روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

الخميس، 2 يونيو 2022

مجلد 3. و4.نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني

 

3  مجلد 3. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار
المؤلف : محمد بن علي بن محمد الشوكاني

باب الرخصة في اللباس الجميل واستحباب التواضع فيه وكراهة الشهرة والإسبال

1 - عن ابن مسعود قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يدخل الجنة من كان في قلبه ذرة من كبر فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال : إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمص الناس )
- رواه أحمد ومسلم

- قوله ( إن الله جميل ) اختلفوا في معناه فقيل إن كل أمره سبحانه وتعالى حسن جميل وله الأسماء الحسنى وصفات الجمال والكمال . وقيل جميل بمعنى مجمل ككريم وسميع بمعنى مكرم ومسمع . وقال أبو القاسم القشيري : معناه جليل . وقال الخطابي : إنه بمعنى ذي النور والبهجة أي مالكهما . وقيل معناه جميل الأفعال بكم والنظر إليكم يكلفكم اليسير ويعين عليه ويثيب عليه الجزيل ويشكر عليه
( قال النووي : ) واعلم أن هذا الاسم ورد في هذا الحديث الصحيح ولكنه من أخبار الآحاد وقد ورد أيضا في حديث الأسماء الحسنى وفي إسناده مقال والمختار جواز إطلاقه على الله ومن العلماء من منعه قال إمام الحرمين : ما ورد الشرع بإطلاقه في أسماء الله تعالى وصفاته أطلقناه وما منع الشرع من إطلاقه منعناه وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم فإن الأحكام الشرعية تتلقى من موارد الشرع ولو قضينا بتحليل أو تحريم لكنا مثبتين حكما بغير الشرع انتهى
وقد وقع الخلاف في تسمية الله ووصفه من أوصاف الكمال والجلال والمدح بما لم يرد به الشرع ولا منعه فأجازه وطائفة ومنعه آخرون إلا أن يرد به شرع مقطوع به من نص كتاب أو سنة متواترة أو إجماع على إطلاقه فإن ورد خبر واحد فاختلفوا فيه فأجازه طائفة وقالوا الدعاء به والثناء من باب العمل وهو جائز بخبر الواحد ومنعه آخرون لكونه راجعا إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل على الله تعالى وطريق هذا القطع قال القاضي [ ص 109 ] عياض : والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقول الله تعالى { ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها } انتهى . والمسألة مدونة في علم الكلام فلا نطيل فيها المقال
قوله ( بطر الحق ) هو دفعه وإنكاره ترفعا وتجبرا قاله النووي . وفي القاموس بطر الحق أن يتكبر عنده فلا يقبله
قوله ( وغمص الناس ) هو بغين معجمة مفتوحة وصاد مهملة قبلها ميم ساكنة وقال النووي في شرح مسلم : هو بالطاء المهملة في نسخ صحيح مسلم
قال القاضي عياض : لم نرو هذا الحديث عن جميع شيوخنا هنا وفي البخاري إلا بالطاء ذكره أبو داود في مصنفه وذكره أبو سعيد الترمذي وغيره . والغمط والغمص قال النووي بمعنى واحد وهو احتقار الناس
( والحديث ) يدل على أن الكبر مانع من دخول الجنة وإن بلغ في القلة إلى الغاية ولهذا ورد التحديد بمثقال ذرة وقد اختلف في تأويله فذكر الخطابي فيه وجهين أحدهما أن المراد التكبر عن الإيمان فصاحبه لا يدخل الجنة أصلا إذا مات عليه والثاني أنه لا يكون في قلبه كبر حال دخول الجنة كما قال الله تعالى { ونزعنا ما في صدورهم من غل } قال النووي : وهذان التأويلان فيهما بعد فإن الحديث ورد في سياق النهي عن الكبر المعروف وهو الارتفاع عن الناس واحتقارهم ودفع الحق فلا ينبغي أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب بل الظاهر ما اختاره القاضي عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخلها بدون مجازاة إن جازاه وقيل هذا جزاؤه لو جازاه وقيل لا يدخلها مع المتقين أول وهلة ويمكن أن يقال أن هذا الحديث وما يشابهه من الأحاديث التي وردت مصرحا فيها بعدم دخول جماعة من العصاة الجنة أو عدم خروج جماعة منهم من النار خاصة . وأحاديث دخول جميع الموحدين الجنة وخروج عصاتهم من النار عامة فلا حاجة على هذا إلى التأويل
( والحديث ) أيضا يدل على أن محبة لبس الثوب الحسن والنعل الحسن وتخير اللباس الجميل ليس من الكبر في شيء وهذا مما لا خلاف فيه فيما أعلم والرجل المذكور في الحديث هو مالك بن مرارة الرهاوي ذكر ذلك ابن عبد البر والقاضي عياض وقد جمع الحافظ ابن بشكوال في اسمه أقوالا استوفاها النووي في شرح مسلم

2 - وعن سهل بن معاذ الجهني عن أبيه : ( عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : من ترك أن يلبس صالح الثياب وهو يقدر عليه تواضعا لله عز و جل دعاه الله [ ص 110 ] عز و جل على رؤوس الخلائق حتى يخيره في حلل الإيمان أيتهن شاء )
- رواه أحمد والترمذي

- الحديث حسنه الترمذي وقد رواه من طريق عباس بن محمد الدوري عن عبد الله بن يزيد المقري عن سعيد بن أبي أيوب عن أبي مرحوم عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعبد الرحيم بن ميمون قال النسائي : ليس به بأس وضعفه ابن معين . وسهل بن معاذ وثقه ابن حبان وضعفه ابن معين . وفيه استحباب الزهد في الملبوس وترك لبس حسن الثياب ورفيعها لقصد التواضع ولا شك أن لبس ما فيه جمال زائد من الثياب يجذب بعض الطباع إلى الزهو والخيلاء والكبر وقد كان هديه صلى الله عليه وآله وسلم كما قال الحافظ ابن القيم أن يلبس ما تيسر من اللباس والصوف تارة والقطن أخرى والكتان تارة ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر ولبس الجبة والقباء والقميص إلى أن قال : فالذين يمتنعون عما أباح الله من الملابس والمطاعم والمناكح تزهدا وتعبدا بإزائهم طائفة قابلوهم فلم يلبسوا إلا أشرف الثياب ولم يأكلوا إلا أطيب وألين الطعام فلم يروا لبس الخشن ولا أكله تكبرا وتجبرا وكلا الطائفتين مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولهذا قال بعض السلف : كانوا يكرهون الشهرتين من الثياب العالي والمنخفض . وفي السنن عن ابن عمر يرفعه ( من لبس ثوب شهرة ألبسه الله ثوب مذلة ) إلى آخر كلامه . وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصفهاني بإسناد صحيح عن جابر بن أيوب قال : دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف فاشمأز عنه محمد وقال : أظن أن أقواما يلبسون الصوف ويقولون قد لبسه عيسى بن مريم وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد لبس الكتان والصوف والقطن وسنة نبينا أحق أن تتبع
ومقصود ابن سيرين من هذا أن قوما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره فيتحرونه ويمنعون أنفسهم من غيره وكذلك يتحرون زيا واحدا من الملابس ويتحرون رسوما وأوضاعا وهيئات يرون الخروج عنها منكرا وليس المنكر إلا التقييد بها والمحافظة عليها وترك الخروج عنها
( والحاصل ) أن الأعمال بالنيات فلبس المنخفض من الثياب تواضعا وكسرا لسورة النفس التي لا يؤمن عليها من التكبر إن لبست غالي الثياب من المقاصد الصالحة الموجبة للمثوبة من الله ولبس الغالي من الثياب عند الأمن [ ص 111 ] على النفس من التسامي المشوب بنوع من التكبر لقصد التوصل بذلك إلى تمام المطالب الدينية من أمر بمعروف أو نهي عن منكر عند من لا يلتفت إلا إلى ذوي الهيئات كما هو الغالب على عوام زماننا وبعض خواصه لا شك أنه من الموجبات للأجر لكنه لا بد من تقييد ذلك بما يحل لبسه شرعا

3 - وعن ابن عمر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لبس ثوب شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة )
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا النسائي ورجال إسناده ثقات رواه أبو داود عن شيخه محمد بن عيسى بن بحيح بن الطباع . قال فيه أبو حاتم : مبرز ثقة له عدة مصنفات عن أبي عوانة الوضاح وهو ثقة عن عثمان بن أبي زرعة الثقفي وقد أخرج له البخاري في الأنبياء عن المهاجر بن عمرو البسامي وقد أخرج له ابن حبان في الثقات عن ابن عمر وأخرجه أيضا من طريق محمد بن عيسى عن القاضي شريك عن عثمان بذلك الإسناد
قوله ( من لبس ثوب شهرة ) قال ابن الأثير : الشهرة ظهور الشيء والمراد أن ثوبه يشتهر بين الناس لمخالفة لونه لألوان ثيابهم فيرفع الناس إليه أبصارهم ويختال عليهم بالعجب والتكبر
قوله ( ألبسه الله تعالى ثوب مذلة ) لفظ أبي داود ثوبا مثله والمراد بقوله ثوب مذلة يوجب ذلته يوم القيامة كما لبس في الدنيا ثوبا يتعزز به على الناس ويترفع به عليهم والمراد بقوله مثله في تلك الرواية أنه مثله في شهرته بين الناس . قال ابن رسلان : لأنه لبس الشهرة في الدنيا ليعز به ويفتخر على غيره ويلبسه الله يوم القيامة ثوبا يشتهر بمذلته واحتقاره بينهم عقوبة له والعقوبة من جنس العمل انتهى . ويدل على هذا التأويل الزيادة التي زادها أبو داود من طريق أبي عوانة بلفظ : ( تلهب فيه النار )
( والحديث ) يدل على تحريم لبس ثوب الشهرة وليس هذا الحديث مختصا بنفيس الثياب بل قد يحصل ذلك لمن يلبس ثوبا يخالف ملبوس الناس من الفقراء ليراه الناس فيتعجبوا من لباسه ويعتقدوه قاله ابن رسلان وإذا كان اللبس لقصد الاشتهار في الناس فلا فرق بين رفيع الثياب ووضيعها والموافق لملبوس الناس والمخالف لأن التحريم يدور مع الاشتهار والمعتبر القصد وإن لم يطابق الواقع

4 - وعن ابن عمر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة فقال أبو بكر : إن أحد شقي إزاري يسترخي [ ص 112 ] إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال : إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء )
- رواه الجماعة إلا أن مسلما وابن ماجه والترمذي لم يذكروا قصة أبي بكر

- قوله ( خيلاء ) فعلاء بضم الخاء المعجمة ممدود . والمخيلة والبطر والكبر والزهو والتبختر والخيلاء كلها بمعنى واحد يقال خال واختال إذا تكبر وهو رجل خال أي متكبر وصاحب خال أي صاحب كبر
قوله ( لم ينظر الله إليه ) النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي وهو هنا مجاز عن الرحمة أي لا ي
C لامتناع حقيقة النظر في حقه تعالى والعلاقة هي السببية فإن من نظر إلى غيره وهو في حالة ممتنهة رحمه
وقال في شرح الترمذي : عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه ومن نظر إلى متكبر مقته فالرحمة والمقت متسببان عن النظر
( والحديث ) يدل على تحريم جر الثوب خيلاء والمراد بجره هو جره على وجه الأرض وهو الموافق لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار ) كما سيأتي وظاهر الحديث أن الإسبال محرم على الرجال والنساء لما في صيغة من في قوله ( من جر ) من العموم وقد فهمت أم سلمة ذلك لما سمعت الحديث فقالت : ( فكيف تصنع النساء بذيولهن قال : يرخينه شبرا فقالت : إذا تنكشف أقدامهن قال : فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه ) أخرجه النسائي والترمذي ولكنه قد أجمع المسلمون على جواز الإسبال للنساء كما صرح بذلك ابن رسلان في شرح السنن وظاهر التقييد بقوله ( خيلاء ) يدل بمفهومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلا في هذا الوعيد قال ابن عبد البر : مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد إلا أنه مذموم قال النووي : إنه مكروه وهذا نص الشافعي قال البويطي في مختصره عن الشافعي : لا يجوز السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء ولغيرها خفيف لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر انتهى . قال ابن العربي : لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول لا أجره خيلاء لأن النهي قد تناوله لفظا ولا يجوز لمن تناوله لفظا أن يخالفه إذ صار حكمه أن يقول لا أمتثله لأن تلك العلة ليست في فإنها دعوى غير مسلمة بل إطالة ذيله دالة على تكبره انتهى
( وحاصله ) أن الإسبال يستلزم جر الثوب وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم يقصده اللابس ويدل على عدم اعتبار التقييد بالخيلاء ما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث جابر بن سليم من حديث طويل فيه : ( وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة ) وما أخرج الطبراني من [ ص 113 ] حديث أبي أمامة قال : ( بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا لحقنا عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة إزار ورداء قد أسبل فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله عز و جل ويقول : عبدك وابن عبدك وأمتك حتى سمعها عمرو فقال : يا رسول الله إني أحمش الساقين فقال : يا عمرو إن الله تعالى قد أحسن كل شيء خلقه يا عمرو إن الله لا يحب المسبل )
والحديث رجاله ثقات وظاهره أن عمرا لم يقصد الخيلاء وقد عرفت ما في حديث الباب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر : ( إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء ) وهو تصريح بأن مناط التحريم الخيلاء وأن الإسبال قد يكون للخيلاء وقد يكون لغيره فلا بد من حمل قوله ( فإنها من المخيلة ) في حديث جابر بن سليم على أنه خرج مخرج الغالب فيكون الوعيد المذكور في حديث الباب متوجها إلى من فعل ذلك اختيالا والقول بأن كل إسبال من المخيلة أخذا بظاهر حديث جابر ترده الضرورة فإن كل أحد يعلم أن من الناس من يسبل إزاره مع عدم خطور الخيلاء بباله ويرده ما تقدم من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر لما عرفت وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث وعدم إهدار قيد الخيلاء المصرح به في الصحيحين وقد جمع بعض المتأخرين رسالة طويلة جزم فيها بتحريم الإسبال مطلقا وأعظم ما تمسك به حديث جابر
وأما حديث أبي أمامة فغاية ما فيه التصريح بأن الله لا يحب المسبل وحديث الباب مقيد بالخيلاء وحمل المطلق على المقيد واجب وأما كون الظاهر من عمرو أنه لم يقصد الخيلاء فما بمثل هذا الظاهر تعارض الأحاديث الصحيحة وسيأتي ذكر المقدار الذي يعد إسبالا وذكر عموم الإسبال لجميع اللباس
ومن الأحاديث الدالة على أن الإسبال من أشد الذنوب ما أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم قلت : من هم يا رسول الله فقد خابوا وخسروا فأعادها ثلاثا قلت : من هم خابوا وخسروا قال : المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب أو الفاجر ) وما أخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة قال : ( بينما رجل يصلي مسبلا إزاره فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اذهب فتوضأ فذهب فتوضأ ثم جاء قال : اذهب فتوضأ فقال له رجل : يا رسول الله ما لك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه قال : إنه صلى وهو مسبل إزاره وإن الله لا يقبل صلاة رجل [ ص 114 ] مسبل ) وفي إسناده أبو جعفر رجل من أهل المدينة لا يعرف اسمه . وما أخرجه أبو داود من جملة حديث طويل وفيه : ( قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نعم الرجل خزيم الأسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره )

5 - وعن ابن عمر : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة )
- رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه

- الحديث في إسناده عبد العزيز بن أبي رواد وقد تكلم فيه غير واحد قال ابن ماجه : قال أبو بكر ابن أبي شيبة : ما أعرفه انتهى . وهو مولى المهلب بن أبي صفرة وقد أخرج له البخاري وقال النووي في شرح مسلم بعد أن ذكر هذا الحديث : إن إسناده حسن
( والحديث ) يدل على عدم اختصاص الإسبال بالثوب والإزار بل يكون في القميص والعمامة كما في الحديث . قال ابن رسلان : والطيلسان والرداء والشملة . قال ابن بطال : وإسبال العمامة المراد به إرسال العذبة زائدا على ما جرت به العادة انتهى
وأما المقدار الذي جرت به العادة فقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله هو وأصحابه وتطويل أكمام القميص تطويلا زائدا على المعتاد من الإسبال وقد نقل القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على المعتاد في اللباس في الطول والسعة

6 - وعن أبي هريرة : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا )
- متفق عليه . ولأحمد والبخاري : ( ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار )

- قوله ( بطرا ) قد تقدم أن البطر معناه معنى الخيلاء وفي القاموس البطر النشاط والأشر وقلة احتمال النعمة والدهش والحيرة والطغيان وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة انتهى
قوله ( ما أسفل من الكعبين ) الخ قال في الفتح : ما موصلة وبعض صلة المحذوف وهو كان وأسفل خبره وهو منصوب ويجوز الرفع أي ما هو أسفل وهو أفعل تفضيل ويحتمل أن يكون فعلا ماضيا ويجوز أن تكون ما نكرة موصوفة بأسفل . قال الخطابي : يريد أن الموضع الذي يناله الإزار من أسفل الكعبين في النار فكنى بالثوب عن بدن لابسه ومعناه أن الذي دون الكعبين من القدم يعذب عقوبة
وحاصله أنه من تسمية الشيء باسم ما جاوره أو حل فيه وتكون من بيانية ويحتمل أن تكون سببية [ ص 115 ] ويكون المراد الشخص نفسه فيكون هذا من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه أمره في الآخرة كقوله { إني أراني أعصر خمرا } يعني عنبا فسماه بما يؤول إليه غالبا وقيل معناه فهو محرم عليه لأن الحرام يوجب النار في الآخرة . وقد أخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج أو لا جناح فيما بينه وبين الكعبين وما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ) وأخرجه أيضا النسائي وابن ماجه
( وحديث ) الباب يدل على أن الإسبال المحرم إنما يكون إذا جاوز الكعبين وقد تقدم الكلام على اعتبار الخيلاء وعدمه

باب نهي المرأة أن تلبس ما يحكي بدنها أو تشبه بالرجال

1 - عن أسامة بن زيد قال : ( كساني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبطية كثيفة كانت مما أهدي له دحية الكلبي فسكوتها امرأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما لك لا تلبس القبطية فقلت : يا رسول الله كسوتها امرأتي فقال : مرها أن تجعل تحتها غلالة فإني أخاف أن تصف حجم عظامها )
- رواه أحمد

- الحديث أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والبزار وابن سعد والروياني والبارودي والطبراني والبيهقي والضياء في المختارة وقد أخرج نحوه أبو داود عن دحية بن خليفة قال : ( أتي رسول الله بقباطي فأعطاني منها قبطية فقال : اصدعها صدعتين فاقطع أحدهما قميصا وأعط الآخر امرأتك تختمر به فلما أدبر قال : ومر امرأتك تجعل تحته ثوبا لا يصفها ) وفي إسناده ابن لهيعة ولا يحتج بحديثه وقد تابع ابن لهيعة على روايته هذه أبو العباس يحيى بن أيوب المصري وفيه مقال وقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري
قوله ( قبطية ) قال في القاموس بضم القاف على غير قياس وقد تكسر وفي الضياء بكسرها . وقال القاضي عياض بالضم وهي نسبة إلى القبط بكسر القاف وهم أهل مصر
قوله ( غلالة ) الغلالة بكسر الغين المعجمة شعار يلبس تحت الثوب كما في القاموس وغيره
( والحديث ) يدل على أنه يجب على المرأة أن تستر بدنها بثوب لا يصفه وهذا شرط ساتر العورة وإنما أمر بالثوب تحته لأن القباطي ثياب رقاق لا تستر البشرة عن رؤية الناظر بل تصفها

2 - [ ص 116 ] وعن أم سلمة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل على أم سلمة وهي تختمر فقال : لية لا ليتين )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث رواه عن أم سلمة وهب مولى أبي أحمد قال المنذري : وهذا يشبه المجهول وفي الخلاصة أنه وثقه ابن حبان
قوله ( وهي تختمر ) الواو للحال والتقدير دخل عليها حال كونها تصلح خمارها يقال اختمرت المرأة وتخمرت إذا لبست الخمار كما يقال اعتم وتعمم إذا لبس العمامة
قوله ( فقال لية ) بفتح اللام وتشديد الياء والنصب على المصدر والناصب فعل مقدر والتقدير الويه لية
قوله ( لا ليتين ) أمرها أن تلوي خمارها على رأسها وتديره مرة واحدة لا مرتين لئلا يشبه اختمارها تدوير عمائم الرجال إذا اعتموا فيكون ذلك من التشبه المحرم وسيأتي أنه محرم على العموم من دون تخصيص

3 - وعن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : صنفان من أهل النار لم أرهما بعد نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات على رؤوسهن أمثال أسنمة البخت المائلة لا يرين الجنة ولا يجدن ريحها . ورجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس )
- رواه أحمد ومسلم

