس الدرهم فهو على هذا نصف سدس الدرهم كما قال ابن عقيل وذكر القيراط تقريبا للفهم لما كان الإنسان يعرف القيراط ويعمل العمل في مقابلته فضرب له المثل بما يعلم ثم لما كان مقدار القيراط المتعارف حقيرا نبه على عظم القيراط الحاصل لمن فعل ذلك فقال مثل أحدكما كما في بعض الروايات وفي أخرى أصغرهما مثل أحد . وفي حديث الباب مثل الجبلين العظيمين :
قوله ( ومن شهدها حتى تدفن ) ظاهره أن حصول القيراط متوقف على فراغ الدفن وهو أصح الأوجه عند الشافعية وغيرهم وقيل يحصل بمجرد الوضع في اللحد وقيل عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب . وقد وردت الأخبار بكل ذلك فعند مسلم ( حتى يفرغ منها ) وعنده في أخرى ( حتى توضع في اللحد ) وعنده أيضا ( حتى توضع في القبر ) وعند أحمد ( حتى يقضي قضاؤها ) وعند الترمذي ( حتى يقضي دفنها ) وعند أبي عوانة ( حتى يسوى عليها ) أي التراب . وقيل يحصل القيراط بكل من ذلك ولكن يتفاوت . والظاهر أنها تحمل الروايات المطلقة عن الفراغ من الدفن وتسوية التراب بالمقيدة بهما :
قوله ( مثل الجبلين ) في رواية ( مثل أحد ) وفي رواية للنسائي ( كل واحد منهما أعظم من أحد ) وعند مسلم أصغرهما مثل أحد . وعند ابن عدي أثقل من أحد فأفادت هذه الرواية بيان وجه التمثيل بجبل أحد وأن المراد به ونة الثواب المترتب على ذلك :
قوله ( حتى توضع في اللحد ) استدل به المصنف على أن اللحد أفضل من الشق وسيأتي الكلام على ذلك

2 - وعن مالك بن هبيرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له فكان مالك بن هبيرة يتحرى إذا قل أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف )
- رواه الخمسة إلا النسائي

3 - وعن عائشة : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه

4 - وعن ابن عباس قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه )
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود

5 - وعن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ما من مسلم يموت فيشهد له أربعة أبيات من جيرانه الأدنين إلا قال الله تعالى قد قبلت علمهم فيه وغفرت له ما لا يعلمون )
- رواه أحمد

- حديث مالك بن هبيرة في إسناده محمد بن إسحاق رواه عن يزيد بن أبي حبيب عن مرثد عن مالك وفيه مقال معروف إذا عنعن . وقد حسن الحديث الترمذي . وقال رواه غير واحد عن محمد بن إسحاق وروى إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق هذا الحديث وأدخل بين مرثد ومالك بن هبيرة رجلا ورواية هؤلاء أصح عندنا قال وفي الباب عن عائشة وأم حبيبة وأبي هريرة ثم ذكر حديث عائشة بنحو اللفظ الذي ذكره المصنف من طريق ابن أبي عمر عن عبد الوهاب الثقفي عن أيوب . وعن أحمد بن منيع وعلي بن حجر عن إسماعيل بن إبراهيم عن أيوب عن أبي قلابة عن عبد الله بن يزيد عن عائشة ثم قال حسن صحيح وقد وقفه بعضهم ولم يرفعه
قال النووي من رفعه ثقة وزيادة الثقة مقبولة . وحديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن ماجه . وحديث أنس أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم من طريق حماد ابن سلمة عن ثابت عن أنس مرفوعا . ولأحمد من حديث أبي هريرة نحوه وقال ثلاثة بدل أربعة . وفي إسناده رجل لم يسم وله شاهد من مراسيل بشير بن كعب أخرجه أبو مسلم الكجي :
قوله ( يبلغون أن يكونوا ثلاثة صفوف ) فيه دليل على أن من صلى عليه ثلاثة صفوف من المسلمين غفر له وأقل ما يسمى صفا رجلان ولا حد لأكثره : قوله ( يبلغون مائة ) فيه استحباب تكثير جماعة الجنازة ويطلب بلوغهم إلى هذا العدد الذي يكون من موجبات الفوز وقد قيد ذلك بأمرين
الأول أن يكونوا شافعين فيه أي مخلصين له الدعاء سائلين له المغفرة . الثاني : أن يكونوا مسلمين ليس فيهم من يشرك بالله شيئا كما في حديث ابن عباس قال القاضي قيل هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله
قال النووي ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بقبول شفاعة مائة فأخبر به ثم بقبول شفاعة أربعين فأخبر به ثم ثلاثة صفوف وإن قل عددهم فأخبر به . قال ويحتمل أيضا أن يقال هذا مفهوم عدد ولا يحتج به جماهير الأصوليين فلا يلزم من الأخبار عن قبول شفاعة مائة منع قبول ما دون ذلك وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف وحينئذ كل الأحاديث معمول بها وتحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين :
قوله ( أربعة أبيات ) ليس عند ابن حبان والحاكم لفظ أبيات وفيه أن شهادة أربعة من جيران الميت من موجبات مغفرة الله تعالى له . ويؤيد ذلك ما أخرجه البخاري وغيره عن عمر : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة فقلنا وثلاثة قال وثلاثة فقلنا واثنان قال واثنان ثم لم نسأله عن الواحد )
قال الزين بن المنير إنما لم يسأله عمر عن الواحد استعبادا منه أن يكتفي في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب
قال الداودي المعتبر في ذلك شهادة أهل الفضل والصدق لا الفسقة لأنهم قد يثنون على من يكون مثلهم ولا من بينه وبين الميت عداوة لأن شهادة العدو لا تقبل . وقد أخرج الشيخان وغيرهما من حديث أنس قال ( مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال وجبت ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال وجبت فقال عمر ما وجبت قال هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض ) هذا لفظ البخاري . وفي مسلم وجبت وجبت وجبت ثلاثا في الموضعين
قال النووي قال بعضهم معنى الحديث أن الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل وكان ذلك مطابقا للواقع فهو من أهل الجنة فإن كان غير مطابق فلا وكذا عكسه
قالوا والصحيح أنه على عمومه وأن من مات فالهم الله تعالى الناس الثناء عليه بخير كان دليلا على أنه من أهل الجنة سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك أم لا فإن الأعمال داخلة تحت المشيئة وهذا الإلهام يستدل به على تعيينها وبهذا تظهر فائدة الثناء انتهى
قال الحافظ وهذا في جانب الخير واضح وأما في جانب الشر فظاهر الأحاديث أنه كذلك لكن إنما يقع ذلك في حق من غلب شره على خيره وقد وقع في رواية من حديث أنس المتقدم ( أن لله عز و جل ملائكة تنطق على ألسنة بني آدم بما في المرء من الخير والشر )

باب ما جاء في كراهة النعي

1 - عن ابن مسعود : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إياكم والنعي فإن النعي عمل الجاهلية )
- رواه الترمذي كذلك . ورواه موقوفا وذكر أنه أصح

2 - وعن حذيفة أنه قال : ( إذا مت فلا تؤذنوا بي أحدا إني أخاف أن يكون نعيا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينهى عن النعي )
- رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه

3 - وعن إبراهيم أنه قال : ( لا بأس إذا مات الرجل أن يؤذن صديقه وأصحابه إنما كان يكره أن يطاف في المجالس فيقال أنعى فلانا فعل أهل الجاهلية )
- رواه سعيد في سننه

4 - وعن أنس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الراية زيد فأصيب ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب وأن عيني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لتذرفان ثم أخذها خالد بن الوليد من غيرا مرة ففتح له )
- رواه أحمد والبخاري

- حديث ابن مسعود في إسناده أبو حمزة ميمون الأعور وليس بالقوي عند أهل الحديث . وقد اختلف في رفعه ووقفه ورجح الترمذي وقفه كما قال المصنف وقال إنه حديث غريب
وحديث حذيفة قال الحافظ في الفتح إسناده حسن وكلام إبراهيم الذي رواه سعيد بن منصور هو من طريق ابن علية عن ابن عون قال قلت لإبراهيم هل كانوا يكرهون النعي قال نعم ثم ذكره . وروى أيضا سعيد بن منصور بهذا الإسناد إلى ابن سيرين أنه قال لا أعلم بأسا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه : قوله ( إياكم والنعي ) النعي هو الإخبار بموت الميت كما في الصحاح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة قال في القاموس نعاه له نعيا ونعيا ونعيانا أخبره بموته
وفي النهاية نعى الميت نعيا إذا ذاع موته وأخبر به انتهى . فمدلول النعي لغة هو هذا وإليه يتوجه النهي لوجوب حمل كلام الشارع على مقتضى اللغة العربية عند عدم وجود اصطلاح لخ يخالفه . وقال في الفتح إنما نهى عما كان أهل الجاهلية يصنعونه وكانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق . وقال ابن المرابط إن النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح وإن كان فيه إدخال الكرب والمصاب على أهله لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته وتهيئة أمره والصلاة عليه والدعاء له والاستغفار وتنفيذ وصاياه وما يترتب على ذلك من الأحكام انتهى
ويستدل لجواز مجرد الإعلام بحديث أنس المذكور في الباب فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر بقتل الثلاثة الأمراء المقتولين بموته وقصتهم مشهورة وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله ابن رواحة . وبحديث أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه ) كما تقدم . وقد بوب عليه البخاري باب الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه . وبحديث أبي هريرة وغيره ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عند أن أخبر بموت السوداء أو الشاب الذي كان يقم المسجد ألا آذنتموني ) وقد تقدم
وفي حديث ابن عباس ما منعكم أن تعلموني . وقد بوب عليه البخاري باب الإذن بالجنازة . وبحديث الحصين بن وحوح وقد تقدم في باب المبادرة إلى تجهيز الميت فهذه الأحاديث تدل على أن مجرد الإعلام بالموت لا يكون نعيا محرما وإن كان باعتبار اللغة مما يصدق عليه اسم النعي كما تقدم . ويؤيد ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي وابن سيرين كما سلف . وقال ابن العربي يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات
الأولى إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح فهذا سنة
الثانية الدعوة للمفاخرة بالكثرة فهذا مكروه
الثالثة الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم انتهى
( فالحاصل ) أن الإعلام للغسل والتكفين والصلاة والحمل والدفن مخصوص من عموم النهي لأن إعلام من لا تتم هذه الأمور إلا به مما وقع الإجماع على فعله في زمن النبوة وما بعده وما جاوز هذا المقدار فهو داخل تحت عموم النهي

باب عدد تكبير صلاة الجنائز

قد ثبت الأربع في رواية أبي هريرة وابن عباس وجابر

1 - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : ( كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا وأنه كبر خمسا على جنازة فسألته فقال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبرها )
- رواه الجماعة إلا البخاري

- حديث أبي هريرة وابن عباس وجابر تقدم في الصلاة على الغائب وممن روى الأربع كما قال البيهقي عقبة بن عامر والبراء بن عازب وزيد بن ثابت وابن مسعود
وروى ابن عبد البر في الاستذكار من طريق أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة عن أبيه : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وسبعا وثمانيا حتى جاء موت النجاشي فخرج فكبر أربعا ثم ثبت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أربع حتى توفاه الله تعالى )
وكذا قال القاضي عياض وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر مرفوعا : ( صلوا على موتاكم بالليل والنهار والصغير والكبير والدنئ والأمير أربعا ) . وفي إسناده عمرو بن هشام البيروتي تفرد به عن ابن لهيعة وإلى مشروعية الأربع التكبيرات في الجنازة وذهب الجمهور قال الترمذي العمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم يرون التكبير على الجنازة أربع تكبيرات وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق انتهى
قال ابن المنذر ذهب أكثر أهل العلم إلى أن التكبير أربع انتهى
وقد اختلف السلف في ذلك فروى عن زيد بن أرقم أنه كان يكبر خمسا كما في حديث الباب وروى ابن المنذر عن ابن مسعود أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبر خمسا وروى أيضا عن ابن مسعود عن علي أنه كان يكبر على أهل بدر ستا وعلى الصحابة خمسا وعلى شائر الناس أربعا
وروى ذلك أيضا ابن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني عن عبد خير عنه . وروى ابن المنذر أيضا بإسناد صحيح عن ابن عباس أنه كبر على جنازة ثلاثا . قال القاضي عياض اختلفت الصحابة في ذلك من ثلاث تكبيرات إلى تسع . قال ابن عبد البر وانعقد الإجماع بعد ذلك على أربع . وأجمع الفقهاء وأهل الفتوى بالأمصار على أربع على ما جاء في الأحاديث الصحيح وما سوى ذلك عندهم شذوذ لا يلتفت إليه وقال لا نعلم أحدا من فقهاء الأمصار يخمس إلا ابن أبي ليلى وقال علي ابن الجعد حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت سعيد بن المسيب يقول إن عمر قال كل ذلك قد كان أربعا وخمسا فاجتمعنا على أربع رواه البيهقي . ورواه ابن عبد البر من وجه آخر عن شعبة . وروى البيهقي أيضا عن أبي وائل قال : ( كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعا وخمسا وستا وسبعا فجمع عمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبر كل رجل منهم بما رأى فجمعهم عمر على أربع تكبيرات )
وروى أيضا من طريق إبراهيم النخعي أنه قال اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت أبي مسعود فاجتمعوا على أن التكبير على الجنازة أربع . وروى أيضا بسنده إلى الشعبي قال صلى ابن عمر على زيد بن عمر وأمه أم كلثوم بنت علي فكبر أربعا وخلفه ابن عباس والحسين بن علي وابن الحنفية
قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكبرها ) استدل به من قال أن تكبير الجنازة خمس وقد حكاه في البحر عن العترة جميعا وأبي ذر وزيد بن أرقم وحذيفة وابن عباس ومحمد بن الحنفية وابن أبي ليلى وحكاه في المبسوط عن أبي يوسف وفي دعوى إجماع العترة نظر لأن صاحب الكافي حكى عن زيد بن علي القول بالأربع واستدلوا أيضا بحديث حذيفة الآتي وبما تقدم عن جماعة من الصحابة قالوا والخمس زيادة يتحتم قبولها لعدم منافاتها وأورد عليهم أنه كان يلزمكم الأخذ بأكثر من خمس لأنها زيادة وقد وردت كما أخرجه البيهقي عن أبي وائل وقد تقدم ورجح الجمهور ما ذهبوا إليه من مشروعية الأربع بمرجحات أربعة
الأول : أنها ثبتت من طريق جماعة من الصحابة أكثر عددا ممن روي منهم الخمس
الثاني : أنها في الصحيحين
الثالث : أنه أجمع على العمل بها الصحابة كما تقدم
الرابع : أنها آخر ما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم كما أخرج الحاكم من حديث ابن عباس بلفظ ( آخر ما كبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجنائز أربع ) . وفي إسناده الفرات ابن سلمان . وقال الحاكم بعد ذكر الحديث ليس من شرط الكتاب . ورواه أيضا البيهقي بإسناد فيه النضر بن عبد الرحمن وهو ضعيف وقد تفرد به كما قال البيهقي
قال الحافظ وروى هذا اللفظ من وجوه أخر كلها ضعيفة . وقال الأثرم رواه محمد بن معاوية النيسابوري عن أبي المليح عن ميمون بن مهران عن ابن عباس . وقد سألت أحمد عنه فقال محمد هذا روى أحاديث موضوعة منها هذا واستعظمه
وقال كان أبو المليح أتقى لله . وأصح حديثا من أن يروى مثل هذا وقال حرب عن أحمد هذا الحديث إنما رواه محمد بن زياد الطحان وكان يضع الحديث . وقال ابن القيم قال أحمد هذا كذب ليس له أصل اه
ورواه ابن الجوزي في الناسخ والمنسوخ من طريق ابن شاهين عن ابن عمر وفي إسناده زافر بن الحرث عن أبي العلاء عن ميمون بن مهران عنه . قال ابن الجوزي وخالفه غيره ولا يثبت فيه شيء ورواه الحرث بن أبي أسامة عن جعفر بن حمزة عن فرات بن السائب عن ميمون ابن مهران عن ابن عمر بنحوه ويجاب عن الأول من هذه المرجحات والثاني منها بأنه إنما يرجح بهما عند التعارض ولا تعارض بين الأربع والخمس لأن الخمس مشتملة زيادة غير معارضة . وعن الرابع بأنه لم يثبت ولو ثبت لكان غير رافع للنزاع لأن اقتصاره على الأربع لا ينفي مشروعية الخمس بعد ثبوتها عنه وغاية ما فيه جواز الأمرين نعم المرجح الثالث أعني إجماع الصحابة على الأربع هو الذي يعول عليه في مثل هذا المقام إن صح وإلا كان الأخذ بالزيادة الخارجة من مخرج صحيح هو الراجح
وفي المسألة أقوال أخر . منها ما روي عن أحمد بن حنبل أنه لا ينقص عن أربع ولا يزاد على سبع . ومنها ما روى عن بكر بن عبد الله المزني أنه لا ينقص عن ثلاث ولا يزاد على سبع . ومنها ما روى عن ابن مسعود أنه قال التكبير تسع وسبع وخمس وأربع وكبر ما كبر الإمام روى ذلك جميعه ابن المنذر . ومنها ما روى عن أنس أن تكبير الجنازة ثلاث كما روى عنه ابن المنذر أنه قيل له أن فلانا كبر ثلاثا فقال وهل التكبير إلا ثلاث وروى عنه ابن أبي شيبة أنه كبر ثلاثا لم يزد عليها وروى عنه عبد الرزاق أنه كبر على جنازة ثلاثا ثم انصرف ناسيا فقالوا له يا أبا حمزة إنك كبرت ثلاثا قال فصفوا فصفوا فكبر الرابعة . وروى عنه البخاري تعليقا نحو ذلك وجمع بين الروايات عنه الحافظ بأنه إما كان يرى الثلاث مجزئة والأربع أكمل منها وإما بأن من أطلق عنه الثلاث لم يذكر الأولى لأنها افتتاح الصلاة

2 - وعن حذيفة : ( أنه صلى على جنازة فكبر خمسا ثم التفت فقال ما نسيت ولا وهمت ولكن كبرت كما كبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على جنازة فكبر خمسا )
- رواه أحمد

3 - وعن علي : ( أنه كبر على سهل بن حنيف ستا وقال أنه شهد بدرا )
- رواه البخاري

4 - وعن الحكم بن عتيبة أنه قال : ( كانوا يكبرون على أهل بدر خمسا وستا وسبعا )
- رواه سعيد في سننه

- حديث حذيفة ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه وفي إسناده يحيى بن عبد الله الجابري وهو متكلم عليه والأثر المذكور عن علي هو في البخاري بلفظ ( أنه كبر على سهل بن حنيف ) زاد البرقاني في مستخرجه ( ستا ) وكذا ذكره البخاري في تاريخه وسعيد بن منصور . ورواه ابن أبي خيثمة من وجه آخر عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن مغفل فقال خمسا . وروى البيهقي عنه أنه كبر على أبي قتادة سبعا وقال أنه غلط لأن أبا قتادة عاش بعد ذلك قال الحافظ وهذه علة غير قادحة لأنه قد قيل أن أبا قتادة مات في خلافة علي وهذا هو الراجح اه
وقول الحكم بن عتيبة أورده الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه وقد تقدم الخلاف في عدد التكبير وما هو الراجح . وفي فعل علي دليل على استحباب تخصيص من له فضيلة بإكثار التكبير عليه وكذلك في رواية الحكم بن عتيبة عن السلف وقد تقدم من فعله صلى الله عليه وآله وسلم بصلاته على حمزة ما يدل على ذلك

باب القراءة والصلاة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فيها

1 - عن ابن عباس : ( أنه صلى على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب وقال لتعلموا أنه من السنة )
- رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي وقال فيه ( فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر فلما فرغ قال سنة وحق )

2 - وعن أبي أمامة بن سهل : ( أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات ولا يقرأ في شيء منهن ثم يسلم سرا في نفسه )
- رواه الشافعي في مسنده

3 - وعن فضالة بن أبي أمية قال : ( قرأ الذي صلى على أبي بكر وعمر بفاتحة الكتاب )
- رواه البخاري في تاريخه

- حديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم . وحديث أبي أمامة بن سهل في إسناده مطرف ولكنه قد قواه البيهقي بما رواه في المعرفة من طريق عبد الله ابن أبي زياد الرصافي عن الزهري بمعناه
وأخرج نحوه الحاكم من وجه آخر وأخرجه أيضا النسائي وعبد الرزاق قال في الفتح وإسناده صحيح وليس فيه قوله ( بعد التكبيرة ) ولا قوله ( ثم يسلم سرا في نفسه ) ولكنه أخرج الحاكم نحوها
( وفي الباب ) عن ابن عباس حديث آخر عند الترمذي وابن ماجه : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب ) . وفي إسناده إبراهيم ابن عثمان أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف جدا وقال الترمذي لا يصح هذا عن ابن عباس والصحيح عنه قوله ( من السنة )
وعن أم شريك عند ابن ماجه قالت : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب ) . وفي إسناده ضعف يسير كما قال الحافظ
وعن ابن عباس حديث آخر أيضا عند الحاكم : ( أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبر ثم قرأ الفاتحة رافعا صوته ثم صلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال اللهم هذا عبدك وابن عبديك أصبح فقيرا إلى رحمتك فأنت غني عن عذابه إن كان زاكيا فزكه وإن كان مخطئا فاغفر له اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده ثم كبر صلاة تكبيرات ثم انصرف فقال أيها الناس إني لم أقرأ عليها أي جهرا إلا لتعلموا أنه سنة ) . وفي إسناده شرحبيل بن سعد وهو مختلف في توثيقه
وعن جابر عند النسائي في المجتبى والحاكم والشافعي وأبي يعلى : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ فيها بأم القرآن ) . وفي إسناده الشافعي والحاكم إبراهيم بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل
وعن محمد ابن مسلمة عند ابن أبي حاتم في العلل أنه قال السنة على الجنائز أن يكبر الإمام ثم يقرأ أم القرآن في نفسه ثم يدعو ويخلص الدعاء للميت ثم يكبر ثلاثا ثم يسلم وينصرف ويفعل من وراءه ذلك وقال سألت أبي عنه فقال هذا خطأ إنما هو حبيب بن مسلمة . قال الحافظ حديث حبيب في المستدرك من طريق الزهري عن أبي أمامة ابن سهل باللفظ السابق :
قوله ( لتعلموا أنه من السنة ) فيه وفي بقية أحاديث الباب دليل على مشروعية قراء فاتحة الكتاب في صلاة الجنازة وقد حكى ابن المنذر عن ابن مسعود والحسن بن علي وابن الزبير والمسور بن مخرمة وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وبه قال الهادي والقاسم والمؤيد بالله ونقل ابن المنذر أيضا عن أبي هريرة وابن عمر أنه ليس فيها قراءة وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين وإليه ذهب زيد بن علي والناصر وأحاديث الباب ترد عليهم
( واختلف الأولون ) هل قراءة الفاتحة واجبة أم لا فذهب إلى الأول الشافعي وأحمد وغيرهما واستدلوا بحديث أم شريك المتقدم وبالأحاديث المتقدمة في كتاب الصلاة كحديث لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ونحوه وصلاة الجنازة صلاة وهو الحق
قوله ( وسورة ) فيه مشروعية قراءة سورة مع الفاتحة في صلاة الجنازة ولا محيص عن المصير إلى ذلك لأنها زيادة خارجة من مخرج صحيح . ويؤيد وجوب قراءة السورة في صلاة الجنازة الأحاديث المتقدمة في باب وجوب قراءة الفاتحة من كتاب الصلاة فإنها ظاهرة في كل صلاة : قوله ( وجهر ) فيه دليل على الجهر في قراءة صلاة الجنازة وقال بعض أصحاب الشافعي أنه يجهر بالليل كالليلية وذهب الجمهور إلى أنه لا يستحب الجهر في صلاة الجنازة وتمسكوا بقول ابن عباس المتقدم لم أقرأ أي جهرا إلا لتعلموا أنه سنة
وبقوله في حديث أبي أمامة سرا في نفسه : قوله ( بعد التكبيرة الأولى ) فيه بيان محل قراءة الفاتحة وقد أخرج الشافعي والحاكم عن جابر مرفوعا بلفظ ( وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى ) وفي إسناده إبراهيم بن محمد وهو ضعيف جدا . وقد صرح العراقي في شرح الترمذي بأن إسناد حديث جابر ضعيف : قوله ( ثم يصلي على النبي ) فيه مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاة الجنازة ويؤيد ذلك الأحاديث المتقدمة في الصلاة كحديث ( لا صلاة لمن لم يصل علي ) ونحوه . وروى إسماعيل القاضي في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أبي أمامة أنه قال إن السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ بفاتحة الكتاب ويصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يخلص الدعاء للميت حتى يفرغ ولا يقرأ إلا مرة ثم يسلم
وأخرجه ابن الجارود في المنتقي قال الحافظ ورجاله مخرج لهم في الصحيحين : قوله ( ثم يسلم سرا في نفسه ) فيه دليل على مشروعية السلام في صلاة الجنازة والإسرار به وهو مجمع عليه حكى ذلك في البحر
وأخرج البيهقي عن ابن مسعود قال : ( ثلاث كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعلهن تركهن الناس إحداهن التسليم على الجنائز مثل التسليم في الصلاة ) . وله أيضا نحوه عن عبد الله بن أبي أوفى فحصل من الأحاديث المذكورة في الباب أن المشروع في صلاة الجنازة قراءة الفاتحة بعد التكبيرة الأولى وقراءة سورة وتكون أيضا بعد التكبيرة الأولى مع الفاتحة لقوله في حديث أبي أمامة بن سهل ويخلص الدعاء للميت في التكبيرات ولا يقرأ في شيء منهن ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يرد ما يدل على تعيين موضعها والظاهر أنها تفعل بعد القراءة ثم يكبر بقية التكبيرات ويستكثر من الدعاء بينهن للميت مخلصا له ولا يشتغل بشيء من الاستحسانات التي وقعت في كتب الفقه فإنه لا مستند لها إلا التخيلات ثم بعد فراغه من التكبير والدعاء المأثور يسلم وقد اختلف في مشروعية الرفع عند كل تكبيرة فذهب الشافعي إلى أنه يشرع مع كل تكبيرة . وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر وعمر ابن عبد العزيز وعطاء وسالم بن عبد الله وقيس بن أبي حازم والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق واختاره ابن المنذر وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحاب الرأي أنه لا يرفع عند سائر التكبيرات بل عند الأولى فقط
وعن مالك ثلاث روايات الرفع في الجميع وفي الأولى فقط وعدمه في كلها وقالت العترة بمنعه في كلها
( احتج الأولون ) بما أخرجه البيهقي عن ابن عمر قال الحافظ بسند صحيح وعلقه البخاري ووصله في جزء رفع اليدين أنه كان يرفع يديه في جميع تكبيرات الجنازة . ورواه الطبراني في الأوسط في ترجمة موسى بن عيسى مرفوعا وقال لم يروه عن نافع إلا عبد الله بن محرر تفرد به عباد ابن صهيب قال في التلخيص وهما ضعيفان ورواه الدارقطني من طريق يزيد ابن هرون عن يحيى بن سعيد عن نافع عنه مرفوعا لكن قال في العلل تفرد به برفعه عمر بن شيبة عن يزيد بن هرون . ورواه الجماعة عن يزيد موقوفا وهو الصواب وروى الشافعي عمن سمع سلمة بن وردان يذكر عن أنس أنه كان يرفع يديه كلما كبر على الجنازة . وروى أيضا الشافعي عن عروة وابن المسيب مثل ذلك قال وعلى ذلك أدركنا أهل العلم ببلدنا
( واحتج القائلون ) بأنه لا يرفع يديه إلا عند تكبيرة الافتتاح بما رواه الدارقطني من حديث ابن عباس وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا صلى على جنازة رفع يديه في أول تكبيرة ثم لا يعود . قال الحافظ ولا يصح فيه شيء وقد صح عن ابن عباس أنه كان يرفع يديه في تكبيرات الجنازة رواه سعيد بن منصور اه
واحتجوا أيضا بما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى )
وقال غريب وفي إسناده يزيد بن سنان الرهاوي وهو ضعيف عند أهل الحديث . والحاصل أنه لم يثبت في غير التكبيرة الأولى شيء يصلح للاحتجاج به عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأفعال الصحابة وأقوالهم لا حجة فيها فينبغي أن يقتصر على الرفع عند تكبيرة الإحرام لأنه لم يشرع في غيرها إلا عند الانتقال من ركن إلى ركن كما في سائر الصلوات ولا انتقال في صلاة الجنازة

باب الدعاء للميت وما ورد فيه

1 - عن أبي هريرة قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء )
- رواه أبو داود وابن ماجه

2 - وعن أبي هريرة قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا صلى على جنازة قال اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان )
- رواه أحمد والترمذي . ورواه أبو داود وابن ماجه وزاد ( اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده )

- الحديث الأول أخرجه أيضا ابن حبان وصححه والبيهقي وفي إسناده ابن إسحاق وقد عنعن ولكن أخرجه ابن حبان من طريق أخرى عنه مصرحا بالسماع . والحديث الثاني أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم وقال وله شاهد صحيح من حديث عائشة نحوه
وأخرج هذا الشاهد الترمذي وأعله بعكرمة بن عمار وفي إسناد حديث الباب يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال أبو حاتم الحفاظ لا يذكرون أبا هريرة إنما يقولون أبو سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا ولا يوصله بذكر أبي هريرة إلا غير متقن والصحيح أنه مرسل . وقال الترمذي روى هذا الحديث هشام الدستوائي وعلي بن المبارك عن يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا اه وقد رواه يحيى بن أبي كثير من حديث أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثل حديث أبي هريرة أخرجه من هذا الوجه أحمد والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح وقال أصح الروايات في هذا يحيى بن أبي كثير عن أبي إبراهيم الأشهلي عن أبيه وسألته عن اسم أبي إبراهيم فلم يعرفه . وقال أبو حاتم أبو إبراهيم مجهول اه ولكن جهالة الصحابي غير قادحة . وقد أخرجه الترمذي والحاكم عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة ولكن في إسناد هذه الطريق عكرمة ابن عمار كما تقدم
وأخرجه أيضا الترمذي عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله ابن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد توهم بعض الناس أن أبا إبراهيم الأشهلي هو عبد الله بن أبي قتادة قال الحافظ وهو غلط لأن أبا إبراهيم من بني عبد الأشهل وأبو قتادة من بني سلمة
( وفي الباب ) عن أبي هريرة حديث آخر عند أبي داود والنسائي : ( أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته على الجنازة يقول اللهم أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها وعلانيتها جئنا شفعاء فاغفر لها )
وعن عوف بن مالك وواثلة وسيأتيان : قوله ( فأخلصوا له الدعاء ) فيه دليل على أنه لا يتعين دعاء مخصوص من هذه الأدعية الواردة وأنه ينبغي للمصلي على الميت أن يخلص الدعاء له سواء كان محسنا أو مسيئا فإن ملابس المعاصي أحوج الناس إلى دعاء إخوانه المسلمين وأفقرهم إلى شفاعتهم ولذلك قدموه بين أيديهم وجاؤا به إليهم لا كما قال بعضهم أن المصلي يلعن الفاسق ويقتصر في الملتبس على قوله ( اللهم إن كان محسنا فزده إحسانا وإن كان مسيئا فأنت أولى بالعفو عنه فإن الأول من إخلاص السب لا من إخلاص الدعاء والثاني من باب التفويض باعتبار المسيء لا من باب الشفاعة والسؤال وهو تحصيل للحاصل والميت غني عن ذلك : قوله ( فأحيه على الإسلام ) هذا اللفظ هو الثابت عند الأكثر وفي سنن أبي داود ( فأحيه على الإيمان وتوفه على الإسلام )
( واعلم ) أنه قد وقع في كتب الفقه ذكر أدعية غير المأثورة عنه صلى الله عليه وآله وسلم والتمسك بالثابت عنه أولى واختلاف الأحاديث في ذلك محمول على أنه كان يدعو لميت بدعاء ولآخر بآخر والذي أمر به صلى الله عليه وآله وسلم إخلاص الدعاء
( فائدة ) إذا كان المصلى عليه طفلا استحب أن يقول المصلي ( اللهم اجعله لنا سلفا وفرطا وأجرا ) روى ذلك البيهقي من حديث أبي هريرة وروى مثله سفيان في جامعه عن الحسن

3 - وعن عوف بن مالك قال : ( سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على جنازة يقول اللهم اغفر له وارحمه واعف عنه وعافه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بماء وثلج وبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وابدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وقه فتنة القبر وعذاب النار قال عوف فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك الميت )
- رواه مسلم والنسائي

4 - وعن واثلة بن الأسقع قال : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رجل من المسلمين فسمعته يقول اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار وأنت أهل الوفاء والحمد اللهم فاغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم )
- رواه أبو داود

- الحديث الأول أخرجه أيضا الترمذي مختصرا والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده مروان بن جناح وفيه مقال
قوله ( سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) وكذلك قوله ( فسمعته ) وفي رواية لمسلم من حديث عوف ( فحفظت من دعائه ) جميع ذلك يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جهر بالدعاء وهو خلاف ما صرح به جماعة من استحباب الإسرار بالدعاء وقد قيل إن جهره صلى الله عليه وآله وسلم بالدعاء لقصد تعليمهم
وأخرج أحمد عن جابر قال : ( ما أباح لنا في دعاء الجنازة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا أبو بكر ولا عمر ) . وفسر أباح بمعنى قدر . قال الحافظ والذي وقفت عليه باح بمعنى جهر والظاهر أن الجهر والإسرار بالدعاء جائزان . قوله ( واغسله بماء وثلج ) الخ هذه الألفاظ قد تقدم شرحها في الصلاة
( واعلم ) أنه لم يرد تعيين موضع هذه الأدعية فإن شاء المصلي جاء بما يختار منها دفعة إما بعد فراغه من التكبير أو بعد التكبيرة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو يفرقه بين كل تكبيرتين أو يدعو بين كل تكبيرتين بواحد من هذه الأدعية ليكون مؤديا لجميع ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم
وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى الآتي فليس فيه أنه لم يدع إلا بعد التكبيرة الرابعة إنما فيه أنه دعا بعدها وذلك لا يدل على أن الدعاء مختص بذلك الموضع :
قوله ( إن فلان بن فلان ) فيه دليل على استحباب تسمية الميت باسمه واسم أبيه وهذا إن كان معروفا وإلا جعل مكان ذلك اللهم إن عبدك هذا ونحوه والظاهر أنه يدعو بهذه الألفاظ الواردة في هذه الأحاديث سواء كان الميت ذكرا أو أنثى ولا يحول الضمائر المذكورة إلى صيغة التأنيث إذا كان الميت أنثى لأن مرجعها الميت وهو يقال على الذكر والأنثى

5 - وعن عبد الله بن أبي أوفى : ( أنه ماتت ابنة له فكبر عليها أربعا ثم قام بعد الرابعة قدر ما بين التكبيرتين يدعو ثم قال كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع في الجنازة هكذا )
- رواه أحمد وابن ماجه بمعناه

- الحديث أخرجه أيضا البيهقي في السنن الكبرى . وفي رواية ( كبر أربعا حتى ظننت أنه سيكبر خمسا ثم سلم عن يمينه وعن شماله فلما انصرف قلنا له ما هذا فقال إني لا أزيد على ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصنع وهكذا كان يصنع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) . قال الحاكم هذا حديث صحيح وفيه دليل على استحباب الدعاء بعد التكبيرة الآخرة قبل التسليم وفيه خلاف والراجح الاستحباب لهذا الحديث
وقال الشافعي في كتاب البويطي أنه يقول ( اللهم لا تحرمنا أجره ولا تفتنا بعده ) وقال أبو علي بن أبي هريرة كان المتقدمون يقولون في الرابعة اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار
وقال الهادي والقاسم إنه يقول بعد الرابعة سبحان من سبحت له السموات والأرضون سبحان ربنا الأعلى سبحانه وتعالى اللهم هذا عبدك وابن عبديك وقد صار إليك وقد أتيناك مستشفعين له سائلين المغفرة فاغفر له ذنوبه وتجاوز عن سيآته وألحقه بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم اللهم وسع عليه قبره وافسح له أمره واذقه عفوك ورحمتك يا أكرم الأكرمين اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لمثل يومه ولا تفتنا بعده واجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نلقاك ثم يكبر الخامسة ثم يسلم

باب موقف الإمام من الرجل والمرأة وكيف يصنع إذا اجتمعت أنواع

1 - عن سمرة قال : ( صليت وراء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على امرأة ماتت في نفاسها فقام عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة وسطها )
- رواه الجماعة

2 - وعن أبي غالب الحناط قال : ( شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل فقام عند رأسه فلما رفعت أتي بجنازة امرأة فصلى عليها فقام وسطها وفينا العلاء ابن زياد العلوي فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال يا أبا حمزة هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم من الرجل حيث قمت ومن المرأة حيث قمت قال نعم )
- رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وأبو داود . وفي لفظه فقال العلاء بن زياد ( هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة قال نعم )

- الحديث الثاني حسنه الترمذي وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص ورجال إسناده ثقات :
قوله ( وسطها ) بسكون السين وفيه دليل على أن المصلي على المرأة الميتة يستقبل وسطها ولا منافاة بين هذا الحديث وبين قوله في حديث أنس ( وعجيزة المرأة ) لأن العجيزة يقال لها وسط وأما الرجل فالمشروع أن يقف الإمام حذاء رأسه لحديث أنس المذكور ولم يصب من استدل بحديث سمرة على أنه يقام حذاء وسط الرجل والمرأة وقال إنه نص في المرأة ويقاس عليها الرجل لأن هذا قياس مصادم للنص وهو فاسد الاعتبار ولاسيما مع تصريح من سأل أنسا بالفرق بين الرجل والمرأة وجوابه عليه بقوله وإلى ما يقتضيه هذان الحديثان من القيام عند رأس الرجل ووسط المرأة ذهب الشافعي وهو الحق
وقال أبو حنيفة حذاء صدرهما وفي رواية وسطهما . وقال مالك حذاء الرأس منهما . وقال الهادي حذاء رأس الرجل وثدي المرأة واستدل بفعل علي عليه السلام قال أبو طالب وهو رأي أهل البيت لا يختلفون فيه . وحكى في البحر عن القاسم أنه يستقبل صدر المرأة وبينه وبين السرة من الرجل قال في البحر بعد حكاية الخلاف مؤيدا لما ذهب إليه الهادي لنا إجماع العترة أولى من استحسانهم انتهى
وقد عرفت أن الأدلة على ما ذهب إليه الشافعي وأن ما عداه لا مستند له من المرفوع إلا مجرد الخطأ في الاستدلال أو التعويل على محض الرأي أو ترجيح ما فعله الصحابي على ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل نعم لا ينتهض مجرد الفعل دليلا للوجوب ولكن النزاع فيما هو الأولى والأحسن ولا أولى ولا أحسن من الكيفية التي فعلها المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم
قوله ( العلاء بن زياد ) العلوي . الذي في غير هذا الكتاب كجامع الأصول والكاشف وغيرهما العدوي وهو الصواب

3 - وعن عمار مولى الحرث بن نوفل قال : ( حضرت جنازة صبي وامرأة فقدم الصبي مما يلي القوم ووضعت المرأة وراءه فصلى عليهما وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة فسألتهم عن ذلك فقالوا السنة )
- رواه النسائي وأبو داود

4 - وعن عمار أيضا : ( أن أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر أخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فجعل المرأة بين يدي الرجل وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يومئذ كثير وثمت الحسن والحسين

5 - وعن الشعبي : ( أن أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر توفيا جميعا فأخرجت جنازتاهما فصلى عليهما أمير المدينة فسوى بين رؤسهما وأرجلهما حين صلى عليهما )
- رواهما سعيد في سننه

- الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات وأخرجه أيضا البيهقي . وقال وفي القوم الحسن والحسين وابن عمر وأبو هريرة ونحو من ثمانين نفسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وفي رواية للبيهقي أن الإمام في هذه القصة ابن عمر : وفي أخرى له وللدارقطني : والنسائي في المجتبى من رواية نافع ابن عمر أنه صلى على سبع جنائز ورجال ونساء فجعل الرجال مما يلي الإمام وجعل النساء مما يلي القبلة وصفهم صفا واحدا ووضعت جنازة أم كلثوم بنت علي امرأة عمر وابن لها يقال له زيد والإمام يومئذ سعيد بن العاص وفي الناس يومئذ ابن عباس وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة فوضع الغلام مما يلي الإمام فقلت ما هذا قالوا السنة :
وكذلك رواه ابن الجارود في المنتقى قال الحافظ وإسناده صحيح :
قوله ( أمير المدينة ) هو سعيد بن العاص كما وقع مبينا في سائر الروايات ويجمع بينه وبين ما وقع فيه أن الإمام كان ابن عمر بأن ابن عمر أم بهم بإذنه . قال الحافظ ويحمل قوله أن الإمام يومئذ سعيد بن العاص يعني الأمير لا أنه كان إماما في الصلاة ويرده قوله في حديث الباب فصلى عليهما أمير المدينة . قال الحافظ أو يحمل على أن نسبة ذلك إلى ابن عمر لكونه أشار بترتيب وضع تلك الجنائز
( والحديث ) يدل على أن السنة إذا اجتمعت جنائز أن يصلى عليهما صلاة واحدة وقد تقدم في كيفية صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على قتلى أحد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على كل واحد منهم صلاة وحمزة مع كل واحد وأنه كان يصلي على كل عشرة صلاة
وأخرج ابن شاهين أن عبد الله بن معقل بن مقرن أتي بجنازة رجل وامرأة فصلى على الرجل ثم صلى على الرجل ثم صلى على المرأة وفيه انقطاع
( وفي الحديث ) أيضا أن الصبي إذا صلى عليه مع امرأة كان الصبي مما يلي الإمام والمرأة مما يلي القبلة وكذلك إذا اجتمع رجل وامرأة أو أكثر من ذلك كما تقدم عن ابن عمر : وقد ذهب إلى ذلك الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو طالب والشافعية والحنفية وقال القاسم بن محمد بن أبي بكر والحسن البصري وسالم بن عبد الله بل الأولى العكس ليلي القبلة الأفضل . وفيه أيضا دليل على أن الأولى بالتقدم للصلاة على الجنازة ذو الولاية ونائبه ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( لا يؤم الرجل في سلطانه ) وقد تقدم في الصلاة وقد وقع الخلاف إذا اجتمع الإمام والولي أيهما أولى فعند العترة وأبي حنيفة وأصحابه أن الإمام وواليه أولى وعند الشافعي والمؤيد بالله والناصر في رواية عنه أن الولي أولى

باب الصلاة على الجنازة في المسجد

1 - عن عائشة ( أنها قالت لما توفي سعد بن أبي وقاص ادخلوا به المسجد حتى أصلي عليه فأنكروا ذلك عليها فقالت والله لقد صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ابني بيضاء في المسجد سهيل وأخيه )
- رواه مسلم . وفي رواية " ما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سهيل ابن البيضاء إلا في جوف المسجد " رواه الجماعة إلا البخاري

2 - وعن عروة " قال صلى على أبي بكر في المسجد "

3 - وعن ابن عمر " قال صلى على عمر في المسجد "
- رواهما سعيد وروى الثاني مالك

- وأخرج الصلاة على أبي بكر وعمر أيضا في المسجد ابن أبي شيبة بلفظ " ان عمر صلى على أبي بكر في المسجد وإن صهيبا صلى على عمر في المسجد " قوله " على ابني بيضاء " قال النووي قال العلماء بنو بيضاء ثلاثة أخوة سهل وسهيل وصفوان وأمهم بيضاء اسمها دعد وأبوهم وهب بن ربيعة القرشي الفهري ( والحديث ) يدل على جواز ادخال الميت إلى المسجد والصلاة عليه فيه وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق والجمهور . قال ابن عبد البر ورواه المدنيون في رواية عن مالك وبه قال ابن حبيب المالكي وكرهه ابن أبي ذئب وأبو حنيفة ومالك في المشهور عنه والهادوية وكل من قال بنجاسة الميت وأجابوا عن حديث الباب بأنه محمول على أن الصلاة على ابني بيضاء وهما كانا خارج المسجد والمصلون داخله وذلك جائز بالأتفاق ورد بأن عائشة استدلت بذلك لما انكروا عليها أمرها بادخال الجنازة المسجد وأجابوا أيضا بأن الأمر استقر على ترك ذلك لأن الذين أنكروا على عائشة كانوا من الصحابة ورد بأن عائشة لما أنكرت ذلك الأنكار سلموا لها فدل على أنها حفظت ما نسوه وإن الأمر استقر على الجواز ويدل على ذلك الصلاة على أبي بكر وعمر في المسجد لما تقدم وأيضا العلة التي لأجلها كرهوا الصلاة على الميت في المسجد هي زعمهم أنه نجس وهي باطلة لما تقدم " إن المؤمن لا ينجس حيا ولاميتا " وأنهض ما استدلوا به على الكراهة ما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له " وأخرجه ابن ماجه ولفظه " فليس له شيء وفي إسناده صالح مولى التؤمة وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة . قال النووي وأجابوا عنه يعني الجمهور بأجوبة أحدها أنه ضعيف لا يصح الأحتجاج به قال أحمد بن حنبل هذا حديث ضعيف تفرد به صالح مولى التؤمة وهو ضعيف
والثاني أن الذي في النسخ المشهورة الحققة المسموعة من سنن أبي داود " من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء عليه " فلا حجة لهم حينئذ . والثالث أنه لو ثبت الحديث وثبت أنه فلا شيء له لوحب تأويله بأن له بمعنى عليه ليجمع بين الروايتين قال وقد جاء بمعنى عليه كقوله تعالى { وإن أسأتم فلها } . والرابع أنه محمول على نقص الأجر في حق من صلى في المسجد ورجع ولم يشيعها إلى المقبرة لما فاته من تشييعه إلى المقبرة وحضور دفنه انتهى

أبواب حمل الجنازة والسير بها

1 - عن ابن مسعود قال ( من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من السنة ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع )
- رواه ابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا أبو داود الطيالسي والبيهقي من رواية أبي عبيدة ابن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال الدارقطني في العلل اختلف في إسناده على منصور بن المعتمر وفي الباب وإسناده ضعيف . وعن أنس عنده أيضا فيها وإسناده ضعيف . وأخرجه الطبراني في الأوسط مرفوعا بلفظ " من حمل جانب السرير الأربع كفر الله عنه أربعين كبيرة " وعن بعض الصحابة عند الشافعي " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين " روراه أيضا ابن سعد عن الواقدي عن ابن أبي حبيبة عن شيوخ من بني الأشهل . وروى حمل الجنازة عن جماعة من الصحابة والتابعين فأخرج الشافعي عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده قال " رأيت سعد بن أبي وقاص في جنازة عبد الرحمن بن عوف قائما بين العمودين المتقدمين واضعا للسرير على كاهله " . ورواه الشافعي أيضا بأسانيد من فعل عثمان وأبي هريرة وابن عمر أخرجها كلها البيهقي وروى ذلك البيهقي أيضا من فعل المطلب بن عبد الله بن حنطب وغيره وفي البخاري أن ابن عمر حمل ابنا لسعيد بن زيد وروى ابن سعد ذلك عن عثمان وأبي هريرة ومروان وروى ابن أبي شيبة وعبد الرزاق من طريق الأزدي قال رأيت ابن عمر في جنازة يحمل جوانب السرير الأربع . وروى عبد الرزاق عن أبي هريرة أنه قال من حمل الجنازة بجوانبها الأربع فقد قضى الذي عليه . وأخرج الترمذي عن أبي هريرة قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يقول من تبع الجنازة وحملها ثلاث مرار فقد فقد قضى ما عليه من حقها " قال الترمذي هذا حديث غريب . ورواه بعضهم بهذا الإسناد ولم يرفعه ( والحديث ) يدل على مشروعية الحمل للميت وأن السنة أن يكون بجميع جوانب السرير

باب الإسراع بها من غير رمل

1 - عن أبي هريرة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسرعوا بالجنازة فإن كانت صالحة قربتمونها إلى الخير وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم )
- رواه الجماعة

2 - وعن أبي موسى قال ( مرت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جنازة تمخض مخض الزق فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليكم القصد )
- رواه أحمد

3 - وعن أبي بكرة قال ( لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا )
- رواه أحمد والنسائي

4 - وعن محمود بن لبيد عن رافع قال ( أسرع النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ )
- أخرجه البخاري في تاريخه

- حديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن ماجه والبيهقي وقاسم بن أصبغ وفي إسناده ضعف كما قال الحافظ . وأخرج البيهقي عن أبي موسى من قوله إذا انطلقتم بجنازتي فاسرعوا في المشي قال وهذا يدل على أن المراد كراهة شدة الإسراع
وحديث أبي بكرة أخرجه أيضا أبو داود والحاكم ( وفي الباب ) عن ابن مسعود عند الترمذي وأبي داود قال " سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن المشي خلف الجنازة فقال ما دون الخبب فإن كان خيرا عجلتموه وإن كان شرا فلا يبعد إلا أهل النار " وقد ضعف هذا الحديث البخاري والترمذي وابن عدي والنسائي والبيهقي وغيرهم لأن في إسناده أبا ماجدة قال الدار قطني مجهول وقال يحيى الرازي وابن عدي منكر الحديث والراوي عنه يحيى الجابر بالجيم والباء الموحدة قال البيهقي وغيره أنه ضعيف . قوله " أسرعوا " قال ابن قدامة هذا الأمر للاستحباب بلا خلاف بين العلماء وشذ ابن حزم فقال بوجوبه والمراد بالإسراع شدة المشي وعلى ذلك حمله بعض السلف وهو قول الحنفية قال صاحب الهداية ويمشون بها مسرعين دون الخبب وفي المبسوط ليس فيه شيء مؤقت غير أن العجلة أحب إلى أبي حنيفة . وعن الجمهزر المراد بالإسراع ما فوق سجية المشي المعتاد . قال في الفتح والحاصل أنه يستحب الإسراع بها لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة الميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا يتنافى المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم . قال القرطبي مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن لأن التباطئ ربما أدى إلى التباهي والاختلال اه . وحديث أبي بكرة وحديث محمود بن لبيد يدلان على أن المراد بالسرعة ما دون الخبب والخبب على ما في القاموس هو ضرب من العدو أو كالرمل أو السرعة فيكون المراد بالخبب في الحديث ما هو كالرمل بقرينة الأحاديث المتقدمة لا مجرد السرعة . وحديث أبي موسى يدل على أن المشي المشروع بالجنازة هو القصد والقصد ضد الإفراط كما في القاموس فلا منافاة بينه وبين الإسراع ما لم يبلغ إلى حد الإفراط ويدل على ذلك ما رواه البيهقي من قول أبي موسى كما تقدم : قوله " بالجنازة " أي بحملها إلى قبرها وقيل المعنى الإسراع بتجهيزها فهو أعم من الأول . قال القرطبي والأول أظهر وقال النووي الثاني باطل مردوده بقوله في الحديث تضعونه عن رقابكم وقد قوى الحافظ الثاني بما أخرجه الطبراني بإسناد حسن عن ابن عمر " قال سمعت رسول الله ؟ ؟ ظ يقول إذا مات أحدكم فلا تحسبوه وأسرعوا به إلى قبره " وبما أخرجه أيضا أبو داود من حديث الحصين بن وحوح مرفوعا " لا ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهله " الحديث المتقدم : قوله " فإن كانت صالحة " أي الجثة المحمولة . قوله " تضعونه " استدل به على أن حمل الجنازة يختص بالرجال للإتيان فيه بضمير الذكورة ولا يخفى ما فيه . قال الحافظ والحديث فيه استحباب المبادرة إلى دفن الميت لكن بعد أن يتحقق أنه مات أما مثل المطعون والمفلوج والمسبوت فينبغي أن لا يسرع في تجهيزهم حتى يمضي يوم وليلة ليتحقق موتهم نبه على ذلك ابن بزيزة . ويؤخذ من الحديث ترك صحبة أهل البطالة وغير الصالحين اه