- قوله ( صنفان من أهل النار ) فيه ذم هذين الصنفين . قال النووي : هذا الحديث من معجزات النبوة فقد وقع هذان الصنفان وهما موجودان
قوله ( كاسيات عاريات ) قيل كاسيات من نعمة الله عاريات من شكرها . وقيل معناه تستر بعض بدنها وتكشف بعضه إظهارا لجمالها ونحوه وقيل تلبس ثوبا رقيقا يصف لون بدنها
قوله ( مائلات ) أي عن طاعة الله وما يلزمهن حفظه مميلات أي يعلمن غيرهن فعلهن المذموم . وقيل مائلات بمشيهن متبخترات مميلات لأكتافهن
وقيل المائلات بمشطهن مشطة البغايا المميلات بمشطهن غيرهن تلك المشطة
قوله ( على رؤوسهن أمثال أسنمة البخت ) أي يكرمن شعورهن ويعظمنها بلف عمامة أو عصابة أو نحوها . والبخت بضم الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة والتاء المثناة الإبل الخراسانية
( والحديث ) ساقه المصنف للاستدلال به على كراهة لبس المرأة ما يحكي بدنها وهو أحد التفاسير كما تقدم والأخبار بأن من فعل ذلك من أهل النار وأنه لا يجد ريح الجنة مع أن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام وعيد شديد يدل على تحريم ما اشتمل عليه الحديث من صفات هذين الصنفين

4 - [ ص 117 ] وعن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعن الرجل يلبس لبس المرأة والمرأة تلبس لبس الرجل )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه أيضا النسائي ولم يتكلم عليه أبو داود ولا المنذري ورجال إسناده رجال الصحيح . وأخرج أبو داود عن عائشة أنها قالت : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرجلة من النساء ) وأخرج البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث ابن عباس قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين من الرجال بالنساء ) وأخرج أحمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه رأى امرأة متقلدة قوسا وهي تمشي مشية الرجل فقال : من هذه فقال : هذه أم سعيد بنت أبي جهل فقال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ليس منا من تشبه بالرجال من النساء )
قوله ( لبس المرأة ولبس الرجل ) رواية أبي داود لبسة في الموضعين
( والحديث ) يدل على تحريم تشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء لأن اللعن لا يكون إلا على فعل محرم وإليه ذهب الجمهور . وقال الشافعي في الأم : إنه لا يحرم زي النساء على الرجل وإنما يكره فكذا عكسه انتهى . وهذه الأحاديث ترد عليه ولهذا قال النووي في الروضة : والصواب أن تشبه النساء بالرجال وعكسه حرام للحديث الصحيح انتهى
وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المترجلات : ( أخرجوهن من بيوتكم ) وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة قال : ( أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما بال هذا فقالوا : يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع قيل : يا رسول الله ألا نقتله قال : إني نهيت أن أقتل المصلين ) وروى البيهقي أن أبا بكر أخرج مخنثا وأخرج عمر واحدا

باب التيامن في اللبس وما يقول من استجد ثوبا

1 - عن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا لبس قميصا بدأ بميامنه ) وعن أبي سعيد قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول : اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع له وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له )
- رواهما الترمذي

[ ص 118 ] - الحديث الأول أخرجه أيضا النسائي وذكره الحافظ في التلخيص وسكت عنه . ويشهد له حديث : ( إذا توضأتم وإذا لبستم فابدؤوا بميامنكم ) أخرجه ابن حبان والبيهقي والطبراني قال ابن دقيق العيد : هو حقيق بأن يصح ويشهد له أيضا حديث عائشة المتفق عليه بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله ) وهو يدل على مشروعية الابتداء في لبس القميص بالميامن وكذلك لبس غيره لعموم الأحاديث الدالة على مشروعية تقديم الميامن
( والحديث ) الثاني أخرجه أيضا النسائي وأبو داود وحسنه الترمذي
قوله ( سماه باسمه ) قال ابن رسلان في شرح السنن : البداءة باسم الثوب قبل حمد الله تعالى أبلغ في تذكر النعمة وإظهارها فإن فيه ذكر الثوب مرتين فمرة ذكره ظاهرا ومرة ذكره مضمرا
قوله ( أسألك خيره ) هكذا لفظ الترمذي ولفظ أبي داود : ( أسألك من خيره ) بزيادة من . ولفظ الترمذي أعم وأجمع لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة : ( عليك بالجوامع الكوامل اللهم إني أسألك الخير كله ) ولفظ أبي داود أنسب لما فيه من المطابقة لقوله في آخر الحديث : ( وأعوذ بك من شره )
قوله ( وخير ما صنع له ) هو استعماله في طاعة الله تعالى وعبادته ليكون عونا له عليها
قوله ( وشر ما صنع له ) هو استعماله في معصية الله ومخالفة أمره
( والحديث ) يدل على استحباب حمد الله تعالى عند لبس الثوب الجديد . وقد أخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما اشترى عبد ثوبا بدينار أو بنصف دينار فحمد الله إلا لم يبلغ ركبتيه حتى يغفر الله له ) وقال : حديث لا أعلم في إسناده أحدا ذكر بجرح والله أعلم

أبواب اجتناب النجاسات ومواضع الصلوات

باب اجتناب النجاسة في الصلاة والعفو عما لا يعلم بها

1 - عن جابر بن سمرة قال : ( سمعت رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصلي في الثوب الذي آتي فيه أهلي قال : نعم إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله )
- رواه أحمد وابن ماجه

2 - وعن معاوية قال : ( قلت لأم حبيبة : هل كان يصلي النبي صلى الله عليه وآله [ ص 119 ] وسلم في الثوب الذي يجامع فيه قالت : نعم إذا لم يكن فيه أذى )
- رواه الخمسة إلا الترمذي

- حديث جابر بن سمرة رجال إسناده عند ابن ماجه ثقات وحديث معاوية رجال إسناده كلهم ثقات
( والحديثان ) يدلان على تجنب المصلي للثوب المتنجس وهل طهارة ثوب المصلي شرط لصحة الصلاة أم لا فذهب الأكثر إلى أنها شرط وروي عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير وهو مروي عن مالك أنها ليست بواجبة . ونقل صاحب النهاية عن مالك قولين : أحدهما إزالة النجاسة سنة وليست بفرض . وثانيهما أنها فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان . وقديم قولي الشافعي أن إزالة النجاسة غير شرط
( احتج الجمهور ) بحجج منها : قوله تعالى { وثيابك فطهر } قال في البحر : والمراد للصلاة للإجماع على أن لا وجوب في غيرها ولا يخفاك أن غاية ما يستفاد من الآية الوجوب عند من جعل الأمر حقيقة فيه والوجوب لا يستلزم الشرطية لأن كون الشيء شرطا حكم شرعي وضعي لا يثبت إلا بتصريح الشارع بأنه شرط أو بتعليق الفعل به بأداة الشرط أو بنفي الفعل بدونه نفيا متوجها إلى الصحة لا إلى الكمال أو بنفي الثمرة ولا يثبت بمجرد الأمر به
وقد أجاب صاحب ضوء النهار عن الاستدلال بالآية بأنها مطلقة وقد حملها القائلون بالشرطية على الندب في الجملة فأين دليل الوجوب في المقيد وهو الصلاة . وفيه أنهم لم يحملوها على الندب بل صرحوا بأنها مقتضية للوجوب في الجملة لكنه قام الإجماع على عدم الوجوب في غير الصلاة فكان صارفا عن اقتضاء الوجوب فيما عدا المقيد
ومنها خلع النعل الذي سيأتي وغاية ما فيه الأمر بمسح النعل وقد عرفت أنه لا يفيد الشرطية على أنه بني على ما كان قد صلى قبل الخلع ولو كانت طهارة الثياب ونحوها شرطا لوجب عليه الاستئناف لأن الشرط يؤثر عدمه في عدم المشروط كما تقرر في الأصول فهو عليهم لا لهم
ومنها الحديثان المذكوران في الباب ويجاب عنهما بأن الثاني فعل وهو لا يدل على الوجوب فضلا عن الشرطية والأول ليس فيه ما يدل على الوجوب سلمنا أن قوله فتغسله خبر في معنى الأمر فهو غير صالح للاستدلال به على المطلوب
ومنها حديث عائشة قالت : ( كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) وفيه : ( فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذ الكساء فلبسه ثم خرج فصلى فيه الغداة ثم جلس فقال رجل : يا رسول الله [ ص 120 ] هذه لمعة من دم في الكساء فقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها مع ما يليها وأرسلها إلي مصرورة في يد الغلام فقال : اغسلي هذه وأجفيها ثم أرسلي بها إلي فدعوت بقصعتي فغسلتها ثم أجفيتها ثم أخرجتها فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عليه ) أخرجه أبو داود ويجاب عنه أولا بأنه غريب كما قال المنذري . وثانيا بأن غاية ما فيه الأمر وهو لا يدل على الشرطية . وثالثا بأنه عليهم لا لهم لأنه لم ينقل إلينا أنه أعاد الصلاة التي صلاها في ذلك الثوب
ومنها حديث عمار بلفظ : ( إنما تغسل ثوبك من البول والغائط والقيء والدم والمني ) رواه أبو يعلى والبزار في مسنديهما وابن عدي في الكامل والدارقطني والبيهقي في سننهما والعقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة والطبراني في الكبير والأوسط ويجاب عنه أولا بأن هؤلاء كلهم ضعفوه وضعفه غيرهم من أهل الحديث لأن في إسناده ثابت بن حماد وهو متروك ومتهم بالوضع وعلي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف حتى قال البيهقي في سننه : حديث باطل لا أصل له . وثانيا بأنه لا يدل على المطلوب وليس فيه إلا أنه يغسل الثوب من هذه الأشياء لا من غيرها
ومنها حديث غسل المني وفركه في الصحيحين وغيرهما كما تقدم وهو لا يدل على الوجوب فكيف يدل على الشرطية
ومنها حديث ( حتيه ثم اقرصيه ) عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أسماء وفي لفظ : ( فلتقرصه ثم لتنضحه بماء ) من حديث عائشة وفي لفظ : ( حكيه بضلع ) من حديث أم قيس بنت محصن ويجاب عن ذلك أولا بأن الدليل أخص من الدعوى وثانيا بأن غاية ما فيه الدلالة على الوجوب
ومنها أحاديث الأمر بغسل النجاسة كحديث تعذيب من لم يستنزه من البول وحديث الأمر بغسل المذي وغيرهما وقد تقدمت في أول هذا الكتاب ويجاب عنها بأنها أوامر وهي لا تدل على الشرطية التي هي محل النزاع كما تقدم . نعم يمكن الاستدلال بالأوامر المذكورة في هذا الباب على الشرطية إن قلنا إن الأمر بالشيء نهي عن ضده وأن النهي يدل على الفساد وفي كلا المسألتين خلاف مشهور في الأصول لولا أن ههنا مانعا من الاستدلال بها على الشرطية وهو عدم إعادته صلى الله عليه وآله وسلم للصلاة التي خلع فيها نعليه لأن بناءه على ما فعله من الصلاة قبل الخلع مشعر بأن الطهارة غير شرط وكذلك عدم نقل إعادته للصلاة التي صلاها في الكساء الذي فيه لمعة من دم كما تقدم
ومن أدلتهم على الشرطية حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ : ( تعاد الصلاة من قدر الدرهم من الدم ) [ ص 121 ] أخرجه الدارقطني والعقيلي في الضعفاء وابن عدي في الكامل
وهذا الحديث لو صح لكان صالحا للاستدلال به على الشرطية المدعاة لكنه غير صحيح بل باطل لأن في إسناده روح بن غطيف . وقال ابن عدي وغيره : إنه تفرد به وهو ضعيف قال الذهلي : أخاف أن يكون هذا موضوعا . وقال البخاري : حديث باطل . وقال ابن حبان : موضوع . وقال البزار : أجمع أهل العلم على نكرة هذا الحديث . قال الحافظ : وقد أخرجه ابن عدي في الكامل من طريق أخرى عن الزهري لكن فيها أبو عصمة وقد اتهم بالكذب انتهى
إذا تقرر لك ما سقناه من الأدلة وما فيها فاعلم أنها لا تقصر عن إفادة وجوب تطهير الثياب فمن صلى وعلى ثوبه نجاسة كان تاركا لواجب وأما أن صلاته باطلة كما هو شأن فقدان شرط الصحة فلا لما عرفت
ومن فوائد حديثي الباب أنه لا يجب العمل بمقتضى المظنة لأن الثوب الذي يجامع فيه مظنة لوقوع النجاسة فيه فأرشد الشارع صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن الواجب العمل بالمئنة دون المظنة
ومن فوائدهما كما قال ابن رسلان في شرح السنن طهارة رطوبة فرج المرأة لأنه لم يذكر هنا أنه كان يغسل ثوبه من الجماع قبل أن يصلي ولو غسله لنقل . ومن المعلوم أن الذكر يخرج وعليه رطوبة من فرج المرأة انتهى

3 - وعن أبي سعيد : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه صلى فخلع نعليه فخلع الناس نعالهم فلما انصرف قال لهم : لم خلعتم قالوا : رأيناك خلعت فخلعنا فقال : إن جبريل أتاني فأخبرني أن بهما خبثا فإذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثا فليمسحه بالأرض ثم ليصل فيهما )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن خزيمة وابن حبان واختلف في وصله وإرساله ورجح أبو حاتم في العلل الموصول ورواه الحاكم من حديث أنس وابن مسعود ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس وعبد الله بن الشخير وإسنادهما ضعيفان ورواه البزار من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف معلول أيضا قاله الحافظ في التلخيص
قوله ( فأخبرني ) فيه جواز تكليم المصلي وإعلامه بما يتعلق بمصالح الصلاة وأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة
قوله ( خبثا ) في رواية أبي داود ( قذرا ) وهو ما تكرهه الطبيعة من نجاسة ومخاط ومني وغير ذلك
( والحديث ) قد عرفت مما سلف أنه استدل به القائلون بأن إزالة النجاسة من شروط صحة الصلاة وهو كما عرفناك عليهم لا لهم لأن استمراره على الصلاة التي صلاها قبل خلع النعل وعدم استئنافه لها يدل على عدم [ ص 122 ] كون الطهارة شرعا . وأجاب الجمهور عن هذا بأن المراد بالقذر هو الشيء المستقذر كالمخاط والبصاق ونحوهما ولا يلزم من القذر أن يكون نجسا وبأنه يمكن أن يكون دما يسيرا معفوا عنه وإخبار جبريل له بذلك لئلا تتلوث ثيابه بشيء مستقذر . ويرد هذا الجواب بما قاله في البارع في تفسير قوله { أو جاء أحد منكم من الغائط } أنه كنى بالغائط عن القذر وقول الأزهري : النجس القذر الخارج من بدن الإنسان فجعله لمستقذر غير نجس أو نجس معفو عنه تحكم وإخبار جبريل في حال الصلاة بالقذر الظاهر أنه لما فيها من النجاسة التي يجب تجنبها في الصلاة لا لمخافة التلوث لأنه لو كان لذلك لأخبره قبل الدخول في الصلاة لأن القعود حال لبسها مظنة للتلوث بما فيها على أن هذا الجواب لا يمكن مثله في رواية الخبث المذكورة في الباب للاتفاق بين أئمة اللغة وغيرهم أن الأخبثين هما البول والغائط
قال المصنف رحمه الله تعالى بعد أن ساق الحديث ما لفظه : وفيه أن دلك النعال يجزئ وأن الأصل أن أمته أسوته في الأحكام وأن الصلاة في النعلين لا تكره وأن العمل اليسير معفو عنه انتهى . وقد تقدم الكلام على أن دلك النعال مطهر لها في أبواب تطهير النجاسة وأما أمته أسوته فهو الحق وفيه خلاف في الأصل مشهور وأما عدم كراهة الصلاة في النعلين فسيأتي وأما العفو عن العمل اليسير فسيأتي أيضا . ومن فوائد الحديث جواز المشي إلى المسجد بالنعل

باب حمل المحدث والمستجمر في الصلاة وثياب الصغار وما شك في نجاسته

1 - عن أبي قتادة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب فإذا ركع وضعها وإذا قام حملها )
- متفق عليه

- قوله ( وهو حامل أمامة ) قال الحافظ : المشهور في الروايات التنوين ونصب أمامة وروي بالإضافة وزاد عبد الرزاق عن مالك بإسناد حديث الباب ( على عاتقه ) وكذا لمسلم وغيره [ ص 123 ] من طريق أخرى ولأحمد من طريق ابن جريج ( على رقبته ) وأمامة بضم الهمزة وتخفيف الميمين كانت صغيرة على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجها علي بعد موت فاطمة بوصية منها
قوله ( فإذا ركع وضعها ) هكذا في صحيح مسلم والنسائي وأحمد وابن حبان كلهم عن عامر بن عبد الله شيخ مالك . ورواية البخاري عن مالك ( فإذا سجد ) ولأبي داود من طريق المقبري عن عمرو بن سليم ( حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها ) وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع كان منه لا منها وهو يرد تأويل الخطابي حيث قال : يشبه أن تكون الصبية قد ألفته فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته فينهض من سجوده فتبقى محمولة كذلك إلا أن يركع فيرسلها ويرد أيضا قول ابن دقيق العيد أن لفظ حمل لا يساوي لفظ وضع في اقتضاء فعل الفاعل لأنا نقول فلان حمل كذا ولو كان غيره حمله بخلاف وضع فعلى هذا فالفعل الصادر منه هو الوضع لا الرفع فيقل العمل انتهى . لأن قوله حتى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردها في مكانها صريح في أن الرفع صادر منه صلى الله عليه وآله وسلم وقد رجع ابن دقيق العيد إلى هذا فقال : وقد كنت أحسب هذا يعني الفرق بين حمل ووضع وأن الصادر منه الوضع لا الرفع حسنا إلى أن رأيت في بعض طرقه الصحيحة فإذا قام أعادها انتهى . وهذه الرواية في صحيح مسلم ولأحمد ( فإذا قام حملها فوضعها على رقبته )
( والحديث ) يدل على أن مثل هذا الفعل معفو عنه من غير فرق بين الفريضة والنافلة والمنفرد والمؤتم والإمام لما في صحيح مسلم من زيادة ( وهو يؤم الناس في المسجد ) وإذا جاز ذلك في حال الإمامة في صلاة الفريضة جاز في غيرها بالأولى
قال القرطبي : وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث والذي أحوجهم إلى ذلك أنه عمل كثير فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة واستبعده المازري وعياض وابن القاسم قال المازري : إمامته بالناس في النافلة ليست بمعهودة . وأصرح من هذا ما أخرجه أبو داود بلفظ : ( بينما نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذ خرج علينا وأمامة على عاتقه فقام في مصلاه فقمنا خلفه فكبر فكبرنا وهي في مكانها ) وروى أشهب وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك للضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها وقال بعض أصحابه : لأنه لو تركها لبكت وشغلته أكثر من شغلته بحملها
وفرق بعض أصحابه بين الفريضة والنافلة . وقال الباجي : إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة وإن لم يجد جاز فيهما . قال القرطبي : وروى عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك أن الحديث منسوخ . قال الحافظ : روى ذلك عنه الإسماعيلي لكنه غير صريح . وقال ابن عبد البر : لعل الحديث منسوخ بتحريم العمل والاشتغال في الصلاة وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال [ ص 124 ] وبأن القضية بعد قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن في الصلاة لشغلا ) لأن ذلك كان قبل الهجرة وهذه القصة كانت بعد الهجرة بمدة مديدة قطعا قاله الحافظ
وقال القاضي عياض : إن ذلك كان من خصائصه ورد بأن الأصل عدم الاختصاص . قال النووي بعد أن ذكر هذه التأويلات : وكل ذلك دعاوى باطلة مردودة لا دليل عليها لأن الآدمي طاهر وما في جوفه معفو عنه وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت ودلائل الشرع متظاهرة على ذلك وإنما فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك لبيان الجواز انتهى . قال الحافظ : وحمل أكثر أهل العلم هذا الحديث على أنه عمل غير متوال لوجود الطمأنينة في أركان الصلاة
ومن فوائد الحديث جواز إدخال الصبيان المساجد وسيأتي الكلام على ذلك وأن مس الصغيرة لا ينتقض به الوضوء وأن الظاهر طهارة ثياب من لا يحترز من النجاسة كالأطفال . وقال ابن دقيق العيد : يحتمل أن يكون ذلك وقع حال التنظيف لأن حكايات الأحوال لا عموم لها

2 - وعن أبي هريرة قال : ( كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذا رفيقا ويضعهما على الأرض فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته ثم أقعد أحدهما على فخذيه قال : فقمت إليه فقلت يا رسول الله أردهما فبرقت برقة فقال لهما : الحقا بأمكما فمكث ضؤوها حتى دخلا )
- رواه أحمد

- الحديث أخرجه أيضا ابن عساكر وفي إسناد أحمد كامل بن العلاء وفيه مقال معروف وهو يدل على أن مثل هذا الفعل الذي وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم غير مفسد للصلاة وفيه التصريح بأن ذلك كان في الفريضة وقد تقدم الكلام في شرح الحديث الذي قبل هذا
وفيه جواز إدخال الصبيان المساجد وقد أخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم وحدودكم وشراءكم وبيعكم وجمروها يوم جمعكم واجعلوا على أبوابها مطاهركم ) ولكن الراوي له عن معاذ مكحول وهو لم يسمع منه . وأخرج ابن ماجه من حديث واثلة بن الأسقع : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم [ ص 125 ] وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع ) وفي إسناده الحارث بن شهاب وهو ضعيف . وقد عارض هذين الحديثين الضعيفين حديث أمامة المتقدم وهو متفق عليه
وحديث الباب وحديث أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخفف مخافة أن تفتتن أمه ) وهو متفق عليه فيجمع بين الأحاديث بحمل الأمر بالتجنيب على الندب كما قال العراقي في شرح الترمذي أو بأنها تنزه المساجد عمن لا يؤمن حدثه فيها