باب المشي أمام الجنازة وما جاء في الركوب معها

قد سبق في ذلك حديث المغيرة

1 - وعن ابن عمر ( أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة )
- رواه الخمسة واحتج به أحمد

- حديث المغيرة تقدم في الصلاة على السقط وحديث ابن عمر أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان وصححه والبيهقي من حديث ابن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه به قال أحمد إنما هو عن الزهري مرسل . وحديث سالم فعل ابن عمر . وحديث ابن عيينة وهم . قال الترمذي أهل الحديث يرون المرسل أصح قاله ابن مبارك قال وروى معمر ويونس ومالك عن الزهري " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمشي أمام الجنازة قال الزهري وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة قال الترمذي ورواه ابن جريج عن الزهري مثل ابن عيينة ثم روى عن ابن المبارك أنه قال أرى ابن جريج أخذه عن ابن عيينة . وقال النسائي وصله خطأ والصواب مرسل . وقال أحمد حدثنا حجاج قرأت على ابن جريج حدثنا زياد بن سعد أن ابن شهاب أخبره حدثني سالم عن ابن عمر أنه كان يمشي بين يدي الجنازة وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر يمشون أمامها . وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من فعل ابن عمر وأبي بكر وعثمان قال الزهري وكذلك السنة . قال الحافظ في التلخيص فهذا أصح من حديث ابن عيينة وصحح الدارقطني بعد ذكر الأختلاف أنه فعل ابن عمر ورجح البيهقي الموصول لأن ابن عيينة ثقة حافظ وقد أتى بزيادة على من أرسل والزيادة مقبولة وقد قال لما قال له ابن المديني أنه قد خالفه الناس في هذا الحديث أن الزهري حدثه به مرارا عن سالم عن أبيه قال الحافظ وهذا لا ينفي الوهم لأنه ضبط أنه سمعه منه عن سالم عن أبيه وهو كذلك إلا أن فيه إدراجا وقد جزم بصحة الحديث ابن المنذر وابن حزم ( وفي الباب ) عن أنس عند الترمذي مثله وقال سألت عنه البخاري فقال هذا خطأ أخطأ فيه محمد بن بكر . وقد اختلف أهل العلم هل الأفضل لمتبع الجنازة أن يمشي خلفها أو أمامها فقال الزهري ومالك والشافعي وأحمد والجمهور وجماعة من الصحابة منهم أبو بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبو هريرة إن المشي أمام الجنازة أفضل واستدلوا بحديث ابن عمر المذكور في الباب . وقال أبو حنيفة وأصحابه وحكاه الترمذي عن سفيان الثوري واسحاق وحكاه في البحر عن العترة أن المشي خلفها أفضل واستدلوا بما تقدم من حديث ابن مسعود عند الترمذي وأبي داود قال " سألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن المشي خلف الجنازة فقال ما دون الخبب " فقرر قولهم خلف الجنازة ولم ينكره واستدلوا أيضا بما روى عن طاوس أنه قال " ما مشي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى مات إلا خلف الجنازة " وهذا مع كونه مرسلا لم أقف عليه في شيء من كتب الحديث . وروى في البحر عن علي عليه السلام أنه قال المشي خلف الجنازة أفضل وحكى في البحر عن الثوري أنه قال الراكب يمشي خلفها والماشي أمامها ويدل لما قاله حديث المغيرة المتقدم " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الراكب خلف الجنازة والماشي أمامها قريبا منها عن يمينها أو عن يسارها " أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان والحاكم وهذا مذهب قوي لولا ما سيأتي من الأدلة الدالة على كراهة الركوب لمتبع الجنازة . وقال أنس بن مالك أنه يمشي بين يديها وخلفها وعن يمينها وعن شمالها رواه البخاري عنه تعليقا ووصله عبد الوهاب بن عطاء في كتاب الجنائز ووصله أيضا ابن أبي شيبة وعبد الرزاق

2 - وعن جابر بن سمرة ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اتبع جنازة ابن الدحداح ما شيا ورجع على فرس )
- رواه الترمذي . وفي رواية " أتى بفرس ومعرور فركبه حين انصرفنا من جنازة ابن الدحداح ونحن نمشي حوله " . رواه أحمد ومسلم والنسائي

3 - وعن ثوبان قال ( خرجنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة فرأى ناسا ركبانا فقال لا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم وأنتم على ظهور الدواب )
- رواه ابن ماجه الترمذي

4 - وعن ثوبان أيضا ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتى بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها فلما انصرف أتى بدابة فركب فقيل له فقال إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون فلما ذهبوا ركبت )
- رواه أبو داود

- حديث جابر بن سمرة قال الترمذي حسن صحيح وفي لفظ له " وهو على فرس له يسعي ونحن حوله وهو يتوقص به " وحديث ثوبان الأول قال بكر بن أبي مريم وهو ضعيف . وحديث ثوبان الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال أسناده رجال الصحيح : قوله " ابن الدحداح " بدالين مهملتين وحاء بين مهملتين ويقال أبو الدحداح ويقال أبو الدحداحة قال ابن عبد البر لا يعرف اسمه " قوله " ورجع على فرس " فيه أنه لا بأس بالركوب عند الرجوع من دفن الميت : قوله " معرور " بضم الميم وفتح الراء . قال أخل اللغة اعروريت الفرس إذا ركبته عريانا فهو معرور . قال النووي ولم يأت افعوعل معدى الا قولهم اعروريت الفرس وأحلو ليت الشيء اه : قوله " ونحن نمشي حوله " فيه جواز مشي الجماعة مع كبيرهم الراكب وأنه لا كراهة فيه في حقه ولا في حقهم إذا لم يكن فيه مفسدة وأنما يكره ذلك إذا حصل فيه انتهاك للتابعين أو خيف إعجاب أو نحو ذلك من المفاسد . قوله " ألا تستحيون " فيه كراهة الركوب لمن كان متبعا للجنازة ويعارضة حديث المغيرة المتقدم من أذنه للراكب أن يمشي خلف الجنازة ويمكن الجمع بأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم الراكب خلفها لا يدل على عدم الكراهة وإنما يدل على الجواز فيكون الركوب جائزا مع الكراهة أو بأن انكاره صلى الله عليه وآله وسلم على ركب وتركه للركوب إنما كان لأجل مشي الملائكة ومشيهم مع الجنازة التي مشى معها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يستلزم مشيهم مع كل جنازة لا مكان أن يكون ذلك معهم تركا به صلى الله عليه وآله وسلم فيكون الركوب على هذا جائزا غير مكروه والله تعالى أعلم

باب ما يكره مع الجنازة من نياحة أو نار

1 - عن ابن عمر قال ( نهى رسول الله أن نتبع جنازة معها رانة )
- رواه أحمد وابن ماجه

2 - وعن أبي بردة قال ( أوصي أبو موسى حين حضره الموت فقال لا تتبعوني بمجمر قالوا أو سمعت فيه شيئا قال نعم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه ابن ماجه

- الحديث الأول إسناده عند ابن ماجه هكذا حدثنا أحمد بن يوسف حدثنا عبيد الله أخبرنا اسرائيل عن أبي يحى عن مجاهد عن ابن عمر . وأبو يحيى هذا القتات وفيه مقال وبقية رجاله ثقات . والحديث الثاني في إسناده أبو حريز مولى معاوية قال في التقريب شامي مجهول وقال في الخلاصة مجهول : قوله " معها رانة " هي بالراء المهملة وبعد الألف نون مشددة أو مصوتة . قال في القاموس رن يرن رنينا صاح اه ( وفيه دليل ) على تحريم اتباع الجنازة التي معها النائحة وعلى تحريم النوح وسيأتي الكلام عليه : قوله " بمجمر " المجمر كمنير الذي يوضع فيه الجمر . وفيه دليل على أنه لا يجوز اتباع الجنائز بالمجامر وما يشابهها لأن ذلك من فعل الجاهلية وقد هدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك وزجر عنه

باب من اتبع الجنازة فلا يجلس حتى توضع

1 - عن أبي سعيد قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها . فمن اتبعها فلا يجلس حتى توضع )
- رواه الجماعة إلى ابن ماجه لكن إنما لأبي داود منه " إذا اتبعتم الجنازة فلا تجلسوا حتى توضع " وقال روى هذا الحديث الثوري عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال فيه " حتى توضع في الأرض " ورواه أبو معاوية عن سهيل " حتى توضع في اللحد " وسفيان أحفظ من أبي معاوية

2 - وعن علي بن أبي طالب عليه السلام ( أنه ذكر القيام في الجنائز حتى توضع فقال علي عليه السلام قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قعد )
- رواه النسائي والترمذي وصححه . ولمسلم معناه

- ولفظ مسلم من حديث علي عليه السلام " قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني في الجنازة ثم قعد : قوله " إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها " فيه مشروعي القيام للجنازة إذا مرت لمن كان قاعدا وسيأتي الكلام فيه في الباب الذي بعد هذا : قوله " فمن اتبعها فلا يجلس " فيه النهي عن جلوس الماشي مع الجنازة قبل أن توضع على الأرض فقال الأوزاعي وإسحاق وأحمد ومحمد بن الحسن أنه مستحب حكى ذلك عنهم النووي والحافظ في الفتح ونقله ابن المنذر عن أكثر الصحابة والتابعين قالوا والنسخ إنما هو في قيام من مرت به لا في قيام من شيعها . وحكى في الفتح عن الشعبي والنخعي أنه يكره القعود قبل أن توضع قال وقال بعض السلف يجب القيام واحتج له برواية النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة أنهما قالا " ما رأينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شهد جنازة قط فجلس حتى توضع " انتهى . ولا يخفى أن مجرد الفعل لا ينتهض دليلا للوجوب فالأولى الاستدلال له بحديث الباب فإن فيه النهي عن القعود قبل وضعها وهو حقيقة للتحريم وترك الحرام واجب . ومثل ذلك حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا " من صلى على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه فإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع . وروى الحافظ عن الشعبي والنخعي أن القعود مكروه قبل أن توضع . مما يدل على الأستحباب ما رواه البيهقي عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما إن القائم مثل الحامل يعني في الأجر . قوله " حتى توضع في الأرض " قد ذكر المصنف كلام أبي داود في ترجيح هذه الرواية على الرواية الأخرى أعني قوله " حتى توضع في اللحد " وكذلك أشار البخاري إلى ترجيحها بقوله باب من شهد جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال : وأخرج أبو نعيم ن سهيل قال رأيت أبا صالح لا يجلس حتى توضع عن مناكب الرجال . وهذا يدل على أن الرواية الأولى أرجح لأن أبا صالح راوي الحديث وهو أعرف بالمراد منه وقد تمسك بالرواية الثانية صاحب المحيط من الحنفية فقال الأفضل أن لا يقعد حتى يهال عليها التراب انتهى . وإذا قعد الماشي مع الجنازة قبل أن توضع فهل يسقط القيام أو يقوم الظاهر الثاني لأن أصل مشروعية القيام تعظيم أمر الموت وهو لا يفوت بذلك . وقد روى البخاري في صحيحه أن أبا هريرة ومروان كانا مع جنازة فقعدا قبل أن توضع فجاء أبو سعيد فأخذ بيد مروان فاقامه وذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن ذلك فقال أبو هريرة صدق ورواه الحاكم بنحو ذلك وزاد أن مروان لما قال له أبو سعيد قم قام ثم قال له لم أقمتني فذكر له الحديث فقال لأبي هريرة فما منعك أن تخبرني فقال كنت اماما فجلست فجلست ( وقد استدل ) المهلب بقعود أبي هريرة ومروان على أن القيام ليس بواجب وأنه ليس عليه العمل . قال الحافظ إن أراد أنه ليس بواجب عنهما فظاهر وإن أراد في نفس الأمر فلا دلالة فيه على ذلك . قوله " وعن علي عليه السلام " الخ ذكر المصنف هذا الحديث للاستدلال به على نسخ مشروعية القيام لمن تبع الجنازة حتى توضع لقوله فيه " حتى توضع " فإنه يدل على أن المرد به قيام التابع للجنازة لا قيام من مرت به لأنه لا يشرع حتى توضع بل حتى تخلفه كما سيأتي ولكنه سيأتي في باب القيام للجنازة من حديث عامر بن ربيعة عند الجماعة بلفظ " حتى تخلفكم أو توضع " فذكر الوضع في حديث علي عليه السلام لا يكون نصا على أن المراد قيام التابع وقد استدل به الترمذي على نسخ قيام من رأى الجنازة فقال بعد اخراجه له وهذا ناسخ للأول " إذا رأيتم الجنازة فقوموا " اه ولو سلم أن المراد بالقيام المذكور في الحديث على هو قيام التابع للجنازة فلا يكون تركه صلى الله عليه وآله وسلم ناسخا مع عدم ما يشعر بالتأسي به في هذا الفعل بخصوصه لما تقرر في الأصول من أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة ولا ينسخه

باب ما جاء في القيام للجنازة إذا مرت

1 - عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع )
- رواه الجماعة . ولأحمد " وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه " . وله أيضا عنه " أنه ربما تقدم الجنازة فقعد حتى إذا رآها قد أشرفت قام حتى توضع "

2 - وعن جابر قال ( مر جنازة فقام لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقمنا معه فقلنا يا رسول الله إنها جنازة يهودي فقال إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها )

3 - وعن سهل بن حنيف وقيس ابن سعد ( أنهما كانا قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما فقيل لهما أنها من أهل الأرض أي من أهل الذمة فقالا إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرت به جنازة فقام فقيل له إنها جنازة يهودي فقال أليست نفسا )
- متفق عليهما . وللبخاري عن ابن أبي ليلى قال كان أبو مسعود وقيس يقومان للجنازة

- قوله " حتى تخلفكم " بضم أوله وفتح المعجمة وتشديد اللام المكسورة أي تترككم ورائها : قوله " مر بنا " في رواية الكشميهني مرت بفتح الميم : قوله " فقال إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها " زاد البيهقي " إن الموت فزع " وكذا لمسلم من وجه آخر قال القرطبي معناه أن الموت يفزع . قال البيضاوي وهو مصدر جرى مجرى الوصف للمبالغة أو فيه تقدير أي الموت ذو فزع . ويؤيد ذلك ما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة بلفظ " إن للموت فزعا " وعن ابن عباس مثله عند البزار : قوله " أليست نفسا " هذا لا يعارض التعليل المتقدم حيث قال إن للموت فزعا وكذا ما أخرج الحاكم عن أنس مرفوعا " إنما قمنا للملائكة " ونحوه لأحمد من حديث أبي موسى ولأحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس . ولفظ ابن حبان اعظاما لله تعالى الذي يقبض الأرواح فإن ذلك لا ينافي التعليل السابق لأن القيام للفزع من الموت فيه تعظيم لأمر الله تعالى وتعظيم للقائمين بأمره في ذلك وهم الملائكة . فأما ما أخرجه أحمد من حديث الحسن بن علي قال إنما قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تأذيا بريح اليهود زاد الطبراني فأذاه ريح بخورها . وللطبراني والبيهقي من وجه آخر عنه كراهية أن يعلو على رأسه فإن ذلك لا يعارض الأخبار الأولى الصحيحة أما أولا فلأن أسانيد هذه لا تقاوم تلك في الصحة وأما ثانيا فلأن التعليل بذلك راجع إلى ما فهمه الراوي والتعليل الماضي صريح من لفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكأن الراوي لم يسمع التصريح بالتعليل منه صلى الله عليه وآله وسلم فعلل باجتهاده ومقتضى التعليل بقوله " أليست نفسا " إن ذلك يستحب لكل جنازة ( واختلف العلماء ) في هذه المسألة فذهب أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون إن القيام للجنازة لم ينسخ والقعود منه صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث علي الآتي إنما هو بيان الجواز فمن جلس فهو في سعة ومن قام فله أجر . وكذا قال ابن حزم إن قعوده صلى الله عليه وآله وسلم بعد أمره بالقيام يدل على أن الأمر للندب ولا يجوز أن يكون نسخا . قال النووي والمختار أنه مستحب وبه قال المتولي وصاحب المهذب من الشافعية . وممن ذهب إلى استحباب القيام ابن عمر وابن مسعود وقيس بن سعد وسهل بن حنيف كما يدل على ذلك الروايات المذكورة في الباب . وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي إن القيام منسوخ بحديث علي الآتي . قال الشافعي إما أن يكون القيام منسوخا أو يكون لعلة وأيهما كان فقد ثبت أنه تركه بعد فعله والحجة في الآخر من أمره والقعود أحب إلي انتهى . وسيأتي بيان ما هو الحق . وظاهر أحاديث الباب أنه يشرع القيام لجنازة المسلم والكافر كما تقدم

4 - وعن علي بن أبي طالب عليه السلام قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا بالقيام في الجنازة ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس )
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه بنحوه

5 - وعن ابن سيرين ( أن جنازة مرت بالحسن وابن عباس فقام الحسن ولم يقم ابن عباس فقال الحسن لابن عباس أما قام لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال قام وقعد )
- رواه أحمد والنسائي

- الحديث الأول رجال إسناده ثقات عند أبي داود وابن ماجه وقد أخرجه ابن حبان بهذا اللفظ والبيهقي بلفظ " ثم قعد بعد ذلك وأمرهم بالقعود " وقد خرج حديث علي مسلم باللفظ الذي تقدم في الباب الأول . والحديث الثاني رجال إسناده ثقات وقد أشار إليه الترمذي أيضا ( وفي الباب ) عن عبادة بن الصامت عند أبي داود والترمذي وابن ماجه والبزار " أن يهوديا قال لما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقوم للجنازة هكذا يفعل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اجلسوا وخالفوهم " وفي إسناده بشر بن رافع وليس بالقوي كما قال الترمذي . وقال البزار تفرد به بشر وهو لين . قال الترمذي حديث عبادة غريب . وقال أبو بكر الهمداني ولو صح لكان صريحا في النسخ غير أن حديث أبي سعيد أصح وأثبت فلا يقاومه هذا الإسناد وقد تمسك بهذه الأحاديث من قال إن القيام للجنازة منسوخ وقد تقدم ذكرهم . قال القاضي عياض ذهب جمع من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي هذا وتعقبه النووي بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع وهو ههنا ممكن ( واعلم ) إن حديث علي باللفظ الذي سبق في الباب الأول لا يدل على النسخ لما عرفناك من أن فعله لا ينسخ القول الخاص بالأمة . وأما حديثه باللفظ الذي ذكره فإن صح صلح النسخ لقوله فيه " وأمرنا بالجلوس " ولكنه لم يخرج هذه الزيادة مسلم ولا الترمذي ولا أبو داود بل اقتصروا على قوله " ثم قعد " . وأما حديث ابن عباس فكذلك أيضا لا يدل على النسخ لما عرفت . وأما حديث عبادة بن الصامت فهو صريح في النسخ لولا ضعف إسناده فلا ينبغي أن يستند في نسخ تلك السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة من طريق جماعة من الصحابة إلى مثله بل المتحتم الأخذ بها واعتقاد مشروعيتها حتى يصح ناسخ صحيح ولا يكون الأمر بالجلوس أو نهي عن القيام أو إخبار من الشارع بأن تلك السنة منسوخة بكذا واقتصار جمهور المخرجين لحديث علي عليه السلام وحفاظهم على مجرد القعود بدون ذكر زيادة الأمر بالجلوس مما يوجب عدم الأطمئنان إليها والتمسك بها في النسخ لما هو من الصحة في الغاية لا سيما بعد أن شد من عضدها عمل جماعة من الصحابة بها يبعد كل البعد أن يخفي على مثلهم الناسخ ووقوع ذلك منهم بعد عصر النبوة . ويمكن أن يقال إن الأمر بالجلوس لا يعارض بفعل بعض الصحابة بعد أيام النبوة لأن من علم حجة علي من لم يعلم . وحديث عبادة وإن كان ضعيفا فهو لا يقصر عن كونه شاهدا لحديث الأمر بالجلوس

أبواب الدفن وأحكام القبور

باب تعميق القبر واختيار اللحد على الشق

1 - عن رجل من الأنصار قال ( خرجنا في جنازة فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حفيرة القبر فجعل يوصي الجافر ويقول أوسع من قبل الرأس وأوسع من قبل الرجلين رب عذق له في الجنة )
- رواه أحمد وأبو داود

2 - وعن هشام بن عامر قال ( شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد فقلنا يا رسول الله الحفر علينا لكي إنسان شديد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم احفروا وأعمقوا وأحسنوا وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد فقالوا فمن تقدم يا رسول الله قال قدموا أكثرهم قرآنا وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد )
- رواه النسائي والترمذي بنحوه وصححه

- الحديث الأول أخرجه أيضا البيهقي قال الحافظ إسناده صحيح . والحديث الثاني أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه واختلف فيه على حميدين هلال راوية عن هشام فمنهم من أدخل بينه وبين سعد بن هشام ابنه ومنهم من أدخل بينهما أبا الدهماء ومنهم من لم يذكر بينهما أحدا : قوله ( يوصي ) بالواو والصاد من التوصية وذكر ابن المواق إن الصواب يرمي بالراء والميم وأطال في ذلك وفيه مشروعية التوصية من الحاضرين للدفن بتوسع القبر وتفقد ما يحتاج إليه التفقد . قوله ( رب عذق ) العذق بفتح العين النخلة والجمع اعذق وبكسر العين القنو منها والعنقود من العنب والجمع أعذاق وعذوق . قوله ( وأعمقوا وأحسنوا ) فيه دليل على مشروعية إعماق القبر وإحسانه : وقد اختلف في حد الأعماق فقال الشافعي قامة . وقال عمر بن عبد العزيز إلى السرة . وقال الإمام يحيى إلى الثدي وأقله ما يواري الميت ويمنع السبع . وقال مالك لأحد لاعماقه . وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر بن الخطاب أنه قال أعمقوا القبر إلى قدر قامة وبسطة . قوله ( وادفنوا الاثنين ) الخ فيه جواز الجمع بين جماعة في قبر واحد ولكن إذا دعت إلى ذلك حاجة كما في مثل هذه الواقعة وإلا كان مكروها كما ذهب إليه الهادي والقاسم وأبو حنيفة والشافعي . قال المهدي في البحر أو تبركا كقبر فاطمة فيه خمسة يعني فاطمة والحسن بن علي وعلي بن الحسين وزين العابدين ومحمد بن علي الباقر وولده جعفر بن محمد الصادق وهذا من المجاورة لا من الجمع بين جماعة في قبر واحد الذي هو المدعى . وقد قدمنا في باب ترك غسل الشهيد طرفا من الكلام على دفن الجماعة في قبر : قوله ( قدموا أكثرهم قرآنا ) فيه دليل على أنه يقدم في اللحد من كان أكثرهم أخذا للقرآن ويلحق بذلك سائر المزايا الدينية لعدم الفارق

3 - وعن عامر بن سعد قال ( قال سعد الحد وإلى لحدا وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه

4 - وعن أنس قال ( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا نستخير ربنا ونبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فلحدوا له )
- رواه أحمد وابن ماجه . ولابن ماجه هذا المعنى من حديث ابن عباس وفيه ( إن أبا عبيدة بن الجراح كان يضرح وإن أبا طلحة كان يلحد )

5 - وعن ابن عباس قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللحد لنا والشق لغيرنا )
- رواه الخمسة . قال الترمذي غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه

- حديث أنس قال الحافظ إسناده حسن وحديث ابن عباس الأول قال الحافظ أيضا في إسناده ضعيف وحديثه الثاني أخرجه من ذكره المصنف عن سعيد بن جبير عنه قال ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي كما وجدنا ذلك في بعض النسخ الصحيحة من جامعه . وفي إسناده عبد الأعلى بن عامر وهو ضعيف ( وفي الباب ) عن جرير بن عبد الله عند أحمد والبزار وابن ماجه بنحو حديث ابن عباس الثاني وفيه عثمان بن عمير وهو ضعيف وزاد أحمد بعد قوله لغيرنا أهل الكتاب . وعن ابن عمر عند أحمد وفيه عبد الله العمري بلفظ ( أنهم ألحدوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لحدا ) وأخرجه ابن أبي شيبة عنه بلفظ ( ألحدوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولابي بكر وعمر ) وعن جابر عند ابن شاهين بنحو حديث سعد بن أبي وقاص . وعن بريدة عند ابن عدي في الكامل وعن عائشة عند ابن ماجه بنحو حديث أنس وإسناده ضعيف وله طريق أخر عند ابن أبي حاتم في العلل وقال إنها خطأ والصواب المحفوظ مرسل وكذا رجح الدارقطني المرسل : قوله ( الحدو ) قال النووي في شرح مسلم هو بوصل الهمزة وفتح الحاء ويجوز بقطع الهمزة وكسر الحاء يقال لحد يلحد كذهب ويذهب وألحد يلحد إذا حفر القبر واللحد بفتح اللام وضمها معروف وهو الشق تحت الجانب القبلي من القبر انتهى . قال الفراء الرباعي أجود وقال غيره الثلاثي أكثر ويؤيده حديث عائشة في قصة دفن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلوا إلى الشقاق واللأحد . وسمى اللحد لحدا لأنه شق يعمل في جانب القبر فيميل عن وسطه والألحاد في أصل اللغة الميل والعدول . ومنه قيل للمائل عن الدين ملحد : قوله ( وانصبوا على اللبن نصبا ) فيه استحباب نصب اللبن لأنه الذي صنع برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باتفاق الصحابة قال النووي وقد نقلوا إن عدد لبناته صلى الله عليه وآله وسلم تسع . قوله ( كان يضرح ) أي يشق في وسط القبر . قال الجوهري الضرح الشق ( والأحاديث ) المذكورة في الباب تدل على استحباب اللحد وأنه أولى من الضرح وإلى ذلك ذهب الأكثر كما قال النووي وحكى في شرح مسلم اجماع العلماء على جواز اللحد والشق انتهى . ووجه ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرر من كان يضرح ولم يمنعه . ولا يقدح في صحة حديث ابن عباس الثاني وما في معناه تحير الصحابة عند موته صلى الله عليه وآله وسلم هل يلحدون له أو يضرحون بأن يقال لو كان عندهم علم بذلك لم يتحيروا لأنه يمكن أن يكون من سمع منه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لم يحضر عند موته

باب من أين يدخل الميت قبره وما يقال عند ذلك والحثي في القبر

1 - عن أبي إسحاق قال ( أوصي الحرث أن يصلي عليه عبد الله بن يزيد فصلى عليه ثم أدخله من قبل رجلي القبر وقال هذا من السنة )
- رواه أبو داود وسعيد في سننه وزاد ثم قال ( انشطوا الثوب فإنما يصنع هذا بالنساء )

2 - وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( قال كان إذا وضع الميت في القبر قال باسم الله وعلي ملة رسول الله ) وفي لفظ ( وعلى سنة رسول الله )
- رواه الخمسة إلا النسائي

3 - وعن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على جنازة ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا )
- رواه ابن ماجه

- الحديث الأول سكت عنه أبو داود المنذري والحافظ في التلخيص ورجال إسناده رجال الصحيح ( وفي الباب ) عن ابن عباس عند الشافعي ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سل من قبل رأسه سلا ) وعن ابن عمر عند أبي بكر النجاد مثله . وعن أبي رافع عند ابن ماجه قال ( سل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سعد بن معاذ سلا ورش على قبره الماء ) وأما الزيادة التي زادها سعيد فسيأتي الكلام فيها
والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم ( وفي الباب ) عن ابن عمر عند النسائي والحاكم وغيرهما وفيه الأمر به وقد اختلف في رفعه ووقفه ورجح الدارقطني والنسائي الوقف ورجح غيرهما الرفع وقد رواه ابن حبان من طريق سعيد عن قتادة مرفوعا وروى البزار والطبراني عن ابن عمر نحوه وابن ماجه عنه مرفوعا وفي إسناده حماد بن عبد الرحمن الكلبي وهو مجهول . وعن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه عند الطبراني قال قال اللجلاج يا بني إذا أنا مت فالحدني فإذا وضعتني في لحدي فقل بسم الله وعلى ملة رسول الله ثم شن على التراب شنائم أقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ذلك واللجلاج بجيمين وفتح اللام الأولى . وعن أبي حازم مولى الغفاري حدثني البياضي وهو صحابي كما في الكاشف وغيره عند الحاكم يرفعه بلفظ ( الميت إذا وضع في قبره فليقل الذين يضعونه حين يوضع في اللحد بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وعن أبي أمامة عند الحاكم والبيهقي بلفظ ( لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله ) الحديث وسنده ضعيف كما قال الحافظ . والحديث الثالث قال أبو حاتم في العلل هذا حديث باطل وقال الحافظ في إسناده ظاهر الصحة قال ابن ماجه حدثنا العباس بن الوليد يحيى بن صالح حدثنا سلمة بن كلثوم حدثنا الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة فذكره ورجاله ثقات وقد رواه ابن أبي داود من هذا الوجه وصححه قال الحافظ لكن أبو حاتم إمام لم يحكم عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له وأظن العلة فيه عنعنة الأوزاعي وعنعنة شيخه وهذا كله إن كان يحيى بن صالح هو الوحاظي شيخ البخاري ( وفي الباب ) عن عامر بن ربيعة عند البزار والدارقطني قال ( رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين دفن عثمان بن مظعون صلى عليه وكبر أربعا وحثى على قبره بيديه ثلاث حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه ) وزاد البزار ( فأمر فرش عليه الماء ) قال البيهقي وله شاهد من حديث جعفر بن محمد عن أبيه مرسلا رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر . وعن أبي المنذر عند أبي داود في المراسيل ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حثي في قبر ثلاثا ) قال أبو حاتم في العلل أبو المنذر مجهول . وعن أبي أمامة عند البيهقي قال توفي رجل فلم تصب له حسنة إلا ثلاث حثيات حثاها على قبر فغفرت له ذنوبه . وعن أبي هريرة غير حديث الباب عند أبي الشيخ مرفوعا ( من حثي على مسلم احتسابا كتب له بكل ثراة حسنة ) قال الحافظ إسناده ضعيف . قوله ( وقال هذا من السنة ) فيه وفيما قدمنا دليل على أنه يستحب أن يدخل الميت من قبل رجلى القبر أو موضع رجلي الميت منه عند وضعه فيه وإلى ذلك ذهب الشافعي وأحمد والهادي والناصر والمؤيد بالله وقال أبو حنيفة أنه يدخل القبر من جهة القبلة معرضا إذ هو أيسر واتباع السنة أولى من الرأي
وقد استدل لأبي حنيفة بما رواه البيهقي من حديث ابن عباس وابن مسعود وبريدة أنهم ادخلوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة القبلة ويجاب بأن البيهقي ضعفها . وقد روى عن الترمذي تحسين حديث ابن عباس منها وانكر ذلك عليه لأن مداره على الحجاج بن أرطأة قال في ضوء النهار على أنه لا حاجة إلى التضعيف بذلك لأن قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان عن يمين الداخل إلى البيت لا صقا بالجدار والجدار الذي ألحد تحته هو القبلة فهو مانع من أدخال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من جهة القبلة ضرورة انتهى . قال في البدر المنير بعد أن ذكر أنه أدخل صلى الله عليه وآله وسلم من جهة القبلة وهو غير ممكن كما ذكره الشافعي في الأم وأطنب في الشناعة على من يقول ذلك ونسبه إلى الجهالة ومكابرة الحس انتهى . قوله ثم ( قال أنشطوا الثوب ) بهمزة فشين معجمة فطاء مهملة أي أختلسوه ذكر معناه في القاموس وقد أخرج نحو هذه الزيادة يوسف القاضي يإسناد له عن رجل عن علي ( أنه أتاهم وهم يدفنون قيسا وقد بسط الثوب على قبره فجذبه وقال إنما يصنع هذا بالنساء ) والطبراني عن أبي اسحاق أيضا أن عبد الله بن يزيد صلى على الحرث الأعور وفيه ثم لم يدعهم يمدون ثوبا على القبر وقال هكذا السنة وقد رواه ابن أبي شيبة من طريق الثوري عن أبي إسحاق بلفظ ( شهدت جنازة الحرث فمدوا على قبره ثوبا فجذبه عبد الله بن يزيد وقال إنما هو رجل ) ورواه البيهقي بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي أنه حضر جنازة الحرث الأعور فأمر عبد الله بن يزيد أن يبسطوا عليه ثوبا . قال الحافظ لعل الحديث كان فيه فأمر أن لا يبسطوا فسقطت لا أو كان فيه فأبى بدل فأمر . وروى البيهقي من حديث ابن عباس قال ( جلل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبر سعد بثوبه قال البيهقي لا أحفظه إلا من حديث يحيى بن عقبة بن أبي العيزار وهو ضعيف . وروى عبد الرزاق عن الشعبي عن رجل أن سعد بن مالك قال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فستر على القبر حتى دفن سعد بن معاذ فيه فكنت ممن أمسك الثوب وفي إسناده هذا المبهم . وقد أوله القائلون باختصاص ذلك بالمرأة على أنه إنما فعل صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بقبر سعد لأنه كان مجروحا وكان جرحه قد تغير . قوله ( قال بسم الله ) الخ فيه استحباب هذا الذكر عند وضع الميت في قبره : قوله ( من قبل رأسه ) فيه دليل على أن المشروع أن يحثى على الميت من جهة رأسه ويستحب أن يقول عند ذلك { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } ذكره أصحاب الشافعي . وقال الهادي بلغنا عن أمير المؤمنين كرم الله وجهه أنه كان إذا حثى على ميت قال اللهم إيمانا بك وتصديقا برسلك وايقانا ببعثك هذا ما وعد الله ورسوله وصدق الله ورسوله ثم قال من فعل ذلك كان له بكل ذرة حسنة

باب تسليم القبر ورشه بالماء وتعليمه ليعرف وكراهة البناء والكتابة عليه

1 - عن سفيان التمار أنه ( رأى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسنما )
- رواه البخاري في صحيحه

2 - وعن القاسم قال ( دخلت على عائشة فقلت يا أمة بالله اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه فكشفت له عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء )
- رواه أبو داود

- الرواية الأولى أخرجها أيضا ابن أبي شيبة من طريق سفيان المذكور وزاد وقبر أبي بكر وقبر عمر كذلك . وكذلك أخرجه أبو نعيم وذكر هذه الزيادة التي ذكرها ابن أبي شيبة . والرواية الثانية أخرجها أيضا الحاكم من هذا الوجه وزاد ( ورأيت قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقدما وأبو بكر راسه بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمر رأسه عند رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) ( وفي الباب ) عن صالح بن أبي صالح عند أبي داود في المراسيل قال ( رأيت قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم شبرا أو نحو شبر ) وعن عثيم بن بسطام المديني عند أبي بكر الآجري في كتاب صفةقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( رايت قبره صلى الله عليه وآله وسلم في إمارة عمر بن عبد العزيز فرأيته مرتفعا نحوا من أربع أصابع ورأيت قبر أبي بكر وراء قبره ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه . قوله ( مسنما ) أي مرتفعا : قال في القاموس التسنيم ضد التسطيح وقال سطحه كمنعه وبسطه : قوله ( ولا لاطئة ) أي ولا لازقة بالأرض ( وقد اختلف أهل العلم ) في الأفضل من التسنيم والتسطيح بعد الاتفاق على جواز الكل فذهب الشافعي وبعض أصحابه والهادي والقاسم والمويد بالله إلا أن التسطيح أفضل زاستدلوا برواية القاسم بن محمد بن أبي بكر المذكورة وما وافقها قالوا وقول سفيان التمار لا حجة فيه كما قال البيهقي لاحتمال أن قبره صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن في الأول مسنما بل كان في أول الأمر مسطحا ثم لما بنى جدار القبر في إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة وبهذا يجمع بين الروايات ويرجح التسطيح ما سيأتي من أمره صلى الله عليه وآله وسلم عليا أن لا يدع قبرا مشرفا إلا سواه . وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية وإدعى القاضي حسين اتفاق أصحاب الشافعي عليه ونقله القاضي عياض عن أكثر العلماء أن التسنيم أفضل وتمسكوا بقول سفيان التمار والأرجح أن الأفضل التسطيح لما سلف

3 - وعن أبي الهياج الأسدي عن علي ( قال أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته )
- رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه

- قوله ( عن ابن الهياج ) هو بفتح الهاء وتشديد الياء واسمه حيان بن حصين : قوله ( لا تدع تمثالا إلا طمسته ) فيه أمر بتغيير صور ذوات الأرواح : قوله ( ولا قبرا مشرفا إلا سويته ) فيه أن السنة أن القبر لا يرفع رفعا كثيرا من غير فرق بين من كان فاضلا ومن كان غير فاضل والطاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم وقد صرح في ذلك اصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلا نكير كما قال الإمام يحيى والمهدي في الغيث لا يصح لأن غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك والسكوت لا يكون دليلا إذا كان في الأمور الظنية وتحريم رفع القبور ظني ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القبب والمساهد المعمورة على القبور وأيضا هو من إتخاذ القبور مساجد وقد لعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعل ذلك كما سيأتي وكم قد سري عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام منها اعتقاد الجهلة لها كما كاعتقاد الكفار للأصنام وعطم ذلك فظنزا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب وسألوا منها ما يسأل العباد من ربهم وشدوا أليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه فإنا لله وإنا إليه راجعون ومع هذا المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أمير ولا وزير ولا ملكا وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عيه يمين من جهة خصمه حلف باللذه فاجرا فإذا قيل له بعد ذلك احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ قوق شرك من قال أنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر واي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن هذا الشرك البين واجبا
لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولونارا نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في الرماد

4 - عن جعفر بن محمد عن أبيه ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه خصباء )
- رواه الشافعي

5 - وعن أنس ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة )
- رواه ابن ماجه

- الحديث الأول مرسل وأخرجه أيضا سعيد بن منصور والبيهقي من هذا الوجه مرسلا بهذا اللفظ وزادا ورفع قبره قدر شبر ( وفي الباب ) عن جابر عند البيهقي قال ( رش على قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالماء رشا فكان الذي رش على قبره بلال بن رباح بدأ من قبل رأسه من شقه الأيمن حتى انتهى إلى رجليه ) وفي إسناده الواقدي والكلام فيه معروف ( وفي الباب ) عن عار بن ربيعة تقدم في الباب الأول وروى سعيد بن منصور أن الرش على القبر كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى مشروعية الرش على القبر ذهب الشافعي وأبو حنيفة والقاسمية والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن عدي قال أبو زرعة هذا خطأ والصواب رواية من روى عن المطلب بن حنطب وسيأتي . وقد رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس بإسناد آخر فيه الواقدي من حديث أبي رافع فذكر معناه . وروى أبو داود من حديث المطلب بن عبد الله بن حنطب قال ( لما مات عثمان بن مظعون خرج بجنازته فدفن فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا أن يأتي بحجر فلم يستطع حمله فقام إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحسر عن ذراعيه قال المطلب الذي أخبرني كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حسر عنهما ثم حملها ثم وضعها عند رأسه وقال أعلم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي ) قال الحافظ وإسناده حسن ليس فيه إلا كثير بن زيد راوية عن المطلب وهو صدوق انتهى . والمطلب ليس صحابيا ولكنه بين أن مخبرا أخبره ولم يسمه وإبهام الصحابي لا يضر ( وفيه دليل ) على جعله علامة على قبر الميت كنصب حجر أو نحوه . قال الإمام يحيى فاما نصب حجرين على المرأة وواحدة على الرجل فبدعة قال في البحر قلت لا باس به لقصد التمييز لنصبه على قبر ابن مظعون

6 - وعن جابر قال ( نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبنى عليه )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه ولفظه ( نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن يبنى عليها وأن توطأ ) وفي لفظ النسائي ( نهى أن يبني على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه )

- الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال الحاكم الكتابة وإن لم يذكرها مسلم فهي على شرطه وي صحيحة غريبة . وقال أهل العلم من أئمة المسلمين من المشرق إلى المغرب على خلاف ذلك ( وفي الباب ) عن ابن مسعود ذكره صاحب مسند الفردوس عن الحاكم مرفوعا ( لا يزال الميت يسمع الآذان ما لم يطين عليه ) قال الحافظ وإسناده باطل فإنه من رواية محمد بن القاسم الطايكاني وقد رموه بالوضع : قوله ( أن يجصص القبر ) في رواية لمسلم ( عن تقصيص القبور ) والتقصيص بالقاف وصادين مهملتين هو التجصيص . والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة هي الجص وفيه تحريم تجصيص القبور . وأما التطيين فقال الترمذي . وقد رخص قوم من أهل العلم في تطيين القبور منهم الحسن البصري والشافعي . وقد روى أبو بكر النجاد من طريق جعفر بن محمد عن أبيه ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع قبره من الأرض شبرا وطين بطين أحمر من العرصة وحكي في البحر عن الهادي والقاسم أنه لا بأس بالتطيين لئلا ينطمس . وقال الإمام يحيى وأبو حنيفة يكره . قوله ( وأن يقعد عليه ) فيه دليل على تحريم القعود على القبر وإليه ذهب الجمهور وقال مالك في الموطأ المراد بالقعود الحدث . قال النووي وهذا تأويل ضعيف أو باطل والصواب أن المراد بالقعود الجلوس ومما يوضحه الرواية الواردة بلفظ ( لا تجلسوا على القبور ) كما سيأتي : قوله ( وأن يبني عليه ) فيه دليل على تحريم البناء على القبر وفصل الشافعي وأصحابه فقالوا إن كان البناء في ملك الباني فمكروه وإن كان في مقبرة مسبلة فحرام ولا دليل على هذا التفصيل وقد قال الشافعي رايت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى ويدل على الهدم حديث علي المتقدم . قوله ( وأن يكتب عليها ) فيه تحريم الكتابة على القبور وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها وقد استثنت الهادوية رسم الاسم فجوزوه لا على وجه الزخرفة قياسا على وضعه صلى الله عليه وآله وسلم الحجر على قبر عثمان كما تقدم وهو من التخصيص بالقياس وقد قال به الجمهور لا أنه قياس في مقابلة النص كما قال في ضوء النهار ولكن الشأن في صحة هذا القياس قوله ( وأن توطأ ) فيه دليل على تحريم وطء القبر والكلام فيه كالكلام في القعود عليه ولعل مالكا لا يخالف هنا : قوله ( أو يزاد عليه ) بوب على هذه الزيادة البيهقي باب لا يزاد عليه القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع . وظاهره أن المراد بالزيادة عليه الزيادة على ترابه وقيل المراد بالزيادة عليه أن يقبر ميت على قبر ميت آخر

باب من يستحب أن يدفن المرأة

1 - عن أنس قال ( شهدت بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تدفن وهو جالس على القبر فرأيت عيناه تدمعان فقال هل فيكم أحد لم يقارف الليلة فقال أبو طلحة أنا قال فانزل في قبرها فنزل في قبرها )
- رواه أحمد والبخاري . ولأحمد عن أنس ( أن رقية لما ماتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله فلم يدخل عثمان بن عفان القبر )

- قوله ( بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) هي أم كلثوم زوج عثمان ورواه الواقدي عن طليح بن سليمان وبهذا افسناد أخرجه ابن سعد في الطبقات في ترجمة أم كلثوم وكذا الدولابي في الذرية الطاهرة والطبري والطحاوي من هذا الوجه ورواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس فسماها رقية كما ذكره المصنف عن أحمد وكذلك أخرجه البخاري في التاريخ الأوسط والحاكم في المستدرك . قال البخاري ما أدرى ما هذا فإن رقية ماتت والنبي صلى الله عليه وآله وسلم بيدر لم يشهدها . قال الحافظ وهم حماد في تسميتها فقط ويؤيد أنها أم كلثوم ما رواه ابن سعد أيضا في ترجمة أم كلثوم من طريق عمرة بنت عبد الرحمن قالت نزل في حفرتها أبو طلحة وأغرب الخطابي فقال هذه البنت كانت لبعض بنات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فنسبت إليه : قوله ( لم يقارف ) بقاف وفاء زاد ابن المبارك عن فليح أخرجه أحمد عنه . وقيل معناه لم يجامع تلك الليلة وبه جزم ابن حزم قال معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لم يذنب تلك الليلة انتهى ويقويه أن في رواية ثابت المذكور بلفظ ( لا يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة فتنحى عثمان ) وقد استعبد أن يكون عثمان جامع في تلك الليلة التي حدث فيها موت زوجته لحرصه على مراعاة الخاطر الشريف وأجيب عنه باحتمال أن يكون مرض المراة طال واحتاج عثمن إلى الوقاع ولم يكن يظن موتها تلك الليلة وليس في الخبر ما يقتضي أنه واقع بعد موتها بل ولا حين احتضارها ( والحديث ) يدل على أنه يجوز أن يدخل المرأة في قبرها الرجال دون النساء لكونهم أقوى على ذلك وأنه يقدم الرجال الأجانب الذين بعد ععهدهم بالملاذ في المواراة على الأقارب الذين قرب عهدهم بذلك كالأب والزوج وعلل بعضهم تقدم من لم يقارف بأنه حينئذ يأمن من أن يذكره الشيطان بما كان منه تلك الليلة وحكى عن ابن حبيب أن السر في إيثار أبي طلحة على عثمان أن عثمان كان قد جامع بعض جواريه في تلك الليلة فتلطف صلى الله عليه وآله وسلم في منعه في النزول قبر زوجته بغير تصريح . ووقع في رواية حماد المذكور فلم يدخل عثمان القبر ( وفي الحديث ) أيضا جواز الجلوس على شفير القبر وجواز البكاء بعد الموت . وحكى ابن قدامة عن الشافعي أنه يكره لخر ( فغذا وجب فلا تبكين باكية ) يعني إذا مات وهو محمول على الأولوية . والمراد لا ترفع صوتها بالبكاء ويمكن الفرق بين النساء والرجال في ذلك لأن بكاء النساء قد يفضي إلى ما لا يحل من النوح لقلة صبرهن

باب آداب الجلوس في المقبرة والمشي فيها

1 - عن البراء بن عازب قال ( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولم يلحد بعد فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستقبل القبلة وجلسنا معه )
- رواه أبو داود

2 - وعن أبي هريرة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر )
- رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي

3 - وعن عمرو بن حزم قال ( رىني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متكئا على قبر فقال لا تؤذ صاحب هذا القبر أو لا تؤذه )
- رواه أحمد

4 - وعن بشير بن الخصاصية ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأي رجلا يمشي في نعلين بين القبور فقال يا صاحب السبتيتين ألقهما )
- رواه الخمسة إلا الترمذي

- حديث البراء سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح على كلام في المنهال بن عمرو وشيخه زاذان . وقد أخرجه من هذه الطريق النسائي وابن ماجه . وحديث عمرو بن حزم قال الحافظ في الفتح إسناده صحيح وحديث بشير سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات إلا خالد بن نمير فإنه يهم . وأخرجه أيضا الحاكم وصححه : قوله ( مستقبل القبلة ) فيه دليل على استحباب افستقبال في الجلوس لمن كان منتظرا دفن الجنازة : قوله ( لأن يحلس أحدكم ) الخ فيه دليل على أنه لا يجوز الجلوس على القبر وقد تقدم النهي عن ذلك وذهاب الجمهور إلى التحريم والمراد بالجلوس القعود وروى الطحاوي من حديث محمد بن كعب قال إنما قال أبو هريرة ( من جلس على قبر يبول عليه أو يتغوط فكأنما جلس على جمرة ) قال في الفتح لكن إسنده ضعيف وقال نافع كان ابن عمر يجلس على القبور . ومخالفة الصحابة لما روي لا تعارض المروي . قوله ( لا تؤذ صاحب القبر ) هذا دليل لما ذهب إليه الجمهور من أن المراد بالجلوس القعود وفيه بيان علة المنع من الجلوس أعني التأذي : قوله ( السبتيتين ) قد تقدم تفسير ذلك في باب تغير الشيب والمراد بها جلود البقر وكل جلد مدبوغ وإنما قيل لها السبتية أخذا من السبت وهو الحلق لأن شعرها قد حلق عنها . وفي ذلك دليل على أنه لا يجوز المشي بين القبور بالنعلين ولا يختص عدم الجواز بكون النعلين سبتيتين لعدم الفارق بينها وبين غيرها . وقال ابن حزم يجوز وطء القبور بالنعال التي ليست سبتية لحديث ( إن الميت يسمع خفق نعالهم ) وخص المنع بالسبتية وجعل هذا جمعا بين الحديثين وهو وهم لأن سماع الميت لخفق النعال لا يستلزم أن يكون المشي على قبر أو بين القبور فلا معارضة . وقال الخطابي أن النهي عن السبتية لما فيها من الخيلاء ورد بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يلبسها كما تقدم في باب تغيير الشيب

باب الدفن ليلا

1 - عن ابن عباس قال ( مات إنسان كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعوده فمات بالليل فدفنوه ليلا فلما أصبح أخبروه فقال ما منعكم أن تعلموني قالوا كان الليل فكرهنا وكانت ظلمة أن نشق عليك فاتى قبره فصلى عليه )
- رواه البخاري وابن ماجه . قال البخاري ودفن أبو بكر ليلا

2 - وعن عائشة قالت ( ما علمنا بدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل ليلة الأربعاء ) قال محمد بن إسحاق والمساحي المرور
- رواه أحمد

3 - وعن جابر قال ( رأى ناس نارا في المقبرة فاتوها فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القبر ناولوني صاحبكم وإذا هو الذي كان يرفع صوته بالذكر )
- رواه أبو داود

- حديث ابن عباس أخرجه أيضا مسلم وقد روى نحوه عن جماعة من الصحابة قدمنا ذكرهم في باب الصلاة على الغائب وقدمنا شرح هذا الحديث والأختلاف في أسم هذا الأنسان المبهم هنالك . ودفن أبي بكر بالليل ذكره البخاري تعليقا في باب الدفن في الليل ووصله في آخر كتاب الجنائز في باب موت يوم الاثنين من حديث عائشة . ولابن أبي شيبة من حديث القاسم بن محمد قال دفن أبو بكر ليلا . ومن حديث عبيد بن السباق أن عمر دفن أبا بكر بعد العشاء الأخيرة قال الحافظ في الفتح وصح أن عليا دفن فاطمة ليلا . وحديث جابر سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات إلا محمد بن مسلم الطائفي ففيه مقال . وأخرج الترمذي من حديث ابن عباس نحوه ولفظه ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج فأخذه من قبل القبلة وقال رحمك الله إن كنت لأواها تلاء للقرآن ) قال الترمذي حديث ابن عباس حديث حسن . قوله ( صوت المساحى ) هي جمع مسحاة والمسحاة آلة من حديث يجرف بها الطين مشتقة من السحو وهو كشف وجه الأرض والميم فيها زائدة . قوله ( المرور ) جمع مر بفتح الميم بعدها راء مهملة وهو المسحاة على ما في القاموس . وقيل صوت المسحاة على الأرض ( والأحاديث ) المذكورة في الباب تدل على جواز الدفن بالليل وبه قال الجمهور وكرهه الحسن البصري واستدل بحديث أبي قتادة المتقدم في باب استحباب احسان الكفن وفيه ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم زجر أن يقبر الرجل ليلا حتى يصلى عليه ) وأجيب عنه أن الزجر منه صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان لترك الصلاة بالليل أو لأجل أنهم كانوا يدفنون بالليل لرداءة الكفن فالزجر إنما هو لما كان بالليل مظنة اساءة الكفن كما تقدم فإذا لم يقع تقصير في الصلاة على الميت وتكفينه فلا بأس بالدفن ليلا . وقد قيل في تعليل كرهة الدفن ليلا أن ملائكة النهار ارأف من ملائكة الليل ولم يصح ما يدل على ذلك

باب الدعاء للميت بعد دفنه

1 - عن عثمان قال ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من دفن الميت وفق عليه استعفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسئل )
- رواه أبو داود

2 - وعن راشد بن سعد وضمرة بن حبيب وحكيم بن عمير قالوا ( إذا سوى على الميت وانصرف الناس عنه كانوا يستحبون أن يقال الميت عند قبره يا فلان قل لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله ثلاث مرات يا فلان قل ربي الله وديني الإسلام ونبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم ينصرف )
- رواه سعيد في سننه