3 - وعن عائشة قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط وعليه بعضه )
- رواه مسلم وأبو داود وابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا النسائي واتفق على نحوه الشيخان من حديث ميمونة
قوله ( مرط ) بكسر الميم وهو كساء من صوف أو خز أو كتان وقيل لا يسمى مرطا إلا الأخضر . وفي الصحيح : ( في مرط من شعر أسود ) والمرط يكون إزارا ويكون رداء قاله ابن رسلان
( وفيه دليل ) على أن وقوف المرأة بجنب المصلي لا يبطل صلاته وهو مذهب الجمهور وقال أبو حنيفة : إنها تبطل والحديث يرد عليه . وفيه أن ثياب الحائض طاهرة إلا موضعا يرى فيه أثر الدم أو النجاسة . وفيه جواز الصلاة بحضرة الحائض وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي وبعضه عليها

4 - وعن عائشة قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يصلي في شعرنا )
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه . ولفظه : ( لا يصلي في لحف نسائه )

- الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه كلهم من طريق محمد ابن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة قال أبو داود في سننه : قال حماد يعني ابن زيد : سمعت سعيد بن أبي صدقة قال : سألت محمدا يعني ابن سيرين عنه فلم يحدثني وقال : سمعته منذ زمان ولا أدري ممن سمعته من ثبت أم لا فاسألوا عنه . قال ابن عبد البر في هذا المعنى : قول من حفظ عنه حجة على من سأله في حال نسيانه أو في حال تغير فكره من أمر طرأ له من غضب أو غيره ففي مثل هذا العالم لا يسأل وقوله فاسألوا عنه غيري لا يقدح في الرواية المتقدمة فإنه محمول على أنه أمر بسؤال غيره لتقوية الحجة
قوله ( في شعرنا ) [ ص 126 ] بضم الشين والعين المهملة جمع شعار على وزن كتب وكتاب وهو الثوب الذي يلي الجسد وخصتها بالذكر لأنها أقرب إلى أن تنالها النجاسة من الدثار وهو الثوب الذي يكون فوق الشعار قال ابن الأثير : المراد بالشعار هنا الإزار الذي كانوا يتغطون به عند النوم . وفي رواية أبي داود : ( في شعرنا أو لحفنا ) شك من الراوي واللحاف اسم لما يلتحف به
( والحديث ) يدل على مشروعية تجنب ثياب النساء التي هي مظنة لوقوع النجاسة فيها وكذلك سائر الثياب التي تكون كذلك . وفيه أيضا أن الاحتياط والأخذ باليقين جائز غير مستنكر في الشرع وأن ترك المشكوك فيه إلى المتيقن المعلوم جائز وليس من نوع الوسواس كما قال بعضهم . وقد تقدم في الباب الأول أنه كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه أهله ما لم ير فيه أذى وأنه قال لمن سأله هل يصلي في الثوب الذي يأتي فيه أهله نعم إلا أن يرى فيه شيئا فيغسله وذكرنا هنالك أنه من باب الأخذ بالمئنة لعدم وجوب العمل بالمظنة وهكذا حديث صلاته في الكساء الذي لنسائه وقد تقدم . وحديث عائشة المذكور قبل هذا وكل ذلك يدل على عدم وجوب تجنب ثياب النساء وإنما هو مندوب فقط عملا بالاحتياط كما يدل عليه حديث الباب وبهذا يجمع بين الأحاديث

باب من صلى على مركوب نجس أو قد أصابته نجاسة

1 - عن ابن عمر قال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على حمار وهو متوجه إلى خيبر )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود

2 - وعن أنس : ( أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على حمار وهو راكب إلى خيبر والقبلة خلفه )
- رواه النسائي

- أما حديث ابن عمر فرواه عمرو بن يحيى المازني عن أبي الحباب سعيد بن يسار عن عبد الله بن عمر بلفظ الكتاب
قال النسائي : عمرو بن يحيى لا يتابع على قوله على حمار وربما قال على راحلته . وقال الدارقطني وغيره : غلط عمرو بن يحيى بذكر الحمار والمعروف على راحلته وعلى البعير وقد أخرجه مسلم في الصحيح من طريق عمرو بن يحيى بلفظ : ( على حمار ) قال النووي : وفي الحكم بتغليظ عمرو بن يحيى نظر لأنه ثقة نقل شيئا محتملا فلعله كان الحمار مرة والبعير مرات ولكنه يقال إنه شاذ فإنه مخالف رواية الجمهور في البعير والراحلة والشاذ مردود وهو المخالف للجماعة والله أعلم انتهى
[ ص 127 ] وأما حديث أنس فإسناده في سنن النسائي هكذا أخبرنا محمد بن منصور قال حدثنا إسماعيل بن عمر قال حدثنا داود بن قيس عن محمد بن عجلان عن يحيى بن سعيد عن أنس فذكره وهؤلاء كلهم ثقات . قال النسائي : الصواب موقوف انتهى . وقد أخرجه مسلم والإمام مالك في الموطأ من فعل أنس . ولفظ مسلم : حدثنا أنس بن سيرين قال : تلقينا أنس بن مالك حين قدم الشام فلقيناه بعين التمر فرأيته يصلي على حمار . قال القاضي عياض : قيل إنه وهم وصوابه قدم من الشام كما جاء في صحيح البخاري لأنهم خرجوا من البصرة للقائه حين قدم من الشام
قال النووي : ورواية مسلم صحيحة ومعناه تلقيناه في رجوعه حين قدم الشام وإنما حذف في رجوعه للعلم به . واستدل المصنف بالحديثين على جواز الصلاة على المركوب النجس والمركوب الذي أصابته نجاسة وهو لا يتم إلا على القول بأن الحمار نجس عين نعم يصح الاستدلال به على جواز الصلاة على ما فيه نجاسة لأن الحمار لا ينفك عن التلوث بها
( والحديثان ) يدلان على جواز التطوع على الراحلة . قال النووي : وهو جائز بإجماع المسلمين ولا يجوز عند الجمهور إلا في السفر من غير فرق بين قصيره وطويله وقيده مالك بسفر القصر
وقال أبو يوسف وأبو سعيد الأصطخري من أصحاب الشافعي : إنه يجوز التنفل على الدابة في البلد وسيعقد المصنف لذلك بابا في آخر أبواب القبلة

باب الصلاة على الفراء والبسط وغيرهما من المفارش

1 - عن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى على بساط )
- رواه أحمد وابن ماجه

- الحديث في إسناده زمعة بن صالح الحيدي ضعفه أحمد وابن معين وأبو حاتم والنسائي وقد أخرج له مسلم فرد حديث مقرونا بآخر وهذا الحديث قد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف قال حدثنا وكيع عن زمعة عن عمرو بن دينار وسلمة قال أحدهما : عن عكرمة عن ابن عباس فذكره
وفي الباب عن أنس بن مالك عند البخاري ومسلم والنسائي والترمذي وصححه وابن ماجه بلفظ : ( كان يقول لأخ لي صغير يا أبا عمير ما فعل النغير قال : ونضح بساط لنا فصلى عليه )
قوله ( بساط ) بكسر الباء جمعه بسط بضمها وتسكين السين وضمها وهو ما يبسط أي يفرش وأما البساط بفتح الباء فهي الأرض الواسعة قال عديل ابن الفرخ العجلي :
[ ص 128 ] ودون يد الحجاج من أن تنالني ... بساط لأيدي الناعجات عريض
( والحديث ) يدل على جواز الصلاة على البسط وقد حكاه الترمذي عن أكثر أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم وهو قول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق وجمهور الفقهاء وقد كره ذلك جماعة من التابعين ممن بعدهم فروى ابن أبي شيبة في المصنف عن سعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين أنهما قالا الصلاة على الطنفسة وهي البساط الذي تحته خمل محدثة . وعن جابر بن زيد أنه كان يكره الصلاة على كل شيء من الحيوان ويستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض . وعن عروة بن الزبير أنه كان يكره أن يسجد على شيء دون الأرض
وإلى الكراهة ذهب الهادي ومالك . ومنعت الإمامية صحة السجود على ما لم يكن أصله من الأرض وكره مالك أيضا الصلاة على ما كان من نبات الأرض فدخلته صناعة أخرى كالكتان والقطن . قال ابن العربي : وإنما كرهه من جهة الزخرفة . واستدل الهادي على كراهة ما ليس من الأرض بحديث ( جعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا ) بناء على أن لفظ الأرض لا يشمل ذلك . قال في ضوء النهار : وهو وهم لأن المراد بالأرض في حديث التراب بدليل " وطهورا " وإلا لزم مذهب أبي حنيفة في جواز التيمم بما أنبتت الأرض انتهى
وأقول : بل المراد بالأرض في الحديث ما هو أعم من التراب بدليل ما ثبت في الصحيح بلفظ ( وتربتها طهورا ) وإلا لزم صحة إضافة الشيء إلى نفسه وهي باطلة بالاتفاق ولكن الأولى أن يقال في الجواب عن الاستدلال بالحديث أن التنصيص على كون الأرض مسجدا لا ينفي كون غيرها مسجدا بعد تسليم عدم صدق مسمى الأرض على البسط على أن السجود على البسط ونحوها سجود على الأرض كما يقال للراكب على السرج الموضوع على ظهر الفرس راكب على الفرس وقد صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى على البسط وهو لا يفعل المكروه
( فائدة ) حديث أنس الذي ذكر بلفظ البسط أخرجه الأئمة الستة بلفظ الحصير قال العراقي في شرح الترمذي : فرق المصنف يعني الترمذي بين حديث أنس في الصلاة على البسط وبين حديث أنس في الصلاة على الحصير وعقد لكل منهما بابا وقد روى ابن أبي شيبة في سننه ما يدل على أن المراد بالبساط الحصير بلفظ : ( فيصلي أحيانا على بساط لنا وهو حصير ننضحه بالماء ) قال العراقي : فتبين أن مراد أنس بالبساط الحصير ولا شك أنه صادق على الحصير لكونه يبسط على الأرض أي يفرش انتهى . [ ص 129 ] وهذه الرواية إن صلحت لتقييد حديث أنس لم تصلح لتقييد حديث ابن عباس

2 - وعن المغيرة بن شعبة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الحصير والفروة المدبوغة )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث في إسناده أبو عون محمد بن عبيد الله بن سعيد الثقفي عن أبيه عن المغيرة وأبو عون ثقة احتج به الشيخان وأما أبوه فلم يرو عنه غير ابنه أبي عون قال أبو حاتم فيه : مجهول وذكره ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين وقال : يروي المقاطيع قال العراقي : وهذا يدل على الانقطاع بينه وبين المغيرة انتهى . ولكن صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على الحصير ثابتة من حديث أنس عند الجماعة ومن حديث أبي سعيد وسيأتي ومن حديث أم سلمة عند الطبراني في الكبير ومن حديث ابن عمر عند أبي حاتم في العلل
قوله ( والفروة المدبوغة ) الفروة هي التي تلبس وجمعها فراء كبهمة وبهام وفي ذلك رد على من كره الصلاة على غير الأرض وما خلق منها وقد تقدم الكلام على ذلك
( ويدل الحديث ) وسائر الأحاديث التي ذكرناها على أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على الحصير . وأخرج أبو يعلى الموصلي عن عائشة بسند قال العراقي رجاله ثقات : ( إنها سئلت أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الحصير قالت : لم يكن يصلي عليه ) وكيفية الجمع بين حديثها هذا وسائر الأحاديث أنها إنما نفت علمها ومن علم صلاته على الحصير مقدم على النافي وأيضا فإن حديثها وإن كان رجاله ثقات فإن فيه شذوذا ونكارة كما قال العراقي
وقد ذهب إلى استحباب الصلاة على الحصير أكثر أهل العلم كما قال الترمذي قال : إلا أن قوما من أهل العلم اختاروا الصلاة على الأرض استحبابا انتهى
وقد روي عن زيد بن ثابت وأبي ذر وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب ومكحول وغيرهما من التابعين استحباب الصلاة على الحصير وصرح ابن المسيب بأنها سنة
وممن اختار مباشرة المصلي للأرض من غير وقاية عبد الله بن مسعود فروى الطبراني عنه أنه كان لا يصلي ولا يسجد إلا على الأرض وعن إبراهيم النخعي أنه كان يصلي على الحصير ويسجد على الأرض

3 - وعن أبي سعيد : ( أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه )
- رواه مسلم

- حديث أبي سعيد أخرجه مسلم عن عمرو الناقد وإسحاق بن إبراهيم كلاهما عن عيسى بن [ ص 130 ] يونس . ورواه أيضا مسلم وابن ماجه عن أبي كريب زاد مسلم وعن أبي بكر ابن أبي شيبة كلاهما عن أبي معاوية عن الأعمش زاد مسلم : ( ورأيته يصلي في ثوب واحد متوشحا به ) وهذه الزيادة أفردها ابن ماجه فرواها عن أبي كريب عن عمر بن عبيد عن الأعمش والكلام على فقه الحديث قد تقدم

4 - وعن ميمونة قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الخمرة )
- رواه الجماعة إلا الترمذي لكنه له من رواية ابن عباس رضي الله عنه

- لفظ حديث ابن عباس في سنن الترمذي : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي على الخمرة ) وقال : حسن صحيح
وفي الباب عن أم حبيبة عند الطبراني وعن أم سلمة عند الطبراني أيضا وعن عائشة عند مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وعن ابن عمر عند الطبراني في الكبير والأوسط وأحمد والبزار وعن أم كلثوم بنت أبي سلمة بن عبد الأسد عند ابن أبي شيبة . قال الترمذي : ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أورد لها الطبراني في المعجم الكبير أحاديث من روايتها عن أم سلمة وفي بعض طرقها عن أم كلثوم بنت عبد الله بن زمعة أن جدتها أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم دفعت إليها مخضبا من صفر
وعن أنس عند الطبراني في الصغير والأوسط والبزار بإسناد رجاله ثقات وعن جابر عند البزار وعن أبي بكرة عند الطبراني بإسناد رجاله ثقات وعن أبي هريرة عند مسلم والنسائي وعن أم أيمن عند الطبراني بإسناد جيد وعن أم سليم عند أحمد والطبراني وإسناده جيد
قوله ( على الخمرة ) قال أبو عبيد : هي بضم الخاء سجادة من سعف النخل على قدر ما يسجد عليه المصلي فإن عظم بحيث يكفي لجسده كله في صلاة أو اضطجاع فهو حصير وليس بخمرة . وقال الجوهري : الخمرة بالضم سجادة صغيرة تعمل من سعف النخل وترمل بالخيوط . وقال الخطابي : الخمرة السجادة وكذا قال صاحب المشارق قال : وهي على قدر ما يضع عليه الوجه والأنف
وقال صاحب النهاية : هي مقدار ما يضع عليه الرجل وجهه في سجوده من حصير أو نسيجة خوص ونحوه من الثياب ولا يكون خمرة إلا في هذا المقدار وقد تقدم تفسير الخمرة بأخصر مما هنا في باب الرخصة في اجتياز الجنب من المسجد من أبواب الغسل . ومادة خمر تدل على التغطية والستر ومنه سميت الخمر لأنها تخمر العقل أي تغطيه وتستره
( والحديث ) يدل على أنه لا بأس بالصلاة على السجادة سواء كانت من الخرق أو الخوص أو غير ذلك سواء كانت صغيرة كالخمرة على القول بأنها لا تسمى خمرة [ ص 131 ] إلا إذا كانت صغيرة أو كانت كبيرة كالحصير والبساط لما تقدم من صلاته صلى الله عليه وآله وسلم على الحصير والبساط والفروة . وقد أخرج أحمد في مسنده من حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأفلح : ( يا أفلح ترب وجهك ) أي في سجوده . قال العراقي : والجواب عنه أنه لم يأمره أن يصلي على التراب وإنما أراد به تمكين الجبهة من الأرض وكأنه رآه يصلي ولا يمكن جبهته من الأرض فأمره بذلك لا أنه رآه يصلي على شيء يستره من الأرض فأمره بنزعه انتهى . وقد ذهب إلى أنه لا بأس بالصلاة على الخمرة الجمهور قال الترمذي : وبه يقول بعض أهل العلم وقد نسبه العراقي إلى الجمهور من غير فرق بين ثياب القطن والكتان والجلود وغيرها من الطاهرات وقد تقدم ذكر من اختار مباشرة الأرض

5 - وعن أبي الدرداء قال : ( ما أبالي لو صليت على خمس طنافس )
- رواه البخاري في تاريخه

- الحديث رواه ابن أبي شيبة عنه بلفظ : ( ست طنافس بعضها فوق بعض ) وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أنه صلى على طنفسة . وعن أبي وائل أنه صلى على طنفسة وعن الحسن قال : لا بأس بالصلاة على الطنفسة . وعنه أنه كان يصلي على طنفسة قدماه وركبتاه عليها ويداه ووجهه على الأرض . وعن إبراهيم والحسن أيضا أنهما صليا على بساط فيه تصاوير . وعن عطاء أنه صلى على بساط أبيض . وعن سعيد بن جبير أنه صلى على بساط أيضا وعن مرة الهمداني أنه صلى على لبد وكذا عن قيس بن عباد
( وإلى جواز الصلاة ) على الطنافس ذهب جمهور العلماء والفقهاء كما تقدم في الصلاة على البسط وخالف في ذلك من خالف في الصلاة على البسط لأن الطنافس البسط التي تحتها خمل كما تقدم
قوله ( طنافس ) جمع طنفسة وفي ضبطها لغات كسر الطاء والفاء معا وضمهما وفتحهما معا وكسر الطاء مع فتح الفاء

باب الصلاة في النعلين والخفين

1 - وعن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال : ( سألت أنسا أكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في نعليه قال : نعم )
- متفق عليه

2 - وعن شداد بن أوس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم )
- رواه أبو داود

[ ص 132 ] - الحديث الأول أخرجه البخاري عن أدم عن شعبة وعن سليمان بن حرب عن حماد ابن زيد وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى عن بشر بن المغفل وعن الربيع الزهراني عن عباد بن العوام وأخرجه النسائي عن عمرو بن علي عن يزيد بن زريع وغسان بن مضر عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد
والحديث الثاني أخرجه ابن حبان أيضا في صحيحه ولا مطعن في إسناده وفي الباب أحاديث أربعة أخر عن أنس : الأول عند الطبراني والبيهقي قال البيهقي : لا بأس بإسناده . الثاني عند البزار بنحو حديث شداد بن أوس . والثالث عند ابن مردويه بلفظ : ( صلوا في نعالكم ) وفي إسناده عباد بن جويرية كذبه أحمد والبخاري . والرابع عند ابن مردويه وفي إسناده عيسى بن عبد الله العسقلاني وهو ضعيف يسرق الحديث
وفي الباب عن عبد الله بن مسعود عند ابن ماجه . وله حديث آخر عند الطبراني في إسناده علي بن عاصم تكلم فيه . وله حديث ثالث عند البزار والطبراني والبيهقي وفي إسناده أبو حمزة الأعور وهو غير محتج به . وعن عبد الله بن أبي حبيبة عند أحمد والبزار والطبراني
وعن عبد الله بن عمرو عند أبي داود وابن ماجه . وعن عمرو بن حريث عند الترمذي في الشمائل والنسائي . وعن أوس الثقفي عند ابن ماجه . وعن أبي هريرة عند أبي داود . وله حديث آخر عند أحمد والبيهقي . وله حديث ثالث عند البزار والطبراني وفيه عباد بن كثير وهو لين الحديث وقيل متروك وقيل لا يحتج بحديثه . وله حديث رابع رواه ابن مردويه وفيه صالح مولى التومأة وهو ضعيف . وعن عطاء الشيبي عند ابن منده في معرفة الصحابة والطبراني وابن قانع . وعن البراء عند أبي الشيخ وفي إسناده سوار بن مصعب وهو ضعيف . وعن عبد الله بن الشخير عند مسلم . وله حديث آخر عند الطبراني . وعن ابن عباس عند البزار والطبراني وابن عدي وفي إسناده النضر بن عمر وهو ضعيف جدا . وله حديث آخر عند الطبراني . وعن عبد الله بن عمر عند الطبراني . وعن علي بن أبي طالب عند ابن عدي في الكامل من رواية الحسين بن ضميرة عن أبيه عن جده وهو ضعيف جدا . وله حديث آخر عند أبي يعلى وابن عدي وقال : وهذا ليس له أصل وهو مما وضعه محمد بن الحجاج اللخمي . وعن فيروز الديلمي عند الطبراني وإسناده جيد . وعن مجمع بن جارية عند أحمد وفي إسناده يزيد بن عياض وهو ضعيف . وعن الهرماس بن زياد عند ابن حبان في الثقات والطبراني في معجمه الكبير والأوسط . وعن أبي بكرة عند البزار وأبي يعلى وابن عدي وفي إسناده بحر بن مرار اختلط وتغير وقد وثقه ابن معين . وعن أبي ذر عند أبي [ ص 133 ] الشيخ والبيهقي . وعن أبي سعيد عند أبي داود . وعن عائشة عند الطبراني بإسناد صحيح . وعن أعرابي من الصحابة لم يسم عند ابن أبي شيبة في مصنفه وأحمد في مسنده
( والحديثان يدلان ) على مشروعية الصلاة في النعال وقد اختلف نظر الصحابة والتابعين في ذلك هل هو مستحب أو مباح أو مكروه فروي عن عمر بإسناد ضعيف أنه كان يكره خلع النعال ويشتد على الناس في ذلك وكذا عن ابن مسعود . وكان أبو عمرو الشيباني يضرب الناس إذا خلعوا نعالهم . وروي عن إبراهيم أنه كان يكره خلع النعال وهذا يشعر بأنه مستحب عند هؤلاء . قال العراقي في شرح الترمذي : وممن كان يفعل ذلك يعني لبس النعل في الصلاة عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وعويمر بن ساعدة وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وأوس الثقفي . ومن التابعين سعيد بن المسيب والقاسم وعروة بن الزبير وسالم بن عبد الله وعطاء بن يسار وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وطاوس وشريح القاضي وأبو مجلز وأبو عمرو الشيباني والأسود بن يزيد وإبراهيم النخعي وإبراهيم التيمي وعلي بن الحسين وابنه أبو جعفر . وممن كان لا يصلي فيهما عبد الله بن عمر وأبو موسى الأشعري
وممن ذهب إلى الاستحباب الهادوية وإن أنكر ذلك عوامهم قال الإمام المهدي في البحر : مسألة : ويستحب في النعل الطاهر لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( صلوا في نعالكم ) الخبر . وقال ابن دقيق العيد في شرح الحديث الأول من حديثي الباب : إنه لا ينبغي أن يؤخذ منه الاستحباب لأن ذلك لا مدخل له في الصلاة ثم أطال البحث وأطاب إلا أن الحديث الثاني من حديثي الباب أقل أحواله الدلالة على الاستحباب وكذلك سائر الأحاديث التي ذكرنا . وقد أخرج أبو داود من حديث أبي سعيد الخدري قال : ( قال صلى الله عليه وآله وسلم : إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه قذر أو أذى فليمسحه وليصل فيهما )
ويمكن الاستدلال لعدم الاستحباب بما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة : ( عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( إذا صلى أحدكم فخلع نعليه فلا يؤذ بهما أحدا ليجعلهما بين رجليه أو ليصل فيهما ) وهو كما قال العراقي : صحيح الإسناد . وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي حافيا ومنتعلا ) أخرجه أبو داود وابن ماجه . وروى ابن أبي شيبة بإسناده إلى أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال : ( صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في نعليه فصلى الناس في نعالهم فخلع [ ص 134 ] نعليه فخلعوا فلما صلى قال : من شاء أن يصلي في نعليه فليصل ومن شاء أن يخلع فليخلع ) قال العراقي : وهذا مرسل صحيح الإسناد
ويجمع بين أحاديث الباب بجعل حديث أبي هريرة وما بعده صارفا للأوامر المذكورة المعللة بالمخالفة لأهل الكتاب من الوجوب إلى الندب لأن التخيير والتفويض إلى المشيئة بعد تلك الأوامر لا ينافي الاستحباب كما في حديث ( بين كل أذانين صلاة لمن شاء ) وهذا أعدل المذاهب وأقواها عندي