- الحديث الأول أخرجه أيضا الحاكم وصححه البزار وقال لا يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا من هذا الوجه . والأثر المروي عن راشد وضمرة وحكيم ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه وراشد المذكور شهد صفين مع معاوية ضعفه ابن حزم وقال الدارقطني يعتبر به . والثلاثة كلهم من قدماء التابعين حمصيون وقد روى نحوه مرفوعا من حديث أبي أمامة عند الطبراني وعبد العزيز الحنبلي في الشافي أنه قال ( إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نصنع بموتانا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال إذا مات أحد من أخوانكم فسويتم التراب على قبره فيلقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل يا فلان بن فلانة فإنه يسمعه ولا يجيب ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يستوي قاعدا ثم يقول يا فلان بن فلانة فإنه يقول ارشدنا يرحمك الله ولكن لا تشعرون فليقل اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وانك رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن اماما فإن منكرا ونكيرا يأخد كل واحد بيد صاحبه ويقول انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته فقال رجل يا رسول الله فإن لم يعرف أمه قال ينسبه إلى أمه حواء يا فلان بن حواء ) قال الحافظ في التلخيص وإسناده صالح وقد قواه الضياء في أحكامه . وفي إسناده سعيد الأزدي بيض له أبو حاتم وقال الهيثمي بعد أن ساقه في أسناده جماعة لم أعرفهم انتهى . وفي إسناده أيضا عاصم بن عبد الله وهو ضعيف . قال الأثرم قلت لأحمد هذا الذي يصنعونه إذا دفن الميت يقف الرجل ويقول يا فلان بن فلانة قال ما رأيت أحدا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة روى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم أنهم كانوا يفعلونه وكان إسماعيل ابن عياش يرويه يشير إلى حديث أبي أمامة انتهى . وقد استشهد في التلخيص لحديث أبي أمامة بالأثر الذي رواه سعيد بن منصور وذكر له شواهد أخر خارجة عن البحث لا حاجة إلى ذكرها : قوله ( إذا فرغ من دفن الميت ) الخ فيه مشروعية الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه وسؤال التثبيت له لأنه يسئل في تلك الحال وفيه دليل على ثبوت حياة القبر وقد وردت بذلك أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر وفي أيضا دليل على أن الميت يسئل في قبره وقد وردت به أيضا أحاديث صحيحة وفي الصحيحين وغيرهما وورد أيضا ما يدل على أن السؤال في القبر مختص بهذه الأمة كما في حديث زيد بن ثابت عن مسلم إن هذه الأمة تبتلى في قبورها وبدلك جزم الحكيم الترمذي . وقال ابن القيم السؤال عام للأمة وغيرها وليس في الأحاديث ما يدل على الأختصاص : قوله ( وعن راشد وضمرة ) هما تابعيان قديمان وكذلك حكيم ابن عمير وكل الثلاثة من حمص . قوله ( كانوا يستحبون ) ظاهره إن المستحب لذلك الصحابة الذين أدركوهم وقد ذهب إلى استحباب ذلك أصحاب الشافعي

باب النهي عن اتخاذ المساجد والسرج في المقبرة

1 - عن أبي هريرة ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد )
- متفق عليه

2 - وعن ابن عباس ( قال لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج )
- رواه الخمسة إلا ابن ماجه

- الحديث الثاني حسنه الترمذي وفي إسناده أبو صالح باذام ويقال باذان مولى أم هانئ بنت أبي طالب وهو صاحب الكلبي . وقي قيل إنه لم يسمع من ابن عباس وقد تكلم فيه جماعة من الأئمة قال ابن عدي ولا أعلم أحدا من المتقدمين رضيه : وقد روى عن يحيى بن سعيد أنه كان يحسن أمره . قوله ( قاتل الله اليهود ) زاد مسلم والنصارى مستأنفة على سبيل البيان لموجب المقاتلة كأنه قيل ما سبب مقاتلتهم فأجيب بقوله اتخذوا : قوله ( مساجد ) ظاهره أنهم كانوا يجعلونها مساجد يصلون فيها وقيل هو أعم من الصلاة عليها وفيها وقد أخرج مسلم ( لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها ) وروى مسلم أيضا ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك في مرضه الذي مات منه قبل موته بخمس وزاد فيه فلا تتخذوا القبور مساجد فاني أنهاكم عن ذلك ) وفيه دليل على تحريم اتخاذ القبور مساجد وقد زعم بعضهم إن ذلك إنما كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان ورده ابن دقيق العيد . قوله ( لعن الله زائرات القبور ) فيه تحريم زيارة القبور للنساء وسيأتي الكلام على ذلك . قوله ( والسرج ) فيه دليل على تحريم اتخاذ السرج على المقابر لما يقضي إليه ذلك من الاعتقادات الفاسدة كما عرفت مما تقدم

باب وصول ثواب القرب المهداة إلى الموتى

1 - عن عبد الله بن عمرو ( إن العاص بن وائل نذر في الجاهلية أن ينحر مائة بدنة وإن هشام بن العاص حصته خمسين وإن عمرا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن ذلك فقال أما أبوك فلو أقر بالتوحيد فصمت وتصدقت عنه نفعه ذلك )
- رواه أحمد

2 - وعن أبي هريرة ( إن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن أبي مات ولم يوص أفينفعه أن أتصدق عنه قال نعم )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه

3 - وعن عائشة ( أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إن أمي افتلتت نفسها واراها لوتكلمت تصدقت فهل لها أجر إن تصدقت عنها قال نعم )
- متفق عليه

4 - وعن ابن عباس ( إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أمي أينفعها إن تصدقت عنها قال نعم قال فإن لي مخرفا فأنا أشهدك أني قد تصدقت به عنها )
- رواه البخاري والترمذي وأبو داود والنسائي

5 - وعن الحسن عن سعد بن عبادة ( إن أمه ماتت فقال يا رسول الله إن أمي ماتت فأتصدق عنها قال نعم قلت فأي الصدقة أفضل قال سفى الماء قال الحسن فتلك سقاية آل سعد بالمدينة )
- رواه أحمد والنسائي

- حديث سعد رجال إسناده عند النسائي ثقات ولكن الحسن لم يدرك سعدا وقد أخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه : قوله ( نحر حصته خمسين ) إنما كانت حصته خمسين لأن العاص بن وائل خلف ابنين هشاما وعمرا فأراد هشام أن يفي بنذر أبيه فنحر حصته من المائة التي نذرها وحصته خمسون وأراد عمرو أن يفعل كفعل أخيه فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أن موت أبيه على الكفر مانع من وصول نفع ذلك إليه وإنه لو أقر بالتوحيد لاجزأ ذلك عنه ولحقه ثوابه ( وفيه دليل ) على أن نذر الكافر بما هو قربة لا يلزم إذا مات على كفره وأما إذا أسلم وقد وقع منه نذر في الجاهلية ففيه خلاف والظاهر أنه يلزمه الوفاء بنذره لما أخرجه الشيخان من حديث ابن عمر ( أن عمر قال يا رسول الله أني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له صلى الله عليه وآله وسلم أوف بنذرك ) وفي ذلك أحاديث يأتي ذكرها في باب من نذر وهو مشرك من كتاب النذور . قوله ( نفعه ذلك ) فيه دليل على أن ما فعله الولد لأبيه المسلم من الصوم والصدقة يلحقه ثوابه . قوله ( افتلتت ) بضم المثناة بعد الفاء الساكنة وبعدها لام مكسورة على صيغة المجهور ماتت فجأة كذا في القاموس : وقوله ( نفسها ) بالضم على الأشهر نائب مناب الفاعل : قوله ( وأراها ) بضم الهمزة بمعنى أظنها . قوله ( فإن لي مخرفا ) في رواية مخراف والمخرف والمخراف الحديقة من النخل أو العنب أو غيرهما . قوله ( قال سقى الماء ) فيه دليل على أن سقي الماء أفضل الصدقة . ولفظ أبي داود ( فأي الصدقة أفضل قال الماء فحفروا بئرا وقال هذه لأم سعد ) وأخرج هذا الحديث . وقد قيل أن الرجل المبهم في حديث عائشة هو سعد . وأحاديث الباب تدل على أن الصدقة من الولد تلحق الوالدين بعد موتهما بدون وصية منهما ويصلإليهما ثوابه فيخصص بهذه الأحاديث عموم قوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } ولكن ليس في أحاديث الباب إلا لحوق الصدقة من الولد وقد ثبت أن ولد الإنسان من سعيه فلا حاجة إلى دعوى التخصيص وأما من غير الولد فالظاهر من العمومات القرآنية أنه لا يصل ثوابه إلى الميت فيوقف عليها حتى يأتي دليل يقتضي تخصيصها . وقد أختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل يصل إلى الميت فذهبت المعتزلة إلى أنه لا يصل إليه شيء واستدلوا بعموم الآية . وقال في شرح الكنز أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغير صلات كان أم صوما أم حجا أو صدقة أو قراءة قرآن أو غير ذلك من جميع أنواع البر ويصل ذلك إلى الميت وينفعه عند أهل السنة انتهى . والمسهور من المذهب الشافعي وجماعة من أصحابه أنه لا يصل إلى الميت ثواب قراءة القرآن وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من العلماء وجماعة من أصحاب الشافعي أنه يصل كذا ذكره النووي في الأذكار . وفي شرح المناهج لابن النحوي لا يصل إلى الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور والمختار الوصول إذا سأل الله إيصال ثواب قراءته وينبغي الجزم به لأنه دعاء فإذا جاز الدعاء للميت بما ليس للداعي فلأن يجوز بما هو له أولى ويبقى الأمر فيه موقوفا على استجابة الدعاء وهذا المعنى لا يختص بالقراءة بل يجري على سائر الأعمال والظاهر أن الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحي القريب والبعيد بوصية وغيرها
وعلى ذلك أحاديث كثيرة بل كان أفضل الدعاء أن يدعو لأخيه بظهر الغيب انتهى . وقد حكى النووي في شرح مسلم الإجماع على وصول الدعاء إلى الميت وكذا حكى الإجماع أيضا على أن الصدقة نقع عن الميت ويصل ثوابها ولم يقيد ذلك بالولد . وحكى أيضا الإجماع إلى لحوق قضاء الدين والحق أنه يخصص عموم الآية بالصدقة من الولد كما في أحاديث الباب وبالحج من الولد كما في خبر الخثعمية ومن غير الولد أيضا كما في حديث المحرم عن أخيه شبرمة ولم يستفصله صلى الله عليه وآله وسلم هل أوصى شبرمة أم لا وبالعتق من الولد كما وقع في البخاري في حديث سعد خلافا للمالكية على المشهور عندهم وبالصلاة من الولد ايضا لما روى الدارقطني ( أن رجل قال يا رسول الله أنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما فقال صلى الله عليه وآله وسلم إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك وأن تصوم لهما مع صيامك ) وبالصيام من الولد لهذا الحديث . ولحديث عبد الله بن عمرو المذكور في الباب . ولحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم ( أن امرأة قالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم نذر فقال أرأيت لو كام على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها قالت نعم قال فصومي عن أمك ) وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي من حديث بريدة ( أن إمرأة قالت أنه كان على أمي صوم شهر أفأصوم عنها قال صومي عنها ) ومن غير الولد أيضا الحديث ( من مات وعليه صيام صام عنه وليه ) فق عليه من حديث عائشة وبقراءة يس من الولد وغيره لحديث ( إقرؤا على موتاكم يس ) وقد تقدم وبالدعاء من الولد لحديث ( أو ولد صالح يدعو له ) ومن غيره لحديث ( استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإن الآن يسئل ) وقد تقدم . والحديث ( فضل الدعاء للأخ بظهر الغيب ) ولقوله تعالى { والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } ولما ثبت من الدعاء للميت عند الزيارة كحديث بريدة عند مسلم وأ مد وابن ماجه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسال الله لنا ولكم العافية ) وبجميع ما يفعله الولد لوالديه من أعمال البر لحديث ( ولد الإنسان من سعيه ) وكما تخصص هذه الأحاديث الآية المتقدمة كذلك يخصص حديث أبي هريرة عند مسلم وأهل السنن قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له ) فإنه ظاهره أنه لا ينقطع عنه ما عدا هذه الثلاثة كائنا من كان . وقد قيل أنه يقاس على هذه المواضع التي وردت بها الدلة غيرها فيلحق الميت كل شيء فعله غيره . وقال في شرح الكنز أن الآية منسوخة بقوله تعالى { والذين آمنوا وإتبعتهم ذريتهم } وقيل الإنسان أريد به الكافر وأما المؤمن فله ما سعى إخوانه . وقيل ليس له من طريق الفضل وقيل اللام بمعنى على كما في قوله تعالى { ولهم اللعنة } أي وعليهم انتهى

باب تعزية المصاب وثواب صبره وأمره به وما يقول لذلك

1 - عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمر وبن حزم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله عز و جل من حلل الكرامة يوم القيامة )
- رواه ابن ماجه

2 - وعن الأسود عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( من عزى مصابا فله مثل أجره )
- رواه ابن ماجه والترمذي

3 - وعن الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( ما من مسلم ولا مسلمة يصاب بمصيبة فيذكرها وإن قدم عهدها فيحدث لذلك استرجاعا الا جدد الله تبارك وتعالى له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب )
- رواه أحمد وابن ماجه

- حديث عمرو بن حزم رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا خالد ابن مخلد حدثني قيس أبو عمارة مولى الأنصار قال سمعت عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فساقه وهؤلاء كلهم ثقات إلا قيسا أبا عمارة ففيه لين وقد ذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه . وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا الحاكم وقال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن عاصم . ورواه بعضهم عن محمد ابن سوقة بهذا الإسناد مثله موقوفا ولم يرفعه ويقال أكثر ما ابتلى به علي بن عاصم هذا الحديث نقموه عليه انتهى . قال البيهقي تفرد به علي بن عاصم وقال ابن عدي قد رواه مع علي بن عاصم محمد بن الفضل بن عطية وعبد الرحمن بن مالك بن مغول . وروى عن اسرائيل وقيس بن الربيع والثوري وغيرهم . وروى ابن الجوزي في الموضوعات من طريق نصر بن حماد عن شعبة نحوه . وقال الخطيب رواه عبد الحكم بن منصور والحرث بن عمران الجعفري وجماعة من علي بن عاصم وليس شيء منها ثابتا ويحكى عن أبي داود قال عاتب يحيى بن سعيد القطان علي بن عاصم في وصل هذا الحديث وإنما هو عندهم منقطع وقال إن أصحابك الذين سمعوه معك لا يسندونه فأبى أن يرجع قال الحافظ ورواية الثوري مدارها علي حماد بن الوليد وهو ضعيف جدا وكل المتابعين لعلي بن عاصم أضعف منه بكثير وليس فيها رواية يمكن التعلق بها إلا طريق اسرائيل فقد ذكرها صاحب الكمال من طريق وكيع عنه ولم أقف على إسنادها بعد . قال في التلخيص وله شاهد أضعف منه من طريق محمد بن عبد الله العرزمي عن أبي الزبير عن جابر ساقه ابن الجوزي في الموضوعات وله أيضا شاهد آخر من حديث أبي برزة مرفوعا ( من عز ثكل كسي بردا في الجنة ) قال الترمذي غريب . ومن شواهده حديث عمرو بن حزم الذي قبله قال السيوطي في التعقبات وأخرج البيهقي في الشعب عن محمد بن هرون الفأفاء وكان ثقة صدوقا قال ( رأيت في المنام النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديث علي بن عاصم الذي يرويه عن ابن سوقة ( من عزى مصاب هو عنك قال نعم ) فكان محمد بن هرون كلما حدث بهذا الحديث بكى . وقال الذهبي أبلغ ما شنع به على علي بن عاصم هذا الحديث وهو مع ضعفه صدوق في نفسه وله صورة كبيرة في زمانه وقد وثقه جماعة قال يعقوب بن شيبة كان من أهل الدين والصلاح والخير والتاريخ وكان شديد التوقي أن أنكر عليه كثرة الغلط مع تماديه على ذلك . وقال وكيع مازلنا نعرفه بالخير فخذوا الصحاح من حديثه ودعوا الغلط . وقال أحمد أما أنا فأحدث عنه كان فيه لجاج ولم يكن متهما . وقال الفلاس صدوق . وحديث الحسين في إسناده هشام بن زياد وفيه ضعف عن أمه وهي لا تعرف : قوله ( من عزى مصابا ) فيه دليل على أن تعزية المصاب من موجبات الكسوة من الله تعالى لمن فعل ذلك من حلل كرامته . قوله ( فله مثل أجره ) فيه دليل على أنه يحصل للمعزى بمجرد التعزية مثل أجر المصاب وقد يستشكل ذلك باعتبار أن المشقة مختلفة ويجاب عنه بجوابات ليس هذا محل بسطها . وثمرة التعزية الحث على الرجوع إلى الله تعالى ليحصل الأجر . قال في البحر والمشروع مرة واحدة لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( التعزية مرة ) انتهى . قال الهادي والقاسم والشافعي وهي بعد الدفن أفضل لعظم المصاب بالمفارقة . وقال أبو حنيفة والثوري إنما هي قبله لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( فإذا وجب فلا تبكين باكية ) أخرجه مالك والشافعي وأحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والمراد بالوجوب دخول القبر كما وقع في رواية لأحمد ولأن وقت الموت حال الصدمة الأولى كما سيأتي والتعزية تسلية فينبغي أن يكون وقت الصدمة التي يشرع الصبر عندها : قوله ( فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب ) فيه دليل على أن استرجاع المصاب عند ذكر المصيبة يكون سببا لاستحقاقه لمثل الأجر الذي كتبه الله له في الوقت الذي أصيب فيه بتلك المصيبة وإن تقادم عهدها ومضت عليها أيام طويلة والاسترجاع هو قول القائل إنا لله وإنا إليه راجعون

4 - وعن أنس ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إنما الصبر عند الصدمة الأولى )
- رواه الجماعة

5 - وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال ( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا واياه فارجوا فإن المصاب من حرم الثواب )
- رواه الشافعي

6 - وعن أم سلمة قالت ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له خيرا منها قالت فلما توفي أبو سلمة قالت من خير من أبي سلمة صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم عزم الله لي فقلتها اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها قالت فتزوجت رسول الله رسول الله )
- رواه أحمد ومسلم وابن ماجه

- حديث جعفر بن محمد في إسناده القاسم بن عبد الله بن عمر وهو متروك وقد كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين . وقال أحمد أيضا كان يضع الحديث ورواه الحاكم عن أنس في مستدركه وصححه وفي إسناده عباد بن عبد الصمد وهو ضعيف جدا وزاد فقال أبو بكر وعمر هذا الخضر : قوله ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) في رواية للبخاري ( عند أول صدمة ) ونحوها لمسلم . والمعنى إذا وقع الثبات أول شيء يهجم على القلب من مقتضيات الجزع فذلك هو الصبر الكامل الذي يترتب عليه الأجر وأصل الصدمة ضرب الشيء الصلب بمثله فاستعير للمصيبة الواردة على القلب : وقال الخطابي المعنى أن الصبر الذي يحمد عليه صاحبه ما كان عند مفاجأة المصيبة بخلاف ما بعد ذلك . وقال غيره إن المراد لا يؤجر على المصيبة لأنها ليست من صنعه وإنما يؤجر على حسن تثبته وجميل صبره . وأول الحديث ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري فقالت إليك عني فإنك لم تصب بمصيبتي ولم تعرفه فقيل لها إنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأتت باب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم تجد بوابين فقالت لم أعرفك يا رسول الله فقال إنما الصبر عند الصدمة الأولى ) ( 1 ) قوله ( إن في الله عزاء من كل مصيبة ) الخ فيه دليل على أنه يستحب التعزية لأهل الميت بتعزية الخضر عليه السلام وأصل العزاء في اللغة الصبر الحسن والتعزية التصبر وعزاه صبره فكل ما يجلب للمصاب صبرا يقال له تعزية بأي لفظ كان ويحصل به للمعزي الأجر المذكور في الأحاديث السابقة وأحسن ما يعزى به ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد قال ( كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها أو ابنا لها في الموت فقال للرسول أرجع إليها وأخبرها إن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عند بأجل مسمى
فمرها فلتصبر ولتحتسب ) الحديث وسيأتي وهذا لا يختص بالصغير باعتبار السبب لأن كل شخص يصلح أن يقال له وفيه ذلك ولو سلم أن أول الحديث يختص بمن مات له كان الأمر بالصبر والأحتساب المذكور آخر الحديث غير مختص به : قوله ( اللهم أجرني ) قال القاضي يقال أجرني بالقصر والمد حكاهما صاحب الأفعال . قال الأصمعي وأكثر أهل اللغة قالوا هو مقصور لا يمد ومعنى أجره الله أعطاه أجره وجزاء صبره وهمه في مصيبته : قوله ( وأخلف لي ) قال النووي هو بقطع الهمزة وكسر اللام . قال أهل اللغة يقال لمن ذهب له مال أو ولد أو قريب أو شيء يتوقع حصول مثله أخلف الله عليك أي رد عليك مثله فإن ذهب مالا يتوقع مثله بأن ذهب والد أو عم ( 2 ) قيل له خلف الله عليك بغير ألف أي كان الله خليفة منه عليك : قوله ( الا أجره الله ) قال النووي هو بقصر الهمزة ومدها والقصر أفصح وأشهر كما سبق : قوله ( ثم عزم الله لي فقلتها ) أي خلق في عزما ( 3 )
_________
( 1 ) وفي هذا الحديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع كل أحد : وفيه أيضا الأعتذار إلى أهل الفضل إذا أساء الإنسان أدبه معهم : والله أعلم
( 2 ) عبارة النووي في شرح مسلم بزيادة أو أخ لمن لا جدله ولا والد له اه
( 3 ) وسبب تأويل قولها ثم عزم بخلق في عزما . أن فعل الله تعالى لا يسمى عزما من حيث أن حقيقة العزم حدوث رأي لم يكن والله منزه عن هذا . قاله العلامة النووي في شرح مسلم . والله أعلم

باب صنع الطعام لأهل الميت وكراهيته منهم للناس

1 - عن عبد الله بن جعفر قال ( لما جاء نعي جعفر حين قتل قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اصنعوا لآل جعفر ققد أتاهم ما يشغلهم )
- رواه الخمسة إلا النسائي

2 - وعن جرير بن عبد الله البجلي قال ( كنا نعد الأجتماع إلى أهل
الميت وصنعه الطعام بعد دفنه من النياحة )
- رواه أحمد

3 - وعن أنس ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا عقر في الإسلام )
- رواه أحمد وأبو داود . وقال قال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القر بقرة أو شاة في الجاهلية

- حديث عبد الله بن جعفر أخرجه أيضا الشافعي وصححه ابن السكن وحسنه الترمذي وأخرجه أيضا أحمد والطبراني وابن ماجه من حديث أسماء بنت عميس وهي والدة عبد الله بن جعفر وحديث جرير أخرجه أيضا ابن ماجه وإسناده صحيح وحديث أنس سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح : قوله ( اصنعوا لآل جعفر ) فيه مشروعية القيام بمؤنة أهل الميت مما يحتاجون إليه من الطعام لاشتغالهم عن أنفسهم بما دهمهم من المصيبة قال الترمذي وقد كان بعض أهل العلم يستحب أن يوجه إلى أهل الميت بشيء لشغلهم بالمصيبة وهو قول الشافعي انتهى . قوله ( كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت ) الخ يعني أنهم كانوا يعدون الاجتماع عند أهل الميت بعد دفنه وأكل الطعام عندهم نوعا من النياحة لما في ذلك من التثقيل عليهم وشغلتهم مع ما هم فيه من شغلة الخاطر بموت الميت وما فيه من مخالفة السنة لأنهم مأمورون بأن يصنعوا لأهل الميت طعاما فخالفوا ذلك وكلفوهم صنعة الطعام لغيرهم : قوله ( لا عقر في الإسلام ) فيه دليل على عدم جواز العقر في الإسلام كما كان في الجاهلية قال الخطابي كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد يقولون نجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف فنحن نعقرها عند قبره حتى تأكلها السباع والطير فيكون مطعما بعد مماته كما كان مطعما في حياته قال ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكبا ومن لم يعقر عنده حشر راجلا انتهى . وهذا إنما يتم على فرض أنهم كانوا يعقرون الإبل فقط لا على ما نقله أبو داود عن عبد الرزاق أنهم كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة

باب ما جاء في البكاء على الميت وبيان المكروه منه

1 - عن جابر قال ( أصيب أبي يوم أحد فجعلت أبكي فجعلوا ينهوني ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينهاني فجعلت عمتي فاطمة تبكي فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم تبكين أولا تبكين ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفعتموه )
- متفق عليه

2 - وعن ابن عباس قال ( ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده وقال مهلا يا عمر ثم قال إياكن ونعيق الشيطان ثم قال أنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز و جل ومن الرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان )
- رواه أحمد

- حديث ابن عباس فيه علي بن زيد وفيه كلام وهو ثقة وقد أشار إلى الحديث الحافظ في التلخيص وسكت عنه . قوله ( فجعلت أبكي ) في لفظ للبخاري ( فجعلت أكشف الثوب عن وجهه أبكي وفي لفظ آخر له ( فذهبت أريد أن أكشف عنه فنهاني قومي ثم ذهبت أكشف عنه فنهاني قومي ) : قوله ( ينهوني ) في رواية للبخاري ( وينهوني ) قوله ( ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينهاني ) فيه دليل على جواز البكاء الذي لا صوت معه وسياتي تحقيق ذلك : قوله ( فجعلت عمتي فاطمة تبكي ) قال في الفتح هي شقيقة ابيه عبد الله بن عمرو . وفي لفظ للبخاري ( فسمع صوت نائحة فقال من هذه فقالوا بنت عمرو أو أخت عمرو ) والشك من سفيان والصواب بنت عمرو ووقع في الإكليل للحاكم تسميتها هند بنت عمرو فلعل لها اسمين أو أحدهما اسمها والآخر لقبها أو كانتا جميعا حاضرتين . قوله ( تبكين أو لا تبكين ) قيل هذا شك من الراوي هل استفهم أو نهى والظاهر أنه ليس بشك وإنما المراد به التخيير والمعنى أنه مكرم بصنيع الملائكة وتزاحمهم عليه لصعودهم بروحه ومن إليه . وفيه إذن بالبكاء المجرد مع الإرشاد إلى أولوية الترك لمن كان بهذه المنزلة : قوله ( إياكن ونعيق الشيطان ) هو النواح والصراخ المنهي عنه بالأحاديث الآتية . عمالا يجوز من فعل اليد كشق الجيب واللطم ومن فعل اللسان كالصراخ ودعوى الويل والثبور ونحو ذلك

3 - وعن ابن عمر قال ( اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشية فقال قد قضي فقالوا لا يا رسول الله فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما رأى القوم بكاءه بكوا قال ألا تسمعون أن الله يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم )

4 - وعن أسامة بن زيد قال ( كنا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسلت إليه إحدى بناته تدعوه وتخبره أن صبيا لها في الموت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إرجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ زله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمرها فلتصبر ولتحتسب فعاد الرسول فقال أنها أقسمت لتأنينها قال فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل قال فانطلقت معهم فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها في شنة ففاضت عيناه فقال سعد ما هذا يا رسول الله ( 1 ) قال هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء )
- متفق عليهما

- قوله ( اشتكى ) أي ضعف وشكوى بغير تنوين : قوله ( فلما دخل عليه ) زاد مسلم ( فاستأخر قومه من حوله حتى دنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الذين معه ) . قوله ( وجده في غشية ) قال النووي بفتح الغين وكسر الشين المعجمتين وتشديد الياء قال القاضي هكذا رواية الأكثرين قال وضبطه بعضهم بإسكان الشين وتخفيف الياء . وفي رواية البخاري ( في غاشية ) وكله صحيح وفيه قولان أحدهما من يغشاه من أهله والثاني ما يغشاه من كرب الموت . قوله ( فلما رأي القوم بكاءه بكوا ) هذا فيه إشعار بأن هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأن عبد الرحمن بن عوف كان معهم في هذه ولم يعترض بمثل ما اعترض به هناك فدل على أنه تقرر عندهم العلم بأن مجرد البكاء بدمع العين من غير زيادة على ذلك لا يضر . قوله ( ألا تسمعون ) لا يحتاج إلى مفعول لأنه جعل كالفعل اللازم أي لا توجدون السماع وفيه إشارة إلا أنه فهم من بعضهم الإنكار فبين لهم الفرق بين الحالتين : قوله ( إن الله ) بكسر الهمزة لأنه ابتداء كلام وفيه دليل على جواز البكاء والحزن اللذين لا قدرة للمصاب على دفعهما . قوله ( ولكن يعذب بهذا أي إن قال سوأ أو يرحم إن قال خيرا ويحتمل أن يكون معنى قوله ويرحم إن لم ينفذ الوعيد . قوله ( إحدى بناته ) هي زينب كما وقع عند ابن أبي شيبة : قوله ( إن صبيا لها ) قيل وهو علي بن أبي العاص بن الربيع وهو من زينب وفيه نظر لأن الزبير بن بكار وغيره من أهل العلم بالأخبار ذكروا أن عليا المذكور عاش حتى ناهز الحلم وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أردفه على راحلته يوم فتح مكة وهذا لا يقال في حقه صبيا عرفا وإن جاز من حيث اللغة . وفي الانسياب للبلازري أن عبد الله بن عثمان بن عفان من رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما مات وضعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حجره وقال إنما يرحم الله من عباده الرحماء . وفي مسند البزار من حديث أبي هريرة قال ثقل ابن لفاطمة فبعثت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر نحو حديث الباب وفيه مراجعة سعد بن عبادة في البكاء فعلى هذا الابن المذكور محسن ابن علي وقد اتفق أهل العلم بالأخبار أنه مات صغيرا في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فهذا أولى إن ثبت أن القصة كانت لصبي ولم يثبت أن المرسلة زينب لكن الصواب في حديث الباب أن المراسلة زينب كما قال الحافظ وأن الولد صبية كما في مسند أحمد وكذا أخرجه أبو سعيد ابن الأعرابي في معجمه . ويدل على ذلك ما عند أبي داود بلفظ ( إن ابنتي أو ابني ) وفي رواية ( إن ابنتي قد حضرت ) قوله ( إن لله ما أخذ ) ( 2 ) قدم ذكر الأخذ على الأعطاء وإن كان متأخرا في الواقع لما يقتضيه المقام والمعنى أن الذي أراد الله أن يأخذ هو الذي كان أعطاه فإن أخذ ما هو له فلا ينبغي الجزع لأن مستودع الأمانة لا ينبغي له أن يجزع إذا استعيدت منه ويحتمل أن يكون المراد بالإعطاء إعطاء الحياة لمن بقي بعد الموت أو أثوابهم على المصيبة أو ما هو أعم من ذلك . وما في الموضعين مصدرية ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف : قوله ( وكل شيء عنده بأجل مسمى ) أي كل من الأخذ والإعطاء أو من الأنفس أو ما هو أعم من ذلك وهي جملة ابتدائية معطوفة على الجمل المذكورة ويجوز في كل النصب عطفا على اسم أن فينسحب التأكيد عليه ومعنى العندية العلم فهو من مجاز الملازمة والأجل يطلق على الحد الأخير وعلى مطلق العمر . قوله ( مسمى ) أي معلوم أو مقدر أو نحو ذلك قوله ( ولتحتسب ) أي تنو بصبرها طلب الثواب من ربها . قوله ( ونفسه تقعقع ) بفتح التاء والقافين والقعقعة حكاية صوت الشن اليابس إذا حرك . قوله ( كأنها في شنة ) بفتح الشين وتشديد النون القربة الخلقة اليابسة شبه البدن بالجلد اليابس وحركة الروح فيه بما يطرح في الجلد من حصاة ونحوها . قوله ( ففاضت عيناه ) أي النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد صرح به في رواية شعبة . قوله ( هذه رحمة ) أي الدمعة أثر رحمة . وفيه دليل على جواز ذلك وإنما المنهي عنه الجزع وعدم البصر . قوله ( وإنما يرحم الله من عباده الرحماء ) الرحماء جمع رحيم وهو من صيغ المبالغة ومقتضاه أن رحمة الله تعالى تختص لمن اتصف بالرحمة وتحقق بها بخلاف من فيه أدنى رحمة لكن ثبت عند أبي داود وغيره من حديث عبد الله بن عمرو ( الراحمون يرحمهم الرحمن ) والراحمون جمع راحم فيدخل فيه من فيه أدنى رحمة . ومن في قوله من عباده بيانية وهي حال من المفعول قدمت ليكون أوقع
_________
( 1 ) فيه دليل على مشروعية تذكير أهل العلم إذا نسوا أمرا ففعلوا خلافه لأن سعدا رضي الله عنه ظن أن جميع أنواع البكاء حرام وظن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسي فذكره فأعلمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن مجرد البكاء ودمع العين ليس بحرام ولا مكروه بل هو رحمة وفضيلة وإنما المحرم النوح والندب والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما : والله أعلم :
( 2 ) قال النووي رحمه الله تعالى وتقريره أن هذا الذي أخذ منكم كان لا لكم فلم يأخذ إلا ما هو له فينبغي أن لا تجزعوا كما لا يجزع من استردت منه وديعة أو عارية . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( وله ما أعطي ) معناه أن ما هو هبة لكم ليس خارجا عن ملكه بل هو له سبحانه وتعالى يفعل فيه ما يشاء : والله أعلم :

5 - وعن عائشة أن سعد بن معاذ لما مات حضره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر قالت فوالذي نفسي بيده أني لا أعرف بكاء أبي بكر من بكاء عمر وأنا في حجرتي )
- رواه أحمد

6 - وعن ابن عمر ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم من أحد سمع نساء من عبد الأشهل يبكين على هلكاهن فقال لكن حمزة لا بواكي له فجئن نساء الأنصار فبكين على حمزة عنده فاستيقظ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال ويحهن أيتن ههنا يبكين حتى الآن مروهن فليرجعن ولا يبكين على هالك بعد اليوم )
- رواه أحمد وابن ماجه

7 - وعن جابر بن عتيك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب فصاح به فلم يجبه فاسترجع فقال غلبنا عليك يا أبا الربيع فصاح النسوة وبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعهن فإذا وجب فلا تبكين باكية قالوا وما الوجوب يا رسول الله قال الموت )
- رواه أبو داود والنسائي

- حديث عائشة وابن عمر أشار إليهما الحافظ في التلخيص وسكت عنهما ورجال إسناد حديث ابن عمر ثقات إلا أسامة بن زيد الليثي ففيه مقال . وقد أخرج له مسلم وحديث جابر بن عتيك أخرجه أيضا أحمد وابن حبان والحاكم . قوله ( ووأبو بكر وعمر ) الخ محل الحجة من هذا الحديث تقرير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لهما على البكاء وعدم إنكاره عليهما مع أنه قد حصل منهما زيادة على مجرد دمع العين ولهذا فرقت عائششة وهي في حجرتها بين بكاء أبي بكر وعمر ولعل الواقع منهما مما لا يمكن دفعه ولا يقدر على كتمه ولم يبلغ إلى الحد المنهي عنه . قوله ( ولكن حمزة لا بواكي له ) هذه المقالة منه صلى الله عليه وآله وسلم مع عدم إنكاره للبكاء الواقع من نساء عبد الأشهل على هلكاهن تدل على جواز مجرد البكاء . وقوله ( ولا يبكين على هالك بعد اليوم ) ظاهره المنع من مطلق البكاء وكذلك قوله في حديث جابر بن عتيك ) فإذا وجب فلا تبكين باكية ) وذلك يعارض ما في الأحاديث المذكورة في الباب من الإذن بمطلق البكاء مما لم يذكره المصنف كحديث عائشة في قصة عثمان ابن مظعون عند أبي داود والترمذي . وحديث أبي هريرة عند النسائي وابن ماجه وابن حبان بلفظ ( مر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجنازة فانتهرهن عمر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعهن يا ابن الخطاب فإن النفس مصابة والعين دامعة والعهد قريب ) وحديث بريدة عند مسلم في زيارته صلى الله عليه وآله وسلم قبر أمه وسيأتي . وحديث أنس عند الشيخين ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذرفت عيناه لما جعل ابنه إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه فأخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعه في حجره فبكى فقال له عبد الرحمن اتبكي أو لم تكن نهيت عن البكاء فقال لا ولكن نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين صوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان ) الحديث قال الترمذي حسن فيجمع بين الأحاديث بحمل النهي عن البكاء مطلقا ومقيدا ببعد الموت على البكاء المفضي إلى ما لا يجوز من النوح والصراخ وغير ذلك والإذن به على مجرد البكاء الذي هو دمع العين وما لا يمكن دفعه من صوت وقد أرشد إلى هذا الجمع قوله ( زلكن نهيت عن صوتين ) الخ وقوله في حديث ابن عباس المتقدم ( أنه مهما كان من العين والقلب فمن الله عز و جل ومن الرحمة ) وقوله في حديث ابن عمر السابق ( أن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ) فيكون معنى قوله ( لايبكين على هالك بعد اليوم ) وقوله ( فإذا وجب فلا تبكين باكية ) النهي عن البكاء الذي يصحبه شيء مما حرمه الشارع . وقيل أنه يجمع يأن الأذن بالبكاء قبل الموت والنهي عنه بعده ويرد بحديث أبي هريرة المذكور قريبا وبحديث عائشة الذي ذكره المصنف . وبحديث بريدة في قصة زيارته صلى الله عليه وآله وسلم لأمه . وبحديث جابر وابن عباس المذكورين في أول الباب وقيل إنه يجمع بحمل أحاديث النهي عن البكاء بعد الموت على الكراهية وقد تمسك بذلك الشافعي فحكي عنه كراهة البكاء بعد الموت والجمع الذي ذكرناه أولا هو الراجح : قوله ( قالوا وما الوجوب ) الخ في رواية لأحمد أن بعض رواة الحديث قالوا الوجوب إذا دخل قبره والتفسير المرفوع أصح وأرجح

باب النهي عن النياحة والندب وحمش الوجوه ونشر الشعر ونحوه والرخصة في يسير الكلام من صفة الميت

1 - عن ابن مسعود ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوة الجاهلية )

2 - وعن أبي بردة قال ( وجع أبو موسى وجعا فغشي عليه وراسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله فلم يستطع أن يرد عليها شيئا فلما أفاق قال أنا برئ ممن بريء من الصالقة والحالقة والشاقة )

3 - وعن المغيرة بن شعبة قال ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أنه من نيح عليه يعذب بما نيح عليه )

4 - وعن عمر ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن الميت يعذب ببكاء الحي ) وفي رواية ( ببعض بكاء أهله عليه )

5 - وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( إن الميت يعذب ببكاء أهله )

6 - وعن عائشة قالت ( إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه )
- متفق على هذه الأحاديث . ولأحمد ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( الميت يعذب في قبره بما نيح عليه )

- قوله ( ليس منا ) أي من أهل سنتنا وطريقتنا وليس المراد به إخراجه من الدين وفائدة إيراد هذا اللفظ المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك كما يقول الرجل لولده عند معاتبته ليست منك ولست مني أي ما أنت على طريقتي . وحكى عن سفيان أنه كان يكره الخوض في تأويل هذه اللفظة ويقول ينبغي أن تمسك عن ذلك ليكون أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر وقيل المعني ليس على ديننا الكامل أي أنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله حكاه ابن العربي قال الحافظ ويظهر لي إن هذا النفي يفسره التبرء الذي في حديث أبي موسى وأصل البراءة الإنفصال من الشيء وكأنه توعده بأن لا يدخله في شفاعته مثلا : قوله ( من ضرب الخدود ) خص الخد بذلك لكونه الغالب وإلا فضرب بقية الوجه مثله : قوله ( وشق الجيوب ) جمع جيب بالجيم وهو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس والمراد بشقه إكمال فتحه إلى آخره وهو من علامات السخط . قوله ( ودعا بدعوة الجاهلية ) أي من النياحة ونحوها وكذا الندبة كقولهم واجبلاه وكذا الدعاء بالويل والثبور كما سيأتي . قوله ( وجع ) بكسر الجيم : قوله ( في جحر امرأة من أهله ) الخ في رواية لمسلم ( أغمى على أبي موسى فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة ) ولأبي نعيم في المستخرج على مسلم ( أغمي على أبي موسى فصاحت امرأته بنت أبي دومة ) وذلك يدل على أن الصائحة أم عبد الله بنت أبي دومة واسمها صفية قاله عمر بن شبة في تاريخ البصرة . قوله ( أنا برئ ) قال المهلب أي ممن فعل ذلك الفعل ولم يرد يفيه عن الإسلام والبراءة الأنفصال كما تقدم . قوله ( الصالقة ) بالصاد المهملة والقاف أي التي ترفع صوتها بالبكاء ويقال فيه بالسين بدل الصاد . ومنه قوله تعالى { سلقوكم بألسنة حداد } وعن ابن الأعرابي الصلق ضرب الوجه والأول أشهر قوله ( والحالقة ) هي التي تحلق شعرها عند المصيبة . قوله ( والشاقة ) هي التي تشق ثوبها : ولفظ مسلم ( أنا برئ ممن حلق وصلق وخرق ) أي حلق شعره وصلق صوته أي رفعه وخرق ثوبه ( والحديثان ) يدلان على تحريم هذه الأفعال لأنها مشعرة بعدم الرضا بالقضاء . قوله ( من نيح عليه يعذب بما ينح عليه ) ظاهره وظاهر حديث عمر وابنه المذكورين بعده إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وقد ذهب إلى الأخذ بظاهر هذه الأحاديث جماعة من السلف منهم عمر وابنه . وروى عن أبي هريرة أنه رد هذه الأحاديث وعارضها بقوله { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وروى عنه أبو يعلى أنه قال تالله لئن انطلق رجل مجاهد في سبيل الله فاستشهد فعمدت امراته سفها وجهلا فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة . وإلى هذا جنح جماعة من الشافعية منهم الشيخ أبو حامد وغيره وذهب جمهور العلماء إلى تأويل هذه الأحاديث لمخالفتخا للعمومات القرآنية وإثباتها لتعذيب من لا ذنب له واختلفوا في التأويل فذهب جمهورهم كما قال النووي إلى تأويلها بمن أوصى بأن يبكي عليه لأنه بسببه ومنسوب إليه قالوا وقد كان ذلك من عادة العرب كما قال طرفة بن العبد
إذا مت فابكيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب ما أم معبد
قال في الفتح واعترض بأن التعذيب بسبب الوصية يستحق بمجرد صدور الوصية والحديث دال على أنه إنما يقع عند الأمتثال والجواب أنه ليس في السياق حصر فلا يلزم من وقوعه عند الأمتثال إن لا يقع إذا لم يمتثلوا مثلا انتهى . ومن التأويلات ما حكاه الخطابي إن المراد أن مبدأ عذاب الميت يقع عند بكاء أهله عليه وذلك أن شدة بكائهم غالبا إنما تقع عند دفنه وفي تلك الحال يسئل ويبتدأ به عذاب القبر فيكون معنى الحديث على هذا إن الميت يعذب حال بكاء أهله عليه ولا يلزم من ذلك أن يكون بكاؤهم سببا لتعذيبه قال الحافظ ولا يخفى ما فيه من التكلف ولعل قائله أخذه من قوله عائشة ( إنما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه ليعذب الميت بمعصية أو بذنبه وأن أهله ليبكون عليه الآن ) أخرجه مسلم . ومنها ماجزم به القاضي أبو بكر بن الباقلاني وغيره أن الراوي سمع بعض الحديث ولم يسمع بعضه وإن اللام في الميت لمعهود معين واحتجوا بما أخرجه مسلم من حديث عائشة أنها قالت ( يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما أنه لم يكذب ولكن نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على يهودية ( فذكرت الحديث . وأخرج البخاري نحوه عنها . ومنها أن ذلك يختص بالكافر دون المؤمن واستدل لذلك بحديث عائشة المذكور في الباب قال في الفتح وهذه التأويلات عن عائشة متخالفة وفيها إشعار بأنها لم ترد الحديث بحديث آخر بل بما استشعرت من معارضة القرآن . وقال القرطبي انكار عائشة ذلك وحكمها على الراوي بالتخطئة والنسيان وعلى أنه سمع بعضا أو لم يسمع بعضا بعيد لأن الرواة لهذا المعنى من الصحابة كثيرون وهم جازمون فلا وجه للنفي مع امكان حمله على محمل صحيح . ومنها أن ذلك يقع لمن أهمل نهي أهله عن ذلك وهو قول داود وطائفة قال ابن المرابط إذا علم المرء ما جاء في النهي عن النوح وعرف إن أهله من شأنهم أن يفعلوا ذلك ولم يعلمهم بتحريمه ولا زجرهم عن تعاطيه فإذا عذب على ذلك عذب بفعل نفسه لا بفعل غيره بمجرده . ومنها أنه يعذب بسبب الأمور التي يبكيه أهله بها ويندبونه لها فهم يمدحونه بها وهو يعذب بصنيعه وذلك كالشجاعة فيما لا يحل والرياسة المحرمة وهذا اختيار ابن حزم وطائفة واستدل بحديث ابن عمر المتقدم بلفظ ( ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه ) وقد رجح هذا الإسماعيلي وقال قد كثر كلام العلماء في هذه المسألة وقال كل فيها باجتهاده على حسب ما قدر له ومن أحسن ما حضرني وجه لم أرهم ذكروه وهو أنهم كانوا في الجاهلية يغزون ويسبون ويقتلون وكان أحدهم إذا مات بكته باكيته بتلك الأفعال المحرمة فمعنى الخبر أن الميت يعذب بذلك الذي يبكي عليه أهله به لأن الميت يندب بأحسن أفعاله وكانت محاسن أفعالهم ما ذكر وهي زيادة ذنب في ذنوبه يستحق عليها العقاب . ومنها أن معنى التعذيب توبيخ الملائكة بما يندبه أهله ويدل على ذلك حديث أبي موسى وحديث النعمان بن بشير الآتيان . ومنها أن معنى التعذيب تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها وهذا اختيار أبي جعفر الطبري ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين واستدلوا لذلك بما أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم من حديث قيلة بفتح القاف وسكون الباء التحتية وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ( فو الذي نفس محمد بيده ان أحدكم ليبكي فيستعير إليه صويحبه فياعباد الله لا تعذبوا موتاكم ) قال الحافظ وهو حسن الإسناد . وأخرج أبو داود والترمذي أطرافا منه قال الطبري ويؤيد ما قال أبو هريرة أن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم ثم ساقه بإسناد صحيح وقدوهم المغربي في شرح بلوغ المرام فجعل قول أبي هريرة هذا حديثا وصحف الطبري بالطبري . ومن أدلة هذا التأويل حديث النعمان بن بشير الآتي وكذلك حديث أبي موسى لما فيهما من أن ذلك يبلغ الميت
قال ابن المرابط حديث قيلة نص في المسألة فلا يعدل عنه . واعترضه ابن رشيد فقال ليس نصا وإنما هو محتمل فإن قوله يستعبر إليه صويحبه ليس نصا في أن المراد به الميت بل يحتمل أن يراد به صاحبه الحي وإن الميت حينئذ يعذب ببكاء الجماعة عليه قال في الفتح ويحتمل أن يجمع بين هذه التأويلات فينزل على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلا من كان طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنيعه ومن كان ظالما فندب بأفعاله الجائرة عذب بما ندب به ومن كان يعرف من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها فإن كان راضيا بذلك التحق بالأول وإن كان غير راض عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن المعصية ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم عز و جل . قال وحكى الكرماني تفصيلا آخر وحسنه وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال يوم القيامة فيحمل قوله { ولا تزر وازة وزر أخرى } على يوم القيامة وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ انتهى . وأنت خبير بأن الآية عامة لأن الوزر المذكور فيها واقع في سياق النفي والأحاديث المذكورة في الباب مشتملة على وزر خاص و تخصيص العمومات القرآنية بالأحاديث الآحادية هو المذهب المشهور الذي عليه الجمهور فلا وجه لما وقع من رد الأحاديث بهذا العموم ولا ملجئ إلى تجشم المضايق لطلب التأويلات المستبعدة باعتبار الآية . وأما ما روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ذلك في الكافر أو في يهودية معينة فهو غير مناف لرواية غيرها من الصحابة لأن روايتهم مشتملة على زيادة والتنصيص على بعض أفراد العام لا يوجب نفي الحكم عن بقية الأفراد لما تقرر في الأصول من عدم صحة التخصيص بموافق العام والأحاديث التي ذكر فيها تعذيب مختص بالبرزخ أو بالتألم أو بالأستعبار كما في حديث قيلة لا تدل على اختصاص التعذيب المطلق في الأحاديث بنوع منها لان التنصيص على ثبوت الحكم لشيء بدون مشعر بالأختصاص به لا ينافي ثبوته لغيره فلا اشكال من هذه الحيثية وإنما الإشكال في التعذيب بلا ذنب وهو مخالف لعدل الله وحكمته على فرض عدم حصول سبب من الأسباب التي يحسن عندها في مقتضى الحكمة كالوصية من الميت بالنوح واهمال نهيهم عنه والرضا به وهذا يؤل إلى مسألة التحسين والتقبيح والخلاف فيها بين طوائف المتكلمين معروف ونقول ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فسمعنا وأطعنا ولا نزيد على هذا ( واعلم ) ان النووي حكى اجماع العلماء على اختلاف مذاهبهم أن المراد بالبكاء الذي يعذب الميت عليه هو البكاء بصوت ونياحة ولا بمجرد دمع العين

7 - وعن أبي مالك الأشعري ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب )
- رواه أحمد ومسلم

8 - وعن أبي موسى ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الميت يعذب ببكاء الحي إذا قالت النائحة واعضداه واناصراه واكاسباه جبذ الميت وقيل له أنت عضدها أنت ناصرها أنت كاسبها )
- رواه أحمد . وفي لفظ ( ما من ميت يموت فيقوم باكيه فيقول واجبلاه واسنداه أو نحو ذلك الا وكل به ملكان يلهزانه أهكذا كنت ) . رواه الترمذي

9 - وعني النعمان بن بشير قال ( أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته عمرة تبكي واجبلاه وا كذا وا كذا تعدد عليه فقال حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذلك فلما مات لم تبك عليه )
- رواه البخاري

- حديث أبي موسى رواه أيضا الحاكم وصححه وحسنه الترمذي . وحديث النعمان أخرجه البخاري في المغازي من صحيحه وأخرجه أيضا مسلم . قوله ( والطعن في الأنساب ) هوت من المعاصي التي يتساهل فيها العصاة . وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اثنتان في الناس هما بهم كفر الطعن في النسب والنياحة على الميت ) وقد اختلف في توجيه اطلاق الكفر على من فعل هاتين الخصلتين . قال النووي فيه أقوال أصحها أن معناها من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية والثاني أنه يؤدي إلى الكفر . والثالث كفر النعمة والأحسان . والرابع أن ذلك في المستحل انتهى . قوله ( والاستسقاء بالنجوم ) هو قول القائل مطرنا بنوء كذا أو سؤال المطر من الأنواء فإن كان ذلك على جهة اعتقاد أنها المؤثرة في نزول المطر فهو كفر . وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول الله أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فاما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ) واخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن هذه الأربع لا تتركها امته من علامات نبوته فانها باقية فيهم على تعاقب العصور وكرور الدهور لا يتركها من الناس إلا النادر القليل ) : قوله ( الميت يعذب ببكاء الحي ) قد تقدم الكلام عليه . قوله ( واعضداه ) الخ أي أنه كان لها كالعضد وكان لها ناصرا وكاسبا وكان لها كالجبل تأوي إليه عند طروق الحوادث فتعتصم به ومستندا تستند إليه في أمورها . قوله ( يلهزانه ) أن يلكزانه ( وهذه الأحاديث ) تدل على تحريم النياحة وهو مذهب العلماء كافة كما قال النووي إلا ما يروى عن بعض المالكية فإنه قال النياحة ليست بحرام واستدل بما أخرجه مسلم عن أم عطية قالت ( لما نزلت هذه الآية { يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يعصينك في معروف } قالت كان منه النياحة قالت فقلت يا رسول الله الا آل فلان فإنهم كانوا اسعدوني في الجاهلية فلا بد لي من أن أسعدهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا آل فلان ) وغاية ما فيه الترخيص لام عطية في آل فلان خاصة فما الدليل على حل ذلك لغيرها في غير آل فلان . وللشارع أن يخص من العموم ما شاء وقد استشكل القاضي عياض هذا الحديث ولا مقتضى لذلك فإن للشارع ان يخص من شاء بما شاء . وقد ورد لعن النائحة والمستمعة من حديث أبي سعيد عند أحمد ومن حديث ابن عمر عند الطبراني والبيهقي . ومن حديث أبي هريرة عند ابن عدي قال الحفظ في التلخيص وكلها ضعيفة . وأخرج مسلم من حديث أم عطية أيضا قالت ( أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع البيعة أن لا ننوح فما وفت منا امرأة إلا خمس فذكرت منهن ام سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة وأمرأة معاذ وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه أمر رجلا أنه ينهي نساء جعفر عن البكاء كما في البخاري ومسلم والمراد بالبكاء ههنا النوح كما تقدم

10 - وعن أنس قال ( لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعل يتغشاه الكرب فقالت فاطمة واكرب أبتاه فقال ليس على أبيك كرب بعد اليوم فلما مات قالت يا أبتاه اجاب ربادعاه يا أبتاه جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه فلما دفن قالت فاطمة أطابت أنفسكم ان تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التراب )
- رواه البخاري

11 - وعن أنس ( ان أبا بكر دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه ووضع يديه على صدغيه وقال وا نبياه وا خليلاه وا صفياه )
- رواه أحمد

- قوله في حديث أنس الأول ( واكرب أبتاه ) قال في الفتح في هذا نظر وقد رواه مبارك بن فضالة عن ثابت بلفظ ( واكرباه ) قوله ( أطابت أنفسكم ) قال في الفتح ولسا حال أنس لم تطب أنفسنا لكن قهرناها امتثالا لأمره . وقد قال أبو سعيد ما نفضنا أيدينا من دفنه حتى أنكرنا قلوبنا . مثله عن أنس يريد ان تغيرت عما عهدنا من الألفة والصفاء والرقة لفقدان ما كان يمدهم به من التعليم . ويؤخذ من قوله فاطمة الخ جواز ذكر الميت بما هو متصف به إن كان معلوما قال الكرماني وليس هذا من نوح الجاهلية من الكذب ورفع الصوت وغيره إنما هو ندبة مباحة انتهى . وعلى فرض صدق اسم النوح الشارع مثل هذا فليس في فعل فاطمة وأبي بكر دليل على جواز ذلك لأن الصحابي لا يصلح للحجية كما تقرر في الأصول . ويحمل ما وقع منهما على أنهما لم يبلغهما أحاديث النهي عن ذلك الفعل ولم ينقل أن ذلك وقع منهما بمحضر جميع الصحابة حتى يكون كالإجماع منهم على الجواز لسكوتهم عن الأنكار والأصل أيضا عدم ذلك

باب الكف عن ذكر مساوي الأموات

1 - عن عائشة قالت ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تسبوا الأموات فأنهم قد أفضوا إلى ما قدموا )
- رواه أحمد والبخاري والنسائي

2 - وعن ابن عباس ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تسبوا أمواتنا فتؤذوا أحياءنا )
- رواه أحمد والنسائي

- حديث ابن عباس أخرجه عنه بمعناه الطبراني في الأوسط بإسناد فيه صالح بن نبهان وهو ضعيف وأخرج نحوه الطبراني في الكبير والأوسط من حديث سهل بن سعد والمغيرة : قوله ( لا تسبوا الأموات ) ظاهره النهي عن سب الأموات على العموم وقد خصص هذا العموم بما تقدم في حديث أنس وغيره أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم عند ثنائهم بالخير والشر ( وجبت أنتم شهداء الله في أرضه ) ولم ينكر عليهم . وقيل أن اللام في الأموات عهدية والمراد بهم المسلمون لأن الكفار مما يتقرب إلى الله عز و جل بسبهم ويدل على ذلك قوله في حديث ابن عباس المذكور ( لا تسبوا أموالنا ) وقال القرطبي في الكلام على حديث وجبت أنه يحتمل أجوبة الأول أن الذي كان يحدث عنه بالسر مستظهرا به فيكون من باب لا غيبة لفاسق أو كان منافقا أو يحمل النهي على ما بعد الدفن والجواز على ما قبله ليتعظ به ويسمعه أو يكون هذا النهي العام متأخرا فيكون ناسخا . قال الحافظ وهذا ضعيف . وقال أبو رشيد ما محصله أن السب يكون في حق الكافر وفي حق المسلم أما في حق الكافر فيمتنع إذا تأذى به الحي المسلم وأما المسلم فحيث تدعو الضرورة إلى ذلك كأن يصير من قبيل الشهادة عليه وقد يجب في بعض المواضع وقد تكون مصلحة للميت كمن علم أنه أخذ مالا بشهادة زور ومات الشاهد فإن ذكر ذلك ينفع الميت إن علم من بيده المال يرده إلى صاحبه والثناء على الميت بالخير والشر من باب الشهادة لا من باب السب انتهى . والوجه تبقية الحديث على عمومه إلا ما خصه دليل كالثناء على الميت بالشر وجرح المجروحين من الرواة أحياء وأمواتا لإجماع العلماء على جواز ذلك وذكر ذلك مساوي الكفار والفساق للتحذير منهم والتنفير عنهم . قال ابن بطال سب الأموات يجري مجرى الغيبة فإن كان أغلب الأحوال المرء الخير وقد تكون منه الفلتة فالاغتياب له ممنوع وإن كان فاسقا معلنا فلا غيبة له وكذلك الميت انتهى . ويتعقب بأن ذكر الرجل بما فيه حال حياته قد يكون لقصد زجره وردعه عن المعصية أو لقصد تحذير الناس منه وتنفيرهم وبعد موته قد أفضي إلى ما قدم فلا سواء وقد عملت عائشة رواية هذا الحديث بذلك في حق ن استحق عندها اللعن فكانت تلعنه وهو حي فلما مات تركت ذلك ونهت عن لعنه كما روي ذلك عنها عمر بن شبة في كتاب أخبار البصر ورواه ابن حبان من وجه آخر وصححه والمتحري لدينه في اشتغاله بعيوب نفسه ما يشغله عن نشر مثالب الأموات وسب من لا يدري كيف حاله عند بارئ البريات ولا ريب أن تمزيق عرض من قدم على من قدم وجثا بين يدي من هو بما تكنه الضمائر أعلم مع عدم ما يحمل على ذلك من جرح أو نحوه أحموقة لا تقع ولا يصاب بمثلها متدين بمذهب ونسال الله السلامة بالحسنات ويتضاعف عند وبيل عقابها الحسرات . اللهم إغفر لنا لنا تفلتات اللسان والقلم في هذه الشعاب والهضاب وجنبنا عن سلوك هذه المسالك التي هي في الحقيقة مهالك ذوي الألباب . قوله ( فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا ) أي وصلوا إلى ما عملوا من خير وشر والربط بهذه العلة من مقتضيات الحمل على العموم . قوله ( فتأذوا الأحياء ) أي فيتسبب عن سبهم أذية الأحياء من قرابتهم ولا يدل هذا على جواز سب الأموات منهي عنه للعلة المتقدمة ولكونه من الغيبة التي وردت الأحاديث بتحريمها فإن كان سببا لأذية الأحياء فيكون محرما من جهتين وإلا كان محرما من جهة : وقد أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عمر قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذكروا محاسن أمواتكم وكفوا عن مساويهم ) وفي إسناده عمران بن أنس المكي وهو منكر الحديث كما قال البخاري ( وقال العقيلي لا يتابع على حديثه . وقال الكرابيسي حديثه ليس بالمعروف . وأخرج أبو داود عن عائشة قالت ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا مات صاحبكم فدعوه لا تقعوا فيه ) وقد سكت أبو داود والمنذري عن الكلام على هذا الحديث

باب استحباب زيارة القبور للرجال دون النساء وما يقال عند دخولها

1 - عن بريدة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قدج كنت نهيتكم عن زيارة القبور فقد أذن لمحمد بزيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة )
- رواه الترمذي وصححه

2 - وعن أبي هريرة قال ( زار النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال أستأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يؤذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكر الموت )
- رواه الجماعة

- الحديث الأول أخرجه أيضا مسلم وأبو داود وابن حبان والحاكم والحديث الثاني عزاه المصنف إلى الجماعة بدون استثناء ولم أجده في البخاري ولا عزاه غيره إليه فينظر . وقد أخرجه أيضا الحاكم ( وفي الباب ) عن ابن مسعود عند ابن ماجه والحاكم وفي إسناده أيوب بن هانئ مختلف فيه . وعن أبي سعيد الخدري عند الشافعي وأحمد والحاكم . وعن أبي ذر عند الحاكم وسنده ضعيف . وعن علي بن أبي طالب عليه السلام عند أحمد . وعن عائشة عند ابن ماجه ( وهذه الأحاديث ) فيها مشروعية زيارة القبور وقد حكى الحازمي ( 1 ) والعبدري والنووي اتفاق أهل العلم على أن زيارة القبور للرجال جائزة . قال الحافظ كذا أطلقوه وفيه نظر لأن ابن أبي شيبة وغيره رووا عن ابن سيرين وابراهين النخعي والشعبي أنهم كرهوا ذلك مطلقا حتى قال الشعبي لولا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزرت قبر ابنتي فلعل من أطلق أراد بالاتفاق ما استقر عليه الأمر بعد هؤلاء وكأن هؤلاء لم يبلغهم الناسخ والله أعلم . وذهب ابن حزم إلى أن زيارة القبور واجبة ولو مرة واحدة في العمر لورود الأمر به وهذا يتنزل على الخلاف في الأمر بعد النهي هل يفيد الوجوب أو مجرد الإباحة فقط والكلام في ذلك مستوفي في الأصول . قوله ( فقد أذن لمحمد ) الخ فيه دليل على جواز زيارة قبر القريب الذي لم يدرك الإسلام . قال القاضي عياض سبب زيارته صلى الله عليه وآله وسلم في آخر الحديث ( فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت ) قوله ( فلم يؤذن لي ) فيه دليل على عدم جواز الاستغفار لمن مات على غير ملة الإسلام
_________
( 1 ) عقد الخزامي في كتابه الاعتبار لذلك بابا قال باب النهي عن زيارة القبور ثم الرخصة فيها وذكر الأحاديث الواردة في الباب ثم قال في آخر الباب وزيارة القبور مأذون فيها للرجال اتفق على ذلك أهل العلم قاطبة اه

3 - وعن أبي هريرة ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعن زوارات القبور )
- رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه

4 - وعن عبد الله بن أبي ملكية ( أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر فقلت لها يا أم المؤمنين من أين أقبلت قالت من قبر أخي عبد الرحمن فقلت لها أليس كان نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن زيارة القبور قالت نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها )
- رواه الأثرم في سننه

- الحديث الأول أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه . والحديث الثاني أخرجه أيضا الحاكم وأخرجه أيضا ابن ماجه عن عائشة مختصرا ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رخص ي زيارة القبور ) ( وفي الباب ) عن حسان عند أحمد وابن ماجه والحاكم . وعن ابن عباس عند أحمد وأصحاب السنن والبزار وابن حبان والحاكم وي إسناده أبو صالح مولى أم هانئ وهو ضعيف ( وفي الباب ) أيضا أحاديث تدل على تحريم إتباع الجنائز للنساء فتحريم زيارة القبور تؤخذ منها بفحوى الخطاب منها عن ابن عمرو عند أبي داود والحاكم ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى فاطمة ابنته فقال فقال ما أخرجك من بيتك فقالت أتيت أهل هذا الميت فرحمت على ميتهم فقال لها فلعلك بلغت معهم الكدي قالت معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر فقال لو بلغت معهم الكدي فذكر تشديدا في ذلك فسألت ربيعة ما الكدي فقال القبور فيما أحسب ) وفي رواية لو بلغت معهم الكدي ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ) قال الحاكم صحيح الإسناد على شرط الشيخين وم يخرجاه . قال ابن دقيق العيد وفيما قاله الحاكم عندي نظر فإن رواية ربيعة بن سيف لم يخرج له الشيخان في الصحيح شيئا فيما أعلم . وعن أم عطية عند الشيخين قالت ( نهينا عن إتباع الجنائز ولم يعزم علينا ) وعنها أيضا عند الطبراني وفيه ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهاهن أن يخرجن في جنازة ) وقد ذهب إلى كراهة الزيارة للنساء جماعة من أهل العلم وتمسكوا بأحاديث الباب واختلفوا في كراهة هل هي كراهة تحريم أو تنزيه وذهب الأكثر إلى الجواز إذا أمنت الفتنة واستدلوا بأدلة منها دخولهن تحت الإذن العام بالزيارة ويجاب عنه بأن الإذن العام مخصص بهذا النهي الخاص المستفاد من اللعن أما على مذهب الجمهور فمن غير فرق بين تقدم العام وتأخره ومقارنته وهو الحق . وأما على مذهب البعض القائلين بأن العام المتأخر ناسخ فلا يتم الاستدلال به إلا بعد معرفة تأخره . ومنها ما رواه مسلم عن عائشة قالت ( كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين ) الحديث . ومنها ما أخرجه البخاري ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بامرأة تبكي عند قبر فقال اتقي الله واصبري قالت إليك عني ) الحديث ولم ينكر عليها الزيارة . ومنها ما رواه الحاكم ( أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي وتبكي عنده ) قال القرطبي اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ من الصياح ونحو ذلك وقد يقال إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الإذن لهن لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء انتهى . وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر

5 - وعن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى المقبرة فقال السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي . ولأحمد من حديث عائشة مثله وزاد ( اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم )

6 - وعن بريدة قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية )
- رواه أحمد ومسلم وابن ماجه

- حديث عائشة أخرجه أيضا مسلم بلفظ ( قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ) وأخرج أيضا عنها أنها قالت ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلما كان ليلتها منه يخرج إلى البقيع من آخر الليل فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما تدعون غدا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد ) قوله ( السلام عليكم دار قوم مؤمنين ) دار قوم منصوب على النداء أي يا أهل فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل منصوب على منصوب على الاختصاص قال صاحب المطالع ويجوز جره على البدل من الضمير في عليكم . قال الخطابي إن اسم الدار يقع على المقابر قال وهو صحيح قغن الدار في اللغة تقع على الربع المسكون وعلى الخراب غير المأهول : قوله ( وأنا إن شاء الله بكم لاحقون ) التقييد بالمشيئة على سبيل التبرك وامتثال قول الله تعالى { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا إن يشاء الله } وقيل المشيئة عائدة إلى الكون معهم في تلك التربة وقيل غير ذلك ( والأحاديث ) فيها دليل على استحباب التسليم على أهل القبور والدعاء لهم بالعافية . قال الخطابي وغيره إن السلام على الأموات والأحياء سواء في تقديم السلام على عليكم بخلاف ما كانت الجاهلية عليه كقولهم
عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما

باب ما جاء في الميت ينقل أو ينبش لغرض صحيح

1 - عن جابر ( قال أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن أبي بعد ما دفن فأخرجه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه ) وفي رواية ( أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن أبي بعد ما أدخل حفرته فأمر به أخرج فوضعه على ركبتيه فنفث فيه من ريقه وألبسه قميصه فالله أعلم وكان كسا عباسا قميصا قال سفيان فيرون النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألبس عبد الله قميصه مكافأة بما صنع )
- رواهما البخاري

2 - وعن جابر قال ( أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم وكانوا نقلوا إلى المدينة )
- رواه الخمسة وصححه الترمذي

3 - وعن جابر قال ( دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته فجعلته في قبر على حدة )
- رواه البخاري والنسائي . ولمالك في الموطأ أنه سمع غير واحد يقول إن سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ماتا بالعقيق فحملا إلى المدينة ودفنا بها . ولسعيد في سننه عن شريح بن عبيد الحضرمي إن رجالا قبروا صاحبا لهم لم يغسلوه ولم يجدوا له كفنا ثم لقوا معاذ ابن جبل فأخبروه فأمرهم أن يخرجوه فأخرجوه من قبره ثم غسل وكفن وحنط ثم صلى عليه

- قوله ( عبد الله بن أبي ) يعني ابن سلول وهو راس المنافقين ورئيسهم : قوله ( بعد ما دفن ) كان أهل عبد الله بن أبي بادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته فأمر بإخراجه وفيه دليل على جواز إخراج الميت من قبره إذا كان في ذلك مصلحة له من زيادة البركة عليه ونحوها . قوله ( فالله أعلم ) لفظ البخاري والله أعلم بالواو وكأن جابرا التبست عليه الحكمة في صنعة صلى الله عليه وآله وسلم بعبد الله ذلك بعد ما تبين نفاقه : قوله ( وكان لما أتى بالأساري وأتى بالعباس ولم يكن عليه ثوب فوجدوا قميص عبد الله بن أبي فكساه النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياه فلذلك البسه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قميصه هكذا ساقه البخاري في الجهاد فيمكن أن يكون هذا هو السبب في إلباسه صلى الله عليه وآله وسلم قميصه ويمكن أن يكون السبب ما أخرجه البخاري أيضا في الجنائز أن ابن عبد الله المذكور ( قال يا رسول الله ألبس أبي قميصك الذي يلي جلدك ) وفي رواية أنه قال ( أعطني قميصك أكفنه فيه ) ويمكن أن يكون السبب هو المجموع للسؤال والمكافأة ولا مانع من ذلك : قوله وكانوا نقلوا إلى المدينة فيه جواز إرجاع الشهيد إلى الموضع الذي اصيب فيه بعد نقله منه وليس في هذا أنهم كانوا قد دفنوا بالمدينة ثم أخرجوا من القبور ونقلوا : قوله ( فلم تطب نفسي ) فيه دليل على أنه يجوز نبش الميت لأمر يتعلق بالحي لأنه لا ضرر على الميت في دفن ميت آخر معه وقد بين جابر ذلك بقوله فلم تطب نفسي ولكن هذا إن ثبت إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أذن له بذلك أو قروه عليه وإلا فلا حجة في فعل الصحابي والرجل الذي دفن معه هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند عمرو . وروى ابن إسحاق في المغازي ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا ) قوله ( حتى أخرجته ) في لفظ للبخاري ( فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته غير هنية في أذنه ) وظاهر هذا يخالف ما في الموطأ عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة أنه بلغه أن عمر بن الجموح وعبد الله بن عمرو يعني والد جابر الأنصاريين كانا قد حفر السيل قبرهما وكانا في قبر واحد فحفر عنهما فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس وكان بين أحد وبين يوم حفر عنهما ست وأربعون سنة . وقد جمع ابن عبد البر بينهما بتعدد القصة . قال في الفتح وفيه نظر لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر وحده بعد ستة أشهر . وفي حديث الموطأ أنهما وجدا في قبر واحد بعد ست وأربعين سنة فأما إن يكون المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة أو أن السيل خرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد . وقد أخرج نحو ما ذكره في الموطأ ابن إسحاق في المغازي وابن سعد من طريق أبي الزبير عن جابر بإسناد صحيح . ومعنى قوله ( فحملا إلى المدينة ) فيه جواز نقل الميت من الموطن الذي مات فيه إلى موطن آخر يدفن فيه والأصل الجواز فلا يمنع من ذلك إلا بدليل : قوله ( فأمرهم أن يخرجوه ) الخ فيه أنه يجوز نبش الميت لغسله وتكفينه والصلاة عليه وهذا وإن كان قول صاحبي ولا حجة فيه ولكن جعل الدفن مسقطا لما علم من وجوب غسل الميت أو تكفينه أو الصلاة عليه محتاج إلى دليل ولا دليل

كتاب الزكاة

- الزكاة في اللغة النماء يقال زكا الزرع إذا نما وترد وأيضا بمعنى التطهير وترد شرعا بالاعتبارين معا أما بالأول فلأن إخراجها سبب للنماء في المال أو بمعنى أن الأجر يكثر بسببها أو بمعنى أن تعلقها بالأموال ذات النماء كالتجارة والزراعة . ودليل أول ( ما نقص مال من صدقة ) وأما الثاني فلأنها طهرة للنفس من رذيلة البخل وطهرة من الذنوب ( 1 ) قال في الفتح وهي الركن الثالث من الأركان التي بني افسلام عليها . قال أبو بكر ابن العربي تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والعفو والحق . وتعريفها في الشرع إعطاء جزء من النصاب إلى فقير ونحوه غير متصف بمانع شرعي يمنع من الصرف عليه . ووجوب الزكاة أمر مقطوع به في الشرع يستغني عن تكلف الاحتجاج له وإنما وقع الاختلاف في بعض فروعها فيكفر جاحدها . وقد اختلف في الوقت الذي فرضت فيه فالأكثر أنه بعد الهجرة . وقال ابن خزيمة أنها فرضت قبل الهجرة . واختلف الأولون فقال النووي إن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة . وقال ابن الأثير في التاسعة قال في الفتح وفيه نظر لأنها ذكرت في حديث ضمام ابن ثعلبة وفي حديث وفد عبد القيس وفي عدة أحاديث وكذا في مخاطبة أبي سفيان مع هرقل وكانت في أول السابعة وقال فيها يأمرنا بالزكاة . وقد أطال الكلام على هذا في أوائل كتاب الزكاة من الفتح فليرجع إليه
_________
( 1 ) قال الإمام النووي وسميت في الشرع زكاة لوجود المعنى اللغوي فيها . وقيل لأنها تزكي صاحبها وتشهد بصحة إيمانه كما سبق في قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( والصدقة برهان ) قالوا وسميت صدقة لأنها دليل لتصديق صاحيها وصحة إيمانه بظاهره وباطنه : اه وقوله لوجود المعنى اللغوي فيها هو النماء . وقد شاهدنا ذلك حسا ومعنى فعلى محبي كثرة الأموال وزيادتها وتضاعفها أضعافا كثيرة أن يخرجوا زكاة أموالهم ولا يبخلوا بها فإنه مضرة عليهم في الدنيا بتسليط أنواع الهلاك عليها وفي الآخرة بتكثير صنوف العقاب عليهم والله أعلم

باب الحث عليها والتشديد في منعها

1 - عن ابن عباس ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإ هم أطاعوك لذلك فاعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فإن أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب )
- رواه الجماعة

- قوله ( لما بعث معاذا ) كان بعثه سنة عشر قبل حج النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكره البخاري في أواخر المغازي . وقيل كان ذلك في سنة تسع عند منصرفه من تبوك رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك وقد أخرجه ابن سعد في الطبقات عنه ثم حكى ابن سعد أنه كان ربيع الآخر سنة عشر وقيل بعثه عام الفتح سنة ثمان واتفقوا على أنه لم يزل باليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر ثم توجه إلى الشام فمات بها واختلف هل كان واليا أو قاضيا فجزم ابن عبد البر بالثاني والغساني بالأول : قوله ( تأتي قوما من أهل الكتاب ) هذا كالتوطئة للوصية لتستجمع همته عليها لكون أهل الكتاب أهل علم في الجملة فلا يكون في مخاطبتهم كمخاطبته الجهال من عبدة الأوثان قوله ( فادعهم ) الخ إنما وقعت البداة بالشهادتين لأنهما أصل الدين الذي لا يصح بشيء غيرهما فمن كان منهم موحد فالمطالبة متوجهة إليه بكل واحدة من الشهادتين على التعيين ومن كان موحد فالمطالبة له بالجمع بينهما ؟ قوله ( فإن هم أطاعوك ) الخ استدل به على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع حيث دعوا أولا إلى الأيمان فقط ثم دعوا إلى العمل وتب ذلك عليه بالفاء وتعقب بأن مفهوم الشرط مختلف في الأحتجاج به وبأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب كما أن الصلاة والزكاة لا ترتيب بينهما في الوجوب وقد قدمت احداهما على الأخرى في هذا الحديث ورتبت الأخرى عليها بالفاء : قوله ( خمس صلوات ) استدل به على أن الوتر ليس بفرض وكذلك تحية المسجد وصلاة العيد وقد تقدم البحث عن ذلك : قوله ( فإن هم أطاعوك لذلك ) قال ابن دقيق العيد يحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد إن هم أطاعوك بالأقرار بوجوبها عليهم والتزامهم بها والثاني أن يكون المراد الطاعة بالفعل وقد رجح الأول بأن المذكور هو الأخبار بالفريضة فتعود الأشارة إليها ويرجح الثاني لو أخبروا بالفريضة فبادروا إلى الأمتثال بالفعل لكفى ولم يشترط التلفظ بخلاف الشهادتين فالشرط عدم الأنكار والأذعان للوجوب . وقال الحافظ المراد القدر المشترك بين الأمرين فمن امتثل بالأقرار وبالفعل كفاه أو بهما فأولى وقد وقع في رواية الفضل بن العلاء بعد ذكر الصلاة فإذا صلوا وبعد ذكر الزكاة فإذا أقروا بذلك فخذ منهم قوله صدقة زاد البخاري في رواية في أموالهم وفي رواية له أخرى افترض عليهم زكاة في أموالهم : قوله ( تؤخذ من أغنيائهم ) استدل به على أن الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها أما بنفسه وأما بنائبه فمن امتنع منهم أخذت منه قهرا : قوله ( على فقرائهم ) استدل به لقول مالك وغيره أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد وفيه بحث كما قال ابن دقيق العيد لاحتمال أن يكون ذكر الفقراء لكونهم الغالب في ذلك وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء . قال الخطابي وقد يستدل به من لا يرى على المديون زكاة إذا لم يفضل من الدين الذي عليه قدر نصاب لأنه ليس بغني إذا اخراج ماله مستحق لغرمائه : قوله ( فاياك وكرائم أموالهم ) كرائم منصوب بفعل مضمر لا يجوز اظهاره والكرائم جمع كريمة أي نفيسة ( وفيه دليل ) على أنه لا يجوز للمصدق أخذ خيار المال لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الاجحاف بالمالك إلا برضاه : قوله ( واتق دعوة المظلوم ) فيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ كرائم الأموال الإشارة إلى أن أخذها ظلم قوله حجاب أي ليس لها صارف يصرفها ولا مانع والمراد أنها مقبولة وإن كان عاصيا كما جاء في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا ( دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجر اففجره على نفسه ) قال الحافظ وإسناده حسن وليس المراد إن لله تعالى حجابا يحجبه عن الناس . قال المصنف رحمه الله بعد أن ساق الحديث وقد احتج به على وجوب صرف الزكاة في بلدها واشتراط إسلام الفقير وأنها تجب في مال الطفل الغني عملا بعمومه كما تصرف فيه مع الفقر انتهى . وفيه أيضا دليل على بعث السعاة وتوصية الامام عامله فيما يحتاج إليه من الأحكام وقبول خبر الواحد ووجوب العمل به وايجاب الزكاة في مال المجنون للعموم أيضا وان من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة من حيث أنه جعل ان المأخوذ منه غنى وقابله بالفقير وإن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سعطت الزكاة لاضافة الصدقة إلى المال . وقد استشكل عدم ذكر الصوم والحج في الحديث مع ان بعث معاذ كان في آخر الأمر كما تقدم وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكتير من الأحاديث النبوية لاحتمال الزيادة والنقصان وأجاب الكرماني بان اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر ولهذا كررا في القرآن فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام وقيل إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منه بشيء كحديث ( بني الإسلام على خمس ) فإذا كان في الدعاء على الإسلام اكتفى بالاركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة ولو كان بعد وجود فرض الحج والصوم لقوله تعالى { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة } مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج

2 - وعن أبي هريرة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما من صاحب كنز لا يؤدى زكاته الا أحمى عليه في نار جهنم صفائح فتكوى بها جنباه وجبهته حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين الف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن عليه كلما مصى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب غنم لا يؤدى زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت فتطؤه باظلافها وتنطحه بقرونها ليس فيها عقصاء ولا جلحاء كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار قالوا فالخيل يا رسول الله قال الخير في نواصيها أو قال الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الخيل ثلاثة هي لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر فأما التي هي له أجر فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا ولورعاها في مرج فما أكلت من شيء إلا كتب الله له أجرا ولو سقاها من نهر كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر حتى ذكر الأجر في أبوالها وأرواثها ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملا ولا ينسى حق ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها وأما التي هي عليه وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا أو بذخا ورياء الناس فذلك الذي هي عليه وزر قالوا فالخمر يا رسول الله قال ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة من يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شر يره )
- رواه أحمد ومسلم

- قوله ( ما من صاحب كنز ) قال الإمام أبو جعفر الطبري الكنز كل شيء مجموع بعضه على بعض سواء كان في بطن الأرض أو في ظهرها قال صاحب العين وغيره وكان مخزونا . قال القاضي عياض اختلف السلف في المراد بالكنز المذكور في القرآن وفي الحديث فقال أكثرهم هو كل مال وجب فيه صدقة الزكاة فلم تؤد فأما مال أخرجت زكاته فليس بكنز وقيل الكنز هو المذكور ع أهل اللغة ولكن الآية منسوخة بوجوب الزكاة وقيل المراد بالآية أهل الكتاب المذكورون قبل ذلك وقيل كل ما زاد على أربعة آلاف فهو كنز وان أديت زكاته وقيل هوت ما فضل عن الحاجة ولعل هذا كان في أول الإسلام وضيق الحال واتفق أئمة الفتوى على القول الأول لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( لا تؤدى زكاته ) وفي صحيح مسلم ( من كان عنده مال لم يؤد زكاته مثل له شجاعا أقرع ) وفي آخره ( فيقول أنا كنزك ) وفي لفظ لمسلم يدل قوله ( ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته ) ( ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منهما حقهما ) . قوله ( ثم يرى سبيله ) قال النووي هو بضم الياء التحتية من يرى وفتحها وبرفع لام سبيله ونصبها : قوله ( إلا بطح لها بقاع قرقر ) القاع المستوى الواسع في سوى من الأرض قال الهروي وجمعه قيعة وقيعان مثل جار وجيرة وجيران . والقرقر بقافين مفتوحتين وراءين أولهما ساكنة المستوي أيضا من الأرض الواسع . والبطح قال جماعة من أهل اللغة معناه الإلقاء على الوجه قال القاضي عياض وقد جاء في رواية للبخاري تخبط وجهه باخفافها قال وهذا يقتضي أنه ليس من شرط البطح أن يكون على الوجه وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمد فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره ومنه سميت بطحاء مكة لإنبساطها : قوله ( كأوفر ما كانت ) يعني لا يفقد منها شيء . وفي رواية لمسلم ( أعظم ما كانت ) قوله ( تستن عليه ) أي تجري عليها وهو بفتح الفوقية وسكون السين المهملة بعدها فوقية مفتوحة ثم نون مشددة : قوله ( كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها ) وقع في رواية لمسلم ( كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها ) قال القاضي عياض وهو تغيير وتصحيف وصوابه الرواية الأخرى يعني المذكورة في الكتاب . قوله ( ليس فيها عقصاء ) الخ قال أهل اللغة العقصاء ملتوية القرنين وهي بفتح العين المهملة وسكون القاف بعدها صاد مهملة ثم ألف ممدودة . والجلحاء بجيم مفتوحة ثم لام ساكنة ثم حاء مهملة التي لا قرن لها . قوله ( تنطحه ) بكسر الطاء وفتحها لغتان حكاهما الجوهري وغيره والكسر أفصح وهو المعروف في الرواية . قوله ( الخيل في نواصيها الخير ) جاء تفسيره في الحديث الآخر في الصحيح بأنه الأجر والمغنم وفيه دليل على بقاء الإسلام والجهاد إلى يوم القيامة والمراد قبيل القيامة بيسير وهو وقت إتيان الريح الطيبة من قبل اليمن التي تقبض روح كل مؤمن ومؤمنة كما ثبت في الصحيح . قوله ( فأما التي هي له أجر ) هكذا في أكثر نسخ مسلم وفي بعضها ( فأما الذي هي له أجر ) وهي أوضح وأظهر . قوله ( في مرج ) بميم مفتوحة وراء ساكنة ثم جيم وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب . قوله ( ولو استنت شرفا أو شرفين ) أي جرت والشرف بفتح الشين المعجمة والراء وهو العالي من الأرش وقيل المراد طلقا أو طلقين : قوله ( أشر وبطرا وبذخا ) قال أهل اللغة الأشر بفتح الهمزة والشين المعجمة المرح واللجاج . والبطر بفتح الباء بواحدة من أسفل والطاء المهملة ثم راء هو الطغيان عند الحق . والبذخ بفتح الباء الموحدة والذال المعجمة بعدها خاء معجمة هو بمعنى الأشر والبطر . قوله ( إلا هذه الآية الفاذة الجامعة ) المراد بالفاذة القليلة النظير وهي بالذال المعجمة المشددة والجامعة العامة المتناولة لكل خير ومعروف ومعنى ذلك أنه لم ينزل على فيها نص بعينها ولكن نزلت هذه الآية العامة . وقد يحتج بهذا من قال لا يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويجاب بأنه لم يظهر له فيها شيء ومحل ذلك الأصول ( والحديث ) يدل على وجوب الزكاة في الذهب والفضة والإبل والغنم . وقد زاد مسلم في هذا الحديث ( ولا صاحب بقر ) الخ قال النووي وهذا أصح حديث ورد في زكاة البقر وقد استدل به أبو حنيفة على وجوب الزكاة في الخيل لما وقع في رواية لمسلم عند ذكر الخيل ( ثم لم ينس حق الله في ظهورها ولا رقابها ) . وتأويل الجمهور هذا الحديث على أن المراد يجاهد بها . وقيل المراد بالحق في رقابها الإحسان إليها والقيام بعلفها وسائر مؤنها والمراد بظهورها إطراق فحلها إذا طلبت عاريته وقيل المراد حق الله مما يكسبه من مال العدو على ظهورها وهو خمس الغنيمة وسيأتي الكلام على هذه الأطراف التي دل الحديث عليها . قال المصنف رحمه الله تعالى وفيه دليل أن تارك الزكاة لا يقطع له بالنار وآخره دليل بالنار وآخره دليل في إثبات العموم انتهى

3 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه ( لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان أبو بكر وكفر من كفر من العرب فقال عمر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم منى ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله تعالى فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر فو الله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق )
- رواه الجماعة إلا ابن ماجه لكن في لفظ مسلم والترمذي وأبي داود ( لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه ) بدل العناق

- قوله ( وكفر من كفر من العرب ) قال الخطابي أهل الردة كانوا صنفين صنفا ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعدلوا إلى الكفر وهو الذين عناهم أبو هريرة وهذه الفرقة طائفتان أحداهما أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم الذين صدقوه على دعواه في النبور وأصحاب الأسود العنسي ومن استجابه من أهل اليمن وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة والعنسي بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم . والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس قال والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة فأنكرو وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام وهؤلاء على الحقيقة أهل البغي وإنما لم يدعوا بهذا الإسم في ذلك الزمن خصوصا لدخولهم في غمار أهل الردة وأضيف الأسم في الجملة إلى أهل الردة إنذا كانت أعظم الأمرين وأهمهما وأرخ مبدأ قتال أهل البغي من زمن علي بن أبي طالب عليه السلام إذا كانوا منفردين في زمانه لم يخلطوا بأهل الشرك وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح بالزكاة ولم يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيهديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم قد كانوا جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر بن الخطاب فراجع أبا بكر وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( أمرت أن أقاتل الناس ) الحديث وكان هذا من عمر تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو بكر أن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال متعلقة بأطراف شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها فكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعا من الصحابة ولذلك رد المختلف فيه إلى المتفق عليه
وقد اجتمع في هذه القضية الاحتجاج من عمر بالعموم ومن أبي بكر بالقياس ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياسي وأن جميع ما تضمنه الخطاب الوارد في الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر وبأن له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله عرفت أنه الحق يشير إلى انشراح صدره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصا ودلالة . وقد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكر أول من سبى المسلمين وأن القوم كانوا متأولين في منع الصدقة وكانوا يزعمون أن الخطاب في قوله تعالى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم } خطاب خاص في مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم دون غيره وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن سواه وذلك ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ما كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومثل هذه الشبهة إذا وجدت كان ذلك مما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم وزعموا أن قتالهم كان عسفا وهؤلاء قوم لا خلاق لهم في الدين وإنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة في السلف وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافا منهم من ارتد عن الملة ودعا إلى نبوة مسيلمة وغيره ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع كلها وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارا ولذلك رأى أبو بكر سبي ذراريهم وساعده على ذلك أكثر الصحابة . واستولد علي بن أبي طالب عليه السلام جارية من سبي بني حنيفة فولدت له محمد بن الحنيفة ثم لم ينفض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد لا يسبى فأما مانعوا الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فإنهم أهل بغي ولم يسموا على الإنفراد كفارا وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما مانعوه من حقوق الدين وذلك أن الردة اسن لغوي فكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد ارتد عنه وقد وجد من هؤلاء القوم الإنصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا وأما قوله تعالى { خذ من أموالهم صدقة } وما أدعوه من كون الخطاب خاصا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن خطاب كتاب الله على ثلاثة أوجه . خطاب عام على كقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة } الآية ونحوها . وخطاب خاص برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يشركه فيه غيره وهو ما أبين به عن غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك كقوله تعالى { ومن الليل فتجهد به نافلة لك } وكقوله خالصة لك من دون المؤمنين . وخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو وجميع أمته في المراد به سواء كقوله تعالى { اقم الصلاة لدلوك الشمس } وكقوله تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } ونحو ذلك . ومنه قوله تعالى { خذ من أموالهم صدقة } وهذا غير مختص به بل يشاركه فيه الأمة . والفائدة في مواجهة النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخطاب أنه هو الداعي إلى الله والمبين عنه معنى ما أراد فقدم اسمه ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما ينهجه لهم
وأما التطهير والتزكية والدعاء منه صلى الله عليه وآله وسلم لصاحب الصدقة فإن الفاعل لها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله فيها وكل ثواب موعود على عمل بر كان في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم فإنه باق غير منقطع . قوله حتى يقولوا ( لا إله إلآ الله ) الخ المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله ويقاتلون ولا يرفع عنهم السيف : قوله ( لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ) قال النووي ضبطناه بوجهن فرق وفرق بتشديد الراء وتخفيفها ومعناه من أطاع في الصلاة وجحد في الزكاة أو منعها . قوله ( عناقا ) بفتح العين بعدها نون وهو الأنثى من أولاد المعز . وفي الرواية الأخرى ( عقالا ) وقد اختلف في تفسيره فذهب جماعة إلى أن المراد بالعقال زكاة عام . قال النووي وهو معروف في اللغة كذلك وهذا قول الكسائي والنضر بن شميل وأبي عبيد والمبرد وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء قال والعقال الذي هو الحبل الذي يعقل به البعير لا يجب دفعه في الزكاة فلا يجوز القتال عليه فلا يصح حمل الحديث على هذا . وذهب كثير من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير وهذا القول محكى عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين . قال صاحب التحرير قول من قال المراد صدقة عام تعسف وذهاب عن طريقة العرب لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فيقتضى قلة ما علق به العقال وحقارته وإذا حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى قال النووي وهذا الذي اختاره هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره وكذلك أقول أنا ثم اختلفوا في المراد بقوله منعوني عقالا فقيل قدر قيمته كما في زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعدن والركاز والفطرة والمواشي في بعض أحوالها وهو حيث يجوز دفع القيمة . وقيل زكاة عقال إذا كان من عروض التجارة وقيل المراد المبالغة ولا يمكن تصويره ويرده ما تقدم . وقيل أنه العقال الذي يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها يرباطها ( واعلم ) أنها قد وردت أحاديث صحيحة قاضية بأن مانع الزكاة يقاتل حتى يعطيها ولعلها لم تبلغ الصديق ولا الفاروق ولو بلغتهما لما خالف عمر ولا احتج أبو بكر بتلك الحجة التي هي القياس فمنها ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمر قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله ) وأخرج البخاري ومسلم والنسائي من حديث أبي هريرة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ) وأخرج مسلم والنسائي من حديث جابر بن عبد الله نحوه . وفي الباب أحاديث

4 - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في كل إبل سائمة في كل أربعين ابنة لبون لا تفرق إبل عن حسابها من أعطاها مؤتجرا فله أجرها من منعها فإن أخذوها وشطر ابله عزمة من عزمات ربنا تبارك وتعالى لا يحل لآل محمد منها شيئا )
- رواه أحمد والنسائي وأبو داود وقال ( وشطر ماله ) وهو حجة في أخذها من الممتنع ووقوعها موقعها

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي وقال يحيى بن معين إسناده صحيح إذا كان من دون بهز ثقة وقد اختلف في بهز فقال أبو حاتم لا يحتج به وروى الحاكم عن الشافعي أنه قال ليس بهز حجة وهذا الحديث لا يثبته أهل العلم بالحديث ولو ثبت لقلنا به وكان قال به في القديم ثم رجع . وسئل أحمد عن هذا الحديث فقال ما أدري وجهه وسئل عن إسناده فقال صالح الإسناد . وقال ابن حبان لولا هذا الحديث لأدخلت بهز في الثقات . وقال ابن حزم أنه غير مشهور العدالة . وقال ابن الطلاع أنه مجهول وتعقبا بأنه قد وثقه جماعة من الأئمة . وقال ابن عدي لم ار له حديثا منكرا . وقال الذهبي ما تركه عالم قط وقد تكلم يه أنه كان يلعب بالشطرنج . قال ابن قطان وليس ذلك بضائر له فإن استباحته مسألة فقهية مشتهرة قال الحافظ وقد استوفيت الكلام فيه في تلخيص التهذيب . وقال البخاري بهز بن حكيم يختلفون فيه وقال ابن كثير الأكثر لا يحتجون به . وقال الحاكم حديثه صحيح وقد حسن له الترمذي عدة أحاديث ووثقه واحتج به أحمد وإسحاق والبخاري خارج الصحيح وعلق له فيه وروى عن أبي داود أنه حجة عنده . قوله ( في كل إبل سائمة ) يدل على إنه لا زكاة في المعلوفة : قوله ( في كل أربعين ) الخ سيأتي تفصيل الكلام في ذلك قوله ( لا تفرق إبل عن حسابها ) أي لا يفرق أحد الخليطين ملكه عن ملك صاحبه وسيأتي أيضا تحقيقة . قوله ( مؤتجرا ) أي طالبا لللأجر . قوله ( فأنا آخذوها ) استدل به على أنه يجوز للإمام أن يأخذ الزكاة قهر إذا لم يرض رب المال وعلى أنه يكتفي بنية الإمام كما ذهب إلى ذلك الشافعي والهادوية وعلى أن ولاية قبض الزكاة إلى الإمام وغلى ذلم ذهبت العترة وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي في أحد قوليه . قوله ( وشطر ماله ) أي بعضه . وقد استدل به على أنه يجوز للإمام أن يعاقب بأخذ المال وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم من قوليه ثم رجع عنه وقال إنه منسوخ وهكذا البيهقي وأكثر الشافعية قال في التلخيص وتعقبه النووي فقال الذي أدعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ وقد نقل الطحاوي والغزالي الإجماع على نسخ العقوبة بالمال . وحكى صاحب ضوء النهار عن النووي أنه نقل الإجماع مثلهما وهو يخالف ما قدمنا عنه فينظر . وزعم الشافعي أن الناسخ حديث ناقة البراء لأنه صلى الله عليه وآله وسلم حكم عليه بضمان ما أفسدت ولم ينقل أنه صلى الله عليه وآله وسلم في تلك القضية أضعف الغرامة ولا يخفى ان تركه صلى الله عليه وآله وسلم للمعاقبة بأخذ المال في هذه القضية لا يستلزم الترك مطلقا ولا يصلح للتمسك به على عدم الجواز وجعله ناسخا البتة وقد ذهب إلى جواز المعاقبة بالمال الإمام يحيى والهادوية وقال في الغيث لا أعلم في جواز ذلك خلافا بين أهل البيت واستدلوا بحديث بهز هذا وبهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة وقد تقدم في الجماعة . وبحديث عمر عند أبي داود قال ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه ) وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة المديني قال البخاري عامة أصحابنا يحتجون به وهو باطل
وقال الدارقطني أنكروه على صالح ولا أصل له والمحفوظ أن سالما أمر بذلك في رجل غل في غزاة مع الوليد بن هشام : قال أبو داود وهذا أصح . وبحديث ابن عمرو ابن العاص عند أبي داود والحاكم والبيهقي ( ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر وعمر أحرقوا متاع الغال وضربوه ) وفي إسناده زهير بن محمد قيل هو الخراساني وقيل غيره وهو مجهول وسيأتي الكلام على هذا الحديث في كتاب الجهاد وله شاهد مذكور هنالك وبحديث أن سعد بن أبي وقاص سلب عبدا وجده يصيد في حرم المدينة ( قال سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول من وجدتموه يصيد فيه فخذوا سلبه ) أخرجه مسلم وبحديث تغريم كاتم الضالة أن يردها ومثلها . وحديث تضمين من أخرج غير ما يأكل من الثمر المعلق مثليه كما أخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري من حديث عبد الله بن عمرو ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال ( من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة ( 1 ) فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه والعقوبة ومن سرق منه شيئا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع ومن سرق دون ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة ) وأخرج نحوه النسائي والحاكم وصححه وسياتي في كتاب السرقة . ومن الأدلة قضية المددى الذي أغلظ لأجله الكلام غوف بن مالك عن خالد بن الوليد لما أخذ سلبه ( فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا ترد عليه ) أخرجه مسلم وباحراق علي بن أبي طالب عليه السلام لطعام المحتكر ودور قوم يبيعون الخمر وهدمه دار جرير بن عبد الله ومشاطرة عمر لسعد بن أبي وقاص في ماله الذي جاء به من العمل الذي بعثه إليه وتضمينه لحاطب ابن أبي بلتعة مثلي قيمة الناقة التي غصبها عبيدة وانتحروها وتغليظه هو وابن عباس الدية على من قتل في الشهر الحرام في البلد الحرام ( وقد أجيب ) عن هذه الأدلة بأجوبة أما عن حديث بهز فيما فيه من المقال وبما رواه ابن الجوزي في جامع المسانيد والحافظ في التلخيص عن إبراهيم الحربي أنه قال في سياق هذا المتن لفظة وهم فيها الراوي وإنما هو فانا آخذوها من شطر ماله أي يجعل ماله شطرين ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة فأما مالا يلزمه فلا وبما قال بعضهم أن لفظة وشطر ماله بضم الشين المعجمة وكسر الطاء المهملة فعل مبني للمجهول ومعناه جعل ماله شطرين يأخذ المصدق الصدقة من أي الشطرين أراد
ويجاب عن القدح بما في الحديث من المقال بأنه ممالا يقدح بمثله . وعن كلام الحربي وما بعده بأن الأخذ من خير الشطرين صادق عليه اسم العقوبة بالمال لأنه زائد على الواجب . وأما حديث هم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأحراق فأجيب عنه بأن السنة أقوال وأفعال وتقريرات والهم ليس من الثلاثة ويرد بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يهم إلا بالجائز وأما حديث عمر فيما فيه من المقال المتقدم . وكذلك أجيب عن حديث ابن عمرو . وأما حديث سعد بن أبي وقاص فبأنه من باب الفدية كما يجب على من يصيد بصيد مكة وإنما عين صلى الله عليه وآله وسلم نوع الفدية هنا بأنها سلب العاضد فيقتصر على السبب لقصور العلة التي هي هتك الحرمة عن التعدية . وأما حديث تغريم كاتم الضالة والمخرج غير ما يأكل من الثمر . وقضية المددى فهي واردة على سبب خاص فلا يجاوز بها إلى غيره لأنها وسائر أحاديث الباب مما ورد على خلاف القياس لورود الأدلة كتابا وسنة بتحريم مال الغير . قال الله تعالى { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل الا أن تكون تجارة } { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام } وقال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبة حجة الوداع ( إنما دماؤكم وأموالكم وأعراضكم ) الحديث قد تقدم . وقال ( لا يحل مال أمرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه ) وأما تحريق على طعام المحتكر ودور القوم وهدمه دار جرير فبعد تسليم صحة الإسناد إليه وانتهاض فعله للاحتجاج به يجاب عنه بان ذلك من قطع ذرائع الفساد كهدم مسجد الضرار وتكسير المزامير . وأما المروى عن عمر من ذلك فيجاب عنه بعد ثبوته بأنه أيضا قول صحابي لا ينتهض للاحتجاج به ولا يقوى على تخصيص عمومات الكتاب والسنة المروى عن ابن عباس . قوله ( عزمة من عزمات ربنا ) قال في البدر المنير عزمة خير مبتدا محذوف تقديره ذلك عزمه وضبطه صاحب ارشاد الفقه بالنصب على المصدر وكلا الوجهين جائز من حيث العربية . ومعنى العزمة في اللغة الجد في الأمر . وفيه دليل على أن أخد ذلك واجب مفروض من الأحكام . والعزائم الفرائض كما في كتب اللغة
_________
( 1 ) الخبنة بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة ما تحمله في حضنك

باب صدقة المواشي

1 - عن أنس ( أن أبا بكر كتب لهم ان هذه فرائض الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين التي أمر الله بها ورسوله فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها ومن سئل فوق ذلك فلا يعطه فيما دون خمس وعشرين من الأبل الغنم في كل خمس ذود شاة فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين فان لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر فإذا بلغت ستا وثلاثين ففيها حقه طروقه الفحل إلى ستين فإذا بلغت واحدة وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإذا بلغت ستا وسبعين ففيها بنتا لبون إلى تسعين فإذا بلغت واحدة وتسعين ففيها حقتان طروقتا الفحل إلى عشرين ومائة فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة فإذا تباين أسنان الأبل في فرائض الصدقات فمن بلغت عند صدقة الجذعة وليست عند جذعة وعند حقة فانها تقبل منه ويجعل معها شاتين ان استيسرتا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا جذعة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده وعنده ابنة لبون فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين أن استيسرتا له أو عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده إلا حقة فإنها تقبل منه ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين ومن بلغت عنده صدقة ابنة لبون وليست عنده ابنه لبون وعنده ابنة مخاض فإنها تقبل منه ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما ومن بلغت عنده صدقة ابنة مخاض وليس عنده إلا ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه وليس معه شيء ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها . وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلثمائة فإذا زادت ففي كل مائة شاة ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة واحدة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها . وفي الرقة العشر فإذا لم يكن المال إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء إلا أن يشاء ربها )
- رواه أحمد والنسائي وأبو داود والبخاري وقطعه في عشرة مواضع . ورواه الدارقطني كذلك وله فيه في رواية في صدقة الإبل ( فإذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه ) قال الدارقطني هذا اسناد صحيح ورواته كلهم ثقات