باب المواضع المنهي عنها والمأذون فيها للصلاة

1 - عن جابر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل حيث أدركته )
- متفق عليه . وقال ابن المنذر : ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( جعلت لي كل الأرض طيبة مسجدا وطهورا ) رواه الخطابي بإسناده

- الحديث قد تقدم الكلام على طرقه وفقهه في التيمم فلا نعيده وهو ثابت بزيادة طيبة من رواية أنس عند ابن السراج في مسنده قال العراقي بإسناد صحيح وأخرجه أيضا أحمد والضياء في المختارة وأشار إلى حديث أنس أيضا الترمذي . قال العراقي في شرح الترمذي ما لفظه : وحديث جابر أخرجه البخاري ومسلم والنسائي من رواية يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أعطيت خمسا ) فذكرها وفيه ( وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا ) الحديث انتهى . فعلى هذا يكون زيادة طيبة مخرجة في الصحيحين ولكنه ذكر البخاري الحديث من طريق يزيد الفقير عن جابر في التيمم والصلاة وليس فيه هذه الزيادة وأما مسلم فصرح بها في صحيحه في الصلاة وهي تدل على أن المراد بالأرض المذكورة في الحديث ليس هي الأرض جميعها كما تدل على ذلك زيادة لفظ ( كلها ) في حديث حذيفة عند مسلم وكما في حديث أبي ذر وحديث أبي سعيد الآتيين بل المراد الأرض الطاهرة المباحة لأن المتنجسة ليست بطيبة لغة والمغصوبة ليست بطيبة شرعا نعم من قال : إن التأكيد ينفي المجاز قال : المراد بالأرض المؤكدة بلفظ كل جميعها وجعل هذه الزيادة معارضة لأصل الحديث لأنها وقعت منافية له والزيادة إنما تقبل مع عدم منافاة الأصل فيصار حينئذ إلى [ ص 135 ] التعارض وقد حكى بعضهم في التأكيد بكل خلافا هل يرفع المجاز أو يضعفه والظاهر عدم الرفع لما في الصحيح من حديث عائشة : ( كان يصوم شعبان كله ) ( كان يصوم نصفه إلا قليلا ) والقول بأنه يرفع المجاز يستلزم عدم صحة وقوع الاستثناء بعد المؤكد كما صرح بذلك القائلون به . وللمقام بحث ليس هذا موضعه . ومما يدل على عدم الرفع الأحاديث الواردة في المنع من الصلاة في المقبرة والحمام وغيرها وسيأتي ذكرها

2 - وعن أبي ذر قال : ( سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أي مسجد وضع أول قال : المسجد الحرام قلت : ثم أي قال : المسجد الأقصى قلت : كم بينهما قال : أربعون سنة قلت : ثم أي قال : حيثما أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد )
- متفق عليه

- قوله ( قال أربعون ) يعني في الحدوث لا في المسافة
قوله ( حيثما أدركت ) لفظ مسلم : ( وأينما أدركتك الصلاة فصلها فإنه مسجد ) وفي لفظ له : ( ثم حيثما أدركتك ) وفي لفظ له أيضا : ( فحيثما أدركتك الصلاة فصل ) قال النووي : وفيه جواز الصلاة في جميع المواضع إلا ما استثناه الشرع من الصلاة في المقابر وغيرها من المواضع التي فيها النجاسة كالمزبلة والمجزرة وكذا ما نهى عنه لمعنى آخر فمن ذلك أعطان الإبل ومنه قارعة الطريق والحمام وغيرهما وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى
قوله ( فكلها ) هو تأكيد لما فهم من قوله حيثما أدركت وهو الأرض أو أمكنتها

3 - وعن أبي سعيد : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام )
- رواه الخمسة إلا النسائي

- الحديث أخرجه الشافعي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم قال الترمذي : وهذا حديث فيه اضطراب رواه سفيان الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا
ورواه حماد بن سلمة عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد ورواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن يحيى عن أبيه قال : وكان عامة روايته عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر فيه عن أبي سعيد وكأن رواية الثوري عن عمرو بن يحيى عن أبيه أثبت وأصح انتهى
وقال الدارقطني في العلل : المرسل المحفوظ ورجح البيهقي المرسل . وقال النووي : هو ضعيف . وقال صاحب الإمام : حاصل [ ص 136 ] ما علل به الإرسال وإذا كان الواصل له ثقة فهو مقبول . قال الحافظ : وأفحش ابن دحية فقال في كتاب التنوير له هذا لا يصح من طريق من الطرق كذا قال : فلم يصب انتهى
( والحديث ) صححه الحاكم في المستدرك وابن حزم الظاهري وأشار ابن دقيق العيد في الإمام إلى صحته . وفي الباب عن علي عند ابن داود . وعن ابن عمر عند الترمذي وابن ماجه وسيأتي . وعن عمر عند ابن ماجه . وعن أبي مرثد الغنوي عند مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي وسيأتي . وعن جابر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمران بن الحصين ومعقل بن يسار وأنس بن مالك جميعهم عند ابن عدي في الكامل وفي إسناد حديثهم عباد بن كثير ضعيف جدا ضعفه أحمد وابن معين
قال ابن حزم : أحاديث النهي عن الصلاة إلى القبور والصلاة في المقبرة أحاديث متواترة لا يسع أحدا تركها قال العراقي : إن أراد بالتواتر ما يذكره الأصوليون من أنه رواه عن كل واحد من رواته جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب في الطرفين والواسطة فليس كذلك فإنها أخبار آحاد وإن أراد بذلك وصفها بالشهرة فهو قريب وأهل الحديث غالبا إنما يريدون بالمتواتر المشهور انتهى
وفيه أن المعتبر في التواتر هو أن يروي الحديث المتواتر جمع عن جمع يستحيل تواطؤ كل جمع على الكذب لا أنه يرويه جمع كذلك عن كل واحد من رواته ما لم يعتبره أهل الأصول اللهم إلا أن يريد بكل واحد من رواته كل رتبة من رتب رواته
قوله ( إلا المقبرة ) مثلثة الباء مفتوحة الميم وقد تكسر الميم وهي المحل الذي يدفن فيه الموتى
( والحديث ) يدل على المنع من الصلاة في المقبرة والحمام وقد اختلف الناس في ذلك أما المقبرة فذهب أحمد إلى تحريم الصلاة في المقبرة ولم يفرق بين المنبوشة وغيرها ولا بين أن يفرش عليها شيئا يقيه من النجاسة أم لا ولا بين أن يكون في القبور أو في مكان منفرد عنها كالبيت وإلى ذلك ذهبت الظاهرية ولم يفرقوا بين مقابر المسلمين والكفار
قال ابن حزم : وبه يقول طوائف من السلف فحكي عن خمسة من الصحابة النهي عن ذلك وهم عمر وعلي وأبو هريرة وأنس وابن عباس وقال : ما نعلم لهم مخالفا من الصحابة وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي ونافع بن جبير بن مطعم وطاوس وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم
وقوله ( لا نعلم لهم مخالفا في الصحابة ) إخبار عن علمه وإلا فقد حكى الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة وحكى أيضا عن الحسن أنه صلى في المقبرة . وقد ذهب إلى تحريم الصلاة على القبر من أهل البيت المنصور بالله [ ص 137 ] والهادوية وصرحوا بعدم صحتها إن وقعت فيها
وذهب الشافعي إلى الفرق بين المقبرة المنبوشة وغيرها فقال : إذا كانت مختلطة بلحم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم لم تجز الصلاة فيها للنجاسة فإن صلى رجل في مكان طاهر منها أجزأته
وإلى مثل ذلك ذهب أبو طالب وأبو العباس والإمام يحيى من أهل البيت وقال الرافعي : أما المقبرة فالصلاة مكروهة فيها بكل حال . وذهب الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة إلى كراهة الصلاة في المقبرة ولم يفرقوا كما فرق الشافعي ومن معه بين المنبوشة وغيرها . وذهب مالك إلى جواز الصلاة في المقبرة وعدم الكراهة والأحاديث ترد عليه
( وقد احتج له ) بعض أصحابه بما يقضي منه العجب فاستدل له بأنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى على قبر المسكينة السوداء وأحاديث النهي المتواترة كما قال ذلك الإمام لا تقصر عن الدلالة على التحريم الذي هو المعنى الحقيقي له وقد تقرر في الأصول أن النهي يدل على فساد المنهي عنه فيكون الحق التحريم والبطلان لأن الفساد الذي يقتضيه النهي هو المرادف للبطلان من غير فرق بين الصلاة على القبر وبين المقابر وكل ما صدق عليه لفظ المقبرة
وأما الحمام فذهب أحمد إلى عدم صحة الصلاة فيه ومن صلى فيه أعاد أبدا . وقال أبو ثور : لا يصلى في حمام ولا مقبرة على ظاهر الحديث وإلى ذلك ذهبت الظاهرية وروي عن ابن عباس أنه قال : لا يصلين إلى حش ولا في حمام ولا في مقبرة قال ابن حزم : وما نعلم لابن عباس في هذا مخالفا من الصحابة وروينا مثل ذلك عن نافع بن جبير بن مطعم وإبراهيم النخعي وخيثمة والعلاء بن زياد عن أبيه قال ابن حزم : ولا تحل الصلاة في حمام سواء في ذلك مبدأ بابه إلى جميع حدوده ولا على سطحه وسقف مستوقده وأعالي حيطانه خربا كان أو قائما فإن سقط من بنائه شيء يسقط عنه اسم حمام جازت الصلاة في أرضه حينئذ انتهى
وذهب الجمهور إلى صحة الصلاة في الحمام مع الطهارة وتكون مكروهة وتمسكوا بعمومات نحو حديث ( أينما أدركت الصلاة فصل ) وحملوا النهي على حمام متنجس والحق ما قاله الأولون لأن أحاديث المقبرة والحمام مخصصة لذلك العموم وحكمة المنع من الصلاة في المقبرة قيل هو ما تحت المصلي من النجاسة وقيل لحرمة الموتى وحكمة المنع من الصلاة في الحمام أنه يكثر فيه النجاسات وقيل إنه مأوى الشيطان

4 - وعن أبي مرثد الغنوي قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها )
- رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه

[ ص 138 ] - الحديث يدل على منع الصلاة إلى القبور وقد تقدم الكلام في ذلك وعلى منع الجلوس عليها وظاهر النهي التحريم
وقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ : ( لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير من أن يجلس على قبر أخيه ) وروي عن مالك أنه لا يكره القعود عليها ونحوه قال : وإنما النهي عن القعود لقضاء الحاجة . وفي الموطأ عن علي أنه كان يتوسد القبور ويضطجع عليها . وفي البخاري أن يزيد بن ثابت أخا يزيد بن ثابت كان يجلس على القبور وقال : إنما كره ذلك لمن أحدث عليها وفيه عن ابن عمر أنه كان يجلس على القبور وقد صحت الأحاديث القاضية بالمنع ولا حجة في قول أحد لا سيما إذا كان معارضا للثابت عنه صلى الله عليه وآله وسلم
وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث جابر بلفظ : ( نهى أن يجصص القبر ويبنى عليه وأن يكتب عليه وأن يوطأ ) وهو في صحيح مسلم بدون الكتابة . وقال الحاكم : على شرط مسلم والجلوس لا يكون غالبا إلا مع الوطء

5 - وعن ابن عمر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا )
- رواه الجماعة إلا ابن ماجه

- قوله ( من صلاتكم ) قال القرطبي : من للتبعيض والمراد النوافل بدليل ما رواه مسلم من حديث جابر مرفوعا : ( إذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده فليجعل لبيته نصيبا من صلاته ) وقد حكى القاضي عياض عن بعضهم أن معناه اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وغيرهن . قال الحافظ : وهذا وإن كان محتملا لكن الأول هو الراجح وقد بالغ الشيخ محي الدين فقال : لا يجوز حمله على الفريضة
قوله ( ولا تتخذوها قبورا ) لأن القبور ليست بمحل للعبادة وقد استنبط البخاري من هذا الحديث كراهية الصلاة في المقابر ونازعه الإسماعيلي فقال : الحديث دال على كراهة الصلاة في القبر لا في المقابر وتعقب بأن الحديث قد ورد بلفظ المقابر كما رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) وقال ابن التين : تأوله البخاري على كراهة الصلاة في المقابر وتأوله جماعة على أنه إنما فيه الندب إلى الصلاة في البيوت إذ الموتى لا يصلون في بيوتهم وهي القبور قال : فأما جواز الصلاة في المقابر أو المنع منه فليس في الحديث ما يؤخذ منه ذلك
قال الحافظ : إن أراد لا يؤخذ بطريق المنطوق فمسلم وإن أراد نفي ذلك مطلقا فلا . وقيل يحتمل أن المراد لا تجعلوا [ ص 139 ] البيوت وطن النوم فقط لا تصلون فيها فإن النوم أخو الموت والميت لا يصلي . وقيل يحتمل أن يكون المراد أن من لم يصل في بيته جعل نفسه كالميت وبيته كالقبر . ويؤيده ما رواه مسلم : ( مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت ) قال الخطابي : وأما من تأوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشيء فقد دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته وتعقبه الكرماني بأن قال : لعل ذلك من خصائصه . وقد روي أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون كما روى ذلك ابن ماجه بإسناد فيه حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف وله طريق أخرى مرسلة
قال الحافظ : فإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك بل هو متجه لأن استمرار الدفن في البيوت ربما صيرها مقابر فتصير الصلاة فيها مكروهة . ولفظ أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب وهو قوله : ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقا انتهى . وكأن البخاري أشار بترجمة الباب بقوله باب كراهة الصلاة في المقابر إلى حديث أبي سعيد المتقدم لما لم يكن على شرطه

6 - وعن جندب بن عبد الله البجلي قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك )
- رواه مسلم

- الحديث أخرجه النسائي أيضا . وفي الباب عن عائشة عند الشيخين والنسائي . وعن أبي هريرة عند الشيخين وأبي داود والنسائي . وعن ابن عباس عند أبي داود والترمذي وحسنه وله حديث آخر عند الشيخين والنسائي . وعن أسامة بن زيد عند أحمد والطبراني بإسناد جيد . وعن زيد بن ثابت عند الطبراني بإسناد جيد أيضا . وعن ابن مسعود عند الطبراني بإسناد جيد أيضا . وعن أبي عبيدة بن الجراح عند البزار . وعن علي عند البزار أيضا . وعن أبي سعيد عند البزار أيضا . وفي إسناده عمر بن صهبان وهو ضعيف . وعن جابر عند ابن عدي
( والحديث ) يدل على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء والصلحاء مساجد قال العلماء : إنما نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به وربما أدى ذلك إلى الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ولما احتاجت الصحابة رضي الله عنهم والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين كثر المسلمون وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات [ ص 140 ] المؤمنين فيه
وفيها حجرة عائشة مدفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحبيه أبي بكر وعمر بنوا على القبر حيطانا مرتفعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي إليه العوام ويؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارين من ركني القبر الشماليين حرفوهما حتى التقيا حتى لا يتمكن أحد من استقبال القبر
وقد روي أن النهي عن اتخاذ القبور مساجد كان في مرض موته قبل اليوم الذي مات فيه بخمسة أيام وقد حمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان وهو تقييد بلا دليل لأن التعظيم والافتتان لا يختصان بزمان دون زمان
وقد يؤخذ من قوله ( كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ) في حديث الباب وكذلك قوله في حديث ابن عباس عند أبي داود والترمذي بلفظ ( والمتخذين عليها المساجد ) أن محل الذم على ذلك أن تتخذ المساجد على القبور بعد الدفن لا لو بني المسجد أولا وجعل القبر في جانبه ليدفن فيه واقف المسجد أو غيره فليس بداخل في ذلك
قال العراقي : والظاهر أنه لا فرق وإنه إذا بني المسجد لقصد أن يدفن في بعضه أحد فهو داخل في اللعنة بل يحرم الدفن في المسجد وإن شرط أن يدفن فيه لم يصح الشرط لمخالفته لمقتضى وقفه مسجدا والله أعلم انتهى
واستنبط البيضاوي من علة التعظيم جواز اتخاذ القبور في جوار الصلحاء لقصد التبرك دون التعظيم ورد بأن قصد التبرك تعظيم

7 - وعن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل )
- رواه أحمد والترمذي وصححه

- الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه وفي الباب عن جابر بن سمرة عند مسلم . وعن البراء عند أبي داود . وعن سبرة بن معبد عند ابن ماجه . وعن عبد الله بن مغفل عند ابن ماجه أيضا والنسائي . وعن ابن عمر عند ابن ماجه أيضا . وعن أنس عند الشيخين وعن أسيد بن حضير عند الطبراني . وعن سليك الغطفاني عند الطبراني أيضا وفي إسناده جابر الجعفي ضعفه الجمهور ووثقه شعبة وسفيان . وعن طلحة بن عبد الله عند أبي يعلى في مسنده . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد وفي إسناده ابن لهيعة . وله حديث آخر عند الطبراني . وعن عقبة بن عامر عند الطبراني ورجال إسناده ثقات . وعن يعيش الجهني المعروف بذي الغرة عند أحمد والطبراني ورجال إسناده ثقات
قوله ( في مرابض الغنم ) جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء الموحدة وآخره ضاد معجمة قال الجوهري : المرابض للغنم [ ص 141 ] كالمعاطن للإبل واحدها مربض مثال مجلس قال : وربوض الغنم والبقر والفرس مثل بروك الإبل وجثوم الطير
قوله ( في أعطان الإبل ) هي جمع عطن بفتح العين والطاء المهملتين وفي بعض الطرق معاطن وهي جمع معطن بفتح الميم وكسر الطاء قال في النهاية : العطن مبرك الإبل حول الماء
( والحديث ) يدل على جواز الصلاة في مرابض الغنم وعلى تحريمها في معاطن الإبل وإليه ذهب أحمد بن حنبل فقال : لا تصح بحال وقال : من صلى في عطن إبل أعاد أبدا وسئل مالك عمن لا يجد إلا عطن إبل قال : لا يصلي فيه قيل فإن بسط عليه ثوبا قال : لا
وقال ابن حزم : لا تحل في عطن إبل وذهب الجمهور إلى حمل النهي على الكراهة مع عدم النجاسة وعلى التحريم مع وجودها وهذا إنما يتم على القول بأن علة النهي هي النجاسة وذلك متوقف على نجاسة أبوال الإبل وأزبالها وقد عرفت ما قدمنا فيه وسلمنا النجاسة فيه لم يصح جعلها علة لأن العلة لو كانت النجاسة لما افترق الحال بين أعطانها وبين مرابض الغنم إذ لا قائل بالفرق بين أوراث كل من الجنسين وأبوالها كما قال العراقي وأيضا قد قيل إن حكمة النهي ما فيها من النفور فربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطعها أو أذى يحصل له منها أو تشوش الخاطر الملهي عن الخشوع في الصلاة وبهذا علل النهي أصحاب الشافعي وأصحاب مالك وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ : ( لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن ألا ترون إلى عيونها وهيئتها إذا نفرت ) وقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها أو يستمر فيها مع شغل خاطره
وقيل لأن الراعي يبول بينها وقيل الحكمة في النهي كونها خلقت من الشياطين . ويدل على هذا أيضا حديث ابن مغفل السابق . وكذا عند النسائي من حديثه . وعند أبي داود من حديث البراء . وعند ابن ماجه بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة . إذا عرفت هذا الاختلاف في العلة تبين لك أن الحق الوقوف على مقتضى النهي وهو التحريم كما ذهب إليه أحمد والظاهرية وأما الأمر بالصلاة في مرابض الغنم فأمر إباحة ليس للوجوب قال العراقي : اتفاقا وإنما نبه صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك لئلا يظن أن حكمها حكم الإبل أو أنه أخرج على جواب السائل حين سأله عن الأمرين فأجاب في الإبل بالمنع وفي الغنم بالإذن
وأما الترغيب المذكور في الأحاديث بلفظ : ( فإنها بركة ) فهو إنما ذكر لقصد تبعيدها عن حكم [ ص 142 ] الإبل كما وصف أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة ووصف أصحاب الغنم بالسكينة
( فائدة ) ذكر ابن حزم أن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواتر يوجب العلم

8 - وعن زيد بن جبيرة عن داود بن حصين عن نافع عن ابن عمر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نهى أن يصلى في سبعة مواطن في المزبلة والمجزرة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله )
- رواه عبد بن حميد في مسنده وابن ماجه والترمذي وقال : إسناده ليس بذاك القوي وقد تكلم في زيد بن جبيرة من قبل حفظه . وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله قال : وحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد . والعمري ضعفه بعض أهل الحديث من قبل حفظه

- الحديث في إسناد الترمذي زيد بن جبيرة وهو ضعيف كما قال الترمذي قال البخاري وابن معين : زيد بن جبيرة متروك وقال أبو حاتم : لا يكتب حديثه وقال النسائي : ليس بثقة وقال ابن عدي : عامة ما يرويه لا يتابع عليه . وقال الحافظ في التلخيص : إنه ضعيف جدا . وفي إسناد ابن ماجه عبد الله بن صالح وعبد الله بن عمر العمري وهما ضعيفان قال ابن أبي حاتم في العلل : هما جميعا يعني الحديثين واهيان وصحح الحديث ابن السكن وإمام الحرمين وقد تقدم الكلام في المقبرة والحمام وأعطان الإبل وما فيها من الأحاديث الصحيحة
قوله ( المزبلة ) فيها لغتان فتح الموحدة وضمها حكاهما الجوهري وهي المكان الذي يلقى فيه الزبل
قوله ( والمجزرة ) بفتح الزاي المكان الذي ينحر فيه الإبل وتذبح فيه البقر والغنم
قوله ( وقارعة الطريق ) قيل المراد به أعلى الطريق وقيل صدره وقيل ما برز منه
( والحديث ) يدل على تحريم الصلاة في هذه المواطن وقد اختلف في العلة في النهي أما في المقبرة والحمام وأعطان الإبل فقد تقدم الكلام في ذلك . وأما في المزبلة والمجزرة فلكونهما محلا للنجاسة فتحرم الصلاة فيهما من غير حائل اتفاقا ومع الحائل فيه خلاف
وقيل إن العلة في المجزرة كونها مأوى الشياطين ذكر ذلك عن جماعة اطلعوا على ذلك وأما في قارعة الطريق فلما فيها من شغل الخاطر المؤدي إلى ذهاب الخشوع الذي هو سر الصلاة
وقيل لأنها مظنة النجاسة وقيل لأن الصلاة فيها شغل لحق المار ولهذا قال أبو [ ص 143 ] طالب : إنها لا تصح الصلاة فيها ولو كانت واسعة قال : لاقتضاء النهي الفساد . وقال المؤيد بالله والمنصور بالله : لا تكره في الواسعة إذ لا ضرر لأن العلة عندهما الإضرار بالمار . وأما في ظهر الكعبة فلأنه إذا لم يكن بين يديه سترة ثابتة تستره لم تصح صلاته لأنه مصل على البيت لا إلى البيت . وذهب الشافعي إلى الصحة بشرط أن يستقبل من بنائها قدر ثلثي ذراع وعند أبي حنيفة لا يشترط ذلك وكذا قال ابن سريج قال : لأنه كمستقبل العرب لو هدم البيت والعياذ بالله
( فائدة ) قال القاضي أبو بكر ابن العربي : والمواضع التي لا يصلى فيها ثلاثة عشر فذكر السبعة المذكورة في حديث الباب وزاد الصلاة إلى المقبرة وإلى جدار مرحاض عليه نجاسة والكنيسة والبيعة وإلى التماثيل وفي دار العذاب وزاد العراقي الصلاة في الدار المغصوبة والصلاة إلى النائم والمتحدث والصلاة في بطن الوادي والصلاة في الأرض المغصوبة والصلاة في مسجد الضرار والصلاة إلى التنور فصارت تسعة عشر موضعا ودليل المنع من الصلاة في هذه المواطن أما السبعة الأولى فلما تقدم وأما الصلاة إلى المقبرة فلحديث النهي عن اتخاذ القبور مساجد وقد تقدم وأما الصلاة إلى جدار مرحاض فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة بلفظ : ( نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش ) أخرجه ابن عدي قال العراقي : ولم يصح إسناده وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو أنه قال : لا يصلى إلى الحش وعن علي قال : لا يصلى تجاه حش وعن إبراهيم كانوا يكرهون ثلاثة أشياء فذكر منها الحش وفي كراهة استقباله خلاف بين الفقهاء
وأما الكنيسة والبيعة فروى ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس أنه كره الصلاة في الكنيسة إذا كان فيها تصاوير وقد رويت الكراهة عن الحسن ولم ير الشعبي وعطاء ابن أبي رباح بالصلاة في الكنيسة والبيعة بأسا ولم ير ابن سيرين بالصلاة في الكنيسة بأسا وصلى أبو موسى الأشعري وعمر بن عبد العزيز في كنيسة . ولعل وجه الكراهة ما تقدم من اتخاذهم لقبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد لأنها تصير جميع البيع والمساجد مظنة لذلك
وأما الصلاة إلى التماثيل فلحديث عائشة الصحيح : ( أنه قال لها صلى الله عليه وآله وسلم : أزيلي عني قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي ) وكان لها ستر فيه تماثيل
وأما الصلاة في دار العذاب فلما عند أبي داود من حديث علي قال : ( نهاني حبي أن أصلي في أرض بابل لأنها ملعونة ) وفي إسناده ضعف
وأما إلى النائم والمتحدث فهو في حديث ابن عباس عند أبي داود [ ص 144 ] وابن ماجه وفي إسناده من لم يسم
وأما في بطن الوادي فورد في بعض طرق حديث الباب بدل المقبرة . قال الحافظ : وهي زيادة باطلة لا تعرف
وأما الصلاة في الأرض المغصوبة فلما فيها من استعمال مال الغير بغير إذنه
وأما الصلاة في مسجد الضرار فقال ابن حزم : إنه لا يجزئ أحدا الصلاة فيه لقصة مسجد الضرار وقوله ( لا تقم فيه أبدا ) فصح أنه ليس موضع صلاة
وأما الصلاة إلى التنور فكرهها محمد بن سيرين وقال : بيت نار رواه ابن أبي شيبة في المصنف وزاد ابن حزم فقال : لا تجوز الصلاة في مسجد يستهزأ فيه بالله أو برسوله أو شيء من الدين أو في مكان يكفر بشيء من ذلك فيه وزادت الهادوية كراهة الصلاة إلى المحدث والفاسق والسراج وزاد الإمام يحيى الجنب والحائض فيكون الجميع ستة وعشرين موضعا واستدل على كراهة الصلاة إلى المحدث بحديث ذكره الإمام يحيى في الانتصار بلفظ : ( لا صلاة إلى محدث لا صلاة إلى جنب لا صلاة إلى حائض ) وقيل في الاستدلال على كراهة الصلاة إليه القياس على الحائض وقد ثبت أنها تقطع الصلاة وأما الفاسق فإهانة له كالنجاسة
وأما السراج فللفرار من التشبيه بعبدة النار والأولى عدم التخصيص بالسراج ولا بالتنور بل إطلاق الكراهة على استقبال النار فيكون استقبال التنور والسراج وغيرهما من أنوع النار قسما واحدا . وأما الجنب والحائض فللحديث الذي في الانتصار ولما في الحائض من قطعها للصلاة
واعلم أن القائلين بصحة الصلاة في هذه المواطن أو في أكثرها تمسكوا في المواطن التي صحت أحاديثها بأحاديث ( أينما أدركتك الصلاة فصل ) ونحوها وجعلوها قرينة قاضية بصحة تأويل الأحاديث القاضية بعدم الصحة وقد عرفناك أن أحاديث النهي عن المقبرة والحمام ونحوهما خاصة فتبنى العامة عليها وتمسكوا في المواطن التي لم تصح أحاديثها فيها لعدم التعبد بما لم يصح وكفاية البراءة الأصلية حتى يقوم دليل صحيح ينقل عنها لا سيما بعد ورود عمومات قاضية بأن كل موطن من مواطن الأرض مسجد تصح الصلاة فيه وهذا متمسك صحيح لا بد منه
قوله ( أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد ) قيل إن قوله من حديث الليث صفة لحديث ابن عمر بأنه من حديث الليث الذي هو أصح من حديث ابن جبيرة

باب صلاة التطوع في الكعبة . [ ص 145 ]

1 - عن ابن عمر قال : ( دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم الباب فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسألته هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : نعم بين العمودين اليمانيين )
- متفق عليه

2 - وعن ابن عمر أنه قال لبلال : ( هل صلى النبي صلى الله عليه و سلم في الكعبة قال : نعم بركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت ثم خرج فصلى في وجهة الكعبة ركعتين )
- رواه أحمد والبخاري

- قوله ( دخل النبي صلى الله عليه و سلم البيت ) قال الحافظ : كان ذلك في عام الفتح كما وقع مبينا من رواية يونس بن يزيد عن نافع عند البخاري في كتاب الجهاد
قوله ( هو وأسامة وبلال وعثمان ) زاد مسلم من طريق أخرى ولم يدخلها معهم أحد
ووقع عند النسائي من طريق ابن عون عن نافع ومعه الفضل بن عباس وأسامة وبلال وعثمان فزاد الفضل . ولأحمد من حديث ابن عباس حدثني أخي الفضل وكان معه حين دخلها
قوله ( فأغلقوا عليهم الباب ) زاد مسلم : ( فمكث فيها مليا ) وفي رواية له : ( فأجافوا عليهم الباب طويلا ) وفي رواية لأبي عوانة : ( من داخل ) وزاد يونس : ( فمكث نهارا طويلا ) وفي رواية فليح : ( زمانا )
قوله ( فلما فتحوا ) في رواية : ( ثم خرج فابتدر الناس الدخول فسبقتهم ) وفي رواية : ( وكنت شابا قويا فبادرت الناس فبدرتهم ) وأفاد الأزرقي في كتاب مكة أن خالد بن الوليد كان على الباب يذب الناس عنه
قوله ( بين العمودين اليمانيين ) وفي رواية : ( بين العمودين المقدمين )
قوله ( فصلى في وجهة الكعبة ركعتين ) وفي رواية للبخاري في الصلاة أن ابن عمر قال : فذهب علي أن أسأله كم صلى وروي عنه أنه قال : نسيت أن أسأله كم صلى . وقد جمع الحافظ بين الراويتين في الفتح
( والحديثان ) يدلان على مشروعية الصلاة في الكعبة لصلاته صلى الله عليه وآله وسلم فيها وقد ادعى ابن بطال أن الحكمة في تغليق الباب لئلا يظن الناس أن ذلك سنة فيلتزمونه قال الحافظ : وهو مع ضعفه منتقض بأنه لو أراد إخفاء ذلك ما طلع عليه بلال ومن كان معه وإثبات الحكم بذلك يكفي فيه نقل الواحد انتهى
فالظاهر أن التغليق ليس لما ذكره بل لمخافة أن يزدحموا عليه لتوفر دواعيهم على مراعاة أفعاله ليأخذوها عنه أو ليكون ذلك أسكن لقلبه وأجمع لخشوعه . وإنما أدخل معه عثمان لئلا يظن أنه عزل من ولاية البيت وبلالا وأسامة لملازمتهما خدمته . وقيل فائدة ذلك [ ص 146 ] للتمكن من الصلاة في جميع جهاتها لأن الصلاة إلى جهة الباب وهو مفتوح لا تصح وقد عارض أحاديث صلاته صلى الله عليه وآله وسلم في الكعبة حديث ابن عباس عند البخاري وغيره : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر في البيت ولم يصل فيه ) قال الحافظ : ولا معارضة في ذلك بالنسبة إلى التكبير لأن ابن عباس أثبته ولم يتعرض له بلال وأما الصلاة فإثبات بلال أرجح لأن بلالا كان معه يومئذ ولم يكن معه ابن عباس وإنما استند في نفيه تارة إلى أسامة وتارة إلى أخيه الفضل مع أنه لم يثبت أن الفضل كان معهم إلا في رواية شاذة وقد روى أحمد من طريق ابن عباس عن أخيه الفضل نفي الصلاة فيها فيحتمل أن يكون تلقاه عن أسامة فإنه كان معه وقد روى عنه نفي الصلاة في الكعبة أيضا مسلم من طريق ابن عباس ووقع إثبات صلاته فيها عن أسامة من رواية ابن عمر عنه فتعارضت الروايات في ذلك فتترجح رواية بلال من جهة أنه مثبت وغيره ناف ومن جهة أنه لم يختلف عنه في الإثبات واختلف على من نفى وقال النووي وغيره : يجمع بين إثبات بلال ونفي أسامة بأنهم لما دخلوا الكعبة اشتغلوا بالدعاء فرأى أسامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو فاشتغل بالدعاء في ناحية والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في ناحية ثم صلى النبي صلى الله عليه و سلم فرآه بلال لقربه منه ولم يره أسامة لبعده واشتغاله ولأن بإغلاق الباب تكون الظلمة مع احتمال أنه يحجب عنه بعض الأعمدة فنفاها عملا بظنه
وقال المحب الطبري : يحتمل أن يكون أسامة غاب عنه بعد دخوله لحاجة فلم يشهد صلاته ويشهد له ما رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن أسامة : ( قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه و سلم الكعبة فرأى صورا فدعا بدلو من ماء فأتيته به فضرب به الصور ) قال الحافظ : هذا إسناده جيد قال القرطبي : فلعله استصحب النفي لسرعة عوده انتهى . وقد روى عمر بن شيبة في كتاب مكة عن علي بن بذيمة قال : ( دخل النبي صلى الله عليه و سلم الكعبة ودخل معه بلال وجلس أسامة على الباب فلما خرج وجد أسامة قد احتبى فأخذ حبوته فحلها ) الحديث فلعله احتبى فاستراح فنعس فلم يشاهد صلاته فلما سئل عنها نفاها مستصحبا للنفي لقصر زمن احتبائه وفي كل نفي رؤيته لا ما في نفس الأمر . ومنهم من جمع بين الحديثين بعد الترجيح وذلك من وجوه :
الأول أن الصلاة المثبتة هي اللغوية والمنفية الشرعية . والثاني يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين قاله المهلب شارح البخاري . وقال ابن حبان : الأشبه عندي في الجمع أن يجعل الخبران في وقتين [ ص 147 ] فيقال لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها لأن ابن عباس نفاها وأسنده إلى أسامة وابن عمر أثبتها وأسند إثباته إلى بلال وإلى أسامة أيضا فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض
قال الحافظ : وهذا جمع حسن لكن تعقبه النووي بأنه لا خلاف أنه صلى الله عليه وآله وسلم دخل يوم الفتح لا في حجة الوداع ويشهد له ما روى الأزرقي في كتاب مكة عن غير واحد من أهل العلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح وأما يوم حج فلم يدخلها وإذا كان الأمر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين ويكون المراد بالوحدة وحدة السفر لا الدخول

باب الصلاة في السفينة

1 - عن ابن عمر قال : ( سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف أصلي في السفينة قال : صل قائما إلا أن تخاف الغرق )
- رواه الدارقطني والحاكم أبو عبد الله في المستدرك على شرط الصحيحين

- الحديث رواه الحاكم من طريق جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران عن ابن عمر وقال : على شرط مسلم قال : وهو شاذ بمرة
( الحديث ) يدل على وجوب الصلاة من قيام في السفينة ولا يجوز القعود إلا لعذر مخافة غرق أو غيره لأن مخافة الغرق تنفي عنه الاستطاعة وقد قال الله تعالى { فاتقوا الله ما استطعتم } وثبت من حديث ابن عباس : ( إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) وهي أيضا عذر أشد من المرض . وقد أخرج الدارقطني من حديث علي : ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : يصلي المريض قائما إن استطاع فإن لم يستطع صلى قاعدا فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض من ركوعه فإن لم يستطع أن يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة فإن لم يستطع أن يصلي على جنبه الأيمن صلى مستلقيا رجلاه مما يلي القبلة ) وفي إسناده حسين بن زيد ضعفه ابن المديني والحسن بن الحسين العرني وهو متروك
وقال النووي : هذا حديث ضعيف وأخرج البزار والبيهقي في المعرفة من حديث جابر مرفوعا بلفظ : ( صل على الأرض إن استطعت وإلا فأوم إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك ) قال أبو حاتم : الصواب أنه موقوف ورفعه خطأ

باب صلاة الفرض على الراحلة لعذر . [ ص 148 ]

1 - عن يعلى بن مرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع )
- رواه أحمد والترمذي

- الحديث أخرجه أيضا النسائي والدارقطني وقال الترمذي : حديث غريب تفرد به عمرو بن الرياح وثبت ذلك عن أنس من فعله وصححه عبد الحق وحسنه النووي وضعفه البيهقي وهو يدل على ما ذهب إليه البعض من صحة صلاة الفريضة على الراحلة كما تصح في السفينة بالإجماع ويعارض هذا حديث عامر بن ربيعة الآتي وستعرف الكلام على ذلك هنالك
وقد صحح الشافعي الصلاة المفروضة على الراحلة بالشروط التي ستأتي وحكى النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح الإجماع على عدم جواز ترك الاستقبال في الفريضة
قال الحافظ : لكن رخص في شدة الخوف وحكى النووي أيضا الإجماع على عدم صلاة الفريضة على الدابة قال : فلو أمكنه استقبال القبلة والقيام والركوع والسجود على دابة واقفة عليها هودج أو نحوه جازت الفريضة على الصحيح من مذهبنا فإن كانت سائرة لم تصح على الصحيح المنصوص للشافعي . وقيل تصح كالسفينة فإنها تصح فيها الفريضة بالإجماع ولو كان في ركب وخاف لو نزل للفريضة انقطع عنهم ولحقه الضرر قال أصحابنا يصلي الفريضة على الدابة بحسب الإمكان ويلزمه إعادتها لأنه عذر نادر انتهى
( والحديث ) يدل على جواز صلاة الفريضة على الراحلة ولا دليل يدل على اعتبار تلك الشروط إلا عمومات يصلح هذا الحديث لتخصيصها وليس في الحديث إلا ذكر عذر المطر ونداوة الأرض فالظاهر صحة الفريضة على الراحلة في السفر لمن حصل له مثل هذا العذر وإن لم يكن في هودج إلا أن يمنع من ذلك إجماع ولا إجماع فقد روى الترمذي في جامعه عن أحمد وإسحاق أنهما يقولان بجواز الفريضة على الراحلة إذا لم يجد موضعا يؤدي فيه الفريضة نازلا . ورواه العراقي في شرح [ ص 149 ] الترمذي عن الشافعي
قوله ( والسماء من فوقهم ) المراد بالسماء هنا المطر قال الشاعر :
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
قال الجوهري : يقال ما زلنا نطأ في السماء حتى أتيناكم
قوله ( والبلة ) بكسر الباء الموحدة وتشديد اللام قال الجوهري : البلة بالكسر النداوة . قال المصنف رحمه الله : وإنما ثبتت الرخصة إذا كان الضرر بذلك بينا فأما اليسير فلا . روى أبو سعيد الخدري قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته ) متفق عليه انتهى . وسيأتي حديث أبي سعيد هذا بطوله في باب الاجتهاد في العشر الأواخر من كتاب الاعتكاف . واستدلال المصنف على تقييده لجواز صلاة الفريضة على الراحلة بالضرر البين بحديث أبي سعيد غير متجه لأن سجوده على الماء والطين كان في الحضر وكان معتكفا على أنه لا نزاع أن السجود على الأرض مع المطر عزيمة فلا يكون صالحا لتقييد هذه الرخصة

2 - وعن عامر بن ربيعة قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو على راحلته يسبح يومئ برأسه قبل أي وجهة توجه ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة )
- متفق عليه