- الحديث أخرجه أيضا الشافعي والبيهقي والحاكم قال ابن حزم هذا كتاب في نهاية الصحة عمل به الصديق بحضرة العلماء ولم يخالفه أحد وصححه ابن حبان أيضا وغيره : قوله ( أن أبا بكر كتب لهم ) في لفظ لبخاري ( أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين والتي أمر الله بها رسوله ) قوله ( التي فرض رسول الله ) معنى فرض هنا أوجب أو شرع يعني بأمر الله تعالى . وقيل معناه قدر لأن إيجابها ثابت بالكتاب فيكون المعنى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ذلك . قال في الفتح وقد يرد الفرض بمعنى البيان كقوله تعالى { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } وبمعنى إلا نزال كقوله { أن الذي فرض عليك القرآن } وبمعنى الحل كقوله { ما كان على انبي من حرج فيما فرض الله له } وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير . ووقع استعمال الفرض بمعنى اللزوم حتى يكاد يغلب عليه وهو لا يخرج عن معنى التقدير . وقد قال الراغب كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام وكل شيء ورد فرض له فهو بمعنى لم يحرم عليه وذكر إن معنى قوله تعالى { إن الذي فرض عليك القرآن } أي أوجب عليك العمل به وهذا يؤيد قول الجمهور أن الفرض مرادف للوجوب وتفريق الحنفية بين الفرض والواجب باعتبار ما يثبتان به لامشاحة فيه وإنما النزاع في حمل ما ورد من الأحاديث الصحيحة على ذلك لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث انتهى . قوله ( ورسوله ) في نسخة رسوله بدون واو وهو الصواب كما في البخاري وغيره : قوله ( ومن سئل فوق ذلك فلا يعطه ) أي من سئل زائدا على ذلك في سن أو عدد فله المنع . ونقل الرفاعي الاتفاق على ترجيحه . وقيل معناه فليمنع الساعي وليتول إخراجه بنفسه أو يدفعها إلى ساع فإن الساعي الذي طلب الزكاة يكون بذلك متعديا وشرطه أن يكون أمينا . قال الحافظ لكن محل هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل انتهى ولعله يشير بهذا إلى الجميع بين هذا الحديث وحديث ( ارضوا مصدقيكم ) عند مسلم والنسائي من حديث جرير وحديث ( سيأتيكم ركب مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم ) أخرجه أبو داود من حديث جابر بن عتيك . وفي لفظ للطبراني من حديث سعد بن أبي وقاص ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس فتكون هذه الأحاديث محمولة على أن للعامل تأويلا في طلب الزائد على الواجب : قوله ( الغنم ) هو مبتدأ وما قبله خبره وهو يدل علة أن إخراج الغنم فيما دون خمس وعشرين من الإبل متعين وإليه ذهب مالك وأحمد فلا يجزيء عندهما إخراج بعير عن أربع وعشرين : قال الشافعي والجمهور يجزئ لأنه لو أجز أ في خمس وعشرين فأجزاؤه فيما دونها بالأولي قال في الفتح ولأن الأصل أن يجب في جنس المال وإنما عدل عنه رفقا بالمالك فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه فإن كانت قيمة البعير مثلا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم والأقيس أنه لا يجزئ انتهى . قوله ( في كل خمس زود شاة ) الذود بفتح الذال المعجمة وسكون الواو بعدها ذال مهملة قال الأكثر وهو من إلى العشرة لا واحد له من لفظه وقال أبو عبيدة من الاثنين إلى العشرة قال وهو مختص بالإناث
وقال سيبويه تقول ثلاث ذود لأن الذود مؤنث وليس باسم كسر عليه مذكر وقال القرطبي أصله ذاد يذود إذا رفع شيئا فهو مصدر كأن من كان عنده دفع عن نفسه معرة الفقر وشدة الفاقة والحاجة : وقال ابن قتيبة أنه يقع على الواحد فقط وأنكر أن يراد بالذود الجمع قال ولا يصح أن يقال خمس ذود كما لا يصح أن يقال خمس ثوب وغلطه بعض العلماء في ذلك وقال أبو حاتم السجستاني تركوا القياس في الجمع فقالوا خمس ذود لخمس من الإبل كما قالوا ثلثمائة على غير قياس قال القرطبي وهذا صريح في أن الذود واحد في لفظه قال الحافظ والأشهر ما قاله المتقدمون أنه لا يطلق على الواحد : قوله ( فإذا بلغت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض ) بنت المخاض بفتح الميم بعدها خاء معجمة خفيفة وآخره ضاد معجمة هي التي أتى عليها حول ودخلت في الثاني وحملت أمها والمخاض الحامل والمراد أنه قد دخل وقت حملها وإن لم تحمل وهذا يدل على أنه يجب في الخمس والعشرين إلى الخمس والثلاثين بنت مخاض وإليه ذهب الجمهور . وأخرج ابن أبي شيبة وغيره من علي عليه السلام أن في الخمس والعشرين خمس شياه فإذا صارت ستا وعشرين كان فيها بنت مخاض . وقد روي عنه هذا مرفوعا وموقوفا قال الحافظ وإسناد المرفوع ضعيف : قوله ( ابنه لبون ) زاد البخاري أنثى قوله ( حقة ) الحقة بكسر المهملة وتشديد القاف والجمع حقاق بالكسر وطروقة الفحل بفتح أوله أي مطروقة كحلوبة بمعنى محلوبة والمراد أنها بلغت أن يطرقها الفحل وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة : قوله ( ففيها جذعة ) الجذعة بفتح الجيم والذال المعجمة وهي التي أى عليها أربع سنين ودخلت في الخامسة : قوله ( ففي كل أربعين بنت لبون ) المراد أنه يجب بعد مجاوزة المائة والعسرين بواحدة في كل أربعين بنت لبون فيكون الواجب في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون وإلى هذا ذهب الجمهور ولا اعتبار بالمجاوزة بدون واحدة كنصف أو ثلث أو ربع خلافا للإصطخري فقال يجب ثلاث بنات لبون بزيادة بعض واحدة ويرد عليه ما عند الدارقطني في آخر هذا الحديث وما في كتاب عمر الآتي بلفظ ( فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ) ومثله في كتاب عمرو بن حزم وإلى ما قاله الجمهور ذهب الناصر والهادي في الأحكام حكى ذلك عنهما المهدي في البحر وحكى في البحر أيضا عن علي وابن مسعود والنخعي وحمادة الهادي وأبي طالب والمؤيد بالله وأبي العباس ان الفريضة تستأنف بعد المائة والعشرين فيجب في الخمس شاة ثم كذلك واحتج لهم بقوله صلى الله عليه وآله وسلم وما زاد على ذلك استؤنفت الفريضة وهذا إن صح كان محمولا على الاستئناف المذكور في الحديث أعني إيجاب بنت اللبون في كل أربعين والحقة في كل خمسين جمعا بين الأحاديث ( لا يقال ) أنه يرجح حديث الاستئناف بمعى الرجوع إلى إيجاب شاة في كل خمس إلى خمس وعشرين على حسب التفصيل المتقدم بأنه متضمن للإيجاب يعني إيجاب شاة مثلا في الخمس الزائدة على مائة وعشرين من قوله ( وإذا زادت ففي كل أربعين ) فظن أن معناه في كل أربعين من الزيادة فقط وليس كذلك بل معناه في كل أربعين من الزيادة والمزيد . وحكى في الفتح عن أبي حنيفة مثل قول علي وابن مسعود ومن معهما وقيده في البحر بأنه يقول بذلك إلى مائة وخمس وأربعين ثم له فيما زاد روايتان كالمذهب الأول وكالمذهب الثاني
قوله ( ويجعل معها شاتين ) الخ فيه دليل على أنه يجب على المصدق قبول ما هو أدون ويأخذ التفاوت من جنس غير جنس الواجب وكذا العكس وذهبت الهادوية إلى أن الواجب إنما هو زيادة فضل القيمة من المصدق أو رب المال ويرجع في ذلك إلى التقويم لكن أجاب الجمهور عن ذلك بأنه لو كان كذلك لم ينظر إلى ما بين السنين في القيمة وكان العرض يزيد تارة وينقص أخرى لاختلاف ذلك في الأمكنة فلما قدر الشارع التفاوت بمقدار معين لا يزيد ولا ينقص كان ذلك هو الواجب في الأصل في مثل ذلك ولولا تقدير الشارع بذلك لتعينت بنت المخاض مثلا ولم يجز أن تبدل ابن لبون مع التفاوت . وذهب أبو حنيفة إلى أنه يرجع إلى القيمة فقط عند التعذر وذهب زيد بن علي إلى أن الفضل بين كل سنين شاة أو عشرة دراهم : قوله ( إلا أن يشاء ربها ) أي ألا أن يتطوع متبرعا : قوله ( فإذا زادت ففيها شاتين ) قد ورد ما يدل على تعيين أقل المراد من هذه الزيادة المطلقة ففي كتاب عمرو بن حزم فإذا كانت إحدى وعشرين حتى تبلغ مائتين ففيها شاتان وقد تقدم خلاف الأصطخري في ذلك : قوله ( ففي كل مائة شاة ) مقتضاه أنه لا تجب الشاة الرابعة حتى توفى أربعمائة شاة وهو مذهب الجمهور وعن بعض الكوفيين والحسن بن صالح ورواية عن أحمد إذا زادت على الثلثمائة واحدة وجبت الأربع : قوله ( هرمة ) بفتح الهاء وكسر الراء هي الكبيرة التي سقطت أسنانها : قوله ( ولا ذات عوار ) بفتح العين المهملة وضمها وقيل بالفتح فقط أي معيبة وقيل بالفتح العيب وبالضم العور . واختلف في مقدار ذلك فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع وقيل ما يمنع الأجزاء في الأضحية ويدخل في المعيب المريض والذكر بالنسبة إلى الأنثى والصغير بالنسبة إلى سن أكبر منه : قوله ( ولا تيس ) بتاء فوقية مفتوحة وياء تحتية ساكنة ثم سين مهملة وهو فحل الغنم : قوله ( إلا أن يشاء المصدق ) قال في الفتح اختلف في ضبطه يعني المصدق فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد المالك وهو اختيار أبي عبيد وتقدير الحديث لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب أصلا ولا يؤخذ التيس إلا برضا المالك لكونه محتاجا إليه ففي أخذه بغير اختياره إضرار به وعلى هذا فالاستثناء مختص بالثالث ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد وهو الساعي وكأنه أشير بذلك إلى التفويض إليه في اجتهاده لكونه يجري مجرى الوكيل فلا يتصرف بغير المصلحة فيتقيد بما تقتضيه القواعد وهذا قول الشافعي انتهى . قوله ( ولا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة ) قال في الفتح قال مالك في الموطا معنى هذا أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاة فيكون عليهما فيها ثلاث شياه فيفررقونها حتى لا يكون على كل واحد منهم إلا شاة واحدة . وقال الشافعي هو خطاب لرب المال من جهة الساعي من جهة فأمر كل منهما أن لا يحدث شيئا من الجمع والتفريق خشية الصدقة فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة فيجمع أو يفرق لتقل والساعي أن تقل الصدقة فيجمع أو يفرق لتكثر فمعنى قوله خشية الصدقة أي خشية أن تكثر أو تقل فلما كان محتملا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما أولى من الآخر فحمل عليهما معا لكن الذي يظهر أنه حمل على المالك أظهر . واستدل به على أن من كان عنده دون النصاب من الفضة ودون النصاب من الذهب مثلا أنه لا يجب ضم بعضه إلى بعض حتى يصير نصابا كاملا فيجب عليه فيه الزكاة خلافا لمن قال بالضم كالمالكية والهادوية والحنفية
واستدل به أحمد على أن من كان له ماشية ببلد لا تبلغ النصاب وله ببلد آخر ما يوفيه منها أنها لا تضم قال ابن المنذر وخالفه الجمهور فقالوا تجمع على صاحب المال أمواله ولو كانت في بلدان شتى ويخرج منها الزكاة واستدل به أيضا على إبطال الحيلة والعمل على المقاصد المدلول عليها بالقرائن : قوله ( وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية ) قال في الفتح اختلف في المراد بالخليطين فعند أبي حنيفة أنهما الشريكان قال ولا يجب على أحد منهما فيما يملك الأمثل الذي كان يجب عليهما لو لم يكن خلط وتعقبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقهما مثل جمعهما في الحكم لبطلت فائدة الحديث وإنما نهى عن أمر لو فعله كان فائدة ولو كان كما قال لم يكن لتراجع الخليطين بينهما بالسوية معنى . ومثل تفسير أبي حنيفة روى البخاري عن سفيان وبه قال مالك وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا والخلط عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل والشركة أخص منهما . ومثل ذلك روى سفيان في جامعه عن عمر والمصير إلى هذا التفسير متعين . ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكا قوله تعالى { وإن كثيرا من الخلطاء } وقد بينه قبل ذلك بقوله { إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة } واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن الحديث لم يبلغهم أو أرادوا أن الأصل ليس فيما دون خمس ذود صدقة وحكم الخليط يخالفه ويرد بأن ذلك مع الإنفراد وعدم الخلطة لا إذا انضم ما دون الخمس إلى عدد لخليط يكون به الجميع نصابا فإنه يجب تزكية الجميع لهذا الحديث وما ورد في معناه ولا بد من الجمع بهذا . ومعنى التراجع كما قال الخطابي أن يكون بينهما أربعون شاة مثلا لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل منهما عين ماله فيأخذ المصدق من أحدهما شاة فيرجع المأخوذ من ماله على خليطة بقيمة نصف شاة وهي تسمى خلطة الجوار : قوله ( وإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة ) لفظ شاة الأول منصوب على أنه مميز عدد أربعين ولفظ شاة الثاني منصوب أيضا على أنه مميز نسبة ناقصة إلى السائمة : قوله ( وفي الرقة ) بكسر الراء وتخفيف القاف هي الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة . قال الحافظ قيل أصلها الورق فحذفت الواو وعوضت الهاء وقيل تطلق على الذهب والفضة بخلاف الورق وعلى هذا قيل أن الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة وجبت فيه الزكاة وهي ربع العشر وهذا قول الزهري وخالفه الجمهور وسيأتي البحث عن ذلك في باب زكاة الذهب والفضة

2 - وعن الزهري عن سالم عن أبيه قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفي قال فأخرجها أبو بكر من بعده فعمل بها حتى توفي ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها قال فلقد هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته قال فكان فيها في الإبل في خمس شاة حتى تنتهي إلى أربع وعشرين فإذا بلغت إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس وثلاثين فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين فإذا زادت ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين ابنة لبون . وفي الغنم من أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة فإذا زادت شاة ففيها شاتان إلى مائتين فإذا زادت ففيها ثلاث شياه إلى ثلثمائة فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبلغ أربعمائة فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة وكذلك لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق مخافة الصدقة وما كان من خليطين فيهما يتراجعان بالسوية لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب من الغنم )
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن . وفي هذا الخبر من رواية الزهري عن سالم مرسلا ) فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة فإذا كانت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وثلاثين ومائة فإذا كانت أربعين ومائة ففيها حقتان وبنت لبون حتى تبلغ تسعا وأربعين ومائة فإذا بلغت خمسين ومائة ففيها ثلاث حقاق حتى تبلغ تسعا وخمسين ومائة فإذا كانت ستين ومائة ففيها أربع بنات لبون حتى تبلغ تسعا وستين ومائة فإذا كانت سبعين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون وحقة حتى تبلغ تسعا وسبعين ومائة فإذا بلغت ثمانين ومائة ففيها حقتان وابنتا لبون حتى تبلغ تسعا وثمانين ومائة فإذا كانت تسعين ومائة ففيها ثلاث حقاق وابنة لبون حتى تبلغ تسعا وتسعين ومائة فإذا كانت مائتين ففيها أربع حقاق أو خمس بنات لبون أي السنين وجدت أخذت ) رواه أبو داود

- الحديث أخرجه المرفوع منه أيضا الدارقطني والحاكم والبيهقي ويقال تفرد بوصله سفيان بن حسين وهو ضعيف في الزهري خاصة والحفاظ من أصحاب الزهري لا يصلونه رواه أبو داود والدارقطني والحاكم عن أبي كريب عن ابن المبارك عن يونس عن الزهري قال هذه نسخة كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي كتب في الصدقة وهي عند آل عمر . قال ابن شهاب أرانيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من عبد الله وسالم ابني عبد الله بن عمر فذكر الحديث وقال البيهقي تابع سفيان بن حسين على وصله سليمان بن كثير وأخرجه أيضا ابن عدي من طريقه ولكنه كما قال الحافظ لين في الزهري وقد اتفق الشيخان على إخراج حديث سليمان بن كثير والاحتجاج به . وأخرج مسلم حديث سفيان بن حسين واستشهد به البخاري قال الترمذي في كتاب العلل سألت البخاري عن هذا الحديث فقال أرجو أن يكون محفوظا وسفيان بن حسين صدوق انتهى . وضعف ابن معين هذا الحديث وقال تفرد به سفيان ابن حسين ولم يتابع سفيان أحد عليه وسفيان ثقة دخل مع يزيد بن المهلب خراسان وأخذوا عنه . وفي رواية للدارقطني في هذا الحديث أن في خمس وعشرين خمس شياه وضعفها لأنها من طريق سليمان بن أرقم عن الزهري وهو ضعيف . وأعلم أن المرفوع من هذا الحديث وهو من بعض حديث أنس السابق وقد تقدم شرحه . قوله ( ففيها بنتا لبون وحقة ) الحقة عن خمسين وبنتا اللبون عن ثمانين وكذلك إذا بلغت مائة وأربعين فيها حقتان عن مائة وبنت لبون عن أربعين وإذا بلغت مائة وخمسين ففيها ثلاث حقاق عن كل خمسين حقة وإذا بلغت مائة وستين ففيها أربع بنات لبون عن كل أربعين واحدة وإذا بلغت مائة وسبعين ففيها ثلاث بنات لبون عن مائة وعشرين وحقة عن خمسين وإذا بلغت مائة وثمانين ففيها حقتان عن مائة وابنتا لبون عن ثمانين وإذا بلغت مائة وتسعين ففيها ثلاث حقاق عن مائة وخمسين وبنت لبون عن أربعين وإذا بلغت مائتين ففيها أربع حقاق عن كل خمسين حقة أو خمس بنات لبون عن كل أربعين واحدة وهذا لا يخالف ما تقدم في حديث أنس لأن قوله فيه ( ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة ) معناه مثل هذا لا فرق بينه وبينه إلا أن مجمل وهذا مفصل . وزاد أبو داود في هذا الحديث بعد قوله ( ولا ذات عيب ) فقال وقال الزهري إذا جاء المصدق فسمت الشياه أثلاثا ثلثا شرارا وثلثا خيارا وثلثا وسطا فيأخذ من الوسط

3 - وعن معاذ بن جبل ( قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة ومن كل أربعين مسنة ومن كل حالم دينار أو عد له معافر )
- رواه الخمسة وليس لابن ماجه فيه حكم الحاكم

4 - وعن يحيى بن الحكم ( أن معاذا بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصدق أهل اليمن فأمرني أن آخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعا ومن كل أربعين مسنة فعرضوا على أن آخذ ما بين الأربعين والخمسين وما بين الستين والسبعين وما بين الثمانين والتسعين فقدمن فأخبرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمرني أن لا آخذ فيما بين ذلك وزعم أن الأوقاص لا فريضة فيها )
- رواه أحمد

- الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وصححه الدارقطني والحاكم وصححه أيضا من رواية أبي وائل عن مسروق عن معاذ . ورواه أبو داود والنسائي من رواية أبي وائل عن معاذ ورجح الترمذي والدارقطني الرواية المرسلة ويقال أن مسروقا لم يسمع من معاذ وقد بالغ ابن حزم في تقرير ذلك . وقال ابن القطان هو على الاحتمال وينبغي أن يحكم لحديثه بالإتصال على رأي الجمهور . وقال ابن عبد البر في التمهيد إسناده متصل صحيح ثابت ووهم عبد الحق فنقل عنه أنه قال مسروق لم يلق معاذا وتعقبه ابن القطان بأن أبا عمر إنما قال ذلك في رواية مالك عن حميد بن قيس عن طاوس عن معاذ وقد قال الشافعي طاوس عالم بأمر معاذ وأن لم يلقه لكثرة من لقيه ممن أدرك معاذا وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافا انتهى . قال الحافظ في التلخيص ورواه البزار والدار قطني من طريق ابن عباس بلفظ ( لما بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم معاذا إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل ثلاثين من البقر تبيعا أو تبيعة جذعا أو جذعة ) الحديث لكنه من طريق بقية عن المسعودي وهو ضعيف . والرواية الثانية المذكورة عن معاذ أخرجها أيضا البزار وفي إسنادها الحسن بن عمارة وهو ضعيف . والرواية الثانية المذكورة عن معاذ أخرجها أيضا البزار وفي إسنادها الحسن بن عمارة وهو ضعيف ويدل على ضعفه ذكره فيها لقدوم معاذ على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقدم إلا بعد موته . وقد أخرج نحو هذه الرواية مالك في الموطأ من طرق طاوس عن معاذ وليس عنده أن معاذ قدم قبل موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل صرح فيها أن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات قبل قدومه وحكى الحافظ عن عبد الحق أنه قال في زكاة البقر حديث متفق على صحته يعني في النصب . وحكى أيضا عن ابن جرير الطبري أنه قال صح الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا اختلاف فيه إن في كل خمسين بقرة بقرة فوجب الأخذ بهذا وما دون ذلك مختلف فيه ولا نص في إيجابه وتعقبه صاحب الإمام بحديث عمرو بن حزم الطويل في الديات وغيرها فإن فيه كل ثلاثين باقورة ( 1 ) تبيع جذع أو جذعة وفي كل أربعين باقورة بقرة
وحكى أيضا عن ابن عبد البر أنه قال في الاستذكار لا خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ وأنه النصاب المجمع عليه فيها انتهى : قوله ( من كل ثلاثين من البقر ) فيه دليل على أن الزكاة لا تجب فيما دون الثلاثين وإليه ذهبت العترة والفقهاء وحكى في البحر عن سعيد بن المسيب والزهري أنها تجب في خمس وعشرين منها كالإبل ورده بأن النصب لا تثبت بالقياس وإن سلم فالنص مانع : قوله ( تبعا أو تبيعة ) التبيع على ما في القاموس والنهاية ما كان في أول سنه وفي حديث عمرو بن حزم جذع أو جذعة قوله ( مسنة ) حكى في النهاية عن الأزهري أن البقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن إذا كان في السننة الثانية والاقتصار على المسنة في الحديث يدل على أنه لا يجزيء المسن ولكنه أخرج الطبراني عن ابن عباس مرفوعا ( وفي كل أربعين مسنة أو مسن ) . قوله ( ومن كل حالم دينار ) فسره أبو داود بالمحتام والمراد به أخذ الجزية ممن لم يسلم . قوله ( معافر ) بالعين المهملة حي من همدان لا ينصرف لما فيه من صيغة منتهى الجموع وإليهم تنسب الثياب المعافرية والمراد هنا الثياب المعافرية كما فسره بذلك أبو داود : قوله ( أن الأوقاص ) الخ هي جمع وقص بفتح الواو والقاف ويجوز إسكانها وإبدال الصاد سينا وهو ما بين الفرضين عند الجمهور واستعمله الشافعي فيما دون النصاب الأول . وقد وقع الاتفاق على أنه لا يجب فيها شيء في البقر إلا في رواية عن أبي حنيفة فإنه أوجب فيما بين الأربعين والستين ربع مسنة وروى عنه وهو المصحح له أنه يجب قسطه من المسنة
_________
( 1 ) أهل اليمن يسسمون البقر باقورة

5 - وعن رجل يقال له سعر عن مصدقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( أنهما قالا نهانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نأخذ شافعا والشافع التي في بطنها ولدها )

6 - وعن سويد بن غفلة قال ( أتانا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسمعه يقول أن في عهدي أنا لا نأخذ من راضع لبن ولا نفرق بين مجتمع ولا نجمع بين مفترق وأتاه رجل بناقة كوماء فأبى أن يأخذها )
- رواهما أحمد وأبو داود والنسائي

- الحديث الأول أخرجه أيضا الطبراني وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص ورجال إسناده ثقات . والحديث الثاني أخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي وفي إسناده هلال بن خباب وقد وثقه غير واحد وتكلك فيه بعضهم . قوله ( يقال له سعر ) بكسر السين المهملة وسكون العين المهملة وآخره راء كذا في جامع الأصول ومختصر المنذري . وفي كتاب ابن عبد البر بفتح السين المهملة وهو ابن ديسم بفتح الدال المهملة وسكون الياء التحتية وفتح السين المهملة الكناني الديلي روى عنه ابنه جابر هذا الحديث وذكر الدارقطني وغيره أن له صحبة وقيل كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما جاء في هذا الحديث . قوله ( من راضع لبن ) فيه دليل على أنها لا تؤخذ الزكاة من الصغار التي ترضع اللبن وظاهره سواء كانت منفردة أو منضمة إلى الكبار ومن أوجبها فيها عارض هذا بما أخرجه مالك في الموطأ والشافعي وابن حزم إن عمر لساعيه سفيان بن عبد الله الثقفي اعتد عليهم بالسخلة التي يروح بها الراعي على يده ولا تأخذها كما سيأتي وهو مبني على جواز التخصيص بمذهب الصحابي والحق خلافه . قوله ( كوماء ) بفتح الكاف وسكون الواو هي الناقة العظيمة السنام ( والحديثان ) يدلان على أنه لا يجوز للمصدق أن يأخذمن خيار الماشية وقد أخرج الشيخان من حديث ابن عباس ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له إياك وكرائم أموالهم ) وقد تقدم الكلام على قوله ( ولا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين مفترق )

7 - وعن عبد الله بن معاوية الغاضري من غاضره قيس قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث من فعلهن طعم طعم الأيمان من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا الله وأعطي زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام ولا يعطى الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشرط للئمة لكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره )
- رواه أبو داود

- الحديث أخرجه أيضا الطبراني وجود إسناده وسياقه أتم سندا ومتنا وذكره أبو القاسم البغوي في معجم الصحابة مسندا وعبد الله هذا له صحبة وهو معدود في أهل حمص قيل أنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا حديثا واحدا والغاضري بالغين والضاد المعجمتين : قوله ( رافدة ) الرافدة المعينة والمعطية والمراد هنا المعنى الأول أي معينة له على اداء الزكاة . قوله ( ولا الدرنة ) بفتح الدال المهملة مشددة بعدها راء مكسورة ثم نون وهي الجرباء قاله الخطابي وأصل الدرن الوسخ كما في القاموس وغيره . قوله ( ولا الشرط اللئيمة ) الشرط بفتح الشين المعجمة والراء قال أبو عبيد هي صغار المال وشراره واللئيمة البخيلة باللبن . قوله ( ولكن من وسط أموالكم ) الخ فيه دليل على أنه ينبغي أن يخرج الزكاة من أوساط المال لا من شراره ولا من خياره

8 - وعن أبي بن كعب قال ( بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مصدقا فمررت برجل فلم أجد عليه في ماله إلا ابنة مخاض فأخبرته انها صدقته فقال ذاك مالا لبن فيه ولا ظهر وما كنت لاقرض الله مالا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة سمينة فخذها فقلت ما أنا بآخذ مالم أومر به فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منك قريب فخرج معي وخرج بالناقة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره الخبر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذاك الذي عليك وان تطوعت بخير قبلناه منك وأجرك الله فيه قال فخذها فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبضها ودعا له بالبركة )
- رواه أحمد

- الحديث أخرجه أيضا أبو داود بأتم مما هنا وصححه الحاكم وفي إسناده محمد بن اسحاق وخلاف الأئمة في حديثه مشهور إذا عنعن وهو هنا قد صرح التحديث . قوله ( ولا ظهر ) يعني أن بنت المخاض ليست ذات لبن ولا صالحة للركوب عليها : قوله ( ولكن هذه ناقة سمينة ) لفظ أبي داود ( لكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة ) قوله ( منك قريب ) زاد أبو داود فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت على فافعل قبله منك قبلته وان رده عليك رددته قال فاني فاعل فخرج معي بالناقة التي عرضت علي الخ : قوله ( فأخبره الخبر ) لفظ أبي داود ( فقال له يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وايم الله ما قام في مالي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا رسوله قط فجمعت مالي فزعم ان ما على فيه إلى ابنة مخاض ) ثم ذكر نحوما تقدم ( والحديث ) يدل على جواز أخذم سن أفضل من السن التي تجب على المالك إذا رضي بذلك وهو مما لا أعلم فيه خلافا

9 - وعن سفيان بن عبد الهل الثقفي ( أن عمر بن الخطاب قال تعد عليهم بالسخلة يحملها الراعي ولا تأخذها ولا تأخذ الأ كولة ولا الربي ولا الماخض ولا فحل الغنم وتأخذ الجذعة والثنية وذلك عدل بين غذاء المال وخياره )
- رواه مالك في الموطأ

- الحديث أخرجه أيضا الشافعي وابن حزم وأغرب ابن أبي شيبة فرواه مرفوعا قال حدثنا أبو أسامة عن النهاس بن قهم عن الحسن بن مسلم قال ( بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سفيان بن عبد الله علي الصدقة ) الحديث . ورواه أيضا أبو عبيد في الأموال من طريق الأوزاعي عن سالم بن عبد الله المحاربي ان عمر بعث مصدقا فذكر نحوه . قوله ( تعد عليهم بالسخلة ) استدل به على وجوب الزكاة في الصغار وقد تقدم في المرفوع من حديث سويد بن غفلة ما يخالفه . قوله ( الأ كولة ) بفتح الهمزة وضم الكاف العاقر من الشياه والشاة تعزل للأكل وهكذا في القاموس وأما الأ كولة بضم الهمزة والكاف فهي قبيحة المأكول وليست مرادة هنا لان الساق في تعداد الخيار . قوله ( ولا الربي ) بضم الراء وتشديد الباء الموحدة هي الشاة التي تربى في البيت للبنها . قوله ( ولا فحل الغنم ) إنما منعه من أخذه مع كونه لا يعد من الخيار لان المالك يحتاج إليه لينزو على الغنم . قوله ( وتأخذ الجذعة والثنية ) المراد الجذعة من الضأن والثنية من المعز ويدل على ذلك ما في بعض روايات حديث سويد بن غفلة المتقدم أن المصدق قال إنما حقنا في الجذعة من الضأن والثنية من المعز . قوله ( بين غذاء المال ) الغذاء بالغين المعجمة المكسورة بعدها ذال معجمة جمع غذي كغني السخال ( وقد استدل ) بهذا الأثر على أن الماشية التي تؤخذ في الصدقة هي المتوسطة بين الخيار والشرار . وفي المرفوع النهي عن كرائم الأموال كما تقدم من حديث معاذ وعن المعيب كما تقدم في حديث أنس وعمرو الأمر بأخذ الوسط كما تقدم في حديث الغاضري

باب لا زكاة في الرقيق والخيل والحمر

1 - عن أبي هريرة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه )
- رواه الجماعة . ولأبي داود ( ليس في الخيل والرقيق زكاة إلا زكاة الفطر ) ولأحمد ومسلم ( ليس للعبد صدقة إلى صدقة الفطر )

2 - وعن عمرو جاءه ناس من أهل الشام ( فقالوا انا قد أصبنا أموالا خيلا ورقيقا نحب أن يكون لنا فيها زكاة وطهور قال مافعله صاحباي قبلي فأفعله واستشار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم وفيهم عليه رضي الله عنه فقال علي هو حسن ان لم تكن جزية راتبة يؤخذون بها من بعدك )
- رواه أحمد

3 - وعن أبي هريرة قال ( سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الحمير فيها زكاة فقال ما جاءني فيها شيء الا هذه الآية الفاذة فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره )
- رواه أحمد . وفي الصحيحين معناه

- الأثر المروي عن عمر قال في مجمع الزوائد رجاله ثقات . قوله ( ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه ) قال ابن رشد أراد بذلك الجنس في الفرس والعبد لا الفرد الواحد اذ لا خلاف في ذلك في العبد المتصرف والفرس المعد للركوب ولا خلاف أيضا أنها لا تؤخذ من الرقاب وإنما قال بعض الكوفيين تؤخذ منها بالقيمة . وقال أبو حنيفة أنها تجب في الخيل إذا كانت ذكرانا وأناثا نظرا إلى النسل وله في المنفردة روايتان ولا يرد عليه أنه يلزم مثل هذا في سائر السوائم إذا انفردت لعدم التناسل لأنه يقول أنه إذا عدم التناسل حصل فيها النمو للأكل والخيل لا تؤكل عنده . قال الحافظ ثم عند ان المالك يتخير بين أن يخرج عن كل فرس دينارا أو يقوم ويخرج ربع العشر وهذا الحديث يرد عليه واجيب من جهته يحمل النفي فيه على الرقبة لا على القيمة وهو خلاف الظاهر . ومن جملة ما يرد به عليه حديث علي عند أبي داود بإسناد حسن مرفوعا ( قد عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة ) وسيأتي . واستدل على الوجوب بما وقع في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ( انه صلى الله عليه وآله وسلم قال في الخيل ثم لم ينس حق الله في ظهورها ) وقد تقدم الجواب عن ذلك في شرح حديث أبي هريرة ( ومن جملة ) ما استدل به ما أخرجه الدارقطني والبيهقي والخطيب من حديث جابر عنه صلى الله عليه وآله وسلم ( في كل فرس سائمة دينار أو عشرة دراهم ) وهذا الحديث مما لا تقوم به حجة لانه قد ضعفه الدارقطني والبيهقي فلا يقوى على معارضة حديث الباب الصحيح وتمسك أيضا بما روى عن عمر أنه أمر عامله بأخذ الصدقة من الخيل وقد تقرر ان أفعال الصحابة وأقوالهم لا حجة فيها لا سيما بعد إقرار عمر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبا بكر لم يأخذ الصدقة من الخيل كما في الرواية المذكورة في الباب ( وقد احتج ) بظاهر حديث الباب الظاهرية فقالوا لا تجب الزكاة في الخيل والرقيق لا لتجارة ولا لغيرها واجيب عنهم بأن زكاة التجارة ثابته بالإجماع ( 1 ) كما نقله ابن المنذر وغيره فيخص به عموم هذا الحديث ولا يخفى ان الإجماع على وجوب زكاة التجارة في الجملة لا يستلزم وجوبها في كل نوع من أنواع المال لأن مخالفة الظاهرية في وجوبها
في الخيل والرقيق الذي هو محل النزاع مما يبطل الأحتجاج عليهم بالإجماع على وجوبها فيهما فالظاهر ما ذهب إليه أهله . قوله ( إن لم تكن جزية ) الخ ظاهر هذا أن عليا لا يقول بجواز الزكاة من هذين النوعين وإنما حسن الأخذ من الجماعة المذكورين لكونهم قد طلبوا من عمر ذلك . وحديث أبي هريرة المذكور في الباب هو طرف من حديثه المتقدم في أول الكتاب وقد شرحناه هنالك وقد استدل به على عدم وجوب الزكاة في الحمر لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن زكاتها فلم يذكر ان فيها الزكاة والبراءة الأصلية مستصحبة والأحكام التكليفية لا تثبت بدون دليل ولا أعرف قائلا من أهل العلم يقول بوجوب الزكاة في الحمر لغير تجارة واستغلال
_________
( 1 ) ويستأنس اللجمهور بما رواه الترمذي والدارقطني عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر ( أن رسول الله قال من ولى يتيما له مال ليتجر له ولا يتركه حتى تأكله الصدقة ) وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرشد ولي اليتيم إلى التجارة بمال الصبي لتربح فيخرج زكاتها خوفا من أن يذهب المال بدون استثمار ولا يعقل أن المال إذا كان نقدا لا يثمر تخرج زكاته وإذا كان تجارة يثمر فلا تخرج زكاته . وحديث عمرو وإن كان إسناده ضعيف فله شاهد عند الشافعي ولفظه ( ابتغوا في أموال الأيتام لا تأكلها الزكاة ) ولعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة مطلقا . والله أعلم

باب زكاة الذهب والفضة

1 - وعن علي عليه السلام قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهما درهما وليس في تسعين ومائة شيء فإذا بلغت مائتين ففيها خمسة دراهم )
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي . وفي لفظ ( قد عفوت لكم عن الخيل والرقيق وليس فيما ليس دون المائتين زكاة ) رواه أحمد والنسائي

- الحديث روي من طريق عاصم بن ضمرة عن علي . ومن طريق الحرث الأعور عن علي أيضا قال الترمذي روي هذا الحديث الأعمش وابو عوانة وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي . وروى سفيان الثوري وابن عيينة وغير واحد عن أبي إسحاق عن الحرث عن علي وسألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال كلاهما عندي صحيح انتهى . وقد حسن هذا الحديث الحافظ وقال الدارقطني الصواب وفقه على علي ( الحديث يدل ) على وجوب الزكاة في الفضة وهو مجمع على ذلك . ويدل أيضا على أن زكاتها ربع العشر ولا أعلم في ذلك خلافا . ويدل أيضا على اعتبار النصاب في زكاة الفضة وهو إجماع أيضا وعلى أنه مائتا درهم قال الحافظ ولم يخالف في أن نصاب الفضة مائتا درهم إلا ابن حبيب الأندلسي فإنه قال أن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم . وذكر ابن عبد البر اختلافا في الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلدان قيل وبعضعم اعتبر النصاب بالعدد لا بالوزن وهو خارق للإجماع وهذا البعض الذي أشار إليه هو المريسي وبه قال المغربي من الظاهرية كما في البحر وقد قوى كلام هذا المغربي الظاهري المغربي الصنعاني في شرح بلوغ المرام وقال أنه الطاهر ولا بد أن يكون النصاب خالصا عن الغش كما ذهب إليه الجمهور . قال المؤيد بالله والإمام يحى أنه يغتفر اليسير وقدره الإمام يحي بالعشر فما دون . وحكى في البحر عن أبي حنيفة أنه يغتفر ما دون النصف وسيأتي تحقيق مقدار الدرهم ( وفي الحديث ) أيضا دليل على أنه لا زكاة في الخيل والرقيق وقد تقدم الكلام على ذلك

2 - وعن جابر قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة وليس فيما دون خمس أوسق من التمر صدقة )
- رواه أحمد ومسلم وهو لأحمد والبخاري من حديث أبي سعيد

3 - وعن علي بن أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليهما الحولففيها خمس دراهم وليس عليك شيء يعني من الذهب حتى يكون لك عشرون دينارا فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليها الحول ففيها نصف دينار )
- رواه أبو داود

- حديث أبي سعيد المشار إليه هو متفق عليه . ولفظه في البخاري ( ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقو وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ) وحديث علي هو من حديث إسحاق عن الحرث الأعور وعاصم بن ضمرة عنه وقد تقدم أن البخاري قال كلاهما عنده صحيح وقد حسنه الحافظ والحرث ضعيف وقد كذبه ابن المديني وغيره وروى عن ابن معين توثيقه وعاصم وثقه ابن المديني وقال النسائي ليس به بأس : قوله ( خمس أواق ) بالتنزين وبإثبات التحتية مشددا ومخففا جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد التحتانية وحكى اللحياني وقية بحذف الألف وفتح الواو قال في الفتح ومقدار الأوقية في هذا الحديث أربعون درهما بالاتفاق والمراد بالدرهم الخالص من الفضة سواء كان مضروبا أو غير مضروب . قال عياض قال أبو عبيد أن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان فجمع العلماء فجعل كل عشر دراهم سبعة مثاقيل قال وهذا يلزم منه أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول وهو مشكل والصواب أن معتى ما نقل من ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت مختلفة في الوزن فعشرة مثلا وزن عشرة وعشرة وزن ثمانية فاتفق الرأي على أن تنقش بالكتابة العربية ويصير وزنها وزنا واحدا وقال غيره لم يتغير المثقال في جاهلية ولا اسلام . وأما الدرهم فأجمعوا على أن كل سبعة مثاقيل عشرة دراهم انتهى : قوله ( من الورق ) قد تقدم الكلام عليه وكذا تقدم الكلام على قوله خمس ذود : قوله ( خمسة أوسق ) جمع وسق بفتح الواو ويجوز كسرها بالاتفاق وقد وقع في رواية ابن ماجه من طريق أبي البختري عن أبي سعيد نحو هذا الحديث وفيه ( والوسق ستون صاعا ) وأخرجها أبو داود أيضا لكن قال ( ستون مختوما ) وللدارقطني من طريق عائشة ( الوسق ستون صاعا ) وفيه دليل على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق وسيأتي البحث عن ذلك : قوله ( عشرون دينارا ) الدينار مثقال والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم والدرهم ستة دوانيق والدانق قيراطان والقيراط طسوجان والطسوج حبتان والحبة سدس ثمن درهم وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءا من درهم كذا في القاموس في فصل الميم من حرف الكاف ( وفيه دليل ) على نصاب الذهب عشرون دينارا وإلى ذلك ذهب الأكثر وروى عن الحسن البصري أن نصابه أربعون وروى عنه مثل قول الأكثر ونصابه معتبر في نفسه . وقال طاوس أنه يعتبر في نصابه التقويم بالفضة فما بلغ منه ما يقوم بمائتي درهم وجبت فيه الزكاة ويرده الحديث : قوله ( وحال عليه الحول ) فيه دليل على اعتبار الحول في زكاة الذهب ومثله الفضة وإلى ذلك ذهب الأكثر . وذهب ابن عباس وابن مسعود والصادق والباقر والناصر وداود إلى أنه يجب على المالك إذا استفاد نصابا أن يزكيه في الحال تمسكا بقوله ( في الرقة ربع العشر ) وهو مطلق مقيد بهذا الحديث فاعتبار الحول لابد منه والضعف الذي في حديث الباب منجبر بما عند ابن ماجه والدارقطني والبيهقي والعقيلي من حديث عائشة من اعتبار الحول . وفي إسناده حارثة بن أبي الرجال وهو ضعيف وبما عند الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مثله وفيه إسماعيل بن عياش وحديثه عن غير أهل الشام ضعيف وبما عند الدارقطني من حديث أنس وفيه حسان بن سياه وهو ضعيف . قوله ( ففيها نصف دينار ) فيه دليل على أن زكاة الذهب ربع العشر ولا أعلم فيه خلافا

باب زكاة الزرع والثمار

1 - عن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ( فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقى بالسانية نصف العشور )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود وقال الأنهار والعيون

2 - وعن ابن عمر ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر )
- رواه الجماع إلى مسلما لكن بلفظ النسائي وأبي العشر وفيما سقى بالنضح نصف العشر

- قوله ( والغيم ) بفتح الغين المعجمة وهو المطر وجاء في رواية الغيل باللام قال أبو عبيد هو ما جرى من المياه في الأنهار وهو سيل دون السيل الكبير . وقال ابن السكيت هو الماء الجاري على الأرض . قوله ( العشور ) قال النووي ضبطناه بضم العين جمع عشر . وقال القاضي عياض ضبطناه عن عامة شيوخنا بفتح العين وقال وهو اسم للمخرج من ذلك . وقال صاحب المطالع أكثر الشيوخ يقولونه بالضم وصوابه الفتح . قال النووي وهذا الذي أدعاه من الصواب ليس بصحيح وقد اعترف بأن أكثر الرواة رووه بالضم وهو الصواب جمع عشر وقد اتفقوا على قولهم عشور أهل الذمة بالضم ولا فرق بين اللفظين . قوله ( بالسانية ) هي البعير الذي يستقى به الماء من البئر ويقال له الناضح يقال منه سنا يسنو سنوا إذا استقى به : قوله ( فيما سقت السماء ) المراد بذلك المطر أو الثلج أو البرد أو الطل والمراد بالعيون الأنهار الجارية التي يستقي منها من دون اغتراف بىلة بل تساح إساحة : قوله ( أو كان عثريا ) هو بفتح العين المهملة وفتح الثاء المثلثة وكسر الراء وتشديد التحتانية . وحكى عن ابن الأعرابي تشديد المثلثة ورده ثعلب . قال الخطابي هو الذي يشرب بعروقه من غير سقي زاد ابن قدامة عن القاضي أبي يعلى وهو المستنقع في بركة ونحوها يصيب إليه ماء المطر في سواق تستقي إليه قال واشتقاقه من العاثور وهي الساقية التي يجري فيها الماء لأن الماشي يتعثر فيها قال ومثله الذي يشرب من الأنهار بغير مؤونة أو يشرب بعروقه كأن يغرس في أرض يكون الماء قريبا من وجهها فتصل إليه عروق الشجر فيستغني عن السقي . قال الحافظ وهذا التفسير أولى من إطلاق أبي عبيدة أن العثري ما سقته السماء لأن سياق الحديث يدل على المغايرة وكذا قول من فسر العثرى بأنه الذي لا حمل له لأنه لا زكاة فيه . قال ابن قدامة لا نعلم في هذه التفرقة التي ذكرها خلافا . قوله ( بالنضح ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها حاء مهملة أي بالسانية . قوله ( بعلا ) بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة ويروي بضمها قال في القاموس البعل الأرض المرتفعة تمطر في السنة مرة وكل نخل وزرع لا يسقى أو سقته السماء انتهى . وقيل هو الأشجار التي تشرب بعروقها من الأرض ( والحديثان ) يدلان على أنه يجب العشر فيما سقى بماء السماء والأنهار ونحوهما مما ليس فيه مؤنة كثيرة ونصف العشر فيما سقى بالنواضح ونحوها مما فيه مؤنة كثيرة قال النووي وهذا متفق عليه وغن وجد مما يسقي بالنضح تارة وبالمطر أخرى فإن كطان ذلك على جهة الاستواء وجب ثلاثة أرباع العشر وهو قول أهل العلم : قال ابن قدامة لا نعلم فيه خلافا وإن كان فيه خلافا وإن كان أحدهما أكثر كان حكم الأقل تبعا للأكثر عند أحمد والثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي . وقيل يؤخذ بالتقسيط . قال الحافظ ويحتمل أن يقال إن أمكن فصل كل واحد منهما أخذ بحسابه وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع ولو كان أقل

3 - وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( قال ليس فيما دون خمسة أو سق صدقة ولا فيما دون خمس أواق صدقة ولا فيما دون خمس ذود صدقة )
- رواه الجماعة . وفي لفظ لأحمد ومسلم والنسائي ( ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر ولا حب صدقة ) ولمسلم في رواية . من تمر بالثاء ذات النقط الثلاث

4 - وعن أبي سعيد أيضا ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الوسق ستون صاعا )
- رواه أحمد وابن ماجه ولأحمد وأبي داود ( ليس فيما دون خمسة أوساق زكاة والوسق ستون مختوما

- قوله ( ليس فيما دون خمسون أوسق ) قد تقدم تفسير والأواقي والذود : قوله ( الوسق ستون صاعا ) هذا الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان من طريق عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد وأخرجه أيضا النسائي وأبو داود وابن ماجه من طريق أبي البختري من أبي سعيد قال أبو داود وهو منقطع لم يسمع أبو البختري عن أبي سعيد وقال أبو حاتم لم يدركه وأخرج البيهقي نحوه من حديث ابن عمر وابن ماجه من حديث جابر وإسناده ضعيف قال الحافظ وفيه عن عائشة وعن سعيد بن المسيب . وحديث ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) مخصص لعموم حديث جابر المتقدم في أول الباب . ولحديث ابن عمر المذكور بعده لأنهما يشملان الخمسة الأوسق وما دونها وحديث أبي سعيد هذا خاص بقدر الخمسة الأوسق فلا تجب الزكاة فيما دونها وإلى هذا ذهب الجمهور : وذهب ابن عباس وزيد بن علي والنخعي وأبو حنيفة إلى العمل بالعام فقالوا تجب الزكاة في القليل والكثير ولا يعتبر النصاب وأجابوا عن حديث الأوساق بأنه لا ينتهض لتخصيص حديث العموم لأنه مشهور وله حكم المعلوم وهذا إنما يتم على مذهب الحنفية القائلين بأن دلالة العموم قطعية وأن العمومات القطعية لا تخصص بالظنيات ولكن ذلك لا يجري فيما نحن بصدده فإن العام والخاص ظنيان كلاهما والخاص أرجح دلالة وإسنادا فيقدم على العام تقدم أو تأخر أو قارن على ما هو الحق من أنه يبني العام على الخاص مطلقا وهكذا يجب البناء إذا جهل التاريخ وقد قيل أن ذلك إجماع والظاهر إن مقام النزاع من هذا القبيل . وقد حكى ابن المنذر الإجماع على أن الزكاة لا تجب فيما دون خمسة أوسق مما أخرجت الأرض إلا أن أبا حنيفة قال تجب في جميع ما يقصد بزراعته نماء الأرض الأرض إلا الحطب والقضب والحشيش والشجر الذي ليس له ثمر انتهى . وحكى عياض عن داود إن كل ما يدخله الكيل يراعي فيه النصاب ومالا يدخل فيه الكيل ففي قليله وكثيره الزكاة وهو نوع من الجمع . وقال ابن العربي أقوى المذاهب وأحوطها للمساكين قول أبي حنيفة وهو التمسك بالعموم انتهى . وههنا مذهب ثالث حكاه صاحب البحر عن الباقر والصادق أنه يعتبر النصاب في التمر ما يتناوله بلا دليل

5 - وعن عطاء بن السائب قال ( أراد عبد الله بن المغيرة أن يأخذ من أرض موسى بن طلحة من الخضراوات صدقة فقال له موسى بن طلحة ليس لك ذلك إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول ليس في ذلك صدقة )
- رواه الأثرم في سننه . وهو من أقوى المراسيل لا حتجاج من أرسله به

- الحديث أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم من حديث إسحاق بن يحيى بن طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ بلفظه . وأما القثاء والبطيخ والرمان والقضب فعفو عفا عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال الحافظ وفيه ضعف وانقطاع وروى الترمذي بعضه من حديث عيسى بن طلحة عن معاذ وهو ضعيف . وقال الترمذي ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيء يعني في الخضراوات وإنما يروى عن موسى بن طلحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مسلا . وذكره الدارقطني في العلل وقال الصواب مرسل . وروى البيهقي بعضه من حديث موسى بن طلحة قال عندنا كتاب معاذ . ورواه الحاكم وقال موسى تابعي كبير لا ينكر أنه لقى معاذا . وقال ابن عبد البر لم يلق معاذا ولا أدركه وكذلك قال أبو زرعة وروى البزار والدارقطني من طريق الحرث بن نبهان عن عطاء بن السائب عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعا ( ليس في الخضراوات صدقة ) قال البزار لانعلم أحدا قال فيه عن أبيه إلا الحرث بن نبهان . وقد حكى ابن عدي تضعيفه عن جماعة والمشهور عن موسى مرسل . ورواه الدارقطني من طريق مروان بن محمد السنجاري عن جرير عن عطاء ابن السائب فقال عن أنس بدل قوله عن أبيه ولعله تصحيف منه ومروان مع ذلك ضعيف جدا . وروى الدارقطني من حديث على مثله وفيه الصقر بن حبيب وهو ضعيف جدا ( وفي الباب ) عن محمد بن جحش عند الدارقطني وفي إسناده عبد الله بن شبيب . قيل عنه أنه يسرق الحديث . وعن عائشة عند الدارقطني أيضا وفيه صالح بن موسى وفيه ضعف . وعن علي موقوفا عند البيهقي . وعن عمر كذلك عنده ( والحديث يدل ) على عدم وجوب الزكاة في الخضراوات وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي وقالا إنما تجب الزكاة فيما يكال ويدخر للاقتيات . وعن أحمد انها تخرج مما يكال ويدخر ولو كان لا يقتات وبه قال أبو يوسف ومحمد وأوجبها في الخضراوات الهادي والقسم والحشيش والحطب لحديث الناس شركاء في ثلاث ووافقها أبو حنيفة الا أنه استثنى السعف والتبن واستدلوا على وجوب الزكاة في الخضراوات بعموم قوله تعالى { خذ من أموالهم صدقة } وقوله { ومما أخرجنا لكم من الأرض } وقوله { وآتوا حقه يوم حصاده } وبعموم حديث ( فيما سقت السماء العشر ) ونحوه قالوا وحديث الباب ضعيف لا يصلح لتخصيص هذه العمومات وأجيب بأن طرقه يقوي بعضها بعضا فينتهض لتخصيص هذه العمومات ويقوي ذلك ما أخرجه الحاكم والبيهقي والطبراني من حديث أبي موسى ومعاذ حين بعثهما النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم ( فقال لا تأخذا الصدقة الا من هذه الأربعة الشعير والحنطة والزبيب والتمر ) قال البيهقي رواته ثقات وهو متصل . وما أخرجه الطبراني عن عمر قال ( إنما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة في هذه الأربعة فذكرها ) وهو من رواية موسى ابن طلحة عن عمر . قال أبو زرعة موسى عن عمر مرسل . وما أخرجه ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ ( إنما سن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الزكاة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب ) زاد ابن ماجه ( والذرة ) وفي إسناده محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك . وما أخرج البيهقي من طريق مجاهد قال لم تكن الصدقة في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا في خمسة فذكرها . وأخرج أيضا من طريق الحسن فقال لم يفرض الصدقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى في عشرة فذكر الخمسة المذكورة والأبل والغنم والذهب والفضة . وحكى أيضا ن الشعبي أنه قال كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أهل اليمن إنما الصدقة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب . قال البيهقي هذه المراسيل طرقها مختلفة وهي يؤكد بعضها بعضا ومعها حديث أبي موسى ومعها قول عمر وعلي وعائشة ليس في الخضراوات زكاة انتهى . فلا أقل من انتهاض هذه الأحاديث لتخصيص تلك العمومات التي قد دخلها التخصيص بالأوساق والبقر العوامل . وغيرها فيكون الحق ما ذهب إليه الحسن البصري بالأوساق والبقر العوامل وغيرهما الحق ما ذهب إليه الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي من أن الزكاة لا تجب إلى في البر واشعير والتمر والزبيب لا فيما عدا هذه الأربعة مما أخرجت الأرض وأما زيادة الذرة في حديث عمرو بن شعيب فقد عرفت أن في إسنادها متروكا ولكنها معتضدة بمرسل مجاهد والحسن