- وفي الباب عن جابر عند البخاري وأبي داود والترمذي وصححه . وعن أنس عند الشيخين وأبي داود والنسائي . وعن ابن عمر عند أبي داود والنسائي وأخرجه البخاري من فعل ابن عمر . وأخرج مسلم عنه مرفوعا بنحو ما عند أبي داود والنسائي وعن أبي سعيد عند أحمد . وعن سعيد ابن أبي وقاص عند البزار وفي إسناده ضرار بن صرد وهو ضعيف . وعن شقران عند أحمد وفي إسناده مسلم بن خالد وثقه الشافعي وابن حبان وضعفه غير واحد ورواه أيضا الطبراني في الكبير والأوسط . وعن الهرماس عند أحمد أيضا وفي إسناده عبد الله بن واقد الحراني مختلف فيه ورواه الطبراني أيضا . وعن أبي موسى عند أحمد أيضا وفي إسناده يونس بن الحارث وثقه ابن معين في رواية عنه وابن حبان وابن عدي وضعفه أحمد وغير واحد ورواه الطبراني في الأوسط
( والحديث ) يدل على جواز التطوع على الراحلة للمسافر قبل جهة مقصده وهو إجماع كما قال النووي والعراقي والحافظ وغيرهم وإنما الخلاف في جواز ذلك في الحضر فجوزه أبو يوسف وأبو سعيد الأصطخري من أصحاب الشافعي وأهل الظاهر . قال ابن حزم : وقد روينا عن [ ص 150 ] وكيع عن سفيان عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي قال : كانوا يصلون على رحالهم ودوابهم حيثما توجهت قال : وهذه حكاية عن الصحابة والتابعين رضي الله عنهم عموما في الحضر والسفر . قال النووي : وهو محكي عن أنس بن مالك انتهى
قال العراقي : استدل من ذهب إلى ذلك بعموم الأحاديث التي لم يصرح فيها بذكر السفر وهو ماش على قاعدتهم في أنه لا يحمل المطلق على المقيد بل يعمل بكل منهما فأما من يحمل المطلق على المقيد وهم جمهور العلماء فحمل الروايات المطلقة على المقيدة بالسفر انتهى
وظاهر الأحاديث المقيدة بالسفر عدم الفرق بين السفر الطويل والقصير وإليه ذهب الشافعي وجمهور العلماء وذهب مالك إلى أنه لا يجوز إلا في سفر تقصر فيه الصلاة وهو محكي عن الشافعي ولكنها حكاية غريبة وذهب إليه الإمام يحيى ويدل لما قالوه ما في رواية رزين من حديث جابر بزيادة في سفر القصر فإن صحت هذه الزيادة وجب حمل ما أطلقته الأحاديث عليها . وظاهر الأحاديث أن الجواز مختص بالراكب وإليه ذهب أهل الظاهر وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وقال الأوزاعي والشافعي : إنه يجوز للراجل قال المهدي في البحر : وهو قياس المذهب واستدلوا بالقياس على الراكب . وظاهر الأحاديث اختصاص ذلك بالنافلة كما صرح في حديث الباب وغيره بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن يفعل ذلك في المكتوبة وقد تقدم الخلاف في ذلك في الحديث الذي قبل هذا ونفي فعل ذلك في المكتوبة وإن كان ثابتا في الصحيحين وغيرهما لكن غاية ما فيه أنه أخبرنا النافي بما علم وعدم علمه لا يستلزم العدم فالواجب علينا العمل بخبر من أخبرنا بشرع لم يعلمه غيره لأن من علم حجة على من لا يعلم وكثيرا ما يرجح أهل الحديث ما في الصحيحين على ما في غيرهما في مثل هذه الصورة وهو غلط أوقع في مثله الجمود فليكن منك هذا على ذكر
قوله ( يسبح ) أي يتنفل والسبحة بضم السين وإسكان الباء النافلة قاله النووي وإطلاق التسبيح على النافلة مجاز والعلاقة الجزئية والكلية أو اللزوم لأن الصلاة المخلصة يلزمها التنزيه

باب اتخاذ متعبدات الكفار ومواضع القبور إذا نبشت مساجد

1 - عن عثمان بن أبي العاص : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يجعل مساجد الطائف حيث كان طواغيتهم )
- رواه أبو داود وابن ماجه قال البخاري : وقال [ ص 151 ] عمر : إنا لا ندخل كنائسهم من أجل التماثيل التي فيها الصور . قال : وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها التماثيل

- الحديث رجال إسناده ثقات ومحمد بن عبد الله بن عياض الطائفي المذكور في إسناد هذا الحديث ذكره ابن حبان في الثقات وكذلك أبو همام ثقة واسمه محمد بن محمد الدلال البصري وعثمان ابن أبي العاص المذكور هو الثقفي أمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك حين استعمله على الطائف
قوله ( طواغيتهم ) جمع طاغوت وهو بيت الصنم الذي كانوا يتعبدون فيه لله تعالى ويتقربون إليه بالأصنام على زعمهم
( والحديث ) يدل على جواز جعل الكنائس والبيع وأمكنة الأصنام مساجد وكذلك فعل كثير من الصحابة حين فتحوا البلاد جعلوا متعبداتهم متعبدات للمسلمين وغيروا محاريبها
قوله ( وقال عمر ) هكذا ذكره البخاري تعليقا ووصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال : ( لما قدم عمر الشام صنع له رجل من النصارى طعاما وكان من عظمائهم وقال : أحب أن تجيبني وتكرمني فقال له عمر : إنا لا ندخل كنائسكم من أجل الصور التي فيها ) يعني التماثيل
قوله ( من أجل التماثيل ) هو جمع تمثال بمثناة ثم مثلثة بينهما ميم . قال الحافظ : وبينه وبين الصورة عموم وخصوص مطلق فالصورة أعم
قوله ( التي فيها الصور ) الضمير يعود على الكنيسة والصور بالجر بدل من التماثيل أو بيان لها أو بالنصب على الاختصاص أو بالرفع أي أن التماثيل مصورة والضمير على هذا للتماثيل . وفي رواية الأصيلي بزيادة واو العاطفة
قوله ( وكان ابن عباس ) هكذا ذكره البخاري تعليقا ووصله البغوي في الجعديات وزاد فيه فإن كان فيها تماثيل خرج فصلى في المطر
( والأثران يدلان ) على جواز دخول البيع والصلاة فيها إلا إذا كان فيها تماثيل وقد تقدم الكلام في ذلك والبيعة صومعة الراهب قاله في المحكم وقيل كنيسة النصارى . قال الحافظ : والثاني هو المعتمد وهي بكسر الباء قال : ويدخل في حكم البيعة الكنيسة وبيت المدراس والصومعة وبيت الصنم وبيت النار ونحو ذلك . قال ابن رسلان : وفي الحديث أنه كان يصلي في البيعة وهي كنيسة أهل الكتاب

2 - وعن قيس بن طلق بن علي عن أبيه قال : ( خرجنا وفدا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبايعناه وصلينا معه وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه من فضل طهوره فدعا بماء فتوضأ وتمضمض ثم صبه في إدواة وأمرنا فقال : اخرجوا [ ص 152 ] فإذا أتيتم أرضكم فاكسروا بيعتكم وانضحوا مكانها بهذا الماء واتخذوها مسجدا )
- رواه النسائي

- الحديث أخرج نحوه الطبراني في الكبير والأوسط وقيس بن طلق ممن لا يحتج بحديثه قال يحيى بن معين : لقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج بحديثه وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم : إن أباه وأبا زرعة قالا : قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة ووهناه ولم يثبتاه وضعفه أحمد ويحيى بن معين في إحدى الروايتين عنه وفي رواية عثمان بن سعيد عنه أنه وثقه ووثقه العجلي قال في الميزان حاكيا عن ابن القطان أنه قال : يقتضي أن يكون خبره حسنا لا صحيحا وأما من دون قيس بن طلق فهم ثقات فإن النسائي قال أخبرنا هناد بن السري عن ملازم قال حدثني عبد الله بن بدر عن قيس بن طلق وملازم هو ابن عمر ووثقه ابن معين والنسائي
وعبد الله بن بدر ثقة وأما هناد فهو الإمام الكبير المشهور . والطهور والإداوة قد تقدم ضبطهما
( والحديث ) يدل على جواز اتخاذ البيع مساجد وغيرها من الكنائس ونحوها ملحق بها بالقياس كما تقدم

3 - وعن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يحب أن يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل إلى ملأ من بني النجار فقال : يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا قالوا : لا والله ما نطلب ثمنه إلا إلى الله فقال أنس : وكان فيه ما أقوال لكم قبور المشركين وفيه خرب وفيه نخل فأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم بالخرب فسويت ثم بالنخل فقطع فصفوا النخل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون والنبي صلى الله عليه وآله وسلم معهم وهو يقول اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة )
- مختصر من حديث متفق عليه

- قوله ( ثامنوني ) أي اذكروا لي ثمنه لأذكر لكم الثمن الذي أختاره قال ذلك على سبيل المساومة فكأنه قال ساوموني في الثمن
قوله ( لا نطلب ثمنه إلا إلى الله ) تقديره لا نطلب الثمن لكن الأمر فيه إلى الله أو إلى بمعنى من وكذا عند الإسماعيلي : ( لا نطلب ثمنه إلا من الله ) وزاد ابن ماجه : ( أبدا ) وظاهر الحديث أنهم لم يأخذوا منه ثمنا وخالف ذلك أهل السير قاله الحافظ
قوله ( فكان فيه ) أي في الحائط الذي بني في مكانه المسجد
قوله ( وفيه خرب ) قال ابن الجوزي : المعروف فيه فتح الخاء وكسر الراء بعدها موحدة [ ص 153 ] جمع خربة ككلم وكلمة . وحكى الخطابي كسر أوله وفتح ثانيه جمع خربة كعنب وعنبة وللكشميهني بفتح الحاء المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة . وقد بين أبو داود أن رواية عبد الوارث بالمعجمة والموحدة ورواية حماد بن سلمة عن أبي التياح بالمهملة والمثلثة قال الحافظ : فعلى هذا فرواية الكشميهني وهم لأن البخاري إنما أخرجه من رواية عبد الوارث
قوله ( فاغفر للأنصار ) وفي رواية في البخاري للمستملي والحموي ( فاغفر الأنصار ) بحذف اللام قال الحافظ : ويوجه له بأن ضمن اغفر معنى استر . وقد رواه أبو داود عن مسدد بلفظ ( فانصر الأنصار )
( وفي الحديث ) جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع وجواز نبش القبور الدارسة إذا لم تكن محترمة وجواز الصلاة في مقابر المشركين بعد نبشها وإخراج ما فيها وجواز بناء المساجد في أماكنها وجواز قطع النخل المثمرة للحاجة . قال الحافظ : وفيه نظر لاحتمال أن يكون ذلك مما لا يثمر إما بأن يكون ذكورا وإما أن يكون مما طرأ عليه ما قطع ثمرته وفيه أن احتمال كونها مما لا تثمر خلاف الظاهر فلا يناقش بمثله والأولى المناقشة باحتمال أن تكون غير مثمرة حال القطع إن أراد المستدل بالمثمرة ما كانت الثمرة موجودة فيها حال القطع
( وللحديث ) فوائد ليس هذا محل بسطها وصفة بنيان المسجد ما ثبت عند البخاري وغيره من حديث ابن عمر أنه قال : ( إن المسجد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مبنيا باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باللبن والجريد وأعاد عمده خشبا ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج

باب فضل من بنى مسجدا

1 - عن عثمان بن عفان قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة )
- متفق عليه

- وفي الباب عن أبي بكرة عند الطبراني في الأوسط وابن عدي في الكامل وفي إسناد الطبراني وهب بن حفص وهو ضعيف وفي إسناد ابن عدي الحكم بن يعلى بن عطاء وهو [ ص 154 ] منكر الحديث
وعن عمر عند ابن ماجه . وعن علي عند ابن ماجه أيضا وفيه ابن لهيعة وعن عبد الله بن عمرو عند أحمد وفي إسناده الحجاج بن أرطأة . وعن أنس عند الترمذي وفي إسناده زياد النميري وهو ضعيف وله طرق أخر عن أنس منها عند الطبراني ومنها عند ابن عدي وفيهما مقال . وعن ابن عباس عند أحمد والبزار في مسنديهما وفي إسناده جابر الجعفي وهو ضعيف . وعن عائشة عند البزار والطبراني في الأوسط وفيه كثير ابن عبد الرحمن ضعفه العقيلي وله طريق أخرى عند الطبراني في الأوسط وفيها المثنى ابن الصباح ضعفه الجمهور ورواه أبو عبيد في غريبه بإسناد جيد وعن أم حبيبة عند ابن عدي في الكامل وفيه أبو ظلال ضعيف جدا . وعن أبي ذر عند ابن حبان في صحيحه والبزار والطبراني والبيهقي وزاد : ( قدر مفحص قطاة ) قال العراقي : وإسناده صحيح . وعن عمرو بن عبسة عند النسائي . وعن واثلة بن الأسقع عند أحمد والطبراني وابن عدي . وعن أبي هريرة عند البزار وابن عدي والطبراني وفي إسناده سليمان بن داود اليمامي وليس بشيء . ورواه الطبراني من طريق أخرى فيها المثنى بن الصباح . وعن جابر عند ابن ماجه وإسناده جيد . وعن معاذ عند الحافظ الدمياطي في جزء المساجد له . وعن عبد الله بن أبي أوفى عنده أيضا . وعن ابن عمر عند البزار والطبراني وفي إسناده الحكم بن ظهير وهو متروك بزيادة : ( ولو كمفحص قطاة ) . وعن أبي موسى عند الدمياطي في جزئه المذكور . وعن أبي أمامة عند الطبراني وفيه علي بن زيد وهو ضعيف . وعن أبي قرصافة واسمه حيدرة عند الطبراني وفي إسناده جهالة . وعن نبيط بن شريط عند الطبراني
وعن عمر بن مالك عند الدمياطي في الجزء المذكور . وعن أسماء بنت يزيد عند أحمد والطبراني وابن عدي قال يحيى بن معين : هذا ليس بشيء وذكر أبو القاسم بن منده في كتابه المستخرج من كتب الناس للفائدة أنه رواه عن النبي صلى الله عليه و سلم رافع بن خديج وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين وفضالة بن عبيد وقدامة بن عبد الله العامري ومعاوية بن حيدة والمغيرة بن شعبة والمقداد بن معد يكرب وأبو سعيد الخدري
قوله ( من بنى لله مسجدا ) يدل على أن الأجر المذكور يحصل ببناء المسجد لا بجعل الأرض مسجدا من غير بناء وأنه لا يكفي في ذلك تحويطه من غير حصول مسمى البناء والتنكير في مسجد للشيوع فيدخل فيه الكبير والصغير وعن أنس عند الترمذي مرفوعا بزيادة لفظ : ( كبيرا أو صغيرا ) ويدل لذلك رواية ( كمفحص قطاة ) وهي مرفوعة ثابتة عند ابن أبي شيبة عن عثمان [ ص 155 ] وابن حبان والبزار عن أبي ذر وأبي مسلم الكجي من حديث ابن عباس والطبراني في الأوسط من حديث أنس وابن عمر وعن أبي نعيم في الحلية عن أبي بكر وابن خزيمة عن جابر وحمل ذلك العلماء على المبالغة لأن المكان الذي تفحصه القطاة لتضع فيه بيضها وترقد عليه لا يكفي مقداره للصلاة وقيل هي على ظاهرها والمعنى أنه يزيد في مسجد قدرا يحتاج إليه تكون تلك الزيادة هذا القدر أو يشترك جماعة في بناء مسجد فيقع حصة كل واحد منهم ذلك القدر وفي رواية للبخاري قال بكير : حسبت أنه قال يعني شيخه عاصم بن عمر بن قتادة ( يبتغي به وجه الله ) قال الحافظ : وهذه الجملة لم يجزم بها بكير في الحديث ولم أرها إلا من طريقه هكذا وكأنها ليست في الحديث بلفظها فإن كل من روى الحديث من جميع الطرق إليه لفظهم ( من بنى لله مسجدا ) فكأن بكيرا نسبها فذكرها بالمعنى مترددا في اللفظ الذي ظنه انتهى ولكنه يؤدي معنى هذه الزيادة
قوله ( من بنى لله ) فإن الباني للرياء والسمعة والمباهاة ليس بانيا لله وأخرج الطبراني من حديث عائشة بزيادة : لا يريد به رياء ولا سمعة
قوله ( بنى الله له مثله ) وقد اختلف في معنى المماثلة فقال ابن العربي : مثله في القدر والمساحة ويرده زيادة بيتا أوسع منه عند الطبراني من حديث ابن عمر . وروى أحمد أيضا من طريق واثلة بن الأسقع بلفظ ( أفضل منه ) وقيل مثله في الجودة والحصانة وطول البقاء ويرده أن بناء الجنة لا يخرب بخلاف بناء المسجد فلا مماثلة
وقال صاحب المفهم : هذه المثلية ليست على ظاهرها وإنما يعني أنه يبنى له بثوابه بيتا أشرف وأعظم وأرفع . وقال النووي : يحتمل أن يكون مثله معناه بنى الله له مثله في مسمى البيت وأما صفته في السعة وغيرها فمعلوم فضلها فإنها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ويحتمل أن يكون معناه أن فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا انتهى
قال الحافظ : لفظ المثل له استعمالان أحدهما الإفراد مطلقا كقوله تعالى { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا } والآخر المطابقة كقوله تعالى { أمم أمثالكم } فعلى الأول لا يمتنع أن يكون الجزاء أبنية متعددة فيحصل جواب من استشكل تقييده بقوله مثله مع أن الحسنة بعشر أمثالها لاحتمال أن يكون المراد بنى الله له عشر أبنية مثله
وأما من أجاب باحتمال أن يكون صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك قبل نزول قوله تعالى { من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها } ففيه بعد . وكذا من أجاب بأن التقييد بالواحد لا ينفي الزيادة قال : ومن الأجوبة المرضية أن المثلية هنا بحسب الكمية والزيادة حاصلة بحسب الكيفية فكم من بيت خير من [ ص 156 ] عشرة بل من مائة وهذا الذي ارتضاه هو الاحتمال الأول الذي ذكره النووي . وقيل إن المثلية هي أن جزاء هذه الحسنة من جنس البناء لا من غيره مع قطع النظر عن غير ذلك مع أن التفاوت حاصل قطعا بالنسبة إلى ضيق الدنيا وسعة الجنة . قال في المفهم : هذا البيت والله أعلم مثل بيت خديجة الذي قال فيه إنه من قصب يريد إنه من قصب الزمرد والياقوت انتهى

2 - وعن ابن عباس : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة لبيضها بنى الله له بيتا في الجنة )
- رواه أحمد

- الكلام على الحديث تخريجا وتفسيرا قد قدمناه في شرح الذي قبله

باب الاقتصاد في بناء المساجد

1 - عن ابن عباس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما أمرت بتشييد المساجد ) قال ابن عباس : لتزخرفها كما زخرفت اليهود والنصارى
- أخرجه أبو داود

- الحديث صححه ابن حبان ورجاله رجال الصحيح لأن أبا داود رواه عن سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن أبي فزارة وهو راشد بن كيسان الكوفي وقد أخرج له مسلم عن يزيد بن الأصم هو العامري التابعي أخرج له مسلم أيضا عن ابن عباس وقد أخرج البخاري في صحيحه قول ابن عباس المذكور تعليقا وإنما لم يذكر البخاري المرفوع للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله قاله الحافظ
قوله ( ما أمرت ) بضم الهمزة وكسر الميم مبني للمفعول
قوله ( بتشييد المساجد ) قال البغوي في شرح السنة : التشييد رفع البناء وتطويله ومنه قوله تعالى { بروج مشيدة } وهي التي طول بناؤها يقال شدت الشيء أشيده مثل بعته أبيعه إذا بنيته بالشيد وهو الجص وشيدته تشييدا طولته ورفعته
وقيل المراد بالبروج المشيدة المجصصة قال ابن رسلان : والمشهور في الحديث أن المراد بتشييد المساجد هنا رفع البناء وتطويله كما قال البغوي وفيه رد على من حمل قوله تعالى { في بيوت أذن الله أن ترفع } على رفع بنائها وهو الحقيقة بل المراد أن تعظم فلا يذكر فيها الخنى من الأقوال وتطييبها من الأدناس والأنجاس ولا ترفع فيها الأصوات انتهى
قوله ( قال ابن عباس ) هكذا رواه ابن حبان موقوفا وقبله حديث ابن عباس أيضا مرفوعا وظن [ ص 157 ] الطيبي في شرح المشكاة أنهما حديث واحد فشرحه على أن اللام في لتزخرفها مكسورة قال : وهي لام التعليل للمنفي قبله والمعنى ما أمرت بالتشييد ليجعل ذريعة إلى الزخرفة قال : والنون فيه لمجرد التأكيد وفيه نوع تأنيب وتوبيخ ثم قال : ويجوز فتح اللام على أنها جواب القسم
قال الحافظ : وهذا يعني فتح اللام هو المعتمد والأول لم تثبت به الرواية أصلا فلا يغتر به . وكلام ابن عباس فيه مفصول من كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكتب المشهورة وغيرها انتهى
والزخرفة الزينة قال محي السنة أنهم زخرفوا المساجد عندما بدلوا دينهم وحرفوا كتبهم وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم وسيصير أمركم إلى المراءاة بالمساجد والمباهاة بتشييدها وتزيينها . قال أبو الدرداء : إذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مساجدكم فالدمار عليكم
قال ابن رسلان : وهذا الحديث فيه معجزة ظاهرة لإخباره صلى الله عليه وآله وسلم عما سيقع بعده فإن تزويق المساجد والمباهاة بزخرفتها كثر من الملوك والأمراء في هذا الزمان بالقاهرة والشام وبيت المقدس بأخذهم أموال الناس ظلما وعمارتهم بها المدارس على شكل بديع نسأل الله السلامة والعافية انتهى
( والحديث ) يدل على أن تشييد المساجد بدعة وقد روي عن أبي حنيفة الترخيص في ذلك . وروي عن أبي طالب أنه لا كراهة في تزيين المحراب . وقال المنصور بالله : إنه يجوز في جميع المساجد . وقال البدر بن المنير : لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك بالمساجد صونا لها عن الاستهانة وتعقب بأن المنع إن كان للحث على إتباع السلف في ترك الرفاهية فهو كما قال وإن كان لخشية شغل بال المصلي بالزخرفة فلا لبقاء العلة
ومن جملة ما عول عليه المجوزون للتزيين بأن السلف لم يحصل منهم الإنكار على من فعل ذلك وبأنه بدعة مستحسنة وبأنه مرغب إلى المسجد وهذه حجج لا يعول عليها من له حظ من التوفيق لا سيما مع مقابلتها للأحاديث الدالة على أن التزيين ليس من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنه نوع من المباهاة المحرمة وأنه من علامات الساعة كما روي عن علي عليه السلام . وأنه من صنع اليهود والنصارى وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يحب مخالفتهم ويرشد إليها عموما وخصوصا . ودعوى ترك إنكار السلف ممنوعة لأن التزيين بدعة أحدثها أهل الدول الجائرة من غير مؤاذنة لأهل العلم والفضل وأحدثوا من البدع ما لا يأتي عليه الحصر ولا ينكره أحد وسكت العلماء عنهم تقية لا رضا بل قام في وجه باطلهم جماعة من علماء الآخرة وصرخوا بين أظهرهم بنعي ذلك عليهم [ ص 158 ] ودعوى أنه بدعة مستحسنة باطلة وقد عرفناك وجه بطلانها في شرح حديث ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) في باب الصلاة في ثوب الحرير والغصب ودعوى أنه مرغب إلى المسجد فاسدة لأن كونه داعيا إلى المسجد ومرغبا إليه لا يكون إلا لمن كان غرضه وغاية قصده النظر إلى تلك النقوش والزخرفة فأما من كان غرضه قصد المساجد لعبادة الله التي لا تكون عبادة على الحقيقة إلا مع خشوع وإلا كانت كجسم بلا روح فليست إلا شاغلة عن ذلك كما فعله صلى الله عليه وآله وسلم في الإنبجانية التي بعث بها إلى أبي جهم
وكما تقدم من هتكه للستور التي فيها نقوش . وكما سيأتي في باب تنزيه قبلة المصلي عما يلهي وتقويم البدع المعوجة التي يحدثها الملوك توقع أهل العلم في المسالك الضيقة فيتكلفون لذلك من الحجج الواهية ما لا ينفق إلا على بهيمة

3 - وعن أنس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد )
- رواه الخمسة إلا الترمذي . وقال البخاري : قال أبو سعيد : كان سقف المسجد من جريدة النخل وأمر عمر ببناء المسجد وقال : أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس

- الحديث صححه ابن خزيمة وأورده البخاري عن أنس تعليقا بلفظ : ( يتباهون بها ثم لا يعمرونها إلا قليلا ) ووصله أبو يعلى الموصلي في مسنده . وروى الحديث أبو نعيم في كتاب المساجد من الوجه الذي عند ابن خزيمة بلفظ : ( يتباهون بكثرة المساجد )
قوله ( حتى يتباهى الناس في المساجد ) أي يتفاخرون في بناء المساجد والمباهاة بها كما في رواية البخاري أن يتفاخروا بها بالنقش والكثرة
وروى في شرح السنة بسنده عن أبي قلابة قال : غدونا مع أنس بن مالك إلى الزاوية فحضرت صلاة الصبح فمررنا بمسجد فقال أنس : أي مسجد هذا قالوا : مسجد أحدث الآن فقال أنس : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : سيأتي على الناس زمان يتباهون في المساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا )
قوله ( وقال أكن الناس ) قال الحافظ : وقع في روايتنا أكن الناس بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون المضمومة بلفظ المضارع من أكن الرباعي يقال أكننت الشيء إكنانا أي صنته وسترته وحكى أبو زيد كننته من الثلاثي بمعنى أكننته وفرق الكسائي بينهما فقال : كننته أي سترته وأكننته في نفسي أي أسررته . ووقع في رواية الأصيلي أكن بفتح الهمزة والنون فعل أمر من الإكنان أيضا ويرجحه قوله قبله وأمر عمر وقوله بعده وإياك وتوجه الأولى بأنه خاطب القوم بما أراد ثم التفت إلى الصانع فقال له : [ ص 159 ] وإياك . أو يحمل قوله وإياك على التجريد كأنه خاطب نفسه بذلك قال عياض : وفي رواية غير الأصيلي كن الناس بحذف الهمزة وكسر الكاف وهو صحيح أيضا وجوز ابن مالك ضم الكاف على أنه من كن فهو مكنون انتهى . قال الحافظ : وهو متجه لكن الرواية لا تساعده
قوله ( فتفتن الناس ) بفتح المثناة من فتن وضبطه الأصيلي بالضم من افتن وذكر أن الأصمعي أنكره وأن أبا عبيدة أجازه فقال : فتن وأفتن بمعنى . قال ابن بطال : كأن عمر فهم من ذلك رد الشارع الخميصة إلى أبي جهم من أجل الأعلام التي فيها وقال : إنها ألهتني عن صلاتي . قال الحافظ : ويحتمل أن يكون عند عمر من ذلك علم خاص بهذه المسألة فقد روى ابن ماجه من طريق عمرو بن ميمون عن عمر مرفوعا : ( ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم ) ورجاله ثقات إلا شيخ جبارة بن المغلس ففيه مقال

باب كنس المساجد وتطييبها وصيانتها من الروائح الكريهة

1 - عن أنس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها )
- رواه أبو داود

- الحديث أخرجه أيضا الترمذي وقال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال : وذاكرت به محمد بن إسماعيل يعني البخاري فلم يعرفه واستغربه قال محمد : ولا أعرف للمطلب بن عبد الله يعني الراوي له عن أنس سماعا من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا قوله حدثني من شهد خطبة النبي صلى الله عليه و سلم
وأنكر علي ابن المديني أن يكون المطلب سمع من أنس وفي إسناده عبد المجيد بن عبد العزيز ابن أبي رواد الأزدي وثقه يحيى بن معين وتكلم فيه غير واحد . قال الحافظ في بلوغ المرام : وصححه ابن خزيمة
قوله ( القذاة ) بتخفيف الذال المعجمة والقصر الواحدة من التبن والتراب وغير ذلك . قال أهل اللغة : القذى في العين والشراب مما يسقط فيه ثم استعمل في كل شيء يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرا
قال ابن رسلان في شرح السنن : فيه ترغيب في تنظيف المساجد مما يحصل فيها من القمامات القليلة أنها تكتب في أجورهم وتعرض على نبيهم وإذا كتب هذا القليل وعرض فيكتب الكبير ويعرض من باب الأولى [ ص 160 ] ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى وبالطاهر عن النجس والحسنات على قدر الأعمال . قال : وسمعت من بعض المشايخ أنه ينبغي لمن أخرج قذاة من المسجد أو أذى من طريق المسلمين أن يقول عند أخذها لا إله إلا الله ليجمع بين أدنى شعب الإيمان وأعلاها وهي كلمة التوحيد وبين الأفعال والأقوال وإن اجتمع القلب مع اللسان كان ذلك أكمل انتهى . إلا أنه لا يخفى أن الأحكام الشرعية تحتاج إلى دليل وقوله ينبغي حكم شرعي
قوله ( فلم أر ذنبا أعظم ) قال شارح المصابيح أي من سائر الذنوب الصغائر لأن نسيان القرآن من الحفظ ليس بذنب كبير إن لم يكن من استخفافه وقلة تعظيمه للقرآن وإنما قال صلى الله عليه وآله وسلم هذا التشديد العظيم تحريضا منه على مراعاة حفظ القرآن انتهى
والتقييد بالصغائر يحتاج إلى دليل . وقيل المراد بقوله نسيها ترك العمل بها . ومنه قوله تعالى { نسوا الله فنسيهم } وهو مجاز لا يصار إليه إلا لموجب

2 - وعن عائشة قالت : ( أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب )
- رواه الخمسة إلا النسائي

3 - وعن سمرة بن جندب قال : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نتخذ المساجد في ديارنا وأمرنا أن ننظفها )
- رواه أحمد والترمذي وصححه ورواه أبو داود ولفظه : ( كان يأمرنا بالمساجد أن نضعها في ديارنا ونصلح صنعتها ونطهرها )

- الحديث الأول أخرجه الترمذي مسندا ومرسلا . وقال : المرسل أصح ولكنه رواه غير مسند بإسناد رجاله ثقات فرواه أبو داود عن حسين بن علي بن الأسود العجلي قال أبو حاتم : صدوق عن زائدة بن قدامة أو ابن بسيط وهما ثقتان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا والحديث الثاني رواه أحمد بإسناد صحيح . وكذا رواه غيره بأسانيد جيدة
قوله ( في الدور ) قال البغوي في شرح السنة : يريد المحال التي فيها الدور ومنه قوله تعالى { سأريكم دار الفاسقين } لأنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارا ومنه الحديث ( ما بقيت دارا إلا بني فيها مسجد ) قال سفيان : بناء المساجد في الدور يعني القبائل أي من العرب يتصل بعضها ببعض وهم بنواب واحد يبني لكل قبيلة مسجد هذا ظاهر معنى تفسير سفيان الدور
قال أهل اللغة : الأصل في إطلاق الدور على المواضع وقد تطلق على القبائل مجازا . قال بعض المحدثين : والبساتين في معنى الدور وعلى هذا فيستحب بناء المسجد من حجر أو لبن أو مدر أو خشب وغير ذلك في كل محلة يحلها المقيمون [ ص 161 ] بها وكل بساتين مجتمعة
وقال في شرح المشكاة : الدور المذكورة في الحديث جمع دار وهو اسم جامع للبناء والعرصة والمحلة والمراد المحلات فإنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلة دارا أو محمول على اتخاذ بيت للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهل البيت قاله ابن عبد الملك . والأول هو المعول عليه انتهى
وقال شارح المصابيح : يحتمل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أذن أن يبني الرجل في داره مسجدا يصلي فيه أهل بيته اه . فعلى تفسير الدار بالمحلة المساجد المذكورة في الحديث جمع مسجد بكسر الجيم وعلى تفسيرها بدار الرجل المساجد جمع مسجد بفتح الجيم وقد نقل عن سيبويه ما يؤدي هذا المعنى
قوله ( وأن تنظف ) بالظاء المشالة لا بالضاد فإنه تصحيف ومعناه تطهر كما في رواية ابن ماجه والمراد تنظيفها من الوسخ والدنس
قوله ( وتطيب ) قال ابن رسلان : بطيب الرجال وهو ما خفي لونه وظهر ريحه فإن اللون ربما شغل بصر المصلي والأولى في تطييب المسجد مواضع المصلين ومواضع سجودهم أولى ويجوز أن يحمل التطييب على التجمير في المسجد والظاهر أن الأمر ببناء المسجد للندب لحديث ( جعلت لنا الأرض مسجدا ) وحديث ( أينما أدركت الصلاة فصل )

4 - وعن جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أكل الثوم والبصل والكراث فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم )
- متفق عليه

- قال النووي بعد أن ذكر حديث مسلم بلفظ ( فلا يقربن المساجد ) : هذا تصريح بنهي من أكل الثوم ونحوه عن دخول كل مسجد وهذا مذهب العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عياض عن بعض العلماء أن النهي خاص بمسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لقوله في رواية ( مسجدنا ) وحجة الجمهور فلا يقربن المساجد
قال ابن دقيق العيد : ويكون مسجدنا للجنس أو لضرب المثال فإنه معلل إما بتأذي الآدميين أو بتأذي الملائكة الحاضرين وذلك قد يوجد في المساجد كلها ثم إن النهي إنما هو عن حضور المسجد لا عن أكل الثوم والبصل ونحوهما فهذه البقول حلال بإجماع من يعتد به
وحكى القاضي عياض عن أهل الظاهر تحريمها لأنها تمنع عن حضور الجماعة وهي عندهم فرض عين
( وحجة الجمهور ) قوله صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديث الباب ( كل فإني أناجي من لا تناجي ) . وقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( أيها الناس ليس لي تحريم ما أحل الله ولكنها شجرة أكره ريحها ) أخرجه مسلم وغيره
قال العلماء : ويلحق بالثوم والبصل [ ص 162 ] والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها . قال القاضي عياض : ويلحق به من أكل فجلا وكان يتجشأ . قال : قال ابن المرابط : ويلحق به من بخر في فيه أو به جرح له رائحة قال القاضي : وقاس العلماء على هذا مجامع الصلاة غير المسجد كمصلى العيد والجنائز ونحوهما من مجامع العبادات وكذا مجامع العلم والذكر والولائم ونحوها ولا يلحق بها الأسواق ونحوها انتهى
وفيه أن العلة إن كانت هي التأذي فلا وجه لإخراج الأسواق وإن كانت مركبة من التأذي وكونه حاصلا للمشتغلين بطاعة صح ذلك ولكن العلة المذكورة في الحديث هي تأذي الملائكة فينبغي الاقتصار على إلحاق المواطن التي تحضرها الملائكة
وقد ورد في حديث عند مسلم بلفظ ( لا يؤذينا بريح الثوم ) وهي تقتضي التعليل بتأذي بني آدم . قال ابن دقيق العيد : والظاهر أن كل واحد منهما علة مستقلة انتهى . وعلى هذا الأسواق كغيرها من مجامع العبادات
( وقد استدل ) بالحديث على عدم وجوب الجماعة قال ابن دقيق العيد : وتقريره أن يقال كل هذه الأمور جائزة بما ذكرنا من لوازمه ترك صلاة الجماعة في حق آكلها ولازم الجائز جائز فترك الجماعة في حق آكلها جائز وذلك ينافي الوجوب
وأهل الظاهر القائلون بتحريم أكل ما له رائحة كريهة يقولون إن صلاة الجماعة واجبة على الأعيان ولا تتم إلا بترك أكل الثوم لهذا الحديث وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب فترك أكل ذلك واجب
قوله ( فإن الملائكة تتأذى ) قال النووي : وهو بتشديد الذال ووقع في أكثر الأصول بالتخفيف وهي لغة يقال أذى تأذى مثل عمى يعمى . قال : قال العلماء : وفي هذا الحديث دليل على منع من أكل الثوم من دخول المسجد وإن كان خاليا لأنه محل الملائكة ولعموم الأحاديث

باب ما يقول إذا دخل المسجد وإذا خرج منه

1 - عن أبي حميد وأبي أسيد قالا : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك )
- رواه أحمد والنسائي وكذا مسلم وأبو داود . وقال عن أبي حميد أو أبي أسيد بالشك

- وأخرجه أيضا ابن ماجه عن أبي حميد وحده وهو عبد الرحمن بن سعد الساعدي [ ص 163 ] وأبو أسيد بضم الهمزة مصغرا هو مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري
قوله ( فليقل ) في رواية أبي داود ( فليسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم ليقل ) وروى ابن السني عن أنس : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل المسجد قال بسم الله اللهم صل على محمد وإذا خرج قال بسم الله اللهم صل على محمد ) قال النووي : وروينا الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند دخول المسجد والخروج منه من رواية ابن عمر أيضا وسيأتي حديث فاطمة عليها السلام
قوله ( افتح لنا ) رواية أبي داود ( افتح لي ) ويجمع بينهما بأن المنفرد يقول اللهم افتح لي وإذا دخل ومعه غيره يقول اللهم افتح لنا كذا قال ابن رسلان
قوله ( اللهم إني أسألك من فضلك ) في رواية الطبراني في الأوسط عن ابن عمر : ( وإذا خرج قال اللهم افتح لنا أبواب فضلك ) وفي إسناده سالم بن عبد الأعلى . قال ابن رسلان : وسؤال الفضل عند الخروج موافق لقوله تعالى { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } يعني الرزق الحلال
وقيل وابتغوا من فضل الله هو طلب العلم والوجهان متقاربان فإن العلم هو من رزق الله تعالى لأن الرزق لا يختص بقوت الأبدان بل يدخل فيه قوت الأرواح والأسماع وغيرها وقيل فضل الله عيادة مريض وزيارة أخ صالح

2 - وعن فاطمة الزهراء رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل المسجد قال بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج قال بسم الله والسلام على رسول الله اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك )
- رواه أحمد وابن ماجه

- الحديث إسناده في سنن ابن ماجه هكذا حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن إبراهيم وأبو معاوية عن ليث عن عبد الله بن الحسن عن أمه عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكره وفيه انقطاع لأن فاطمة بنت الحسين وهي أم عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي لم تدرك فاطمة الزهراء رضي الله عنها وليث المذكور في الإسناد إن كان ابن أبي سليم ففيه مقال معروف
( وهذا الحديث ) فيه زيادة التسمية والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والدعاء بالمغفرة في الدخول والخروج وزيادة التسليم ثابتة عند أبي داود في الحديث الأول وابن مردويه وزيادة التسمية ثابتة عند ابن السني من حديث أنس كما تقدم وعن ابن مردويه وقد تقدمت زيادة الصلاة فينبغي لداخل المسجد والخارج منه أن يجمع بين التسمية والصلاة [ ص 164 ] والسلام على رسول الله والدعاء بالمغفرة والدعاء بالفتح لأبواب الرحمة داخلا ولأبواب الفضل خارجا ويزيد في الخروج سؤال الفضل وينبغي أيضا أن يضم إلى ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان إذا دخل المسجد قال أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم ) وما أخرج الحاكم في المستدرك وقال : صحيح على شرط الشيخين عن ابن عباس في قوله تعالى { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم } قال : هو المسجد إذا دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين

باب جامع فيما تصان عنه المساجد وما أبيح فيها

1 - عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من سمع رجلا ينشد في المسجد ضالة فليقل لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن لهذا )

2 - وعن بريدة : ( أن رجلا نشد في المسجد فقال : من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له )
- رواهما أحمد ومسلم وابن ماجه

- قوله ( ينشد ) بفتح الياء وضم الشين يقال نشدت الضالة بمعنى طلبتها وأنشدتها عرفتها . والضالة تطلق على الذكر والأنثى والجمع ضوال كدابة ودواب وهي مختصة بالحيوان ويقال لغير الحيوان ضائع ولقيط
قال ابن رسلان : قوله ( لا أدها الله إليك ) فيه دليل على جواز الدعاء على الناشد في المسجد بعدم الوجدان معاقبة له في ماله معاملة له بنقيض قصده . قال ابن رسلان : ويلحق بذلك من رفع صوته فيه بما يقتضي مصلحة ترجع إلى الرافع صوته قال : وفيه النهي عن رفع الصوت بنشد الضالة وما في معناه من البيع والشراء والإجارة والعقود . قال مالك وجماعة من العلماء : يكره رفع الصوت في المسجد بالعلم وغيره وأجاز أبو حنيفة ومحمد بن مسلمة من أصحاب مالك رفع الصوت فيه بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج الناس لأنه مجمعهم ولا بد لهم منه
قوله ( وإنما بنيت المساجد لما بنيت له ) قال النووي : معناه لذكر الله والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها . قال القاضي عياض : فيه دليل على منع الصنائع في المسجد قال : وقال بعض شيوخنا : إنما يمنع من الصنائع الخاصة فأما العامة للمسلمين في دينهم فلا بأس بها وكره بعض [ ص 165 ] المالكية تعليم الصبيان في المساجد وقال : إنه من باب البيع وهذا إذا كان بأجرة فإن كان بغير أجرة كان مكروها لعدم تحرزهم من الوسخ الذي يصان عنه المسجد وقد تقدم اختلاف الأحاديث في دخولهم المساجد في باب حمل المحدث

3 - وعن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من دخل مسجدنا هذا ليتعلم خيرا أو ليعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله ومن دخل لغير ذلك كان كالناظر إلى ما ليس له )
- رواه أحمد وابن ماجه وقال : ( هو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره )

- الحديث إسناده في سنن ابن ماجه هكذا حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا حاتم بن إسماعيل عن حميد بن صخر عن المقبري عن أبي هريرة فذكره وحاتم بن إسماعيل قد وثقه ابن سعد وهو صدوق كان يهم وبقية الإسناد ثقات وحميد بن صخر هو حميد الطويل الإمام الكبير
قوله ( مسجدنا هذا ) فيه تصريح بأن الأجر المترتب على الدخول إنما يحصل لمن كان في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم ولا يصح إلحاق غيره به من المساجد التي هي دونه في الفضيلة لأنه قياس مع الفارق
قوله ( ليتعلم خيرا أو ليعلمه ) فيه أن الثواب المذكور إنما يتسبب عن هذه الطاعة الخاصة لا عن كل طاعة
وفيه أيضا التنويه بشرف تعلم العلم وتعليمه لأنه هو الخير الذي لا يقادر قدره وهذا إن جعل تنكير الخير للتعظيم ويمكن إدراج كل تعلم وتعليم لخير أي خير كان تحت ذلك فيدخل كل ما فيه قربة يتعلمها الداخل أو يعلمها غيره . وفيه أيضا التسوية بين العالم والمتعلم والإرشاد إلى أن التعليم والتعلم في المسجد أفضل من سائر الأمكنة
قوله ( ومن دخل لغير ذلك ) الخ ظاهره أن كل ما ليس فيه تعليم ولا تعلم من أنواع الخير لا يجوز فعله في المسجد ولا بد من تقييده بما عدا الصلاة والذكر والاعتكاف ونحوها مما ورد فعله في المسجد أو الإرشاد إلى فعله فيه
( والحديث ) يدل على أن المسجد لم يوضع لكل طاعة بل الطاعات مخصوصة لتقييد الخير في الحديث بالتعليم والتعلم