6 - وعن عائشة قالت ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبعث عبد الله ابن رواحة فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه ثم يخير يهودي يأخذونه بذلك الخرص أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق )
- رواه أحمد وأبو داود

7 - وعن عتاب بن أسيد ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم )
- رواه الترمذي وابن ماجه . و عنه أيضا ( قال أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرص العنب كما يخرص النخل فتؤخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ صدقة النخل تمرا )
- رواه أبو داود والترمذي

8 - وعن سهل بن أبي حثمة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع )
- رواه الخمسة إلا ابن ماجه

- حديث عائشة فيه واسطة بين ابن جريج والزهري ولم يعرف . وقد رواه عبد الرزاق والدارقطني بدون الواسطة المذكورة وابن جريج مدلس فلعله تركها تدليسا . وذكر الدارقطني الأختلاف فيه فقال رواه صالح عن أبي الأخضر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة وأرسله معمر ومالك وعقيل ولم يذكروا أبا هريرة وحديث عتاب بن أسيد أخرجه أيضا باللفظ الأول أبو داود وابن حبان وباللفظ الثاني النسائي وابن حبان والدارقطني ومداره على سعيد بن المسيب عن عتاب وقد قال أبو داود لم يسمع منه وقال ابن قانع لم يدركه . وقال المنذري انقطاعه ظاهر لان مولد سعيد في خلافة عمر ومات عتاب يوم مات أبو بكر وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر . وقال ابن السكن لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من وجه غيرهذا وقد رواه هذا وقد رواه الدارقطني بسند فيه الواقدي فقال عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد . وقال أبو حاتم الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر عتابا مرسل وهذا رواية عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري . وحديث سهل بن أبي حثمة أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم وصححاه وفي إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن ابن أبي حثمة وقد قال إنه انفرد به وقال ابن القطان لا يعرف حاله قال الحاكم وله شاهد باسناد متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به . ومن شواهده ما رواه ابن عبد البر عن جابر مرفوعا ( خففوا في الخرص ) الحديث وفي إسناده ابن لهيعة ( والأحاديث المذكورة ) تدل على مشروعية الخرص في العنب والنخل وقد قال الشافعي في أحد قوليه بوجوبه مستدلا بما في حديث عتاب من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بذلك وذهبت العترة ومالك وروى عن الشافعي إلى أنه جائز فقط وذهبت الهادوية وروي عن الشافعي أيضا إلى أنه مندوب وقال أبو حنيفة لا يجوز لأنه رجم بالغيب والأحاديث المذكورة ترد عليه . وقد قصر جواز الخرص على مورد النص بعض أهل الظاهر فقال لا يجوز إلا في النخل والعنب ووافقه على ذلك شريح وأبو جعفر وابن أبي الفوارس وقيل يقاس عليه غيره مما يمكن ضبطه بالخرص واختلف في خرص الزرع فاجازه للمصلحة الإمام يحيى ومنعته الهادوية والشافعية : قوله ( ودعوا الثلث ) قال ابن حبان له معنيان . أحدهما أن يترك الثلث أو الربع من العشر . وثانيهما أن يترك ذلك في نفس الثمرة قبل أن تعشر . وقال الشافعي أن يدع ثلث الزكاة أو ربعها ليفرقها هو بنفسه . وقيل يدع له ولاهله قدرما يأكلون ولا يخرص . وأخرج أبو نعيم في الصحابة من طريق الصلت بن زييد بن الصلت عن أبيه عن جده ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استعمله على الخرص فقال أثبت لنا النصف وبق لهم النصف فإنهم يسرقون ولا تصل إليهم )

9 - وعن الزهري عن أبي أمامة بن سهل عن أبيه قال ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الجعرور ولون الحبيق أن يؤخذا في الصدقة قال الزهري تمرين من تمر المدينة )
- رواه أبو داود

10 - وعن أبي أمامة بن سهل في الآية التي قال الله عز و جل ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون قال هو الجعرورولون حبيق فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يؤخذ في الصدقة الرذالة )

5 - رواه النسائي

- الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح والحديث الثاني في إسناده عبد الجليل بن حبيب اليحصبي ولا باس به وبقية رجاله رجال الصحيح وقد أخرج نحوه الترمذي وقال حسن صحيح غريب من حديث البراء ( قال في قوله تعالى { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } نزلت فينا معشر الأنصار كنا أصحاب نخل فكان الرجل يأتي من نخله على قدر كثرته وقلته وكان الرجل يأتي بالقنو والقنوين فيعلقه في المسجد وكان أهل الصفة ليس لهم طعام فكان أحدهم إذا جاع أتى القنو فضربه بعصاه فسقط البسر والتمر فيأكل وكان ناس ممن لا يرغب في الخير يأتي الرجل بالقنو فيه الشيص والحشف والقنو قد انكسر فيعلقه فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه } قال لو أن أحدكم أهدى إليه مثل ما أعطى لم يأخذه إلى على أغماض وحياء قال فكنا بعد ذلك يأتي أحدنا بصالح ما عنده ) . قوله ( الجعرور ) بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الراء وسكون الواو بعدها راء قال في القاموس هو تمر ردئ : قوله ( ولو الحبيق ) بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون التحتية بعدها قاف . قال في القاموس حبيق كزبير تمرد قل : قوله ( الرذالة ) بضم الراء بعدها ذال معجمة هي ما انتقى جيده كما في القاموس . وقوله ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) الخ فيه دليل على أنه لا يجوز للمالك أن يخرج الردئ عن الجيد الذي وجبت فيه الزكاة نصا في التمر وقياسا في سائر الأجنائ التي تجب فيها الزكاة وكذلك لا يجوز للمصدق أن يأخذ ذلك

باب ما جاء في زكاة العسل

1 - عن أبي سارة المتعي قال ( قلت يا رسول الله لي نحلا قال فأد العشور قال قلت يا رسول الله احم لي جبلها قال فحمى لي جبلها )
- رواه أحمد وابن ماجه

2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه أخذ من العسل العشر )
- رواه ابن ماجه . وفي رواية له ( جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعشور النحل له وكان سأله أن يحمي واديا يقال له سلبة فحمى له ذلك الوادي فلما ولى عمر بن الخطاب كتب سفيان بن وهب إلى عمر يسأله عن ذلك فكتب عمر ان أدى إليك ما كان يؤدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من عشور نحله فاحم له سلبة وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء )
- رواه أبو داود والنسائي . ولأبي داود في رواية بنحوه وقال ( من كل عشر قرب قربة )

- حديث أبي سيارة أخرجه أيضا أبو داود والبيهقي وهو منقطع لأنه من رواية سليمان بن موسى عن أبي سيارة قال البخاري لم يدرك سليمان أحدا من الصحابة وليس في زكاة العسل شيء يصح : قال أبو عمر ابن عبد البر لا يقوم بهذا حجة . وحديث عمرو ابن شعيب قال الدارقطني يروى عن عبد الرحم بن الحرث وابن لهيعة عن عمرو بن شعيب مسندا . ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرو بن شعيب عن عمر مرسلا . قال الحافظ فهذه علته وعبد الرحمن وابن لهيعة ليسا من أهل الاتقان لكن تابعهما عمرو بن الحرث أحد الثقات وتابعهما أسامة بن زيد عن عمرو بن شعيب عند ابن ماجه وغيره ( وفي الباب ) عن ابن عمر عند الترمذي ( ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في العسل في كل عشرة أزقاق زق ) وفي إسناده صدقة السمين وهو ضعيف الحفظ وقد خولف . وقال النسائي هذا حديث منكر . ورواه البيهقي وقال تفرد به صدقة وهو ضعيف وقد تابعه طلحة بن زيد عن موسى بن يسار ذكره المروزي ونقل عن أحمد تضيعفه وذكر الترمذي انه سأل البخاري عنه فقال هو عن نافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسل وعن أبي هريرة عند البيهقي وعبد الرزاق وفي إسناده عبد الله بن محرر بمهملات وهو متروك . وعن سعدا بن أبي ذئاب عند البيهقي ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استعمله على قومه وانه قال لهم أدو العشر في العسل ) وفي إسناده منير بن عبد الله ضعفه البخاري والأزدي وغيرهما . قال الشافعي وسعد بن أبي ذئاب يحكي ما يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمر فيه بشيء وانه شيء رآه فتطوع له به قومه . قال ابن المنذر ليس في الباب شيء ثابت : قوله ( متعان ) بضم الميم وسكون المثناة بعدها مهملة وكذا المتعى : قوله ( سلبة ) بفتح المهملة واللام والباء الموحدة وهو مواد لبني متعان قال البكري في معجم البلدان وقد استدل بأحاديث الباب على وجوب العشر في العسل أبو حنيفة وأحمد وإسحاق وحكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم وحكاه في البحر عن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز والهادي والمؤيد بالله وأحد قولي الشافعي . وقد حكى البخاري وابن أبي شيبة وعبد الرزاق عن عمر بن عبد العزيز أنه لا يجب في العسل شيء من الزكاة وروى عنه عبد الرزاق أيضا مثل ما روى عنه صاحب البحر ولكنه بإسناد ضعيف كما قال الحافظ في الفتح . وذهب الشافعي ومالك والثوري وحكاه ابن عبد البر عن الجمهور إلى عدم وجوب الزكاة في العسل وحكاه في البحر عن علي عليه السلام وأشار العراقي في شرح الترمذي إلى أن الذي نقله ابن المنذر عن الجمهور أولى من نقل الترمذي ( واعمل ) أن حديث أبي سيارة وحديث هلال ان كان غير أبي سيارة لا يدلان على وجوب الزكاة في العسل لأنهما تطوعا بها حمى لهما بدل ما أخذ وعقل عمر العلة فأمر بمثل ذلك ولو كان سبيله سبيل الصدقات لم يخير في ذلك . وبقية أحاديث الباب لا تنتهض للاحتجاج بها . ويؤيد عدم الوجوب ماتقدم من الأحاديث القاضية بأن الصدقة إنما تجب في أربعة أجناس ويؤيده أيضا ما رواه الحميدي بإسناده إلى معاذ بن جبل انه أتى بوقص البقر والعسل فقال معاذ كلاهما لم يأمرني فيه صلى الله عليه وآله وسلم بشيء : قوله ( وإلا فإنما هو ذباب غيث ) أي وان يؤدوا عشور النحل وفالعسل مأخوذ من ذباب النحل وأضاف الذباب إلى الغيث لان النحل يقصد مواضع القطر لما فيها من العشب والخصب . قوله ( يأكله من يشاء ) يعني العسل فالضمير راجع إلى المقدر المحذوف ( وفيه دليل ) على ان العسل الذي يوجد في الجبال يكون من سبق إليه أحق به

باب ما جاء في الركاز والمعدن

1 - عن أبي هريرة ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس )
- رواه الجماعة

2 - وعن ربيعة الحرث المزني معادن القبلية وهي من ناحية الفرع فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم )
- رواه أبو داود ومالك في الموطأ

- الحديث الأول له طرق والفاظ . والحديث الثاني أخرجه أيضا الطبراني والحاكم والبيهقي بدون قوله ( وهي من ناحية الفرع ) الخ قال الشافعي بعد أن روى هذا الحديث ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ولم يكن فيه رواية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا إقطاعه . وأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقال البيهقي هو كما قال الشافعي وقد روى هذا الحديث عن الدراوردي عن ربيعة المكور موصولا . وكذلك أخرجه الحاكم في المستدرك وكذا ذكره ابن عبد البر . ورواه أبو سيرة المديني عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو ابن علقمة عن أبيه عن بلال موصولا لكن لم يتابع عليهز ورواه أبو أويس عن كثير ابن عبد الله بن أبيه عن جده . وعن ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس هكذا . قال البيهقي وأخرجه من الوجهين الآخرين أبو داود وسيأتي حديث ابن عباس المشار إليه في باب ما جاء في اقطاع المعادن من كتاب إحياء الموات : قوله ( العجماء ) سميت البهيمة عجماء لأنها لا تتكلم : قوله ( جبار ) أي هدر وسيأتي الكلام على ذلك . قوله ( وفي الركاز الخمس ) الركاز بكسر الراء وتخفيف الكاف وآخره زاء مأخوذ من الركز بفتح الراء يقال ركزه يركزه إذا دفعه مركوز وهذا متفق عليه . قال مالك والشافعي الركاز دفن الجاهلية . وقال أبو حنيفة والثوري وغيرهما إن المعدن ركاز واحتج لهم بقول العرب اركز الرجل إذا أصاب ركازا وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن وخالفهم في ذلك الجمهور فقالوا لا يقال للمعدن ركازا واحتجوا بماوقع في حديث الباب من التفرقة بينهما بالعطف فدل ذلك على المغايرة وخص الشافعي الركاز بالذهب والفضة . وقال الجمهور ولا يختص واختاره ابن المنذر : قوله ( القبلية ) منسوبة إلى قبل بفتح القاف والباء وهي ناحية من ساحل البحر بينهما وبين المدينة خمسة أيام . والقرع موضع بين نخلة والمدينة ( والحديث ) الأول يدل على أن زكاة الركاز الخمس على الخلاف السابق في تفسيره . قال ابن دقيق العيد ومن قال من الفقهاء ان في الركاز الخمس إما مطلقا أو في أكثر الصور فهو أقرب إلى الحديث انتهى . وظاهره سواء كان الواجد له مسلما أو ذميا وإلى ذلك ذهب الجمهور فيخرج الخمس وعند الشافعي لا يؤخذ منه شيء واتفقوا على أنه لا يشترط فيه الحلول بل يجب إخراج الخمس في الحال وإلى ذلك ذهبت العترة قال في الفتح وأغرب ابن العربي في شرح الترمذي فحكى عن الشافعي الاشتراط ولا يعرف ذلك في شيء من كتبه ولا كتب أصحابه . ومصرف هذا الخمس مصرف خمس الفئ عند مالك وأبي حنيفة والجمهور وعند الشافعي مصرف الزكاة وعن أحم روايتان . وظاهر الحديث عدم اعتبار النصاب وإلى ذلك ذهبت الحنفية والعترة وقال مالك وأحمد وإسحاق يعتبر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) وقد تقدم وأجيب بأن الظاهر من الصدقة الزكاة فلا تتناول الخمس وفيه نظر : قوله ( قتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة ) فيه دليل لمن قال أن الواجب في المعادن الزكاة وهي ربع العشر كالشافعي وأحمد وإسحاق ومن أدلتهم أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( في الرقة ربع العشر ) ويقاس غيرها عليها . وذهبت العترة والحنفية والزهري وهو قول للشافعي إلى أنه يجب فيه الخمس لأنه يصدق عليه اسم الركاز وقد تقدم الخلاف في ذلك

أبواب اخراج الزكاة

باب المبادرة إلى أخراجها

1 - عن عقبة بن الحرث قال ( صلى الله عليه وآله وسلم العصر فاسرع ثم دخل البيت فلم يلبث ان خرج فقلت أو قيل له فقال كنت خلفت في البيت تبرا من الصدقة فكرهت أن أبيته فقسمته )
- رواه البخاري

2 - وعن عائشة قالت ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما خالطت مالا قط إلا أهلكته )
- رواه الشافعي والبخاري في تاريخه والحميدي وزاد قال ( يكون قد وجب عليك في مالك صدقة فلا تخرجها فيهلك الحرام الحلال ) وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين

- قوله ( بترا ) بكسر المثناة وسكون الموحدة الذهب الذي لم يصف ولم يضرب قال الجوهري لا يقال إلاللذهب وقد قاله بعضهم في الفضة انتهى . وأطلقه بعضهم على جميع جواهر الأرض قبل أن تصاغ وتضرب حكاه ابن الأنباري عن الكسائي كذا أشار إليه ابن دريد : قوله ( ان أبيته ) أي أتركه يبيت عندي : قوله ( فقسمته ) في رواية للبخاري ( فأمرت بقسمته ) ( والحديث الأول ) يدل على مشروعية المبادرة باخراج الصدقة . قال ابن بطال فيه ان الخير ينبغي ان يبادر به فان الآفات تعرض والموانع تمنع والموت لا يؤمن والتسويف غير محمود زاد غيره وهو أخلص للذمة وأنفى للحاجة وأبعد من المطل المذموم وأرضى للرب تعالى وأمحى للذنب . ( والحديث الثاني ) يدل على ان مجرد مخالطة الصدقة لغيرها من الأموال سبب لا هلاكه وظاهره وإن كان الذي خلطها بغيرها من الأموال عازما على إخراجها بعد حين لأن التراخي عن الأخراج مما لا يبعد ان يكون سببا لهذه العقوبة أعني هلاك المال واحتجاج من احتج به على تعلق الزكاة بالعين صحيح لانها لو كانت متعلقة بالذمة لم يستقم هذا الحديث لانها لا تكون في جزء من أجزاء المال فلا يستقيم اختلاطها بغيرها ولا كونها سببا لإهلاك ما خالطته

باب ما جاء في تعجيلها

1 - عن علي عليه السلام ( أن العباس بن عبد المطلب سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تعجيله صدقته قبل أن تحل فرخص له في ذلك )
- رواه الخمسة إلا النسائي

2 - وعن أبي هريرة قال ( بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمر على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا أفأغناه الله وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه واعتاده في سبيل الله تعالى وأما العباص فهي علي ومثلها معها ثم قال يا عمر اما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه )
- رواه أحمد ومسلم . وأخرجه البخاري وليس فيه ذكر عمر ولا قيل له في العباس . وقال فيه عليه ومثلها معها . قال أبو عبيد أرى والله أعلم أنه أخر عنه الصدقة عامين لحاجة عرضت للعباس وللإمام أن يؤخر على وجه النظر ثم يأخذه ومن روى فهي علي ومثلها فيقال كان تسلف منه صدقة عامين ذلك العام والذي قبله

- حديث علي أخرجه أيضا الحاكم والدارقطني والبيهقي وفيه اختلاف ذكره الدارقطني ورجح إرساله وكذا رجحه أبو داود وقال الشافعي لا أدري أثبت أم لا يعني هذا الحديث . ويشهد له ما أخرجه البيهقي عن علي ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إنا كنا احتجنا فأسلفنا العباس صدقة عامين ) رجاله ثقات إلا أن فيه إنقطاعا ويعضده ايضا حديث أبي هريرة المذكور بعده : قوله ( ينقم ) بكسر القاف وفتحها والكسر أفصح وابن جميل هذا قال ابن الأثير لا يعرف اسمه لكن وقع في تعليق القاضي حسين الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله وذكر الشيخ سراج الدين بن الملقن أن بعضهم سماه حميدا ووقع في رواية ابن جريح أبو جهم بن حذيفة بدل ابن جميل وهو خطأ لإطباق الجميع على ابن جميل . وقوله الأكثر أنه كان أ صاريا وأما أبو جهم بن حذيفة فهو قرشي فافترقا . قوله ( واعتاده ) جمع عتاد بفتح العين المهملة بعدها فوقية وبعد الألف دال مهملة والأعتاد آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها ويجمع أيضا على اعتدة . ومعنى ذلك أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده ظنا منهم أنها للتجارة وان الزكاة فيها واجبة فقال لهم لا زكاة فيها على فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ان خالدا منع الزكاة فقال انكم تظلمونه لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله تعالى قبل الحول عليها فلا زكاة فيها ويحتمل أن يكون المراد لو وجبت عليه زكاة لأعطها ولم يشح بها لأنه قد وقف أمواله لله تعالى متبرعا فكيف يشح واجب عليه : واستنبط بعضهم من هذا وجوب زكاة التجارة وبه قال جمهور السلف والخلف خلافا لداود ( وفيه دليل ) على صحة الوقف وصحة وقف المنقول وقه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة وبعض الكوفيين وقال بعضهم هذه الصدقة التي منعها ابن جميل وخالد والعباس لم تكن زكاة أنما كانت صدقة تطوع حكاه القاضي عياض قال ويؤيده ان عبد الرزاق روى هذا الحديث وذكر في روايته ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ندب الناس إلى الصدقة ) وذكر تمام الحديث ابن القصار من المالكية وهذا التأويل أليق بالقصة ولا يظن بالصحابة منع الواجب وعلى هذا فعذر خالد واضح لأنه أخرج ماله في سبيل الله فما بقي له مال يحتمل المواساة بصدقة التطوع ويكون ابن جميل شح بصدقة التطوع فعتب عليه . وقال في العباس هي على ومثلها معها أي أنه لا يمتنع إذا طلبت منه انتهى كلام ابن القصار . قال القاضي عياض ولكن ظاهر الأحاديث في الصحيحين انها في الزكاة ( لقوله بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمر على الصدقة ) وإنما كان يبعث في الفريضة ورجح هذا النووي . قوله ( فهي على ومثلها معها ) مما يقوي أن المراد بهذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرهم انه تعجل من العباس صدقة عامين ما أخرجه أبو داود والطيالسي من حديث أبي رافع ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لعمر انا كنا تعجلنا صدقة مال العباس عام الأول ) وما أخرجه الطبراني والبزار من حديث ابن مسعود ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم تسلف من العباس صدقة عامين . وفي إسناده محمد بن ذكوان وهو ضعيف . ورواه البزار من حديث موسى ابن طلحة عن أبيه نحوه وفي إسناده لحسن بن عمارة وهو متروك . ورواه الدارقطني من حديث بن عباس وفي إسناده مندل بن علي والعرزمي وهما ضعيفان والصواب أنه مرسل ومما يرجح أن المراد ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو أراد أن يتحمل ما عليه لأجل امتناعه لكفاه أن يتحمل مثلها من غير زيادة وأيضا الحمل على الامتناع فيه سوء ظن بالعباس ( والحديثان ) يدلان على أنه يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول ولو لعامين وإلى ذلك ذهب الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وبه قال الهادي والقاسم . قال المؤيد بالله وهو أفضل وقال مالك وربيعة وسفيان الثوري وداود وأبو عبيد بن الحرث : ومن أهل البيت الناصر أنه لا يجزئ حتى يحول الحول واستدلوا بالأحاديث التي فيها تعليق الوجوب بالحول وقد تقدمت . تسليم ذلك لا يضر من قال بصحة التعجيل لأن الوجوب متعلق بالحول بلا نزاع وإنما النزاع في الأجزاء قبله

باب تفرقة الزكاة في بلدها ومراعاة المنصوص عليه لا القيمة وما يقال عند دفعها

1 - عن أبي جحيفة قال ( قدم علينا مصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا )
- رواه الترمذي وقال حديث حسن

2 - وعن عمران بن حصين ( أنه استعمل على الصدقة فلما رجع قيل له أين المال قال وللمال أرسلتني أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وضعناه حيث كنا نضعه )
- رواه أبو داود وابن ماجه

3 - وعن طاوس قال ( كان في كتاب معاذ من خرج من مخلاف إلى مخلاف فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته )
- رواه الأثرم في سننه

- الحديث الأول هو من رواية حفص بن عياث عن الأشعث عن عون بن أبي جحفة عن أبيه وهؤلاء ثقات إلا أشعث بن سوار ففيه مقال . وقد أخرج له مسلم متابعة . قال التترمذي بعد ذكر الحديث وفي الباب عن ابن عباس . والحديث الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده رجال الصحيح إلا إبراهيم بن عطاء وهو صدوق . والحديث الثالث أخرجه أيضا سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى طاوس بلفظ ( من انتقل من مخلاف عشيرته فصدقته وعشره في مخلاف عشيرته ) ( وفي الباب ) عن معاذ عند الشيخين ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بعثه إلى اليمين قال له خذها من أغنيائهم وضعها في فقرائهم ) وقد استدل بهذه الأجحاديث على مشروعية صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله وكراهية صرفها في غير فقراء البلد . وقال غيرهم أنه يجوز مع كراهة لما علم بالضرورة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يستدعي الصدقات من الأعراب إلى المدينة ويصرفها في فقراء المهاجرين والأنصار كما أخرج النسائي من حديث عبد الله بن هلال الثقفي قال ( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال كدت أقتل بعدك في عناق أو شاة من الصدقة فقال صلى الله عليه وآله وسلم لو أنها تعطى فقراء المهاجرين ما أخذتها ) ولما أخرجه البيهقي ووعلقه البخاري عن معاذ ( أنه قال لأهل اليمن أئتوني بكل خميس ولبيس آخذه منكم مكان الصدقة فإنه أرفق بكم وأنفع للمهاجرين والأنصار بالمدينة ) وفيه انقطاع . وقال الإسماعيلي أنه مرسل فلا حجة فيه لا سيما مع معارضته لحديثه المتفق عليه الذي تقدم وقد قال فيه بعض الرواة من الجزية بدل قوله من الصدقة . أو يحمل على أنه بعدج كفاية من في اليمن وإلا فما كان معاذ ليخالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قوله ( من مخلاف ) الخ فيه دليل على أنه من انتقل من بلد إلى بلد كان زكاة ماله لأهل البلد الذي انتقل منه مهما أمكن إيصال ذلك إليهم

4 - وعن معاذ بن جبل طأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعثه إلى اليمن فقال خذ الحب من الحب والشاة من الغنم والبعير من الإبل والبقرة من البقر )
- رواه أبو داود وابن ماجه . والجبرانات المقدرة في حديث أبي بكر تدل على أن القيمة لا تشرع وإلا كانت تلك الجبرانات عبثا

- الحديث صححه الحاكم على شرطهما وفي إسناده عطاء عن معاذ ولم يسمع منه لأنه ولد بعد موته أو في سنة موته أو بعد موته بسنة . وقال البزار لا تعلم أن عطاء سمع من معاذ . وقد استدل بهذا الحديث من قال أنها تجب الزكاة من العين ولا يعدل عنها إلى القيمة إلا عند عدمها وعدم الجنس وبذلك قال الهادي والقاسم والشافعي والإمام يحيى . وقال أبو حنيفة والمؤيد بالله أنها تجزء مطلقا وبه قال الناصر والمنصور بالله وأبو العباس وزيد بن علي واستدلوا بقول معاذ ائتوني بكل خميس ولبيس قال الخميس واللبيس ليس إلا قيمة عن الأعيان التي تجب فيها الزكاة وهو مع كونه فعل صحابي لا حجة فيه فيه إنقطاع وإرسال كما قدمنا في شرح للحديث الذي قبل هذا فالحق أن الزكاة واجبة من العين لا يعدل عنها إلى القيمة إلا لعذر : قوله ( والجبرانات ) بضم الجيم جمع جبران وهو ما يجبر به الشيء وذلك نحو قوله من حديث أبي بكر السابق ( ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له أو عشرين درهما ) فإن ذلك ونحوه يدل على أن الزكاة واجبة في العين ولو كانت القيمة هي الواجبة لكان ذكر ذلك عبثا لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فتقدير الجبران بمقدار معلوم يناسب تعلق الوجوب بالقيمة وقد تقدمت الإشارة إلى طرف من هذا

5 - وعن أبي هريرة قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أعطيتم الزكاة فلا تنسوا ثوابها أن تقولوا اللهم اجعلها مغنما ولا تجعلها مغرما )
- رواه ابن ماجه

6 - وعن عبد الله بن أبي أوفي قال ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أتاه قوم بصدقة قال اللهم صل عليهم فأتاه أبي أبو أوفي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفي )
- متفق عليه

- الحديث الأول إسناده في سنن ابن ماجه هكذا حدثنا سويد بن سعيد حدثنا الوليد بن مسلم عن البختري عن عبيد عن أبيه أبي هريرة فذكره والبختري بن عبيد الطابخي ( 1 ) متروك وسويد بن سعيد فيه مقال ( وفي الباب ) عن وائل بن حجر عند النسائي قال ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجل بعث بناقة حسنة في الزكاة اللهم بارك فيه وفي إبله ) قوله ( فلا اتنسوا ثوابها أن نقولوا ) كأنه جعل هذا القول نفس الثواب لما كان له دخل في زيادة الثواب : قوله ( اللهم صل عليهم ) في رواية على آل فلان . وفي أخرى على فلان : قوله ( على آل أبي أوفى ) يريد أبا أووفى نفسه لأن الآل يطلق على ذات الشيء كقوله في قصة أبي موسى ( لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود ) وقيل لا يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر واسم أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحرث الأسلمي شهد هو وابنه عبد الله بيعة الرضوان تحت الشجرة واستدل بهذا الحديث على جواز الصلاة على غير الأنبياء وكرهه مالك والجمهور . قال ابن التين وهذا الحديث يعكر عليه وقد قال جماعة من العلماء يدعو آخذ الصدقة للمتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث . وأجيب عنه بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعو له فصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته دعاء لهم بالمغفرة وصلاة أمته دعاء له بزيادة القربة والزلفى ولذلك كانت لا تليق بغيره وفيه دليل على أنه يستحب الدعاء عند أخذ الزكاة لمعطيها وأوجبه بعض أهل الظاهر وحكاه الحناطي وجها لبعض الشافعية وأجيب بأنه لو كان واجبا لعلمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم السعاة . ولأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات والديون وغيرها لا يجب عليه فيه الدعاء فكذلك الزكاة وأما الآية فيحتمل أن يكون الوجوب خاصا به لكون صلاته صلى الله عليه وآله وسلم سكنا لهم بخلاف غيره
_________
( 1 ) هو بالموحدة المكسورة والمعجمة قال في التقريب الشامي من أهل قلمون بفتح القاف واللام ضعيف متروك من السابعة

باب من دفع صدقته إلى من ظن من أهلها فبان غنيا

1 - عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ( قال رجل لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يدج سارق فأصبحوا يتحدثون تصدق على سارق فقال اللهم لك الحمد على سارق لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على زانية فقال اللهم لك الحمد على زانية فقال لأتصدقن بصدقة قخرج بصدقة فوضعها في يد غني فأصبحوا يتحدثون تصدق على غني فقال اللهم لك الحمد على زانية وعلى سارق وعلى غني فأتى فقيل له أما صدقتك فقد قبلت أما الزانية فلعلها تستعف به من زناها ولعل السارق أن يستعف به عن سرقته ولعل الغني أن يعتبر فينفق مما آتاه الله عز و جل )
- متفق عليه

- قوله ( قال رجل ) وقع عند أحمد من طريق ابن لهيعة عن الأعرج في هذا الحديث أنه كان من بني إسرائيل : قوله ( لأتصدقن ) زاد في رواية متفق عليها الليلة وهذا اللفظ من باب الالتزام كالنذر مثلا والقسم فيه مقدر كأنه قال والله لأتصدقن قوله ( في يد سارق ) أي وهو لا يعلم أنه سارق وكذلك على الزانية زكذلك على الغني : قوله ( تصدق ) بضم أوله على البناء للمجهول . قوله ( لك الحمد ) أي لالى لأن صدقتي وقعت في يد من لا يستحقها فلك الحمد حيث كان بإرادتك لا بإرادتي قال الطيبي لما عزم أن يتصدق على مستحق فوضعها بيد سارق حمد الله على أنه لم يقدر له أن يتصدق على من هو أسوأ حالا أو أجرى الحمد مجرى التسبيح في استعماله عند مشاهدة ما يتعجب منه تعظيما لله تعالى فلما تعجبوا من فعله تعجب هو أيضا فقال اللهم لك الحمد على سارق أي تصدقت عليه فهو متعلق بمحذوف . قال الحافظ ولا يخفى بعد هذا الوجه . وأما الذي قبله فأبعد منه والذي يظهر الأول وأنه سلم وفوض ورضي بقضاء الله فحمد الله سبحانه على تلك الحال لأنه المحمود على جميع الأحوال لا يحمد على مكروه سواه . وقد ثبت ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رأى ما لا يعجبه قال الحمد لله على كل حال ) قوله ( فأتى فقيل له ) في رواية الطبراني فساءه ذلك فأتى في منامه . وكذلك أخرجه أبو نعيم والإسماعيلي وفيه تعيين أحد الاحتمالات التي ذكرها ابن التين وغيره . قال الكرماني قوله ( أتى ) أي أرى في المنام أو سمع هاتفا ملكا أو غيره أو أخبره نبي أو أفتاه عالم . وقال غيره أو أتاه ملك فكلمه فقد كان الملائئكة تكلم بعضهم في بعض الأمور وقد ظهر بما سلف أن الواقع هو الأول دون غيره . قوله ( أما صدقتك فقد قبلت ) في رواية للطبراني ( أن الله قد قبل صدقتك ) في الحديث دلالة على أن الصدقة كانت عندهم مختصة بأهل الحاجة من أهل الخير ولهذا تعجبوا : وفيه أن نية المتصدق إذا كانت صالحة قبلت صدقته ولو لم تقع الموقع . واختلف الفقهاء في الأجزاء إذا كان ذلك في زكاة الفرض ولا دلالة في الحديث على الأجزاء ولا المنع ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث بلفظ الاستفهام فقال باب إذا تصدق على غني وهو لا يعلم ولم يجزم بالحكم . قال في الصحيح فإن قيل إن الخبر إنما تضمن قصة خاصة وقع الإطلاع فيها على قبول الصدقة برؤيا صادقة اتفاقية فمن أين يقع تعميم الحكم فالجواب أن التنصيص في هذا الخبر على رجاء الاستعفاف هو الدال على تعدية الحكم فيقتضى ارتباط القبول بهذه الأسباب انتهى

باب براءة رب المال بالدفع إلى السلطان مع العدل والجور وأنه إذا ظلم بزيادة لم يحتسب به عن شيء

1 - عن أنس : ( أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله قال نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها إلى الله ورسوله فلك أجرها وإثمها على من بدلها )
- مختصر لأحمد . وقد احتج بعمومه من يرى المعجلة إلى الإمام إذا هلكت عنده من ضمان الفقراء دون الملاك

2 - وعن ابن مسعود : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها قالوا يا رسول الله فما تأمرنا قال تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم )
- متفق عليه

3 - وعن وائل بن حجر قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجل يسأله فقال أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقنا ويسألونا حقهم فقال اسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم )
- رواه مسلم والترمذي وصححه

- الحديث الأول أخرجه أيضا الحرث بن وهب وأورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه
( وفي الباب ) عن جابر بن عتيك مرفوعا عند أبي داود بلفظ : ( سيأتيكم مبغضون فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا بينهم وبين ما يبتغون فإن عدلوا فلأنفسهم وإن ظلموا فعليها وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم )
وعن سعد بن أبي وقاص عند الطبراني في الأوسط مرفوعا : ( ادفعوا إليهم ما صلوا الخمس )
وعن ابن عمر وسعد بن أبي وقاص وأبي هريرة وأبي سعيد عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة ( أن رجلا سألهم عن الدفع إلى السلطان فقالوا ادفعها إلى السلطان ) . وفي رواية ( أنه قال لهم هذا السلطان يفعل ما ترون فأدفع إليه زكاتي قالوا نعم ) . ورواه البيهقي عنهم وعن غيرهم أيضا وروى ابن أبي شيبة من طريق قزعة قال قلت لابن عمر أن لي مالا فإلى من أدفع زكاته قال ادفعها إلى هؤلاء القوم يعني الأمراء قلت إذا يتخذون بها ثيابا وطيبا قال وإن . وفي رواية أنه قال ادفعوا صدقة أموالكم إلى من ولاه الله أمركم فمن بر فلنفسه ومن أثم فعليها
( وفي الباب ) أيضا عند البيهقي عن أبي بكر الصديق والمغيرة بن شعبة وعائشة وأخرج البيهقي أيضا عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه قال : ( ادفعوها إليهم وإن شربوا الخمور ) وأخرج أيضا من حديث أبي هريرة ( إذا أتاك المصدق فأعطه صدقتك فإن اعتدى عليك فوله ظهرك ولا تلعنه وقل اللهم إني أحتسب عندك ما أخذ مني )
قوله ( أثرة ) بفتح الهمزة والثاء المثلثة هي اسم لاستئثار الرجل على أصحابه
( والأحاديث ) المذكورة في الباب استدل بها الجمهور على جواز دفع الزكاة إلى سلاطين الجور وإجزائها وحكى المهدي في البحر عن العترة وأحد قولي الشافعي أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الظلمة ولا يجزئ واستدلوا بقوله تعالى { لا ينال عهدي الظالمين } ويجاب بأن هذه الآية على تسليم صحة الاستدلال بها على محل النزاع عمومها مخصص بالأحاديث المذكورة في الباب
وقد زعم بعض المتأخرين أن الأدلة المذكورة تدل على مطلوب المجوزين لأنها في المصدق والنزاع في الوالي وهو غفلة عن حديث ابن مسعود وحديث وائل بن حجر المذكورين في الباب
وقد حكى في التقرير عن أحمد بن عيسى والباقر مثل قول الجمهور وكذلك عن المنصور وابن مضر
وقد استدل للمانعين أيضا بما رواه ابن أبي شيبة عن خيثمة قال ( سألت ابن عمر عن الزكاة فقال ادفعها إليهم ثم سألته بعد ذلك فقال لا تدفعها إليهم فإنهم قد أضاعوا الصلاة ) . وهذا مع كونه قول صحابي ولا حجة فيه ضعيف الإسناد لأنه من رواية جابر الجعفي
ومن جملة ما احتج به صاحب البحر للقائلين بالجواز بأنها لم تزل تؤخذ كذلك ولا تعاد وبأن عليا لم يثن على من أعطى الخوارج وأجاب عن الأول بأنه ليس بإجماع وعن الثاني بأن ذلك كان لعذرا ومصلحة إذ لا تصريح بالإجزاء ولا يخفى ضعف هذا الجواب والحق ما ذهب إليه الجمهور من الجواز والإجزاء

4 - وعن بشير بن الخصاصية قال : ( قلنا يا رسول الله إن قوما من أصحاب الصدقة يعتدون علينا أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا فقال لا )
- رواه أبو داود

- الحديث أخرجه أيضا عبد الرزاق وسكت عنه أبو داود والمنذري وفي إسناده ديسم السدوسي ذكره ابن حبان في الثقات . وقال في التقريب مقبول
( وفي الباب ) عن جرير بن عبد الله وأبي هريرة عند البيهقي
( والحديث ) استدل به على أنه لا يجوز كتم شيء عن المصدقين وإن ظلموا وتعدوا وقد عورض ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( من سئل فوق ذلك فلا يعطه ) كما تقدم في حديث أنس الطويل الذي رواه عن كتاب أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقدم الجمع بين هذا الحديث وبين ذلك هنالك : قال ابن رسلان لعل المراد بالمنع من الكتم أن ما أخذه الساعي ظلما يكون في ذمتع لرب المال فإن قدر المالك على استرجاعه منه استرجعه وإلا استقر في ذمته

باب أمر الساعي أن يعد الماشية حيث ترد الماء ولا يكلفهم حشدها إليه

1 - عن عبد الله بن عمرو : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم )
- رواه أحمد . وفي رواية لأحمد وأبي داود : ( لا جلب ولا جنب ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في ديارهم )

- الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص وفي إسناده محمد ابن إسحاق وقد عنعن
( وفي الباب ) عن عمران بن حصين عند أحمد وأبي داود والنسائي والترمذي وابن حبان وصححاه بمثل حديث الباب . وعن أنس عند أحمد والبزار وابن حبان وعبد الرزاق وأخرجه النسائي عنه من وجه آخر
قوله ( لا جلب ) بفتح الجيم واللام ولا جنب بفتح الجيم والنون قال ابن إسحاق معنى لا جلب أن تصدق الماشية في موضعها ولا تجلب إلى المصدق ومعنى لا جنب أن يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فيجنب إليه فنهوا عن ذلك وفسر مالك الجلب بأن تجلب الفرس في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق والجنب أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسا آخر حتى إذا دنا تحول الراكب عن الفرس المجنوب فسبق . قال ابن الأثير له تفسيران فذكرهما وتبعه المنذري في حاشيته
( والحديث ) يدل على أن المصدق هو الذي يأتي للصدقات ويأخذها على مياه أهلها لأن ذلك أسهل لهم

باب سمة الإمام المواشي إذا تنوعت عنده

1 - عن أنس قال : ( عدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعبد الله ابن أبي طلحة ليحنكه فواقيته في يده الميسم يسم إبل الصدقة )
- أخرجاه . ولأحمد وابن ماجه : ( دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يسم غنما في آذانها )

2 - وعن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال لعمر : ( إن في الظهر ناقة عمياء فقال أمن نعم الصدقة أو من نعم الجزية قال أسلم من نعم الجزية وقال إن عليها ميسم الجزية )
- رواه الشافعي

- قوله ( الميسم ) بكسر الميم وسكون الياء لتحتية وفتح السين المهملة وأصله موسم لأن فاءه واو لكنها لما سكنت وكسر ما قبلها قلبت ياء وهي الحديدة التي يوسم بها أي يعلم بها وهو نظير الخاتم
( وفيه دليل ) على جواز وسم إبل الصدقة ويلحق بها غيرها من الأنعام والحكمة في ذلك تمييزها وليردها من أخذها ومن التقطها وليعرفها صاحبها فلا يشتريها إذا تصدق بها مثلا لئلا يعود في صدقته قال في الفتح ولم أقف على تصريح بما كان مكتوبا على ميسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن ابن الصباغ من الشافعية نقل إجماع الصحابة على أنه يكتب في ميسم الزكاة زكاة أو صدقة وقد ذكره بعض الحنفية الوسم بالميسم لدخوله في عموم النهي عن المثلة وحديث الباب يخصص هذا العموم فهو حجة عليه
( وفي الحديث ) اعتناء الإمام بأموال الصدقة وتوليها بنفسه وجواز تأخير القسمة لأنها لو عجلت لاستغنى عن الوسم
قوله ( أن عليها ميسم الجزية ) الخ فيه دليل على أن وسم إبل الجزية كان يفعل في أيام الصحابة كما كان يوسم إبل الصدقة

أبواب الأصناف الثمانية

باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة والغني

1 - عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة واللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف اقرؤا إن شئتم لا يسألون الناس الحافا وفي لفظ ( ليس المسكين الذي يطوف على الناس ترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن به فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس )
- متفق عليهما

- قوله ( ولا اللقمة واللقمتان ) في رواية للبخاري الأكلة والأكلتان : قوله ( يغنيه ) هذه صفة زائدة على الغني المنهي ( 1 ) إذ لا يلزم من حصول اليسار للمرء أن يغني به بحيث لا يحتاج إلى شيء آخر وكان المعنى نفي اليسار المقيد بأنه يغنيه مع وجود أصل اليسار
( وفي الحديث ) دليل على أن المسكين هو الجامع بين عدم الغنى وعدم تفطن الناس له لما يظن به لأجل تعففه وتظهره بصورة الغني من عدم الحاجة ومع هذا فهو مستعفف عن السؤال
( وقد استدل ) به من يقول أن الفقير أسوأ حالا من المسكين وأن المسكين الذي له شيء لكنه لا يكفيه والفقير الذي لا شيء له ويؤيده قوله تعالى { أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر } فسماهم مساكين مع أن لهم سفينة يعملون فيها وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور كما قال في الفتح وذهب أبو حنيفة والعترة إلى أن المسكين دون الفقير واستدلوا بقوله تعالى { أو مسكينا ذا متربة } قالوا لأن المراد يلصق بالتراب للعرى . وقال ابن القاسم وأصحاب مالك أنهما سواء وروى عن أبي يوسف ورجحه الجلال قال لأن المسكنة لازمة للفقير إذ ليس معناها الذل والهوان فإنه ربما كان بغنى النفس أعز من الملوك الأكابر بل معناها العجز عن إدراك المطالب الدنيوية والعاجز ساكن عن الانتهاض إلى مطالبه انتهى
وقيل الفقير الذي يسأل والمسكين الذي لا يسأل حكاه ابن بطال . وظاهره أيضا أن المسكين من اتصف بالتعفف وعدم الإلحاف في السؤال لكن قال ابن بطال بمعناه المسكين الكامل وليس المراد نفي أصل المسكنة بل هو كقوله أتدرون من المفلس الحديث . وقوله تعالى { ليس البر } الآية وكذا قرره القرطبي وغير واحد
( ومن جملة ) حجج القول الأول قوله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم ( أحيني مسكينا ) مع تعوذه من الفقر والذي ينبغي أن يعول عليه أن يقال المسكين من اجتمعت له الأوصاف المذكورة في الحديث والفقير من كان ضد الغنى كما في الصحاح والقاموس وغيرهما من كتب اللغة وسيأتي تحقيق الغني فيقال لمن عدم الغني فقير ولمن عدمه مع التعفف عن السؤال وعدم تفطن الناس له مسكين . وقيل أن الفقير من يجد القوت والمسكين من لا شيء له . وقيل الفقير المحتاج والمسكين من أذله الفقر حكى هذين صاحب القاموس
_________
( 1 ) هكذا الأصل وصوابه أي الغني المغني

2 - وعن أنس : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال المسألة لا تحل إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع )
- رواه أحمد وأبو داود . وفيه تنبيه على أن الغارم لا يأخذ مع الغنى

3 - وعن عبد الله بن عمرو قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي )
- رواه الخمسة إلا ابن ماجه والنسائي لكنه لهما من حديث أبي هريرة ولأحمد حديثان

4 - وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار : ( أن رجلين أخبراه أنهما أتيا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألانه من الصدقة فقلب فيهما البصر ورآهما جلدين فقال إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب )
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي وقال أحمد هذا أجودها إسنادا

- حديث أنس أخرجه أيضا ابن ماجه والترمذي وحسنه وقال لا نعرفه إلا من حديث الأخضر بن عجلان انتهى . والأخضر بن عجلان قال يحيى بن معين صالح وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه . وحدث عبد الله بن عمرو حسنه الترمذي وذكر أن شعبة لم يرفعه وفي إسناده ريحان بن يزيد وثقه يحيى بن معين وقال أبو حاتم الرازي شيخ مجهول وقال بعضهم لم يصح إسناد هذا الحديث وإنما هو موقوف على عبد الله بن عمرو
قال أبو داود الأحاديث الأخر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعضها لذي مرة سوى وبعضها لذي مرة قوي . وحديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أخرجه أيضا الدارقطني وروى عن أحمد أنه قال ما أجوده من حديث وحديث أبي هريرة الذي أشار إليه المصنف أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم
( وفي الباب ) عن طلحة عند الدارقطني وعن ابن عمر عند ابن عدي وعن حبشي ابن جنادة عند الترمذي . وعن جابر عند الدارقطني . وعن أبي زميل عن رجل من بني هلال عند أحمد . وعن عبد الرحمن بن أبي بكر عند الطبراني
قوله ( مدقع ) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف وهو الفقر الشديد الملصق صاحبه بالدقعاء وهي الأرض التي لا نبات بها : قوله ( أو لذي غرم مفظع ) الغرم بضم الغين المعجمة وسكون الراء هو ما يلزم أداؤه تكلفا لا في مقابلة عوض والمفظع بضم الميم وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة وبالعين المهملة وهو الشديد الشنيع الذي جاوز الحد : قوله ( أو لذي دم موجع ) هو الذي يتحمل دية عن قريبه أو حميمه أو نسيبه القاتل يدفعها إلى أولياء المقتول وإن لم يدفعها قتل قريبه أو حميمه الذي يتوجع لقتله وإراقة دمه
( والحديث ) يدل على جواز المسألة لهؤلاء الثلاثة . قوله ( لا تحل الصدقة لغني ) قد اختلفت المذاهب في المقدار الذي يصير به الرجل غنيا فذهبت الهادوية والحنفية إلى أن الغني من ملك النصاب فيحرم عليه أخذ الزكاة واحتجوا بما تقدم في حديث معاذ من قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ) قالوا فوصف من تؤخذ منه الزكاة بالغني وقد قال لا تحل الصدقة لغني وقال بعضهم هو من وجد ما يغديه ويعشيه حكاه الخطابي واستدل بما أخرجه أبو داود وابن حبان وصححه عن سهل بن الحنظلية قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار قالوا يا رسول الله وما يغنيه قال قدر ما يغديه ويعشيه )
وسيأتي وقال الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وجماعة من أهل العلم هو من كان عنده خمسون درهما أو قيمتها واستدلوا بحديث ابن مسعود عند الترمذي وغيره مرفوعا : ( من يسأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش قيل يا رسول الله وما يغنيه قال خمسون درهما أو حسابها من الذهب ) . وسيأتي وقال الشافعي وجماعة إذا كان عنده خمسون درهما أو أكثر وهو محتاج فله أن يأخذ من الزكاة
وروى عن الشافعي أن الرجل قد يكون غنيا بالدرهم مع الكسب ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة عياله . وقال أبو عبيد ابن سلام هو من وجد أربعين درهما واستدل بحديث أبي سعيد الآتي بلفظ ( وله قيمة أوقية ) لأن الأربعين الدرهم قيمة الأوقية وقيل هو من لا يكفيه غلة أرضه للسنة حكاه في البحر عن أبي طالب والمرتضى :
قوله ( ولا لذي مرة سوي ) المرة بكسر الميم وتشديد الراء قال الجوهري المرة القوة وشدة العقل ورجل مرير أي قوي ذو مرة . وقال غيره المرة القوي على الكسب والعمل وإطلاق المرة هنا وهي القوة مقيد بالحديث الذي بعده أعني قوله ( ولا لقوي مكسب ) فيؤخذ من الحديثين أن مجرد القوة لا يقتضي عدم الاستحقاق إلا إذا قرن بها الكسب : وقوله ( سوي ) أي مستوي الخلق قاله الجوهري والمراد استواء الأعضاء وسلامتها . قوله ( جلدين ) بإسكان اللام أي قويين شديدين . قال الجوهري الجلد بفتح اللام هو الصلابة والجلادة تقول منه جلد الرجل بالضم فهو جلد يعني بإسكان اللام وجليد بين الجلد والجلادة . قوله ( مكتسب ) أي يكتسب قدر كفايته وفيه دليل على أنه يستحب للإمام أو المالك الوعظ والتحذير وتعريف الناس بأن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي قوة على الكسب كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويكون ذلك برفق

5 - وعن الحسن بن علي قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للسائل حق وإن جاء على فرس )
- رواه أحمد وأبو داود وهو حجة في قبول قول السائل من غير تحليف وإحسان الظن به

6 - وعن أبي سعيد قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف )
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي

7 - وعن سهل بن الحنظلية : ( عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من سأل وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من جمر جهنم قالوا يا رسول الله وما يغنيه قال ما يغديه أو يعشيه )
- رواه أحمد واحتج به وأبو داود وقال ( يغديه ويعشيه )

8 - وعن حكيم بن جبير عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من سأل وله ما يغنيه جاءت يوم القيامة خذوشا أو كدوشا في وجهه قالوا يا رسول الله وما غناه قال خمسون درهما أو حسابها من الذهب )
- رواه الخمسة وزاد أبو داود وابن ماجه والترمذي . فقال رجل لسفيان أن شعبة لا يحدث عن حكيم بن جبير فقال سفيان حدثناه زبيد بن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد

- أما حديث الحسن بن علي فالذي وقفنا عليه في النسخ الصحيحة من هذا الكتاب أن الراوي للحديث الحسن بن علي وفي سنن أبي داود وغيرها أن الراوي للحديث الحسين بن علي . وهذا الحديث في إسناده يعلى ابن أبي يحيى سئل عنه أبو حاتم الرازي فقال مجهول
وقال أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن قد روى من وجوه صحاح حضور الحسين بن علي عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولعبه بين يديه وتقبيله إياه فأما الرواية التي يرويها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكلها مراسيل
وقال أبو القاسم البغوي في معجمه نحوا من ذلك . وقال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورآه ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن بن علي إلا ظهر واحد . وحديث أبي سعيد سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات وعبد الرحمن بن محمد أبي الرجال المذكور في إسناده قد وثقه أحمد والدارقطني وابن معين وذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ . وحديث سهل أخرجه ابن حبان وصححه . وحديث ابن مسعود حسنه الترمذي وقال وقد تكلم شعبة في حكيم ابن جبير من أجل هذا الحديث
قوله ( وإن جاء على فرس ) فيه الأمر بحسن الظن بالمسلم الذي امتهن نفسه بذل السؤال فلا يقابله بسوء الظن به واحتقاره بل يكرمه بإظهار السرور له ويقدر أن الفرس التي تحته عارية أو أنه ممن يجوز له أخذ الزكاة مع الغني كمن تحمل حمالة أو غرم غرما لإصلاح ذات البين :
قوله ( وله قيمة أوقية ) قال أبو داود زاد هشام في روايته وكانت الأوقية على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أربعين درهما : قوله ( فقد ألحف ) قال الواحدي الإلحاف في اللغة هو الإلحاح في المسألة . قال أبو الأسود الدؤلي ليس للسائل الملحف مثل الرد . قال الزجاج معنى ألحف شمل بالمسألة والإلحاف في المسألة هو أن يشتمل على وجوه الطلب بالمسألة كاشتمال اللحاف في التغطية . وقال غيره معنى الإلحاف في المسألة مأخوذ من قولهم الحف الرجل إذا مشى في لحف الجبل وهو أصله كأنه استعمل الخشونة في الطلب . قوله ( فإنما يستكثر ) أي يطلب الكثرة : قوله ( ما يغديه ) بفتح الغين المعجمة وتشديد الدال المهملة أي من الطعام بحيث يشبعه . قوله ( ويعشيه ) بفتح العين أيضا . فعلى رواية التخيير يكون المعنى أن الإنسان إذا حصل له أكلة في النهار غداء أو عشاء كفته واستغنى بها . وعلى رواية الجمع يكون المعنى أنه إذا حصل له في يومه أكلتان كفتاه : قوله ( خدوشا ) بضم الخاء المعجمة جمع خدش وهو خمش الوجه بظفر أو حديدة أو نحوهما قوله ( أو كدوشا ) بضم الكاف والدال المهملة وبعد الواو شين معجمة جمع كدش وهو الخدش : قوله ( أو حسابها من الذهب ) هذه رواية أحمد ورواية أبي داود ( أو قيمتها من الذهب )
( وهذه الأحاديث ) الثلاثة قد استدل بكل واحد منها طائفة من المختلفين في حد الغنى وقد تقدم بيان ذلك ويجمع بينها بأن القدر الذي يحرم السؤال عنده هو أكثرها وهي الخمسون عملا بالزيادة

9 - وعن سمرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو في أمر لابد منه )
- رواه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه

10 - وعن أبي هريرة قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق منه ويستغني به عن الناس خير له من أن يسأل رجلا أعطاه أو منعه )
- متفق عليه . وعن أيضا : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ليستكثر ) . رواه أحمد ومسلم وابن ماجه

- قوله ( كد ) هذا لفظ الترمذي وابن حبان في صحيحه ولفظ أبي داود ( كدوح ) وهي آثار الخموش . قوله ( إلا أن يسأل الرجل سلطانا ) فيه دليل على جواز سؤال السلطان من الزكاة أو الخمس أو بيت المال أو نحو ذلك فيخص به عموم أدلة تحريم السؤال . قوله ( أو في أمر لابد منه ) فيه دليل على جواز المسألة عند الضرورة والحاجة التي لابد عندها من السؤال نسأل الله السلامة . قوله وعن أبي هريرة الخ فيه الحث على التعفف عن المسألة والتنزه عنها ولو امتهن المرء نفسه في طلب الرزق وارتكب المشقة في ذلك ولولا قبح المسألة في نظر الشرع لم يفضل ذلك عليها وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال ومن ذل الرد إذا لم يعط ولما يدخل على المسؤل من الضيق في ماله إن أعطى كل سائل . وأما قوله خير له فليست بمعنى أفعل التفضيل إذ لا خير في السؤال مع القدرة على الاكتساب والأصح عند الشافعية أن سؤال من هذا حاله حرام ويحتمل أن يكون المراد بالخير فيه بحسب اعتقاد السائل وتسمية الذي يعطاه خيرا وهو في الحقيقة شر : قوله ( تكثرا ) فيه دليل على أن سؤال التكثر محرم وهو السؤال لقصد الجمع من غير حاجة : قوله ( فإنما يسأل جمرا ) الخ قال القاضي عياض معناه أنه يعاقب بالنار قال ويحتمل أن يكون على ظاهره وأن الذي يأخذخ يصير جمرا يكوى به كما ثبت في مانع الزكاة

11 - وعن خالد بن عدي الجهني قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من بلغه معروف عن أخيه عن غير مسألة ولا إشراف نفس فليقبله ولا يرده فإنما هو رزق ساقه الله إليه )
- رواه أحمد

12 - وعن ابن عمر قال : ( سمعت عمر يقول كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعطيني العطاء فأقول أعطه من هو أفقر إليه مني فقال خذخ إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه وما لا فلا تتبعه نفسك )
- متفق عليه

- حديث خالد بن عدي أخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني في الكبير قال في مجمع الزوائد ورجال أحمد رجال الصحيح :
قوله ( ولا إشراف نفس ) الإشراف بالمعجمة التعرض للشيء والحرص عليه من قولهم أشرف على كذا إذا تطاول وقيل للمكان المرتفع مشرف لذلك . قال أبو داود سألت أحمد عن إشراف النفس فقال بالقلب وقال يعقوب بن محمد سألت أحمد عنه فقال هو أن يقول مع نفسه يبعث إلى فلان بكذا . وقال الأثرم يضيق عليه أن يرده إذا كان كذلك : قوله ( يعطيني ) سيأتي ما يدل على أن عطية النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعمر بسبب العمالة كما في حديث ابن السعدي ولهذا قال الطحاوي ليس معنى هذا الحديث في الصدقات وإنما هو في الأموال وليست هي من جهة الفقر ولكن شيء من الحقوق فلما قال عمر أعطه من هو أفقر إليه مني لم يرض بذلك لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر قال ويؤيده قوله في رواية شعيب ( خذه فتموله ) فدل على أنه ليس من الصدقات
( واختلف العلماء ) فيمن جاءه مال هل يجب قبوله أم يندب على ثلاثة مذاهب حكاه أبو جعفر محمد بن جرير الطبري بعد إجماعهم على أنه مندوب . قال النووي الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أنه مستحب في غير عطية السلطان وأما عطية السلطان يعني الجائر فحرمها قوم وأباحها آخرون وكرهها قوم والصحيح أنه إن غلب الحرام فيما في يد السلطان حرمت وكذا إن أعطى من لا يستحق وإن لم يغلب الحرام فمباح إن لم يكن في القابض مانع يمنعه من استحقاق الأخذ
وقالت طائفة الأخذ واجب من السلطان وغيره وقال آخرون هو مندوب في عطية السلطان دون غيره . وحديث خالد بن عدي يرده . قال الحافظ ويؤيده حديث سمرة في السنن إلا أن يسأل ذا سلطان قال والتحقيق في المسألة أن من علم كون ماله حلالا فلا ترد عطيته ومن علم كون ماله حراما فتحرم عطيته ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع ومن أباحه أخذ بالأصل انتهى
قال ابن المنذر واحتج من رخص بأن الله تعالى قال في اليهود { سماعون للكذب أكلون للسحت } وقد رهن الشارع صلى الله عليه وآله وسلم درعه عند يهودي مع علمه بذلك . وكذا أخذ الجزية منهم مع العلم بأن أكثر أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الفاسدة . قال الحافظ وفي حديث الباب إن للإمام أن يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجها وإن كان غيره أحرج إليه منه وأن رد عطية الإمام ليس من الأدب ولاسيما من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى { وما آتاكم الرسول فخذوه }
قوله ( من هو أفقر إليه مني ) ظاهره أن عمر لم يكن غنيا لأن صيغة أفعل تدل على الاشتراك في الأصل وهو الافتقار إلى المال ولكن ظاهر أمره صلى الله عليه وآله وسلم له بالأخذ إذا لم يكن مستشرفا ولا سائلا أنه لا فرق بين كونه غنيا أو فقيرا وهكذا في قبول المال من غير سلطان لا فرق فيه بين الغني والفقير على ظاهر حديث خالد بن عدي وسيكرر المصنف حديث خالد بن عدي هذا في كتاب الهبة ونذكر بقية الكلام عليه هنالك إن شاء الله تعالى

باب العاملين عليها

1 - عن بسر بن سعيد : ( أن ابن السعدي المالكي قال استعملني عمر على الصدقة فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة فقلت إنما عملت لله فقال خذ ما أعطيت فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعملني فقلت مثل قولك فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق )
- متفق عليه

- قوله ( أن ابن السعدي ) هو أبو محمد عبد الله بن وقدان بن عبد الله بن عبد شمس ابن عبدود بن نضر بن مالك بن حنبل بن عامر بن لؤي بن غالب . وإنما قيل له السعدي لأن أباه استرضع في بني سعد بن بكر بن هوازن وقد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قديما وقال وفدت في نفر من بني سعد بن بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والمالكي نسبة إلى مالك بن حنبل :
قوله ( بعمالة ) قال الجوهري العمالة بالضم رزق العامل على عمله : قوله ( فعملني ) بتشديد الميم أي أعطاني أجرة عمل وجعل لي عمالة : قوله ( من غير أن تسأل ) فيه دليل على أنه لا يحل أكل ما حصل من المال عن مسألة
( وفي الحديث ) دليل على أن عمل الساعي سبب لاستحقاقه الأجرة كما أن وصف الفقر والمسكنة هو السبب في ذلك وإذا كان العمل هو السبب اقتضى قياس قواعد الشرع أن المأخوذ في مقابلته أجرة ولهذا قال أصحاب الشافعي تبعا له إنه يستحق أجرة المثل
( وفيه ) أيضا دليل على أن من نوى التبرع يجوز له أخذ الأجرة بعد ذلك ولهذا قال المصنف رحمه الله وفيه دليل على أن نصيب العامل يطيب له وإن نوى التبرع أو لم يكن مشروطا انتهى

2 - وعن المطلب بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب : ( أنه والفضل بن عباس انطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ثم تكلم أحدنا فقال يا رسول الله جئناك لتؤمرنا على هذه الصدقات فنصيب ما يصيب الناس من المنفعة ونؤدي إليك ما يؤدي الناس فقال إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد إنما هي أوساخ الناس )
- مختصر لأحمد ومسلم . وفي لفظ لهما ( لا تحل لمحمد ولا لآل محمد )

- قوله ( أوساخ الناس ) هذا بيان لعلة التحريم والإرشاد إلى تنزه الآل عن أكل الأوساخ وإنما سميت أوساخا لأنها تطهرة لأموال الناس ونفوسهم كما قال تعالى { تطهرهم وتزكيهم بها } فذلك من التشبية وفيه إشارة إلى أن المحرم على الآل إنما هو الصدقة الواجبة التي يحصل بها تطهير المال . وأما صدقة التطوع فنقل الخطابي وغيره الإجماع على أنها محرمة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وللشافعي قول أنها تحل وتحل للآل على قول الأكثر وللشافعي قول بالتحريم وسيأتي الكلام في تحريم الصدقة الواجبة على بني هاشم . وظاهر هذا الحديث أنها لا تحل لهم ولو كان أخذهم لها من باب العمالة وإليه ذهب الجمهور . وقال أبو حنيفة والناصر العمالة معاوضة بمنفعة والمنافع مال فهي كما لو اشتراها بماله وهذا قياس فاسد الاعتبار لمصادمته للنص . قال النووس وهذا ضعيف أو باطل وهذا الحديث صريح في رده
قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق هذا الحديث ما لفظه وهو يمنع جعل العامل من ذوي القربى انتهى . وتعقب بأن الحديث إنما يمنع دخول ذوي القربى في سهم العامل ولا يمنع من جعلهم عمالا عليها ويعطون ن غيرها فإنه جائز بالإجماع وقد استعمل علي عليه السلام بني العباس رضي الله عنه

3 - وعن أبي موسى قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أمر به كاملا موفرا طيبة به نفسه حتى يدفعه إلى الذي أمر له به أحد المتصدقين )
- متفق عليه

- قوله ( طيبة به نفسه ) هذه الأوصاف لابد من اعتبارها في تحصيل أجر الصدقة للخازن فإنه إذا لم يكن مسلما لم تصح منه نية التقرب وإن لم يكن أمينا كان عليه وزر الخيانة فكيف يحصل له أجر الصدقة وإن لم تكن نفسه بذلك طيبة لك يكن له نية فلا يؤجر
قوله ( أحد المتصدقين ) قال القرطبي لم نروه إلا بالتثنية ومعناه أن الخازن بما فعل متصدق وصاحب المال متصدق آخر فهما متصدقان قال ويصح أن يقال على الجمع فتكسر القاف ويكون معناه أنه متصدق من جملة المتصدقين
( والحديث ) يدل على أن المشاركة في الطاعة توجب المشاركة في الأجر ومعنى المشاركة أن له أجرا كما أن لصاحبه أجرا وليس معناه أنه يزاحمه في أجره بل المراد المشاركة في الطاعة في أصل الثواب فيكون لهذا ثواب ولهذا ثواب وإن كان أحدهما أكثر ولا يلزم أن يكون مقدار ثوابهما سوء بل قد يكون ثواب هذا أكثر وقد يكون عكسه فإذا أعطى المالك خازنه مائة درهم أو نحوها ليوصلها إلى مستحق للصدقة على باب داره فأجر المالك أكثر وإن أعطاه رمانة أو رغيفا أو نحوهما حيث ليس له كثير قيمة ليذهب به إلى محتاج في مسافة بعيدة بحيث يقابل ذهاب الماشي إليه أكثر من الرمانة ونحوها فأجر الخازن أكثر . وقد يكون الذهاب مقدار الرمانة فيكون الأجر سواء . قال ابن رسلان ويدخل في الخازن من يتخذه الرجل على عياله من وكيل وعبد وامرأة وغلام ومن يقوم على طعام الضيفان

4 - وعن بريدة : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد فهو غلول )
- رواه أبو داود

- الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجال إسناده ثقات وفيه دليل على أنه لا يحل للعامل زيادة على ما فرض له من استعمله وإن ما أخذه بعد ذلك فهو من الغلول وذلك بناء على أنها إجارة ولكنها فاسدة يلزم فيها أجرة المثل ولهذا ذهب البعض إلى أن الأجرة المفروضة من المستعمل للعامل تؤخذ على حسب العمل فلا يأخذ زيادة على ما يستحقه وقيل يأخذ ويكون من باب الصرف
( وفي الحديث ) أيضا دليل على أنه يجوز للعامل أن يأخذ حقه من تحت يده ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى وفيه تنبيه على جواز أن يأخذ العامل حقه من تحت يده فيقبض من نفسه لنفسه انتهى

باب المؤلفة قلوبهم

1 - عن أنس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يسئل شيئا على الإسلام إلا أعطاه قال فأتاه رجل فسأله فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة قال فرجع إلى قومه فقال يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة )
- رواه أحمد بإسناد صحيح

2 - وعن عمرو بن تغلب : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتي بمال أو سبي فقسمه فأعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل والذي أدع أحب إلي من الذي أعطي ولكني أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع وأكل أقواما إلى ما جعل في قلوبهم من الغنى والخير منهم عمرو بن تغلب فوالله ما أحب أن لي بكلمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمر النعم )
- رواه أحمد والبخاري

- الحديثان يدلان على جواز التأليف لمن لم يرسخ إيمانه من مال الله عز و جل وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة منها إعطاؤه صلى الله عليه وآله وسلم أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس وعباس بن مرداس كل إنسان منهم مائة من الإبل
وروى أيضا أنه أعطى علقمة بن علاثة مائة ثم قال للأنصار لما عتبوا عليه لا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل وتذهبون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى رحاكم ثم قال لما بلغه أنهم قالوا يعطي صناديد نجد ويدعنا ( إنما فعلت ذلك لأتألفهم ) كما في صحيح مسلم . وقد ذهب إلى جواز التأليف العترة والجبائي والبلخي وابن مبشر . وقال الشافعي لا نتألف كافرا فأما الفاسق فيعطى من سهم التأليف . وقال أبو حنيفة وأصحابه قد سقط بانتشار الإسلام وغلبته واستدلوا على ذلك بامتناع أبي بكر من إعطاء أبي سفيان وعيينة والأقرع وعباس ابن مرداس والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والقلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة وقد عد ابن الجوزي أسماء المؤلفة قلوبهم في جزء مفرد فبلغوا نحو الخمسين نفسا

باب قول الله تعالى وفي الرقاب

1 - وهو يشمل بعمومه المكاتب وغيره . وقال ابن عباس ( لا بأس أن نعتق من زكاة ماله )
- ذكره عنه أحمد والبخاري

2 - وعن البراء بن عازب قال : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال دلني على عمل يقربني إلى الجنة ويبعدني من النار فقال أعتق النسمة وفك الرقبة قال يا رسول الله أوليسا واحدا قال لا عتق النسمة أن تفرد بعتقها وفك الرقبة أن تعين في ثمنها )
- رواه أحمد والدارقطني

3 - وعن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ثلاثة كلهم حق على الله عونه الغازي في سبيل الله والمكاتب الذي يريد الأداء والناكح المتعفف )
- رواه الخمسة إلا أبا داود

- حديث البراء بن عازب قال في مجمع الزوائد رجاله ثقات وحديث أبي هريرة قال الترمذي حسن صحيح :
قوله ( المكاتب وغيره ) قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى { وفي الرقاب } فروى عن علي بن أبي طالب وسعيد بن جبير والليث والثوري والعترة والحنفية والشافعية وأكثر أهل العلم أن المراد به المكاتبون يعانون من الزكاة على الكتابة . وروى عن ابن عباس والحسن البصري ومالك وأحمد بن حنبل وأبي ثور وأبي عبيد وإليه مال البخاري وابن المنذر أن المراد بذلك أنها تشتري رقاب لتعتق واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين لأنه غارم وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعانة المكاتب لأنه قد يعان ولا يعتق لأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم ولأن الشراء يتيسر في كل وقت بخلاف الكتابة
وقال الزهري إنه يجمع بين الأمرين وإليه أشار المصنف وهو الظاهر لأن الآية تحتمل الأمرين وحديث البراء المذكور فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها وعلى أن العتق وإعانة المكاتبين على مال الكتابة من الأعمال المقربة من الجنة والمبعدة من النار
قوله ( حق على الله ) فيه دليل على أن الله يتولى إعانة هؤلاء الثلاثة ويتفضل عليهم بأن لا يحوجهم لكن بشرط أن يكون الغازي غازيا في سبيل الله والمكاتب مريدا للأداء والناكح متعففا :
وقد اختلف في المكاتب إذا كان فاسقا هل يعان على الكتابة أم لا فذهبت الهادوية إلى أنه لا يعان قالوا لأنه لا قربة في إعانته . وقال الشافعي والإمام يحيى والمؤيد بالله أنه يعان وهو الظاهر

باب الغارمين

1 - عن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إن المسألة لا تحل إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع )
- رواه أحمد وأبو داود

2 - وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال : ( تحملت حمالة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسأله فيها فقال أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ثم قال يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حماله فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش أو قال سدادا من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة فسحت يأكلها صاحبها سحتا )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود

- حديث أنس قد تقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين والمسألة وتقدم الكلام عليه هنالك : قوله ( حمالة ) بفتح الحاء المهملة وهو ما يتحمله الإنسان ويلتزمه في ذمته بالاستدانة ليدفعه في إصلاح ذات البين وإنما تحل له المسألة بسببه ويعطى من الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية وإلى هذا ذهب الحسن البصري والباقر والهادي وأبو العباس وأبو طالب . وروى عن الفقهاء الأربعة والمؤيد بالله أنه يعان لأن الآية لم تفصل وشرط بعضهم أن الحمالة لابد أن تكون لتسكين فتنة وقد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة اقتضت غرامة في دية أو غيرها قام أحدهم فتبرع بالتزام ذلك والقيام به حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة ولا شك أن هذا من مكارم الأخلاق وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته وأعطوه ما تبرأ به ذمته وإذا سأل لذلك لم يعد نقصا في قدره بل فخرا : قوله ( فنأمر لك ) بنصب الراء . قوله ( رجل ) يجوز فيه الجر على البدل والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف : قوله ( جائحة ) هي ما اجتاح المال وأتلفغه إتلافا ظاهرا كالسيل والحريق . قوله ( قواما ) بكسر القاف وهو ما تقوم به حاجته ويستغني به وهو بفتح القاف الاعتدال : قوله ( سدادا ) هو بكسر السين ما تسد به الحاجة والخلل . وأما السداد بالفتح فقال الأزهري هو الإصابة في النطق والتدبير والرأي ومنه سداد من عوز : قوله ( من ذوي الحجا ) بكسر الحاء المهملة مقصور العقل وإنما جعل العقل معتبرا لأن من لا عقل له لا تحصل الثقة بقوله وإنما قال من قومه لأنهم أخبر بحاله وأعلم بباطن أمره والمال مما يخفي في العادة ولا يعلمه إلا من كان خبيرا بحاله وظاهره اعتبار شهادة ثلاثة على الإعسار وقد ذهب إلى ذلك ابن خزيمة وبعض أصحاب الشافعي . وقال الجمهور تقبل شهادة عدلين كسائر الشهادات غير الزنا وحملوا الحديث على الاستحباب : قوله ( فاقة ) قال الجوهري الفاقة الفقر والحاجة : قوله ( فست ) بضم السين وسكون الحاء المهملتين وروى بضم الحاء وهو الحرام وسمي سحتا لأنه يسحت أي يمحق
وهذا الحديث مخصص بما في حديث سمرة من جواز سؤال الرجل للسلطان وفي الأمر الذي لابد منه فيزاد أن على هذه الثلاثة ويكون الجميع خمسة

باب الصرف في سبيل الله وابن السبيل

1 - وعن أبي سعيد قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله أو ابن السبيل أو جار فقير يتصدق عليه فيهدي لك أو يدعوك )
- رواه أبو داود . وفي لفظ : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة لعامل عليها أو رجل اشتراها بماله أو غارم أو غاز في سبيل الله أو مسكين تصدق عليه بها فأهدى منها الغني ) . رواه أبو داود وابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا أحمد ومالك في الموطأ والبزار وعبد بن حميد وأبو يعلى والبيهقي والحاكم وصححه وقد أعل بالإرسال لأنه رواه بعضهم عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكنه رواه الأكثر عنه عن أبي سعيد والرفع زيادة يتعين الأخذ بها :
قوله ( لغني ) قد قدمنا الكلام عليه في باب ما جاء في الفقير والمسكين : قوله ( إلا في سبيل الله ) أي للغازي في سبيل الله كما في الرواية الآخرة قوله ( أو ابن السبيل ) قال المفسرون هو المسافر المنقطع يأخذ من الصدقة وإن كان غنيا في بلده وقال مجاهد هو الذي قطع عليه الطريق وقال الشافعي ابن السبيل المستحق للصدقة هو الذي يريد السفر في غير معصية فيعجز عن بلوغ مقصده إلا بمعونة : قوله ( لعامل عليها ) قال ابن عباس ويدخل في العامل الساعي والكاتب والقاسم والحاشر الذي يجمع الأموال وحافظ المال والعريف وهو كالنقيب للقبيلة وكلهم عمال لكن أشهرهم الساعي والباقي أعوان له أو ظاهر هذا أنه يجوز الصرف من الزكاة إلى العامل عليها سواء كان هاشميا ولكن هذا مخصص بحديث المطلب بن ربيعة المتقدم أو غير هاشمي فإنه يدل على تحريم الصدقة على العامل الهاشمي ويؤيده حديث أبي رافع الآتي في باب تحريم الصدقة على بني هاشم فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يجوز له أن يصحب من بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الصدقة لكونه من موالي بني هاشم
قوله ( أو رجل اشتراها بماله ) فيه أنه يجوز لغير دافع الزكاة شراؤها ويجوز لآخذها بيعها ولا كراهة في ذلك ( وفيه دليل ) على أن الزكاة والصدقة إذا ملكها الآخذ تغيرت صفتها وزال عنها اسم الزكاة وتغيرت الأحكام المتعلقة بها . قوله ( أو غارم ) وهو من غرم لا لنفسه بل لغيره كإصلاح ذات البين بأن يخاف وقوع فتنة بين شخصين أو قبيلتين فيستدين من يطلب صلاح الحال بينهما مالا لتسكين الثائرة فيجوز له أن يقضي ذلك من الزكاة وإن كان غنيا . قال المصنف رحمه الله تعالى ويحمل هذا الغارم على من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين كما في حديث قبيصة لا لمصلحة نفسه لقوله في حديث أنس ( أو ذي غرم مفظع ) انتهى
قوله ( فأهدي منها لغني ) فيه جواز إهداء الفقير الذي صرفت إليه الزكاة بعضا منها إلى الأغنياء لأن صفة الزكاة قد زالت عنها وفيه أيضا دليل على جواز قبول هدية الفقير للغني
( وفي هذا الحديث ) دليل على أنها لا تحل الصدقة لغير هؤلاء الخمسة من الأغنياء وما ورد بدليل خاص كان مخصصا لهذا العموم كحديث عمر المتقدم في باب ما جاء في الفقير والمسكين

2 - وعن ابن لاس الخزاعي قال : ( حملنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إبل من الصدقة إلى الحج )
- رواه أحمد وذكره البخاري تعليقا

3 - وعن أم معقل الأسدية : ( أن زوجها جعل بكرا في سبيل الله وأنها أرادت العمرة فسألت زوجها البكر فأبى فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له فأمره أن يعطيها وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحج والعمرة في سبيل الله )
- رواه أحمد

4 - وعن يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت : ( لما حج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل في سبيل الله وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما فرغ من حجته جئته فقال يا أم معقل ما منعك أن تخرجي قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذي نحج عليه فأوصى به أبو معقل في سبيل الله قال فهلا خرجت عليه فإن الحج في سبيل الله )
- رواه أبو داود

- حديث ابن لاس سيأتي الكلام عليه وحديث أم معقل أخرجه بنحو الرواية الأولى أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وفي إسناده رجل مجهول وفي إسناده أيضا إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي الكوفي وقد تكلم فيه غير واحد وقد اختلف على أبي بكر بن عبد الرحمن فيه فروى عنه عن رسول مروان الذي أرسله إلى أم معقل عنها
وروى عنه عن أم معقل بغير واسطة وروى عنه عن أبي معقل
والرواية الثانية التي أخرجها أبو داود في إسنادها محمد بن إسحاق وفيه مقال معروف
قوله ( ابن لاس ) هكذا في نسخ الكتاب الصحيحة بلفظ ابن والذي في البخاري أبي لاس وكذا في التقريب من ترجمة عبد الله ابن عنمة ولاس بسين مهملة خزاعي اختلف في اسمه فقيل زياد وقيل عبد الله بن عنمة بمهملة ونون مفتوحتين وقيل غير ذلك له صحبة وحديثان هذا أحدهما وقد وصله مع أحمد ابن خزيمة والحاكم وغيرهما من طريقه . قال الحافظ ورجاله ثقات إلا أن فيه عنعنة ابن إسحاق لهذا توقف ابن المنذر في ثبوته
( وأحاديث الباب ) تدل على أن الحج والعمرة في سبيل الله وأن من جعل شيئا من ماله جاز له صرفه في تجهيز الحجاج والمعتمرين وإذا كان شيئا مركوبا جاز حمل الحاج والمعتمر عليه وتدل أيضا على أنه يجوز صرف شيء من سهم سبيل الله من الزكاة إلى قاصدين الحج والعمرة

باب ما يذكر من استيعاب الأصناف

1 - عن زياد بن الحرث الصدائي قال : ( أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبايعته فأتى رجل فقال أعطني من الصدقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك )
- رواه أبو داود . ويروى : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لسلمة بن صخر اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدفعها إليك )

- حديث زياد بن الحرث الصدائي في إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي وقد تكلم فيه غير واحد . وحديث سلمة بن صخر له طرق وروايات يأتي ذكر بعضها في الصيام وهذه إحداها
وقد أخرجها بهذا اللفظ أحمد في مسنده بإسناد فيه محمد بن إسحاق ولم يصرح بالتحديث ومع هذا فهذه الرواية تعارض ما سيأتي من الروايات الصحيحة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعانه بعرق من تمر ) . من طريق جماعة من الصحابة وإنما أورد المصنف هذه الرواية ههنا للاستدلال بها على أن الصرف فيمن لزمته كفارة من الزكاة جائز :
قوله ( فجزأها ) بتشديد الزاي وهذا الحديث مع الآية يرد على المزني وأبي حفص بن الوكيل من أصحاب الشافعي حيث قالا أنه لا يصرف خمس الزكاة إلى من يصرف إليه خمس الفيء والغنيمة ويرد أيضا على أبي حنيفة والثوري والحسن البصري حيث قالوا يجوز صرفها إلى بعض الأصناف الثمانية حتى قال أبو حنيفة يجوز صرفها إلى الواحد على مالك حيث قال يدفعها إلى أكثرهم حاجة أي لأن كل الأصناف يدفع إليهم للحاجة فواجب اعتبار أمسهم حاجة

باب تحريم الصدقة على بني هاشم مواليهم دون موالي أزواجهم

1 - عن أبي هريرة قال : ( أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كخ كخ ارم بها أما علمت أنا لا نأكل الصدقة )
- متفق عليه . ولمسلم : ( إنا لا تحل لنا الصدقة )

- قوله ( فجعلها في فيه ) زاد في رواية ( فلم يفطن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى قام ولعابه يسيل فضرب النبي صلى الله عليه وآله وسلم شدقيه ) . قوله ( كخ كخ ) بفتح الكاف وكسرها وسكون المعجمة مثقلا ومخففا وبكسرها منونة وغير منونة فيخرج من ذلك ست لغات والثانية تأكيد للأولى وهي كلمة تقال لردع الصبي عند مناولة ما يستقذر قيل أنها عربية وقيل أعجمية وزعم الداودي أنها معربة وقد أوردها البخاري في باب من تكلم بالفارسية :
قوله ( ارم بها ) في رواية لأحمد . ( ألقها يا بني ) وكأنه كلمه أولا بهذا فلما تمادى قال له كخ كخ إشارة إلى استقذار ذلك ويحتمل العكس . قوله ( لا تحل لنا الصدقة ) وفي رواية ( لا تحل لآل محمد الصدقة ) وكذا عند أحمد والطحاوي من حديث الحسن بن علي نفسه . قال الحافظ وإسناده قوي . وللطبراني والطحاوي من حديث أبي ليلى الأنصاري نحوه
( والحديث يدل ) على تحريم الصدقة عليه صلى الله عليه وآله وسلم وعلى آله واختلف ما المراد بالآل هنا فقال الشافعي وجماعة من العلماء أنهم بنو هاشم وبنو المطلب واستدل الشافعي على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشرك بني المطلب مع بني هاشم في سهم ذوي القربى ولم يعط أحدا من قبائل قريش غيرهم وتلك العطية عوض عوضوه بدلا عما حرموه من الصدقة كما أخرج البخاري من حديث جبير بن مطعم : ( قال مشيت أنا وعثمان ابن عفان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلنا يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا ونحن وهم بمنزلة واحدة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد ) . وأجيب عن ذلك بأنه إنما أعطاهم ذلك لموالاتهم لا عوضا عن الصدقة وقال أبو حنيفة ومالك والهادوية هم بنو هاشم فقط وعن أحمد في بني المطلب روايتان
وعن المالكية فيما بين هاشم وغالب بن فهر قولان فعن أصبغ منهم هم بنو قصي وعن غيره بنو غالب بن فهر كذا في الفتح . والمراد ببني هاشم آل علي وآل عقيل وآ جعفر وآل العباس وآل الحرث ولم يدخل في ذلك آل أبي لهب لما قيل من أنه لم يسلم أحد منهم في حياته صلى الله عليه وآله وسلم ويرده ما في جامع الأصول أنه أسلم عتبة ومعتب ابنا أبي لهب عام الفتح وسر صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامهما ودعا لهما وشهدا معه حنينا والطائف ولهما عقب عند أهل النسب . قال ابن قدامة لا يعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وكذا قال أبو طالب من أهل البيت حكى ذلك عنه في البحر وكذا حكى الإجماع ابن رسلان وقد نقل الطبري الجواز عن أبي حنيفة وقيل عنه تجوز لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى حكاه الطحاوي ونقله بعض المالكية عن الأبهري منهم . قال في الفتح وهو وجه لبعض الشافعية . وحكى فيه أيضا عن أبي يوسف أنها تحل من بعضهم لبعض لا من غيرهم وحكاه في البحر عن زيد بن علي والمرتضى وأبي العباس والإمامية . وحكاه في الشفاء عن ابني الهادي والقاسم العياني : قال الحافظ وعند المالكية في ذلك أربعة أقوال مشهورة الجواز . المنع . جواز التطوع دون الفرض عكسه . والأحاديث الدالة على التحريم على العموم ترد على الجميع . وقد قيل أنها متواترة توترا معنويا ويؤيد ذلك قوله تعالى { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } وقوله { قل ما أسألكم عليه من أجر } ولو أحلها لآله أو شك أن يطعنوا فيه . ولقوله تعالى { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } وثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم ( أن الصدقة أوساخ الناس ) كما رواه مسلم وأما ما استدل به القائلون بحلها للهاشمي من الهاشمي من حديث العباس الذي أخرجه الحاكم في النوع السابع والثلاثين من علوم الحديث بإسناد كله من بني هاشم ( أن العباس بن عبد المطلب قال قلت يا رسول الله إنك حرمت علينا صدقات الناس هل تحل لنا صدقات بعضنا لبعض قال نعم ) فهذا الحديث قد اتهم بعض رواته وقد أطال صاحب الميزان الكلام على ذلك فليس بصالح لتخصيص تلك العمومات الصحيحة
وأما قول العلامة محمد بن إبراهيم الوزير بعد أن ساق الحديث ما لفظه وأحسب له متابعا لشهرة القول به قال والقول به قول الجماعة وافرة من أئمة العترة وأولادهم وأتباعهم بل ادعى بعضهم أنه إجماعهم ولعل توارث هذا بينهم يقوي الحديث انتهى
فكلام ليس على قانون الاستدلال لأن مجرد الحسبان أن له متابعا وذهاب جماعة من أهل البيت إليه لا يدل على صحته وأما دعوى أنهم أجمعوا عليه فباطل باطل ومطولات مؤلفاتهم ومختصرات شاهدة لذلك . وأما قول الأمير في النحة أنها سكنت نفسه إلى هذا الحديث بعد وجدان سنده وما عضده مندعوى الإجماع فقد عرفت بطلان دعوى الإجماع وكيف يصح إجماع لأهل البيت والقاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وجماعة من أكابرهم بل جمهورهم خارجون عنه . وأما مجرد وجدان السند للحديث بدون كشف عنه فليس مما يوجب سكون النفس
( والحاصل ) أن تحريم الزكاة على بني هاشم معلوم من غير فرق بين أن يكون المزكي هاشميا أو غيره فلا ينفق من المعاذير عن هذا المحرم المعلوم إلا ما صح عن الشارع لا ما لفقه الواقعون في هذه الورطة من الأعذار الواهية التي لا تخلص ولا ما لم يصح من الأحاديث المروية في التخصيص ولكثرة أكلة الزكاة من آل هاشم في بلاد اليمن خصوصا أرباب الرياسة قام بعض العلماء منهم في الذب عنهم وتحليل ما حرم الله عليهم مقاما لا يرضاه الله ولإنقاذ العلماء فألف في ذلك رسالة هي في الحقيقة كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاء لم يجده شيئا وصار يتسلى بها أرباب النباهة منهم
وقد يتعلل بعضهم بما قاله البعض منهم إن أرض اليمن خراجية وهو لا يشعر أن هذه المقالة مع كونها من أبطل الباطلات ليست مما يجوز التقليد فيه على مقتضى أصولهم فالله المستعان ما أسرع الناس إلى متابعة الهوى وإن خالف ما هو معلوم من الشريعة المطهرة
( واعلم ) أن ظاهر قوله لا تحل لنا الصدقة عدم حل صدقة الفرض والتطوع وقد نقل جماعة منهم الخطابي الإجماع على تحريمها عليه صلى الله عليه وآله وسلم وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولا . وكذا في رواية عن أحمد
وقال ابن قدامة ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة وأما آل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أكثر الحنفية وهو المصحح عن الشافعية والحنابلة وكثير من الزيدية أنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض قالوا لأن المحرم عليهم إنما هو أوساخ لناس وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع وقال في البحر أنه خصص صدقة التطوع لقياس على الهبة والهدية والوقف وقال أبو يوسف وأبو العباس إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض لأن الدليل لم يفصل

2 - وعن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة فقال لأبي رافع اصحبني كيما تصيب منها قال لا حتى أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسأله وانطلق فسأله فقال إن الصدقة لا تحل لنا وأن موالي القوم من أنفسهم )
- رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي

- الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان وصححاه
( وفي الباب ) عن ابن عباس عند الطبراني . قوله ( من أنفسهم ) بضم الفاء ولفظ الترمذي مولى القوم منهم أي حكمه كحكمهم
( الحديث ) يدل على تحريم الصدقة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحريمها على آله وقد تقدم الكلام على ذلك . ويدل على تحريمها على موالي آل بني هاشم ولو كان الأخذ على جهة العمالة وقد سلف ما فيه
قال الشافعي حرم على مواليه من الصدقة ما حرم على نفسه وبه قال أبو حنيفة وهو مروي أيضا عن الناصر والشافعي وأصحابه وإليه ذهب المؤيد بالله وأبو طالب وهو مروى عن الناصر وابن الماجشون . وقال مالك ويحيى وهو مروي أيضا عن الناصر والشافعي في قول له إنها تحل لهم قال في البحر لأن علة التحريم مفقودة وهي الشرف قلنا جزم الخبر بدفع ذلك انتهى . ونصب هذه العلة في مقابل هذا الدليل الصحيح من الغرائب التي يعتبر بها المتيقظ

3 - وعن أم عطية قالت : ( بعث إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشاة من الصدقة فبعثت إلى عائشة منها بشيء فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال هل عندكم من شيء فقالت لا إلا أن نسيبة بعثت إلينا من الشاة التي بعثتم بها إليها فقال إنها قد بلغت محلها )
- متفق عليه

4 - وعن جويرة بنت الحرث : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل عليها فقال هل من طعام فقالت لا والله ما عندنا طعام إلا عظم من شاة أعطيتها مولاتي من الصدقة فقال قدميها فقد بلغت محلها )
- رواه أحمد ومسلم

- قوله ( هل عندكم من شيء ) أي من الطعام . قوله ( نسيبة ) قال في الفتح بالنون والمهملة والموحدة مصغرا اسم أم عطية انتهى . وأما نسيبة بفتح النون وكسر السين فهي أم عمارة : قوله ( بلغت محلها ) قوله أي أنها لما تصرفت فيها بالهدية لصحة ملكها لها انتقلت عن حكم الصدقة فحلت محل الهدية وكانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخلاف الصدقة كما تقدم كذا قال ابن بطال . قال في الفتح وضبطه بعضهم بكسرها من الحلول أي بلغت مستقرها والأول أولى انتهى
( والحديث ) يدل على أن موالي أزواج بني هاشم ليس حكمهم كحكم موالي بني هاشم فتحل لهم الصدقة وقد نقل ابن بطال اتفاق الفقهاء على عدم دخول الزوجات في ذلك وفيه نظر لأن ابن قدامة ذكر أن الخلال أخرج من طريق ابن أبي مليكة عن عائشة ( أنها قالت إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ) قال وهذا يدل على تحريمها قال الحافظ وإسناده إلى عائشة حسن . وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا وهذا لا يقدح فيما نقله ابن بطال وذكر ابن المنير أنها لا تحرم الصدقة على الأوزاج قولا واحدا
( ولا يقال ) إن قول البعض بدخولهن في الآل يستلزم تحريم الصدقة عليهن فإن ذلك غير لازم
( وفي الحديثين ) أيضا دليل على أنه يجوز لمن تحرم عليه الصدقة الأكل منها بعد مصيرها إلى المصرف وانتقالها عنه بهبة أو هدية أو نحوها . وفي الباب عن عائشة عند البخاري وغيره : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتي بلحم فقالت له هذا ما تصدق به على بريرة فقال هو لها صدقة ولنا هدية )

باب نهي المتصدق أن يشتري ما تصدق به

1 - عن عمر بن الخطاب قال : ( حملت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده فأردت أن أشتريه وظننت أنه يبيعه برخص فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لا تشتره ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه )
- متفق عليه

2 - وعن ابن عمر : ( أن عمر حمل على فرس في سبيل الله ) . وفي لفظ ( تصدق بفرس في سبيل الله ثم رآها تباع فأراد أن يشتريها فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لا تعد في صدقتك يا عمر )
- رواه الجماعة زاد البخاري فبذلك كان ابن عمر لا يترك أن يبتاع شيئا تصدق به إلا جعله صدقة )

- قوله ( عن عمر ) هذا يقتضي أن الحديث من مسند عمر والرواية الأخرى تقتضي أنه من مسند ابن عمر . ورجح الدارقطني الثاني : قوله ( حملت على فرس ) المراد أنه ملكه إياه ولذلك ساغ له بيعه ومنهم من قال كان عمر قد حبسه وإنما ساغ للرجل بيعه لأنه حصل فيه هزال عجز بسببه عن اللحاق بالخيل وضعف عن ذلك وانتهى إلى حالة عدم الانتفاع به ويرجح الأول قوله ( لا تعد في صدقتك ) ولو كان حبسا لعلله به : قوله ( فأضاعه ) أي لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته . وقيل لم يعرف مقداره فأراد بيعه بدون قيمته وقيل معناه استعمله في غير ما جعل له والأول أظهر : قوله ( وإن أعطاكه بدرهم ) هو مبالغة في تنقيصه وهو الحامل له على شرائه : قوله ( لا تعد ) إنما سمي شراءه برخص عودا في الصدقة من حيث أن الغرض منها ثواب الآخرة فإذا اشتراها برخص فكأنه اختار عرض الدنيا على الآخرة فيصير راجعا في ذلك المقدار الذي سومح فيه : قوله ( كالعائد في قيئه ) استدل به على تحريم ذلك لأن القيء حرام
قال القرطبي وهذا هو الظاهر من سياق الحديث ويحتمل أن يكون التشبيه للتنفير خاصة لكونه القيء مما يستقذر وهو قول الأكثر ويلحق بالصدقة الكفارة والنذر وغيرهما من القربات : قوله ( لا يترك أن يبتاع ) الخ أي كان إذا اتفق له أن يشتري شيئا مما تصدق به لا يتركه في ملكه حتى يتصدق به فكأنه فهم أن النهي عن شراء الصدقة إنما هو لمن أراد أن يتملكها لا لمن يردها صدقة
( والحديث ) يدل على كراهة الرجوع عن الصدقة وأن شراءها برخص نوع من الرجوع فيكون مكروها وقد قيل إنه يعارض هذا الحديث الحديث المتقدم عن أبي سعيد في حل الصدقة لرجل اشتراها بماله وجمع بينهما بحمل هذا على كراهة التنزيه ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى وحمل قوم هذا على التنزيه واحتجوا بعموم قوله ( أو رجل اشتراها بماله ) في خبر أبي سعيد ويدل عليه ابتياع ابن عمر وهو راوي الخبر ولو فهم منه التحريم لما فعله وتقرب بصدقة تستند إليه انتهى
والظاهر أنه لا معارضة بين هذا وبين حديث أبي سعيد المتقدم لأن هذا في صدقة التطوع وذاك في صدقة الفريضة فيكون الشراء جائزا في صدقة الفريضة لأنه لا يتصور الرجوع فيها حتى يكون الشراء مشبها له بخلاف صدقة التطوع فإنه يتصور الرجوع فيها فكره ما يشبهه وهو الشراء نعم يعارض حديث الباب في الظاهر ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه : ( أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت كنت تصدقت على أمي بوليدة وأنها ماتت وتركت الوليدة قال وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث )
ويجمع بجواز تملك الشيء المتصدق به بالميراث لأن ذلك ليس مشبها بالرجوع عن الصدقة دون سائر المعاوضات

باب فضل الصدقة على الزوج والأقارب

1 - عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن قالت فرجعت إلى عبد الله فقلت إنك رجل خفيف ذات اليد وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أمرنا بالصدقة فأته فاسأله فإن كان ذلك يجزئ عني وإلا صرفتها إلى غيركم قالت فقال عبد الله بل ائتيه أنت قالت فانطلقت فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاجتي حاجتها قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ألقيت عليه المهابة قالت فخرج علينا بلال فقلنا له ائت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره أن امرأتين بالباب يسألانك أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما ولا تخبر من نحن قالت فدخل بلال فسأله فقال له من هما فقال امرأة من الأنصار وزينب قال أي الزيانب فقال امرأة عبد الله فقال لهما أجران أجر القرابة وأجر الصدقة )
- متفق عليه . ولفظ البخاري ( أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وعلى أيتام لي في حجري )

- قوله ( إنك رجل خفيف ذات اليد ) هذا كناية عن الفقر . وفي لفظ للبخاري ( إن زينب كانت تنفق على عبد الله وأيتام في حجرها فقالت لعبد الله سل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيجزئ عني أن أنفق عليك وعلى أيتام في حجري من الصدقة ) الحديث : قوله ( فإذا امرأة من الأنصار ) زاد النسائي والطيالسي يقال لها زينب . وفي رواية للنسائي انطلقت امرأة عبد الله يعني ابن مسعود وامرأة أبي مسعود يعني عقبة بن عمرو الأنصاري
( استدل بهذا الحديث ) على أنه يجوز للمرأة أن تدفع زكاتها إلى زوجها وبه قال الثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك . وعن أحمد وإليه ذهب الهادي والناصر والمؤيد بالله وهذا إنما يتم دليلا بعد تسليم أن هذه الصدقة صدقة واجبة وبذلك جزم المازري . ويؤيد ذلك قولها ( أيجزئ عني ) وتعقبه عياض بأن قوله ( ولو من حليكن ) وكون صدقتها كانت من صناعتها يدلان على التطوع وبه جزم النواوي وتألوا قولها أيجزئ عني أي في الوقاية من النار كأنها خافت أن صدقتها على زوجها لا يحصل لها المقصود وما أشار إليه من الصناعة احتج به الطحاوي لقول أبي حنيفة إنها لا تجزئ زكاة المرأة في زوجها فأخرج من طريق رائطة امرأة ابن مسعود أنها كانت امرأة صنعاء اليدين فكانت تنفق عليه وعلى ولده فهذا يدل على أنها صدقة تطوع
( واحتجوا ) أيضا على أنها صدقة تطوع بما في البخاري من حديث أبي سعيد : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لها زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم ) . قالوا لأن الولد لا يعطى من الزكاة الواجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر والمهدي في البخر وغيرهما وتعقب هذا بأن الذي يمتنع إعطاؤه من الصدقة الواجبة من تلزم المعطي نفقته والأم لا يلزمها نفقة ابنها مع وجود أبيه
قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث وهذا عند أكثر أهل العلم في صدقة التطوع انتهى
والظاهر أنه يجوز للزوجة صرف زكاتها إلى زوجها أما أولا فلعدم المانع من ذلك ومن قال إنه لا يجوز فعليه الدليل وأما ثانيا فلأن ترك استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم لها ينزل منزلة العموم فلما لم يستفصلها عن الصدقة هل هي تطوع أو واجب فكأنه قال يجزي عنك فرضا كان أو تطوعا
( وقد اختلف ) في الزوج هل يجوز له أن يدفع زكاته إلى زوجته فقال ابن المنذر أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة شيئا لأن نفقتها واجبة عليه ويمكن أن يقال أن التعليل بالوجوبل على الزوج لا يوجب امتناع الصرف إليها لأن نفقتها واجبة عليه غنية كانت أو فقيرة فالصرف إليها لا يسقط عنه شيئا . وأما الصدقة على الأصول والفصول وبقية القرابة فسيأتي الكلام عليها

2 - وعن سلمان بن عامر : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الصدقة على المسكين صدقة وهي على ذي الرحم ثنتان صدقة وصلة )
- رواه أحمد وابن ماجه والترمذي

3 - وعن أبي أيوب قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح )
- رواه أحمد . وله مثله من حديث حكيم بن حزام

4 - وعن ابن عباس قال : ( إذا كان ذوو قرابة لا تعولهم فأعطهم من زكاة مالك وإن كنت تعولهم فلا تعطهم ولا تجعلها لمن تعول )
- رواه الأثرم في سننه

- حديث سلمان أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والدارقطني والحاكم وحسنه الترمذي . قال الحافظ وفي الباب عن أبي طلحة وأبي أمامة عند الطبراني : قوله ( الكاشح ) هو المضمر للعداوة
وقد استدل بالحديثين على جواز صرف الزكاة إلى الأقارب سواء كانوا ممن تلزم لهم النفقة أم لا لأن الصدقة المذكورة فيهما لم تقيد بصدقة التطوع ولكنه قد تقدم عن ابن المنذر وصاحب البحر أنهما حكيا الإجماع على عدم جواز صرف الزكاة إلى الأولاد وكذا سائر الأصول والفصول كما في البحر فإنه قال مسألة ولا تجزئ في أصوله وفصوله مطلقا إجماعا . وقال صاحب ضوء النهار إن دعوى الإجماع وهم قال وكيف ومحمد بن الحسن ورواية عن العباس إنها تجزئ في الآباء والأمهات ثم قال قلت والمسألة في البحر لم تنسب إلى قائل فضلا عن الإجماع وهذا وهم منه رحمه الله تعالى . فإن صاحب البحر صرح بنسبتها إلى الإجماع كما حكيناه سالفا فقد نسبت إلى قائل وهم أهل الإجماع إلا أنه يدل لما روى عن أبي عباس ومحمد بن الحسن ما في البخاري وأحمد عن معن بن يزيد قال : ( أخرج أبي دنانير يتصدق بها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فقال والله ما إياك أردت فجئت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لك ما نويت يا يزيد ولك ما أخذت يا معن )
وسيأتي هذا الحديث في كتاب الوكالة إن شاء الله تعالى ولكنه يحتمل أن تكون الصدقة صدقة تطوع بل هو الظاهر . وقد روى عن مالك أنه يجوز الصرف في بني البنين وفيما فوق الجد والجدة وأما غير الأصول والفصول من القرابة الذين تلزم نفقتهم فذهب الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزئ الصرف إليهم
وقال أبو حنيفة وأصحابه والإمام يحيى يجوز ويجزئ إذ لم يفصل الدليل لعموم الأدلة المذكورة في الباب وقال الأولون أنها مخصصة بالقياس ولا أصل له . وأما الأثر المروي عن ابن عباس فكلام صحابي ولا حجة فيه لأن للاجتهاد في ذلك مسرحا . ويؤيد الجواز والإجزاء الحديث الذي تقدم عند البخاري بلفظ ( زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم ) وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما سلف ثم الأصل عدم المانع فمن زعم أن القرابة أو وجوب النفقة مانعان فعليه الدليل ولا دليل

باب زكاة الفطر

1 - عن ابن عمر قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين )
- رواه الجماعة . ولأحمد والبخاري وأبي داود : ( وكان ابن عمر يعطي التمر إلا عاما واحدا أعوز التمر فأعطى الشعير ) . وللبخاري ( وكانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين )

2 - وعن أبي سعيد قال : ( كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب )
- أخرجاه . وفي رواية : ( كنا نخرج زكاة الفطر إذا كان فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير أو صاعا من زبيب أو صاعا من أقط فلم نزل كذلك حتى قدم علينا معاوية المدينة فقال إني لأرى مدين من سمراء الشام يعدل صاعا من تمر فأخذ الناس بذلك قال أبو سعيد فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه ) . رواه الجماعة لكن البخاري لم يذكر فيه قال أبو سعيد فلا أزال الخ . وابن ماجه لم يذكر لفظة أو في شيء منه . وللنسائي عند أبي سعيد قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر أو صاعا من أقط وهو حجة في أن الأقط أصل . وللدارقطني عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن عياض بن عبد الله عن أبي سعيد قال : ( ما أخرجنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا صاعا من دقيق أو صاعا من تمر أو صاعا من سلت أو صاعا من زبيب أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط ) . ( فقال ابن المديني لسفيان يا أبا محمد إن أحدا لا يذكر في هذا الدقيق قال بلى هو فيه ) . رواه الدارقطني واحتج به أحمد على إجزاء الدقيق

- قوله ( فرض ) فيه دليل على أن صدقة الفطر من الفرائض وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على ذلك ولكن الحنفية يقولون بالوجوب دون الفرضية على قاعدتهم في التفرقة بين الفرض والواجب قالوا إذ لا دليل قاطع تثبت به الفرضية : قال الحافظ وفي نقل الإجماع نظر لأن إبراهيم بن علية وأبا بكر بن كيسان الأصم قالا إن وجوبها نسخ واستدل لهما بما روى النسائي وغيره عن قيس بن سعد بن عبادة قال : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ) . قال وتعقب بأن في إسناده راويا مجهولا وعلى تقدير الصحة فلا دليل فيه على النسخ لاحتمال الاكتفاء بالأمر الأول لأن نزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر
ونقل المالكية عن أشهب أنها سنة مؤكدة وهو قول بعض أهل الظاهر وابن اللبان من الشافعية قالوا ومعنى قوله في الحديث فرض أي قدر وهو أصله في اللغة كما قال ابن دقيق العيد لكن نقل في عرف الشرع إلى الوجوب فالحمل عليه أولى . وقد ثبت أن قوله تعالى { قد أفلح من تزكى } نزلت في زكاة الفطر كما روى ذلك ابن خزيمة
قوله ( زكاة الفطر ) أضيفت الزكاة إلى الفطر لكونها تجب بالفطر من رمضان كذا قال في الفتح . وقال ابن قتيبة والمراد بصدقة الفطر صدقة النفوس مأخوذ من الفطرة التي هي أصل الخلقة . قال الحافظ والأول أظهر . ويؤيده قوله في بعض طرق الحديث زكاة الفطر في رمضان
وقد استدل بقوله وكاة الفطر على أن وقت وجوبها غروب الشمس ليلة الفطر لأنه وقت الفطر من رمضان وقيل وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد لأن الليل ليس محلا للصوم وإنما يتبين الفطر الحقيقي بالأكل بعد طلوع الفجر والأول قول الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي في الجديد وإحدى الروايتين عن مالك والثاني قول أبي حنيفة والليث والشافعي في القديم والرواية الثانية عن مالك وبه قال الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله ويقويه قوله في حديث ابن عمر الآتي أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ولكنها لم تقيد القبلية بكونها في يوم الفطر :
قال ابن دقيق العيد الاستدلال بقوله زكاة الفطر على الوقت ضعيف لأن الإضافة إلى الفطر لا تدل على وقت الوجوب بل تقتضي إضافة هذه الزكاة إلى الفطر من رمضان وأما وقت الوجوب فيطلب من أمر آخر
قوله ( صاعا من تمر أو صاعا من شعير ) قال في الفتح انتصب صاعا على التمييز أو أنه مفعول ثان : قوله ( على العبد والحر ) ظاهره يدل على أن العبد يخرج عن نفسه ولم يقل به إلا داود فقال يجب على السيد أن يمكن عبده من الاكتساب لها ويدل على ما ذهب إليه الجمهور من كون الوجوب على السيد حديث ( ليس على المرء في عبده ولا فرسه صدقة إلا صدقة الفطر ) . ولفظ مسلم ( ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر ) :
قوله ( الذكر والأنثى ) ظاهره وجوبها على المرأة سواء كان لها زوج أم لا وبه قال الثوري وأبو حنيفة وابن المنذر وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق تجب على زوجها تبعا للنفقة قال الحافظ وفيه نظر لأنهم قالوا إن أعسر وكانت الزوجة أمة وجبت فطرتها على السيد بخلاف النفقة فافترقا واتفقوا على أن المسلم لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن نفقتها تلزم وإنما احتج الشافعي بما رواه من طريق محمد بن علي الباقر مرسلا ( أدوا صدقة الفطر عمن يمونون ) وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في إسناده ذكر على وهو منقطع . وأخرجه من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف وأخرجه أيضا عنه الدارقطني
قوله ( والصغير والكبير ) وجوب فطرة الصغير في ماله والمخاطب بإخراجها وليه وإن كان للصغير مال وإلا وجبت على من تلزمه نفقته وإلى هذا ذهب الجمهور . وقال محمد بن الحسن هي على الأب مطلقا فإن لم يكن له أب فلا شيء عليه . وعن سعيد بن المسيب والحسن البصري لا تجب إلا على من صام واستدل لهما بحديث ابن عباس الآتي بلفظ ( صدقة الفطر طهرة للصائم ) قال في الفتح وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب كما أنها تجب على من لا يذنب كمتحقق الصلاح أو من أسلم قبل غروب الشمس بلحظة قال فيه . ونقل ابن المنذر الإجماع على أنهما لا تجب على الجنين وكان أحمد يستحبه ولا يوجبه : قوله ( من المسلمين ) فيه دليل على اشتراط الإسلام في وجوب الفطرة فلا تجب على الكافر
قال الحافظ وهو أمر متفق عليه وهل يخرجها عن غيره كمستولدته المسلمة نقل ابن المنذر فيه الإجماع على عدم الوجوب لكن فيه وجه للشافعية ورواية عن أحمد . وهل يخرجها المسلم عن عبده الكافر قال الجمهور لا خلافا لعطاء والنخعي والثوري والحنفية وإسحاق واستدلوا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( ليس على المسلم في عبده صدقة إلا صدقة الفطر ) وأجاب الجمهور بأنه يبني عموم قوله في عبده على خصوص قوله من المسلمين في حديث الباب ولا يخفى أن قوله من المسلمين أعم من قوله في عبده من وجه وأخص من وجه فتخصيص أحدهما بالآخر تحكم ولكنه يؤيد اعتبار الإسلام ما عند مسلم بلفظ ( على كل نفس من المسلمين حر أو عبد ) واحتج بعضهم على وجوب إخراجها عن العبد بأن ابن عمر راوي الحديث كان يخرج عن عبده الكافر وهو أعرف بمراد الحديث وتعقبه بأنه لو صح حمل على أنه كان يخرج عنهم تطوعا ولا مانع منه
وظاهر الأحاديث عدم الفرق بين أهل البادية وغيرهم وإليه ذهب الجمهور . وقال الزهري وربيعة والليث أن زكاة الفطر تختص بالحاضرة ولا تجب على أهل البادية :
قوله ( أعوز التمر ) بالمهملة وانزاي أي احتاج يقال أعوزني الشيء إذا احتجت إليه فلم أقدر عليه وفيه دليل على أن التمر أفضل ما يخرج في صدقة الفطر . قوله ( بيوم أو يومين ) فيه دليل على جواز تعجيل الفطرة قبل يوم الفطر وقد جوزه الشافعي من أول رمضان وجوزه الهادي والقاسم وأبو حنيفة وأبو العباس وأبو طالب ولو إلى عامين عن البدن الموجود وقال الكرخي وأحمد بن حنبل لا تقدم على وقت وجوبها إلا ما يغتفر كيوم أو يومين وقال مالك والناصر والحسن بن زياد لا يجوز التعجيل مطلقا كالصلاة قبل الوقت وأجاب عنهم في البحر بأن ردها إلى الزكاة أقرب . وحكى الإمام يحيى إجماع السلف على جواز التعجيل . قوله ( صاعا من طعام ) الخ ظاهره المغايرة بين الطعام وبين ما ذكر بعده وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص له قال هو وغيره قد كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه لأنه لما غلب استعمال اللفظ فيه كان خطوره عند الإطلاق أغلب : قال في الفتح وقد رد ذلك ابن المنذر وقال ظن بعض أصحابنا أن قوله في حديث أبي سعيد صاعا من طعام حجة لمن قال صاح من حنطة وهذا غلط منه وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم أورد طريق حفص بن ميسرة عند البخاري وغيره أن أبا سعيد قال ( كنا نخرج في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفطر صاعا من طعام قال أبو سعيد وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر ) وهي ظاهرة فيما قال وأخرج الطحاوي نحوه من طريق أخرى وأخرج ابن خزيمة والحاكم في صحيحهما أن أبا سعيد قال لما ذكروا عنده صدقة رمضان لا أخرج إلا ما كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاع تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط فقال له رجل من القوم أو مدين من قمح فقال لا تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها . قال ابن خزيمة ذكر الحنطة في خبر أبي سعيد هذا غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم ويدل على أنه خطأ قوله فقال رجل الخ إذ لو كان أبو سعيد أخبر أنهم كانوا يخرجون منها صاعا لما قال الرجل أو مدين من قمح
وقد أشار أيضا أبو داود إلى أن ذكر الحنطة فيه غير محفوظ
قوله ( حتى قدم معاوية ) زاد مسلم حاجا أو معتمرا وكلم الناس على المنبر ) وزاد ابن خزيمة وهو يومئذ خليفة . قوله ( من سمراء الشام ) بفتح السين المهملة وإسكان الميم وبالمد هي القمح الشامي . قال النووي تمسك بقول معاوية من قال بالمدين من الحنطة وفيه نظر لأنه فعل صحابي قد خالف فيه أبو سعيد وغيره ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بحال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد صرح بأنه رأى رآه لا أنه سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قال ابن المنذر لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعتمد عليه ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من الشعير وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم ثم أسند عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر بأسانيد
قال الحافظ صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح انتهى وهذا مصير منه إلى اختيار ما ذهب إليه الحنفية لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك وكذلك ابن عمر فلا إجماع في المسألة
قوله ( ولم يذكر لفظة أو ) يعني لم يذكر حرف التخيير في شيء من طرق الحديث . قوله ( أو صاعا من أقط ) بفتح الهمزة وكسر القاف وهو لبن يابس غير منزوع الزبد . وقال الأزهري يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك حتى ينصل . وقد اختلف في أجزائه على قولين أحدهما أنه لا يجزئ لأنه غير مقتات وبه قال أبو حنيفة إلا أنه جاز إخراجه بدلا عن القيمة على قاعدته . والقول الثاني أنه يجزئ وبه قال مالك وأحمد وهو الراجح لهذا الحديث الصحيح من غير معارض
وروى عن أحمد أنه يجزئ مع عدم وجدان غيره وزعم الماوردي أنه يجزئ عن أهل البادية دون أهل الحاضرة فلا يجزئ عنهم بلا خلاف وتعقبه النووي فقال قطع الجمهور بأن الخلاف في الجميع :
قوله ( إلا صاعا من دقيق ) ذكر الدقيق ثابت في سنن أبي داود من حديث أبي سعيد أيضا ولكنه قال أبو داود أن ذكر الدقيق وهم من ابن عيينة . وقد روى ذلك ابن خزيمة من حديث ابن عباس قال : ( أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تؤدى زكاة رمضان صاعا من طعام عن الصغير والكبير والحر والمملوك من أدى سلتا قبل منه وأحسبه قال من أدى دقيقا قبل منه ومن أدى سويقا قبل منه ورواه الدارقطني ولكن قال ابن أبي حاتم سألت أبي عن هذا الحديث فقال منكر لأن ابن سيرين لم يسمع من ابن عباس
وقد استدل بذلك على جواز إخراج الدقيق كما يجوز إخراج السويق وبه قال أحمد وأبو قاسم الأنماطي لأنه مما يكال وينتفع به الفقير وقد كفى فيه الفقير مؤنة الطحن
وقال الشافعي ومالك إنه لا يجزئ إخراجه لحديث ابن عمر المتقدم ولأن منافعه قد نقصت والنص ورد في الحب وهو يصلح لما لا يصلح له الدقيق والسويق
قوله ( من سلت ) بضم السين المهملة وسكون اللام بعدها مثناة فوقية نوع من الشعير وهو كالحنطة في ملاسته وكالشعير في برودته وطبعه . والروايات المذكورة في الباب تدل على أن الواجب من هذه الأجناس المنصوصة في الفطرة صاع ولا خلاف في ذلك إلا في البر والزبيب
وقد ذهب أبو سعيد وأبو العالية وأبو الشعثاء والحسن البصري وجابر بن زيد والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق والهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله إلى أن البر والزبيب كذلك يجب من كل واحد منهما صاع وقال من تقدم ذكره من الصحابة في كلام ابن المنذر وزاد في البحر أبا بكر وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وزيد بن علي والإمام يحيى أن الواجب نصف صاع منهما والقول الأول أرجح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرض صدقة الفطر صاعا من طعام والبر مما يطلق عليه اسم الطعام إن لم يكن غالبا فيه كما تقدم وتفسيره بغير البر إنما هو لما تقدم من أنه لم يكن معهودا عندهم فلا يجزئ دون الصاع منه ويمكن أن يقال أن البر على تسليم دخوله تحت لفظ الطعام مخصص بما أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا بلفظ ( صدقة الفطر مدان من قمح ) وأخرج نحوه الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا أيضا . وأخرج نحوه الدارقطني من حديث عصمة بن مالك وفي إسناده الفضل بن المختار وهو ضعيف . وأخرج أبو داود والنسائي عن الحسن مرسلا بلفظ : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الصدقة صاعا من تمر أو من شعير أو نصف صاع من قمح )
وأخرج أبو داود من حديث عبد الله بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد الله بن أبي صغير بلفظ قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدقة الفطر صاع من بر أو قمح عن كل اثنين )
وأخرج سفيان الثوري في جامعه عن علي عليه السلام موقوفا بلفظ ( نصف صاع بر ) وهذه تنتهض بمجموعها للتخصيص
وحديث أبي سعيد الذي فيه التصريح بالحنطة قد تقدم ما فيه على أنه لم يذكر إطلاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك

3 - وعن ابن عمر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة )
- رواه الجماعة إلا ابن ماجه

- قوله ( قبل خروج الناس إلى الصلاة ) قال ابن التين أي قبل خروج الناس إلى صلاة العيد وبعد صلاة الفجر . قال ابن عيينة في تفسيره عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال يقدم الرجل زكاته يوم الفطر بين يدي صلاته فإن الله تعالى يقول { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } ولابن خزيمة من طريق كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن هذه الآية فقال ( نزلت في زكاة الفطر ) وحمل الشافعي التقييد بقبل صلاة العيد على الاستحباب لصدق اليوم على جميع النهار . وقد رواه أبو معشر عن نافع عن ابن عمر بلفظ ( كان يأمرنا أن نخرجها قبل أن نصلي فإذا انصرف قسمه بينهم وقال أغنوهم عن الطلب ) أخرجه سعيد بن منصور ولكن أبو معشر ضعيف . ووهم ابن العربي في عزو هذه الزيادة لمسلم
( وقد استدل ) بالحديث على كراهة تأخيرها عن الصلاة وحمله ابن حزم على التحريم

4 - وعن ابن عباس قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات )
- رواه أبو داود وابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا الدارقطني والحاكم وصححه : قوله ( طهرة ) أي تطهيرا لنفس من صام رمضان من اللغو وهو مالا ينعقد عليه القلب من القول والرفث . قال ابن الأثير الرفث هنا هو الفحش من الكلام : قوله ( وطعمة ) بضم الطاء وهو الطعام الذي يؤكل . وفيه دليل على أن الفطرة تصرف في المساكين دون غيرهم من مصارف الزكاة كما ذهب إليه الهادي والقاسم وأبو طالب . وقال المنصور بالله هي كالزكاة فتصرف في مصارفها وقواه المهدي : قوله ( من أداها قبل الصلاة ) أي قبل صلاة العيد : قوله ( فهي زكاة مقبولة ) المراد بالزكاة صدقة الفطر : قوله ( فهي صدقة من الصدقات ) يعني التي يتصدق بها في سائر الأوقات وأمر القبول فيها موقوف على مشيئة الله تعالى . والظاهر أن من أخرج الفطرة بعد صلاة العيد كان كمن لم يخرجها باعتبار اشتراكهما في ترك هذه الصدقة الواجبة وقد ذهب الجمهور إلى أن إخراجها قبل صلاة العيد إنما هو مستحب فقط وجزموا بأنها تجزي إلى آخر يوم الفطر والحديث يرد عليهم . وأما تأخيرها عن يوم العيد فقال ابن رسلان إنه حرام بالاتفاق لأنها زكاة فوجب أن يكون في تأخيرها إثم كما في إخراج الصلاة عن وقتها وحكى في البحر عن المنصور بالله أن وقتها إلى آخر اليوم الثالث من شهر شوال

5 - وعن إسحاق بن سليمان الرازي قال : ( قلت لمالك بن أنس أبا عبد الله كم قدر صاع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال خمسة أرطال وثلث بالعراقي أنا حزرته فقلت أبا عبد الله خالفت شيخ القوم قال من هو قلت أبو حنيفة يقول ثمانية أرطال فغضب غضبا شديدا ثم قال لجلسائنا يا فلان هات صاع جدك يا فلان هات صاع عمك يا فلان هات صاع جدتك قال إسحاق فاجتمعت آصع فقال ما تحفظون في هذا فقال هذا حدثني أبي عن أبيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال هذا حدثني أبي عن أخيه أنه كان يؤدي بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال الآخر حدثني أبي عن أمه أنها أدت بهذا الصاع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال مالك أنا حزرت هذه فوجدتها خمسة أرطال وثلثا )
- رواه الدارقطني

- هذه القصة مشهورة أخرجها أيضا البيهقي بإسناد جيد . وقد أخرج ابن خزيمة والحاكم من طريق عروة عن أسماء بنت أبي بكر أمه أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمد الذي يقتات به أهل المدينة . وللبخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يعطي زكاة رمضان عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمد الأول ولم يختلف أهل المدينة في الصاع وقدره من لدن الصحابة إلى يومنا هذا إنه كما قال أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث بالعراقي . وقال العراقيون منهم أبو حنيفة أنه ثمانية أرطال وهو قول مردود وتدفعه هذه القصة المسندة إلى صيعان الصحابة التي قررها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد رجع أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم صاحب أبي حنيفة بعد هذه الواقعة إلى قول مالك وترك قول أبي حنيفة
قوله ( أنا حزرته ) بالحاء المهملة المفتوحة بعدها زاي مفتوحة ثم راء ساكنة أي قدرته قوله ( آصع ) جمع صاع قال في البحر والصاع أربعة أمداد إجماعا
( فائدة ) وقد اختلف في القدر الذي يعتبر ملكه لمن يلزمه الفطرة فقال الهادي والقاسم وأحد قولي المؤيد بالله أنه يعتبر أن يملك قوت عشرة أيام فاضل عما استثنى للفقير وغير الفطرة لما أخرجه أبو داود في حديث ابن أبي صعير عن أبيه في رواية بزيادة غني أو فقير بعد حر أو عبد
ويجاب عن هذا الدليل بأنه وإن أفاد عدم اعتبار الغنى الشرعي فلا يفيد اعتبار ملك قوت عشر
وقال زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه إنه يعتبر أن يكون المخرج غنيا غنى شرعيا واستدل لهم في البحر بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( إنما الصدقة ما كانت عن ظهر غنى ) وبالقياس على زكاة المال ويجاب بأن الحديث لا يفيد المطلوب لأنه بلفظ ( خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) كما أخرجه أبو داود ومعارض أيضا بما أخرجه أبو داود والحاكم من حديث أبي هريرة مرفوعا ( أفضل الصدقة جهد المقل ) وما أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة مرفوعا ( أفضل الصدقة سر إلى الفقير وجهد من مقل ) وفسره في النهاية بقدر ما يحتمل حال قليل المال . وما أخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال على شرط مسلم من حديث أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبق درهم مائة ألف درهم فقال رجل وكيف ذاك يا رسول الله قال رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به فهذا تصدق بنصف ماله ) الحديث
وأما الاستدلال بالقياس فغير صحيح لأنه قياس مع الفارق إذ وجوب الفطرة متعلق بالأبدان والزكاة بالأموال وقال مالك والشافعي وعطاء وأحمد بن حنبل وإسحاق والمؤيد بالله في أحد قوليه إنه يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكا لقوت يوم وليلة لما تقدم من أنها طهرة للصائم ولا فرق بين الغني والفقير في ذلك ويؤيد ذلك ما تقدم من تفسيره صلى الله عليه وآله وسلم من لا يحل له السؤال بمن يملك ما يغديه ويعشيه وهذا هو الحق لأن النصوص أطلقت ولم تخص غنيا ولا فقيرا ولا مجال للاجتهاد في تعيين المقدار الذي يعتبر أن يكون مخرج الفطرة مالكا له ولاسيما والعلة التي شرعت لها الفطرة موجودة في الغني والفقير وهي التطهرة من اللغو والرفث واعتبار كونه واجدا لقوت يوم وليلة أمر لابد منه لأن المقصود من شرع الفطرة إغناء الفقراء في ذلك اليوم كما أخرجه البيهقي والدارقطني عن ابن عمر قال : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زكاة الفطر وقال أغنوهم في هذا اليوم ) . وفي رواية للبيهقي ( أغنوهم عن طواف هذا اليوم ) . وأخرجه أيضا ابن سعد في الطبقات من حديث عائشة وأبي سعيد فلم لم يعتبر في حق المخرج ذلك لكان ممن أمرنا بإغنائه في ذلك اليوم لا من المأمورين بإخراج الفطرة وإغناء غيره وبهذا يندفع ما اعترض به صاحب البحر عن أهل هذه المقالة من أنه يلزمهم إيجاب الفطرة على من لم يملك إلا دون قوت اليوم ولا قائل به

كتاب الصيام

- قال النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح الصيام في اللغة الإمساك . وفي الشرع إمساك مخصوص في زمن مخصوص بشرائط مخصوصة انتهى . وكان فرض صوم شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة

باب ما يثبت به الصوم والفطر من الشهود

1 - عن ابن عمر قال : ( تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه )
- رواه أبو داود والدارقطني وقال تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة

2 - وعن عكرمة عن ابن عباس قال : ( جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال إني رأيت الهلال يعني رمضان فقال أتشهد أن لا إله إلا الله قال نعم قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا )
- رواه الخمسة إلا أحمد . ورواه أبو داود أيضا من حديث حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة مرسلا بمعناه . وقال ( فأمر بلالا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا )

- الحديث الأول أخرجه أيضا الدارمي وابن حبان والحاكم وصححاه والبيهقي وصححه ابن حزم كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عن نافع عنه
والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن حبان والدارقطني والبيهقي والحاكم قال الترمذي روى مرسلا وقال النسائي إنه أولى بالصواب وسماك بن حرب إذا تفرد بأصل لم يكن حجة
( وفي الباب ) عن ابن عباس وابن عمر أيضا عند الدارقطني والطبراني في الأوسط من طريق طاوس قال : ( شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلي وإليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزه وقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان وكان لا يجيز شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين ) . قال الدارقطني تفرد به حفص بن عمر الأيلي وهو ضعيف
( والحديثان ) المذكوران في الباب يدلان على أنها تقبل شهادة الواحد في دخول رمضان وإلى ذلك ذهب ابن المبارك وأحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه
قال النووي وهو الأصح وبه قال المؤيد بالله وقال مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي في أحد قوليه والهادوية أنه لا يقبل الواحد بل يعتبر اثنان واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب الآتي وفيه ( فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا ) وبحديث أمير مكة الآتي وفيه فإن لم نره وشهد شاهدان عدل وظاهرهما اعتبار شاهدين وتألوا الحديثين المتقدمين باحتمال أن يكون قد شهد عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيرهما وأجاب الأولون بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواحد بالمفهوم وحديثا الباب يدلان على قبوله بالمنطوق ودلالة المنطوق أرجح :
وأما التأويل بالاحتمال المذكور فتعسف وتجويز لو صح اعتبار مثله لكان مفضيا إلى طرح أكثر الشريعة . وحكى في البحر عن الصادق وأبي حنيفة وأحد قولي المؤيد بالله أنه يقبل الواحد في الغيم لاحتمال خفاء الهلال عن غيره لا الصحو فلا يقبل إلا جماعة لبعد حفائه
واختلف أيضا في شهادة خروج رمضان فحكى في البحر عن العترة جميعا والفقهاء أنه لا يكفي الواحد في هلال شوال . وحكى عن أبي ثور أنه يقبل . قال النووي في شرح مسلم لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل انتهى
( واستدل ) الجمهور بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدم وهو مما لا تقوم به حجة لما تقدم من ضعف من تفرد به . وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وحديث أمير مكة الآتيان فهما واردان في شهادة دخول رمضان . وأما حديث أمير مكة فظاهر لقوله فيه نسكنا بشهادتهما وأما حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ففي بعض ألفاظه إلا أن يشهد شاهدا عدل وهو مستثنى من قوله ( فأكملوا عدة شعبان ) فالكلام في شهادة دخول رمضان
وأما اللفظ الذي سيذكره المصنف أعني قوله ( فإن شهد مسلمان فصوموا وأفطروا ) فمع كون مفهوم الشرط قد وقع الخلاف في العمل به هو أيضا معارض بما تقدم من قبوله صلى الله عليه وآله وسلم لخبر الواحد في أول الشهر وبالقياس عليه في آخره لعدم الفارق فلا ينتهض مثل هذا المفهوم لإثبات هذا الحكم به وإذا لم يرد ما يدل على اعتبار الاثنين في شهادة الإفطار من الأدلة الصحيحة فالظاهر أنه يكفي فيه واحد قياسا على الاكتفاء به في الصوم وأيضا التعبد بقبول خبر الواحد يدل على قبوله في كل موضع إلا ما ورد الدليل بتخصيصه بعدم التعبد فيه بخبر الواحد كالشهادة على الأموال ونحوها فالظاهر ما قاله أبو ثور ويمكن أن يقال أن مفهوم حديث عبد الرحمن ابن زيد بن الخطاب قد عورض في أول الشهر بما تقدم وأما في آخر الشهر فلا ينتهض ذلك القياس لمعارضته لا سيما مع تأيده بحديث ابن عمر وابن عباس المتقدم وهو وإن كان ضعيفا فذلك غير مانع من صلاحيته للتأييد فيصلح ذلك المفهوم المعتضد بذلك الحديث لتخصيص ما ورد من التعبد بأخبار الآحاد والمقام بعد محل نظر
ومما يؤيد القول بقبول الواحد مطلقا أن قبوله في أول رمضان يستلزم الإفطار عند كمال العدة استنادا إلى قوله وأجيب عن ذلك بأنه يجوز الإفطار بقول الواحد ضمنا لا صريحا وفيه نظر

3 - وعن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالله لأهلا الهلال أمس فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس أن يفطروا )
- رواه أحمد وأبو داود وزاد في رواية ( وأن يغدوا إلى مصلاهم )

- الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح وجهالة الصحابي غير قادحة . وفي الباب عن عبيد الله أبي عمير بن أنس بن مالك عن عمومة له ( أن ركبا جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا وإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم ) . أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم . ورواه ابن حبان في صحيحه عن أنس ( أن عمومة له ) وهو وهم كما قال أبو حاتم في العلل
( والحديث ) يدل على قبول شهادة الأعراب وأنه يكتفي بظاهر الإسلام كما تقدم في حديث الأعرابي في أول الباب ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له أتشهد أن لا إله إلا الله قال نهم قال أتشهد أن محمدا رسول الله قال نعم ) الحديث وقد استدل بحديث الباب على اعتبار شهادة الاثنين في الإفطار وغير خاف أن مجرد قبول شهادة الاثنين في واقعة لا يدل على عدم قبول الواحد
قوله ( فأمر الناس أن يفطروا ) فيه رد على من زعم أن أمره صلى الله عليه وآله وسلم بالإفطار خاص بالركب كما فعل الجلال في رسالة له وقد نبهنا على ذلك في الاعتراضات التي كتبناها عليها وسميناها إطلاع أرباب الكمال على ما في رسالة الجلال في الهلال من الاختلال

4 - وعن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب : ( أنه خطب في اليوم الذي شك فيه فقال ألا إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسألتهم وأنهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يوما فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا )
- رواه أحمد ورواه النسائي ولم يقل فيه مسلمان

5 - وعن أمير مكة الحرث بن حاطب قال : ( عهد إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما )
- رواه أبو داود والدارقطني وقال هذا إسناد متصل صحيح

- الحديث الأول ذكره الحافظ في التلخيص ولم يذكر فيه قدحا وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه
والحديث الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح إلا الحسين بن الحرث الجدلي وهو صدوق . وصححه الدارقطني كما ذكر المصنف والحرث بن حاطب المذكور له صحبة خرج مع أبيه مهاجرا إلى أرض الحبشة وهو صغير وقيل ولد بأرض الحبشة هو وأخوه محمد بن حاطب واستعمل على مكة سنة ست وستين
قوله ( وانسكوا لها ) هو أعم من قوله صوموا لرؤيته لأن النسك في اللغة العبادة وكل حق لله تعالى كذا في القاموس . قوله ( فأتموا ثلاثين يوما ) فيه الأمر بإتمام العدة وسيأتي الكلام على ذلك . قوله ( مسلمان ) فيه دليل على أنها لا تقبل شهادة الكافر في الصيام والإفطار
وقد استدل بالحديثين على اشتراط العدد في شهادة الصوم والإفطار . وقد تقدم الجواب على ذلك الاستدلال
قوله ( شاهدا عدل ) فيه دليل على اعتبار العدالة في شهادة الصوم وعارض ذلك من لم يشترط العدالة بحديث الأعرابي المتقدم فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يختبره بل اكتفى بمجرد تكلمه بالشهادتين وأجيب بأنه أسلم في ذلك الوقت والإسلام يجب ما قبله فهو عدل بمجرد تكلمه بكلمة الإسلام وإن لم ينضم إليها عمل في تلك الحال

باب ما جاء في يوم الغيم والشك

1 - عن ابن عمر : ( عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا رأيتموه فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأقدروا له ) . أخرجاه هما والنسائي وابن ماجه وفي لفظ ( الشهر تسع وعشرون ليلة فلا تصوموا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين )
- رواه البخاري . وفي لفظ : ( أنه ذكر رمضان فضرب بيديه فقال الشهر هكذا وهكذا وهكذا ثم عقد إبهامه في الثالثة صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأقدروا ثلاثين ) . رواه مسلم وفي رواية أنه قال ( إنما الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأقدروا له ) . رواه مسلم وأحمد وزاد قال نافع وكان عبد الله إذا مضى من شعبان تسع وعشرون يوما يبعث من ينظر فإن رأى فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما )

- قوله ( إذا رأيتموه ) أي الهلال هو عند الإسماعيلي بلفظ ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لهلال رمضان إذا رأيتموه فصوموا ) وكذا أخرجه عبد الرزاق . وظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلا أو نهارا لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل وهو ظاهر في النهي عن ابتداء رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله ( فإن غم عليكم فأقدروا له ) فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين الصحو والغيم فيكون التعليق على الرؤية متعلقا بالصحو وأما الغيم فله حكم آخر ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكدا للأول وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة . وإلى الثاني ذهب الجمهور فقالوا المراد بقوله ( فاقدروا له ) أي قدروا أول الشهر واحسبوا تمام الثلاثين ويرجح هذا الروايات المصرحة بإكمال العدة ثلاثين :
قوله ( فإن غم ) بضم المعجمة وتشديد الميم أي حال بينه وبينكم سحاب أو نحوه : قوله ( فاقدروا ) قال أهل اللغة يقال قدرت الشيء أقدره وأقدره بكسر الدال وضمها وقدرته وأقدرته كلها بمعنى واحد وهي من التقدير كما قال الخطابي ومعناه عند الشافعية والحنفية وجمهور السلف والخلف فاقدروا له تمام الثلاثين يوما لا كما قال أحمد بن حنبل وغيره أن معناه فذروه تحت السحاب فإنه يكفي في رد ذلك الروايات المصرحة بالثلاثين كما تقدم ولا كما قال جماعة منهم ابن شريح ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة إن معناه قدروه بحساب المنازل قال في الفتح قال ابن عبد البر لا يصح عن مطرف وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا ولا كما نقله ابن العربي عن ابن شريح أن قوله فأقدروا له خطاب لمن خصه الله بهذا العلم : وقوله فأكملوا العدة خطاب للعامة لأنه كما قال ابن العربي أيضا يستلزم اختلاف وجوب رمضان فيجب على قوم بحساب الشمس والقمر وعلى آخرين بحساب العدد وقال هذا بعيد عن النبلاء
قوله ( الشهر تسع وعشرون ) ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه بل قد يكون ثلاثين . والمعنى أن الشهر يكون تسعة وعشرين أو اللام للعهد والمراد شهر بعينيه ويؤيد الأول ما وقع في رواية لأم سلمة من حديث الباب بلفظ الشهر يكون تسعة وعشرين
ويؤيد الثاني قول ابن مسعود : ( صمنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين ) . أخرجه أبو داود والترمذي ومثله عن عائشة عند أحمد بإسناد جيد
قوله ( فلا تصوموا حتى تروه ) ليس المراد تعليق الصوم بالرؤية في كل أحد بل المراد بذلك رؤية البعض إما واحدا على رأي الجمهور أو اثنان على رأي غيرهم وقد تقدم الكلام على ذلك وقد تمسك بتعليق الصوم بالرؤية من ذهب إلى إلزام أهل البلد برؤية أهل بلد غيرها وسيأتي تحقيقه : قوله ( الشهر هكذا وهكذا ) الخ قال النووي حاصله أن الاعتبار بالهلال لأن الشهر قد يكون تاما ثلاثين وقد يكون ناقصا تسعة وعشرين وقد لا يرى الهلال فيجب إكمال العدة ثلاثين قال قالوا وقد يقع النقص متواليا في شهرين وثلاثة وأربعة ولا يقع أكثر من أربعة
( وفي هذا الحديث ) جواز اعتماد الإشارة قوله ( قتر ) بفتح القاف والتاء الفوقية وبعدها راء هو الغبرة على ما في القاموس : قوله ( أصبح صائما ) فيه دليل على أن ابن عمر كان يقول بصوم الشك وسيأتي بسط الكلام في ذلك

2 - وعن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غبى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين )
- رواه البخاري ومسلم وقال ( فإن غنى عليكم فعدوا ثلاثين ) وفي لفظ ( صوموا لرؤيته فإن غمي عليكم فعدوا ثلاثين ) . رواه أحمد . وفي لفظ ( إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فانظروا فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما ) . رواه أحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي . وفي لفظ ( صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا ) . رواه أحمد والترمذي وصححه

- قوله ( صوموا لرؤيته ) اللام للتأقيت لا للتعليل وسيأتي الكلام على ذلك في باب ما جاء في استقبال رمضان باليوم واليومين : قوله ( فإن غبى ) بفتح الغين المعجمة وكسر الباء الموحدة مخففة وهو بمعنى غم مأخوذ من الغباوة وهي عدم الفطنة استعار ذلك لخفاء الهلال . قوله ( فإن غمي عليكم ) بضم المعجمة وتشديد الميم وتخفيفها فهو مغموم وهو بمعنى غم ونقل ابن العربي أنه روى عمي بالعين المهملة من العمى وهو بمعناه لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات أو البصيرة عن المعقولات
( والحديث ) يدل على أنه يجب على من لم يشاهد الهلال ولا أخبره من شاهداه أن يكمل عدة شعبان ثلاثين يوما ثم يصوم ولا يجوز أن يصوم يوم ثلاثين من شعبان خلافا لمن قال بصوم يوم الشك وسيأتي ذكرهم ويكمل عدة رمضان ثلاثين يوما ثم يفطر ولا خلاف في ذلك

3 - وعن ابن عباس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين ولا تستقبلوا الشهر استقبالا )
- رواه أحمد والنسائي والترمذي بمعناه وصححه وعنه في لفظ للنسائي ( فأكملوا العدة عدة شعبان ) . رواه من حديث أبي يونس عن سماك عن عكرمة عنه ( لا تقدموا ( 1 ) الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيئا يصومه أحدكم ولا تصوموا حتى تروه ثم صوموا حتى تروه فإن حال دونه غمامة فأتموا العدة ثلاثين ثم أفطروا ) . رواه أبو داود
_________
( 1 ) وقع في آخر سطر من صحيفة 264 لا تقدموا . وصوابه : وفي لفظ لا تقدموا )

4 - وعن عائشة قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتحفظ من هلال شعبان ما لا يتحفظه من غيره يصوم لرؤية رمضان فإن غم عليه عد ثلاثين يوما ثم صام )
- رواه أحمد وأبو داود والدارقطني . وقال إسناد حسن صحيح

5 - وعن حذيفة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة )
- رواه أبو داود والنسائي

6 - وعن عمار بن ياسر قال : ( من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم محمدا صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه الخمسة إلا أحمد وصححه الترمذي وهو للبخاري تعليقا

- حديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة والحاكم وهو من صحيح حديث سماك ابن حرب لم يدلس فيه ولم يلقن أيضا فإنه من رواية شعبة عنه وكان شعبة لا يأخذ عن شيوخه ما دلسوا فيه ولا ما لقنوا . وحديث عائشة صححه أيضا الحافظ . وحديث حذيفة أخرجه أيضا ابن حبان من طريق جرير عن منصور عن ربعي عن حذيفة . وحديث عمار أخرجه أيضا ابن حبان وابن خزيمة وصححاه والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث صلة بن زفر قال كنا عند عمار فذكره وعلقه البخاري في صحيحه عن صلة وليس هو عند مسلم وقد وهم من عزاه إليه . قال ابن عبد البر هذا مسند عندهم مرفوع لا يختلفون في ذلك . وزعم أبو القاسم الجوهري أنه موقوف ورد عليه ورواه إسحاق ابن راهويه عن وكيع عن سفيان عن سماك عن عكرمة . ورواه الخطيب وزاد فيه ابن عباس
( وفي الباب ) عن أبي هريرة عند ابن عدي في ترجمة علي القرشي وهو ضعيف وعنه أيضا حديث آخر عند النسائي بلفظ ( لا تستقبلوا الشهر بصوم يوم أو يومين إلا أن يوافق ذلك صياما كان يصومه أحدكم ) وعنه أيضا حديث آخر عند البزار بلفظ ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن صيام ستة أيام أحدها اليوم الذي يشك فيه . وفي إسناده عبد الله بن سعيد المقبري عن جده وهو ضعيف
وأخرجه أيضا الدارقطني وفي إسناده الواقدي وأخرجه أيضا البيهقي وفي إسناده عباد وهو عبد الله بن سعيد المقبري المتقدم وهو منكر الحديث كما قال أحمد بن حنبل
( وقد استدل ) بهذه الأحاديث على المنع من صوم يوم الشك . قال النووي وبه قال مالك والشافعي والجمهور . وحكى الحافظ في الفتح عن مالك وأبي حنيفة أنه لا يجوز صومه عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك . قال ابن الجوزي في التحقيق ولأحمد في هذه المسألة وهي إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو غيره ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال
أحدها : يجب صومه على أنه من رمضان . وثانيها : لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة . ثالثها : المرجع إلى رأي الإمام في الصوم والفطر وذهب جماعة من الصحابة إلى صومه منهم علي وعائشة وعمر وابن عمر وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر وأبو هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم وجماعة من التابعين منهم مجاهد وطاوس وسالم بن عبد الله وميمون بن مهران ومطرف بن الشخير وبكر بن عبد الله المزني وأبو عثمان النهدي
وقال جماعة من أهل البيت باستحبابه وقد ادعى المؤيد بالله أنه أجمع على استحباب صومه أهل البيت وهكذا قال الأمير الحسن في الشفاء والمهدي في البحر وقد أسند لابن القيم في الهدى الرواية عن الصحابة المتقدم ذكرهم القائلين بصومه وحكى القول بصومه عن جميع من ذكرنا منهم
ومن التابعين وقال وهو مذهب إمام أهل الحديث والسنة أحمد بن حنبل واستدل المجوزون لصومه بأدلة . منها ما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يصومه وأجيب عنه بأن مرادها أنه كان يصوم شعبان كله لما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثها قالت ( ما رأيته يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان ) وهو غير محل النزاع لأن ذلك جائز عند المانعين من صوم يوم الشك لما في الحديث الصحيح المتفق عليه من قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إلا رجل كان يصوم صوما فليصمه )
وأيضا قد تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة ولا العام له ولهم لأنه يكون فعله مخصصا له من العموم . ومنها ما أخرجه الشافعي عن علي عليه السلام قال ( لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان ) وأجيب بأن ذلك من رواية فاطمة بنت الحسين عن علي وهي لم تدركه فالرواية منقطعة ولو سلم الاتصال فليس ذلك بنافع " لأن لفظ الرواية أن رجلا شهد عند علي على رؤية الهلال فصام وأمر الناس أن يصوموا ثم قال لأن أصوم الخ فالصوم لقيام شهادة واحد عنده لا لكونه يوم شك وأيضا الاحتجاج بذلك على فرض أنه عليه السلام استحب صوم يوم الشك من غير نظر إلى شهادة الشاهد إنما يكون حجة على من قال بأن قوله حجة على أنه قد روى عنه القول بكراهة صومه حكى ذلك عنه صاحب الهدى . قال ابن عبد البر وممن روى عنه كراهة صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعمار وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس بن مالك
( والحاصل ) أن الصحابة مختلفون في ذلك وليس قول بعضهم بحجة على أحد والحجة ما جاءنا عن الشارع وقد عرفته وقد استوفيت الكلام على هذه المسألة في الأبحاث التي كتبتها على رسالة الجلال وسيأتي الكلام على استقبال رمضان بيوم أو يومين في آخر الكتاب إن شاء الله تعالى

باب الهلال إذا رآه أهل بلدة هل يلزم بقية البلاد الصوم

1 - عن كريب : ( أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بالشام فقال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل على رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتم الهلال فقلت رأيناه ليلة الجمعة فقال أنت رأيته فقلت نعم ورآه الناس وصاموا أو صام معاوية فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه فقلت ألا تكتفي برؤية معاوية وصيامه فقال لا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه

- قوله ( واستهل على رمضان ) هو بضم التاء من استهل قاله النووي : قوله ( أفى تكتفي ) شك أحد رواته هل هو بالخطاب لابن عباس أو بنون الجمع للمتكلم . وقد تمسك بحديث كريب هذا من قال أنه لا يلزم أهل بلد رؤية بلد غيرها وقد اختلفوا في ذلك على مذاهب ذكرها صاحب الفتح
أحدها : أنه يعتبر لأهل كل بلد رؤيتهم ولا يلزمهم رؤية غيرهم حكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم بن محمد وسالم وإسحاق وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الماوردي وجها للشافعية
وثانيها : أنه لا يلزم أهل بلد رؤية غيرهم إلا أن يثبت ذلك عند الإمام الأعظم فيلزم الناس كلهم لأن البلاد في حقه كالبلد الواحد إذ حكمه نافذ في الجميع قاله ابن الماجشون
وثالثها : أنها إن قاربت البلاد كان الحكم واحدا وإن تباعدت فوجهان لا يجب عند الأكثر قاله بعض الشافعية واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب وحكاه البغوي عن الشافعي وفي ضبط البعيد أوجه أحدها اختلاف المطالع قطع به العراقيون والصيدلاني وصححه النووي في الروضة وشرح المهذب
ثانيها : مسافة القصر قطع البغوي وصححه الرافعي والنووي
ثالثها : باختلاف الأقاليم حكاه في الفتح
رابعها : أنه يلزم أهل كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض دون غيرهم حكاه السرخسي
خامسها : مثل قول ابن الماجشون المتقدم
سادسها : أنه لا يلزم إذا اختلفت الجهتان ارتفاعا وانحدارا كأن يكون أحدهما سهلا والآخر جبلا أو كان كل بلد في إقليم حكاه المهدي في البحر عن الإمام يحيى والهادوية
وحجة أهل هذه الأقوال حديث كريب هذا . ووجه الاحتجاج به أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام وقال في آخر الحديث ( هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) فدل ذلك على أنه قد حفظ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يلزم أهل بلد العمل برؤية أهل بلد آخر
( واعلم ) أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهاده الذي فهم عنه الناس والمشار إليه بقوله هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو قوله فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين والأمر الكائن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ : ( لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين )
وهذا لا يختص بأهل ناحية على جهة الانفراد بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر لكان عدم اللزوم مقيدا بدليل العقل وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد وليس بحجة ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا فلا يقبل التخصيص إلا بدليل ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص إن كان النص معلوما أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوما لوروده على خلاف القياس ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا بمعنى لفظه حتى ننظر في عمومه وخصوصه إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصا لذلك العموم فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس وعدم الإلحاق به فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها ولو نسلم صحة الإلحاق وتخصيص العموم به فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام أو أكثر وأما في أقل من ذلك فلا وهذا ظاهر فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل بالرؤية والذي ينبغي اعتماده هو ما ذهب إليه المالكية وجماعة من الزيدية واختاره المهدي منهم أو حكاه القرطبي عن شيوخه أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر من أن هذا القول خلاف الإجماع قال لأنهم قد أجمعوا على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كحراسان والأندلس وذلك لأن الإجماع لا يتم والمخالف مثل هؤلاء الجماعة

باب وجوب النية من الليل في الفرض دون النفل

1 - عن ابن عمر عن حفصة : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له )
- رواه الخمسة

- الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان وصححاه مرفوعا وأخرجه أيضا الدارقطني قال في التلخيص واختلف الأئمة في رفعه ووقفه فقال ابن أبي حاتم عن أبيه لا أدري أيهما أصح يعني رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن سالم أو رواية إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم بغير واسطة الزهري لكن الوقف أشبه . وقال أبو داود لا يصح رفعه وقال الترمذي الموقوف أصح ونقل في العلل عن البخاري أنه قال هو خطأ وهو حديث فيه اضطراب والصحيح عن ابن عمر موقوف وقال النسائي الصواب عندي موقوف ولم يصح رفعه . وقال أحمد ما له عندي ذلك الإسناد . وقال الحاكم في الأربعين صحيح على شرط الشيخين . وقال في المستدرك صحيح على شرط البخاري . وقال البيهقي رواته ثقات إلا أنه روي موقوفا . وقال الخطابي أسنده عبد الله بن أبي بكر والزيادة من الثقة مقبولة . وقال ابن حزم الاختلاف فيه يزيد الخبر قوة وقال الدارقطني كلهم ثقات انتهى كلام التلخيص . وقد تقرر في الأصول وعلم الاصطلاح أن الرفع من الثقة زيادة مقبولة وإنما قال ابن حزم أن الاختلاف يزيد الخبر قوة لأن من رواه مرفوعا فقد رواه موقوفا باعتبار الطرق
( وفي الباب ) عن عائشة عند الدارقطني وفيه عبد الله بن عباد وهو مجهول وقد ذكره ابن حبان في الضعفاء وعن ميمونة بنت سعد عند الدارقطني أيضا بلفظ : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من أجمع الصيام من الليل فليصم ومن أصبح ولم يجمعه فلا يصم ) . وفي إسناده الواقدي
( والحديث ) فيه دليل على وجوب تبييت النية وإيقاعها في جزء من أجزاء الليل وقد ذهب إلى ذلك ابن عمر وجابر بن يزيد من الصحابة والناصر والمؤيد بالله ومالك والليث وابن أبي ذئب ولم يفرقوا بين الفرض والنفل
وقال أبو طلحة وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل والهادي والقاسم أنه لا يجب التبييت في التطوع ويروى عن عائشة أنها تصح النية بعد الزوال . وروى عن علي عليه السلام والناصر وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي أنها لا تصح النية بعد الزوال . وقالت الهادوية وروى عن علي وابن مسعود والنخعي أنه لا يجب التبييت إلا في صوم القضاء والنذر المطلق والكفارات وأن وقت النية في غير هذه من غروب شمس اليوم الأول إلى بقية من نهار اليوم الذي صامه
وقد استدل القائلون بأنه لا يجب التبييت بحديث سلمة بن الأكوع والربيع عند الشيخين : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر رجلا من أسلم أن أذن في الناس إذ فرض صوم عاشوراء الأكل من أكل فليمسك ومن لم يأكل فليصم )
وأجيب بأن خبر حفصة متأخر فهو ناسخ لجوازها في النهار ولو سلم عدم النسخ فالنية إنما صحت في نهار عاشوراء لكن الرجوع إلى الليل غير مقدور والنزاع فيما كان مقدورا فيخص الجواز بمثل هذه الصورة أعني من ظهر له وجوب الصيام عليه من النهار كالمجنون يفيق والصبي يحتلم والكافر يسلم وكمن انكشف له في النهار أن ذلك اليوم من رمضان . واستدلوا أيضا بحديث عائشة الآتي وسيأتي الجواب عنه
( والحاصل ) أن قوله لا صيام نكرة في سياق النفي فيعم كل صيام ولا يخرج عنه إلا ما قام الدليل على أنه لا يشترط فيه التبييت والظاهر أن النفي متوجه إلى الصحة لأنها أقرب المجازين إلى الذات أو متوجه إلى نفي الذات الشرعية فيصلح الحديث للاستدلال به على عدم صحة صوم من لا يبيت النية إلا ما خص كالصورة المتقدمة
والحديث أيضا يرد على الزهري وعطاء وزفر لأنهم لم يوجبوا النية في صوم رمضان وهو يدل على وجوبها
ويدل أيضا على الوجوب حديث إنما الأعمال بالنيات والظاهر وجوب تجديدها لكل يوم لأنه عبادة مستقلة مسقطة لفرض وقتها وقد وهم من قاس أيام رمضان على أعمال الحج باعتبار التعدد للأفعال لأن الحج عمل واحد ولا يتم إلا بفعل ما اعتبره الشارع من المناسك والإخلال بواحد من أركانه يستلزم عدم إجزائه
قوله ( يجمع ) أي يعزم يقال أجمعت على الأمر أي عزمت عليه . قال المنذري يجمع بضم الياء آخر الحروف وسكون الجيم من الإجماع وهو أحكام النية والعزيمة يقال أجمعت الرأي وأزمعت بمعنى واحد

2 - وعن عائشة قالت : ( دخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم فقال هل عندكم من شيء فقلنا لا فقال فإني إذن صائم ثم أتانا يوما آخر فقلنا يا رسول الله أهدي لنا حيس فقال أرينيه فلقد أصبحت صائما فأكل )
- رواه الجماعة إلا البخاري : وزاد النسائي ( ثم قال إنما مثل صوم المتطوع مثل الرجل يخرج من ماله الصدقة فإن شاء أمضاها وإن شاء حبسها ) . وفي لفظ أيضا : ( قال يا عائشة إنما منزلة من صام في غير رمضان أو في التطوع بمنزلة رجل أخرج صدقة ماله فجاد منها بما شاء فأمضاها وبخل منها مما شاء فأمسكه ) . قال البخاري وقالت أم الدرداء ( كان أبو الدرداء يقول عندكم طعام فإن قلنا لا قال فإني صائم يومي هذا ) . قال وفعله أبو طلحة وأبو هريرة وابن عباس وحذيفة رضي الله عنهم

- الرواية الأولى أخرجها أيضا الدارقطني والبيهقي وفي لفظ لمسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدخل على بعض أزواجه فيقول هل من غداء فإن قالوا لا قال فإني صائم ) . وله ألفاظ عنده
ورواه أبو داود وابن حبان والدارقطني بلفظ : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يأتينا فيقول هل عندكم من غداء فإن قلنا نعم تغدى وإن قلنا لا قال إني صائم وأنه أتانا ذات يوم وقد أهدي لنا حيس ) الحديث :
قوله ( حيس ) بفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية بعدها سين مهملة هو طعام يتخذ من التمر والأقط والسمن وقد يجعل عوض الأقط الدقيق والفتيت قاله في النهاية . وقد استدل بحديث عائشة أنه لا يجب تبييت النية في صوم التطوع وهم الجمهور كما قال النووي وأجيب عنه بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد كان نوى الصوم من الليل وإنما أراد الفطر لما ضعف عن الصوم وهو محتمل لا سيما على رواية ( فلقد أصبحت صائما ) ولو سلم عدم الاحتمال كان غايته تخصيص صوم التطوع من عموم قوله . ( فلا صيام له ) . قوله ( إنما مثل صوم المتطوع ) الخ فيه دليل على أنه يجوز للمتطوع بالصوم أن يفطر ولا يلزمه الاستمرار على الصوم وإن كان أفضل بالإجماع وظاهره أن من أفطر في التطوع لم يجب عليه القضاء وإليه ذهب الجمهور
وقال أبو حنيفة ومالك والحسن البصري ومكحول والنخعي أنه ل