4 - وعن حكيم بن حزام قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها )
- رواه أحمد وأبو داود والدارقطني

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم وابن السكن والبيهقي قال الحافظ في التلخيص : ولا بأس بإسناده وقال في بلوغ المرام : إن إسناده ضعيف
وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي وابن ماجه وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف من قبل حفظه وعن جبير بن مطعم عند البزار [ ص 166 ] وفيه الواقدي . وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وفيه ابن لهيعة
( والحديث ) يدل على تحريم إقامة الحدود في المساجد وتحريم الاستقادة فيها لأن النهي كما تقرر في الأصول حقيقة في التحريم ولا صارف له ههنا عن معناه الحقيقي

5 - وعن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا لا رد الله عليك )
- رواه الترمذي

6 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشراء والبيع في المسجد وأن تنشد فيه الأشعار وأن تنشد فيه الضالة وعن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة )
- رواه الخمسة وليس للنسائي فيه إنشاد الضالة

- الحديث الأول أخرجه النسائي في اليوم والليلة وحسنه الترمذي والحديث الثاني حسنه الترمذي وصححه ابن خزيمة . قال الحافظ في الفتح : وإسناده صحيح إلى عمرو بن شعيب فمن يصحح نسخته يصححه قال : وفي المعنى أحاديث لكن في أسانيدها مقال انتهى
وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه مقال مشهور . قال الترمذي : قال محمد بن إسماعيل : رأيت أحمد وإسحاق وذكر غيرهما يحتجون بحديث عمرو بن شعيب قال : وقد سمع شعيب بن محمد من عبد الله بن عمرو قال أبو عيسى : ومن تكلم في حديث عمرو بن شعيب إنما ضعفه لأنه يحدث من صحيفة جده كأنهم رأوا أنه لم يسمع هذه الأحاديث من جده . قال علي بن عبد الله المديني : قال يحيى بن سعيد : حديث عمرو بن شعيب عندنا واه
( وفي الباب ) عن بريدة عند مسلم وابن ماجه والنسائي . وعن جابر عند النسائي . وعن أنس عند الطبراني قال العراقي : ورجاله ثقات . وعن أبي هريرة من طريق أخرى غير التي في الباب عند مسلم . وعن سعد ابن أبي وقاص عند البزار وفي إسناده الحجاج بن أرطأة . وعن ابن مسعود عند البزار أيضا والطبراني . وعن ثوبان عند الطبراني أيضا وثوبان هذا ليس بثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يورده ابن حبان في الصحابة ولا ابن عبد البر وأورده ابن منده . وعن معاذ بن جبل عند الطبراني أيضا . وعن ابن عمر عند ابن ماجه . وعن واثلة بن الأسقع عند ابن ماجه أيضا . وعن عصمة عند الطبراني وعن أبي سعيد عند ابن أبي حاتم في العلل
( الحديثان ) يدلان على تحريم البيع والشراء وإنشاد الضالة وإنشاد الأشعار والتحلق يوم الجمعة قبل الصلاة وقد تقدم الكلام في [ ص 167 ] إنشاد الضالة
أما البيع والشراء فذهب جمهور العلماء إلى أن النهي محمول على الكراهة قال العراقي : وقد أجمع العلماء على أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه وهكذا قال الماوردي
وأنت خبير بأن حمل النهي على الكراهة يحتاج إلى قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي الذي هو التحريم عند القائلين بأن النهي حقيقة في التحريم وهو الحق وإجماعهم على عدم جواز النقض وصحة العقد لا منافاة بينه وبين التحريم فلا يصح جعله قرينة لحمل النهي على الكراهة
وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه لا يكره البيع والشراء في المسجد والأحاديث ترد عليه . وفرق أصحاب أبي حنيفة بين أن يغلب ذلك ويكثر فيكره أو يقل فلا كراهة وهو فرق لا دليل عليه
وأما إنشاد الأشعار في المسجد فحديث الباب وما في معناه يدل على عدم جوازه ويعارضه ما سيأتي من قصة عمر وحسان وتصريح حسان بأنه كان ينشد الشعر بالمسجد وفيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك حديث جابر بن سمرة الآتي . وقد جمع بين الأحاديث بوجهين : الأول حمل النهي على التنزيه والرخصة على بيان الجواز . والثاني حمل أحاديث الرخصة على الشعر الحسن المأذون فيه كهجاء حسان للمشركين ومدحه صلى الله عليه وآله وسلم وغير ذلك ويحمل النهي على التفاخر والهجاء ونحو ذلك ذكر هذين الوجهين العراقي في شرح الترمذي وقد بوب النسائي على قصة حسان مع عمر بن الخطاب فقال باب الرخصة في إنشاد الشعر الحسن
وقال الشافعي : الشعر كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح . وقد ورد هذا مرفوعا في غير حديث فروى أبو يعلى عن عائشة قالت : ( سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الشعر فقال : هو كلام فحسنه حسن وقبيحه قبيح ) قال العراقي : وإسناده حسن ورواه أيضا البيهقي في سننه من طريق أبي يعلى ثم قال : وصله جماعة والصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم مرسل
وروى الطبراني في الأوسط من رواية إسماعيل بن عياش عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن عبد الرحمن بن رافع وحبان بن جبلة وبكر بن سوادة عن عبد الله بن عمر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبح الكلام )
وقد جمع الحافظ بين الأحاديث بحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية والمبطلين وحمل المأذون فيه على ما سلم من ذلك ولكن حديث جابر بن سمرة الآتي فيه التصريح بأنهم كانوا يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية قال : وقيل المنهي عنه ما إذا كان التناشد غالبا على المسجد حتى يتشاغل به من فيه . وأبعد أبو عبد الله البوني [ ص 168 ] فأعمل أحاديث النهي وادعى النسخ في حديث الإذن ولم يوافق على ذلك حكاه ابن التين عنه انتهى . وقد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب وقد أمكن هنا بلا تعسف كما عرفت
قال ابن العربي : لا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا كان في مدح الدين وإقامة الشرع وإن كان فيه الخمر ممدوحة بصفاتها الخبيثة من طيب رائحة وحسن لون إلى غير ذلك مما يذكره من يعرفها وقد مدح فيه كعب بن زهير رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... إلى قوله في صفة ريقها ... كأنه منهل بالراح معلول
قال العراقي : وهذه القصيدة قد رويناها من طرق لا يصح منها شيء وذكرها ابن إسحاق بسند منقطع وعلى تقدير ثبوت هذه القصيدة عن كعب وإنشادها بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد أو غيره فليس فيها مدح الخمر وإنما فيها مدح ريقها وتشبيهه بالراح قال : ولا بأس بإنشاد الشعر في المسجد إذا لم يرفع به صوته بحيث يشوش بذلك على مصل أو قارئ أو منتظر للصلاة فإن أدى إلى ذلك كره ولو قيل بتحريمه لم يكن بعيدا . وقد قدمنا ما يدل على النهي عن رفع الصوت في المساجد مطلقا في باب حمل المحدث
وأما التحلق يوم الجمعة في المسجد قبل الصلاة فحمل النهي عنه الجمهور على الكراهة وذلك لأنه ربما قطع الصفوف مع كونهم مأمورين بالتبكير يوم الجمعة والتراص في الصفوف الأول فالأول . وقال الطحاوي : التحلق المنهي عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه وغير ذلك لا بأس به . والتقييد بقبل الصلاة يدل على جوازه للعلم والذكر . والتقييد بيوم الجمعة يدل على جوازه في غيرها كما في الحديث المتفق عليه من حديث أبي واقد الليثي قال : ( بينما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد فأقبل ثلاثة نفر فأقبل اثنان إلى رسول الله وذهب واحد فأما أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها وأما الآخر فجلس خلفهم ) الحديث
وأما التحلق في المسجد في أمور الدنيا فغير جائز . وفي حديث ابن مسعود : ( سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقا حلقا أمانيهم الدنيا فلا تجالسوهم فإنه ليس لله فيهم حاجة ) ذكره العراقي في شرح الترمذي قال : وإسناده ضعيف فيه بزيغ أبو الخليل وهو ضعيف جدا
قوله ( وعن الحلق ) بفتح المهملة ويجوز كسرها واللام مفتوحة على كل حال جمع حلقة بإسكان اللام على غير قياس وحكى فتحها أيضا كذا في الفتح

7 - [ ص 169 ] وعن سهل بن سعد : ( أن رجلا قال : يا رسول الله أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله ) الحديث ( فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد )
- متفق عليه

- الحديث سيأتي بطوله في كتاب اللعان ويأتي شرحه إن شاء الله هنالك . وساقه المصنف هنا للاستدلال به على جواز اللعان في المسجد . وقد جعلت الهادوية إيقاعه في غير المسجد مندوبا ولا وجه له والتعليل بأنه ربما كان مفضيا إلى الحد إذا أقر أحد الزوجين بكذبه باطل لأن تسبب الحد عنه نادر لا يستلزم وقوع الحد فيه

8 - وعن جابر بن سمرة قال : ( شهدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مائة مرة في المسجد وأصحابه يتذاكرون الشعر وأشياء من أمر الجاهلية فربما تبسم معهم )
- رواه أحمد

- الحديث أخرجه أيضا الترمذي بلفظ : ( جالست النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكثر من مائة مرة فكان أصحابه يتناشدون الشعر ويتذاكرون أشياء من أمر الجاهلية وهو ساكت فربما تبسم معهم ) وقال : هذا حديث صحيح . ( والحديث ) يدل على جواز إنشاد الشعر في المسجد وقد تقدم الكلام في ذلك

9 - وعن سعيد بن المسيب قال : ( مر عمر في المسجد وحسان فيه ينشد فلحظ إليه فقال : كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة فقال : أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : أجب عني اللهم أيده بروح القدس قال : نعم )
- متفق عليه

- قوله ( قال مر عمر ) رواية سعيد لهذه القصة مرسلة عندهم لأنه لم يدرك زمن المرور لكن يحمل على أن سعيدا سمع ذلك من أبي هريرة بعد أو من حسان أو وقع لحسان استشهاد بأبي هريرة مرة أخرى فحضر ذلك سعيد
قوله ( وفيه من هو خير منك ) يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم
قوله ( أنشدك الله ) بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي سألتك الله والنشد بفتح النون وسكون المعجمة التذكير
قوله ( أيده بروح القدس ) أي قوه . وروح القدس المراد به هنا جبريل بدليل حديث البراء عند البخاري بلفظ : ( وجبريل معك ) والمراد بالإجابة الرد على الكفار الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي الترمذي عن عائشة قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينصب لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليه يهجو الكفار ) وأخرجه الحاكم في [ ص 170 ] المستدرك وقال : هذا حديث صحيح الإسناد
( والحديث ) يدل على جواز إنشاد الشعر في المسجد وقد تقدم الجمع بين حديث الباب وبين ما يعارضه

10 - وعن عباد بن تميم عن عمه : ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستلقيا في المسجد واضعا إحدى رجليه على الأخرى )
- متفق عليه

- قوله ( واضعا إحدى رجليه على الأخرى ) قال الخطابي : فيه أن النهي الوارد عن ذلك منسوخ أو يحمل النهي حيث يخشى أن تبدو عورته والجواز يؤمن من ذلك . قال الحافظ : الثاني أولى من ادعاء النسخ لأنه لا يثبت بالاحتمال . وممن جزم به البيهقي والبغوي وغيرهما من المحدثين وجزم ابن بطال ومن تبعه بأنه منسوخ ويمكن أن يقال إن النهي عن وضع إحدى الرجلين على الأخرى الثابت في مسلم وسنن أبي داود عام وفعله صلى الله عليه وآله وسلم لذلك مقصور عليه فلا يؤخذ من ذلك الجواز لغيره صرح بذلك المازري قال : لكن لما صح أن عمر وعثمان كانا يفعلان ذلك دل على أنه ليس خاصا به صلى الله عليه وآله وسلم بل هو جائز مطلقا . فإذا تقرر هذا صار بين الحديثين تعارض فيجمع بينهما ثم ذكر نحو ما ذكره الخطابي
قال الحافظ : وفي قوله فلا يؤخذ منه الجواز نظر لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال والظاهر أن فعله كان لبيان الجواز والظاهر على ما تقتضيه القواعد الأصولية ما قاله المازري من قصر الجواز عليه صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن قوله لكن لما صح أن عمر وعثمان الخ لا يدل على الجواز مطلقا كما قال لاحتمال أنهما فعلا ذلك لعدم بلوغ النهي إليهما
( والحديث ) يدل على جواز الاستلقاء في المسجد على تلك الهيئة وعلى غيرها لعدم الفارق

11 - وعن عبد الله بن عمر : ( أنه كان ينام وهو شاب عزب لا أهل له في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه البخاري والنسائي وأبي داود وأحمد . ولفظه : ( كنا في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ننام في المسجد ونقيل فيه ونحن شباب ) قال البخاري : وقال أبو قلابة عن أنس : ( قدم رهط من عكل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكانوا في الصفة وقال : قال عبد الرحمن بن أبي بكر كان أصحاب الصفة الفقراء )

- قوله ( عزب ) قال الحافظ : المشهور فيه فتح العين المهملة وكسر الزاي وفي رواية للبخاري ( أعزب ) وهي لغة قليلة مع أن القزاز أنكرها . والمراد به الذي لا زوجة له
وقوله ( لا أهل له ) تفسير لقوله ويحتمل أن يكون من العام بعد الخاص فيدخل فيه [ ص 171 ] الأقارب ونحوهم
وقوله ( في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) يتعلق بقوله ( ينام ) ورواية أحمد أدل على الجواز للتصريح فيها بأن ذلك كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . وقد أخرج البخاري حديث : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء وعلي مضطجع في المسجد قد سقط رداؤه عن شقه وأصابه تراب فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسحه ويقول : قم أبا تراب ) . وقد ذهب الجمهور إلى جواز النوم في المسجد . وروي عن ابن عباس كراهته إلا لمن يريد الصلاة . وعن ابن مسعود مطلقا . وعن مالك التفصيل بين من له مسكن فيكره وبين من لا مسكن له فيباح
قوله ( وقال أبو قلابة عن أنس ) هذا طرف من قصة العرنيين وقد ذكرها البخاري في الطهارة من صحيحه ووصل هذا اللفظ المذكور هنا في المحاربين من طريق وهيب عن أيوب عن أبي قلابة
قوله ( قال عبد الرحمن ) هو أيضا طرف من حديث طويل ذكره البخاري في علامات النبوة . والصفة موضع مظلل في المسجد النبوي كانت تأوي إليه المساكين . وعكل بضم العين المهملة وإسكان الكاف قبيلة من تيم وقد تقدم ضبطه وتفسيره في باب الرخصة في بول ما يؤكل لحمه

12 - وعن عائشة قالت : ( أصيب سعد بن معاذ يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبان بن العرقة في الأكحل فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيمة في المسجد ليعوده من قريب )
- متفق عليه

- قوله ( حبان ابن العرقة ) بعين مهملة مفتوحة ثم راء مكسورة ثم قاف بعدها هاء التأنيث
قوله ( في الأكحل ) هو عرق في اليد وتمام الحديث في البخاري : ( قالت فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بني غفارا لا الدم يسيل عليهم فقالوا : يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات فيها ) يعني الخيمة أو في تلك المرضة
( والحديث ) يدل على جواز ترك المريض في المسجد وإن كان في ذلك مظنة لخروج شيء منه يتنجس به المسجد

13 - وعن عبد الرحمن ابن أبي بكر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : هل منكم أحد أطعم اليوم مسكينا فقال أبو بكر : دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل فوجدت كسرة خبز بين يدي عبد الرحمن فأخذتها فدفعتها إليه )
- رواه أبو داود

- قال أبو بكر البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن عبد الرحمن بن أبي بكر إلا بهذا [ ص 172 ] الإسناد وذكر أنه روي مرسلا . قال المنذري : وقد أخرجه مسلم في صحيحه والنسائي في سننه من حديث أبي حازم سلمان الأشجعي بنحوه أتم منه
( والحديث ) يدل على جواز التصدق في المسجد وعلى جواز المسألة عند الحاجة وقد بوب أبو داود في سننه لهذا الحديث فقال باب المسألة في المساجد

14 - وعن عبد الله بن الحارث قال : ( كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المسجد الخبز واللحم )
- رواه ابن ماجه

- الحديث إسناده في سنن ابن ماجه هكذا حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب وحرملة بن يحيى قالا حدثنا عبد الله بن وهب قال أخبرني عمرو بن الحارث قال حدثني سليمان بن زياد الحضرمي أنه سمع عبد الله بن الحارث فذكره وهؤلاء كلهم من رجال الصحيح إلا يعقوب بن حميد وقد رواه معه حرملة بن يحيى
( والحديث ) يدل على المطلوب منه وهو جواز الأكل في المسجد وفيه أحاديث كثيرة منها سكنى أهل الصفة في المسجد الثابت في البخاري وغيره فإن كون لا مسكن لهم سواه يستلزم أكلهم للطعام فيه . ومنها حديث ربط الرجل الأسير بسارية من سواري المسجد المتفق عليه وفي بعض طرقه أنه استمر مربوطا ثلاثة أيام . ومنها ضرب الخيام في المسجد لسعد بن معاذ كما تقدم أو للسوداء التي كانت تقم المسجد كما في الصحيحين . ومنها إنزال وفد ثقيف المسجد وغيرهم والأحاديث الدالة على جواز أكل الطعام في المسجد متكاثرة
( قال المصنف ) رحمه الله : وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسر ثمامة بن أثال فربط بسارية في المسجد قبل إسلامه وثبت عنه أنه نثر مالا جاء من البحرين في المسجد وقسمه فيه انتهى
قلت : ربط ثمامة ثابت في الصحيحين بلفظ : ( بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فاغتسل ثم دخل فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ) . ونثر المال في المسجد وقسمته ثابت في البخاري وغيره بلفظ : ( أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمال من البحرين فقال : انثروه في المسجد وكان أكثر مال أتي به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) ثم ساق القصة بطولها
( والحديثان ) يدلان على جواز ربط الأسير المشرك في المسجد والمسلم بالأولى وعلى جواز قسمة الأموال في المساجد ونثرها فيها

باب تنزيه قبلة المسجد عما يلهي المصلي . [ ص 173 ]

1 - عن أنس قال : ( كان قرام لعائشة قد سترت به جانب بيتها فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أميطي عني قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي )
- رواه أحمد والبخاري

- قوله ( قرام ) بكسر القاف وتخفيف الراء ستر رقيق من صوف ذو ألوان كما تقدم
قوله ( أميطي ) أي أزيلي وزنا ومعنى
قوله ( لا تزال تصاويره ) في رواية للبخاري ( لا تزال تصاوير ) بحذف الضمير قال الحافظ : كذا في روايتنا وللباقين بإثبات الضمير قال : والهاء على روايتنا في فإنه ضمير الشأن وعلى الأخرى يحتمل أن يعود على الثوب
قوله ( تعرض ) بفتح أوله وكسر الراء أي تلوح وللإسماعيلي تعرض بفتح العين وتشديد الراء وأصله تتعرض
( والحديث ) يدل على كراهة الصلاة في الأمكنة التي فيها تصاوير وقد تقدم كراهة زخرفة المساجد والتصاوير نوع من ذلك وقد تقدم أيضا الكلام على الثياب التي فيها تصاوير
( ودل الحديث ) أيضا على أن الصلاة لا تفسد بذلك لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقطعها ولم يعدها

2 - وعن عثمان بن طلحة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعا بعد دخوله الكعبة فقال : إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يلهي المصلي )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه أبو داود من طريق منصور الحجبي قال : حدثني خالي عن أمي قالت : سمعت الأسلمية تقول : قلت لعثمان ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين دعاك قال : ( إني نسيت أن آمرك أن تخمر القرنين فإنه ليس ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلي )
وخال صفوان المذكور في الإسناد قال ابن السراج : هو مسافع بن شيبة وأم منصور المذكورة هي صفية بنت شيبة القرشية العبدرية وقد جاءت مسماة في بعض طرق هذا الحديث واختلف في صحبتها وقد جاءت أحاديث ظاهرة في صحبتها . وعثمان بن طلحة المذكور هو القرشي العبدري الحجبي بفتح الحاء المهملة وبعدها جيم مفتوحة وباء [ ص 174 ] موحدة منسوب إلى حجابة بيت الله الحرام شرفه الله تعالى وهم جماعة من بني عبد الدار وإليهم حجابة الكعبة
وقد اختلف في هذا الحديث فروى عن منصور عن خاله مسافع عن صفية بنت شيبة عن امرأة من بني سليم عن عثمان وروى عنه عن خاله عن امرأة من بني سليم ولم يذكر أمه . والأسلمية المذكورة لم أقف على اسمها
( والحديث ) يدل على كراهة تزيين المحاريب وغيرها مما يستقبله المصلي بنقش أو تصوير أو غيرهما مما يلهي وعلى أن تخمير التصاوير مزيل لكراهة الصلاة في المكان الذي هي فيه لارتفاع العلة وهي اشتغال قلب المصلي بالنظر إليها وقد أسلفنا الكلام في التصاوير وفي كراهية زخرفة المساجد
قوله ( قرني الكبش ) أي كبش إبراهيم الذي فدى به إسماعيل

باب لا يخرج من المسجد بعد الأذان حتى يصلي إلا لعذر

1 - عن أبي هريرة قال : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كنتم في المسجد فنودي بالصلاة فلا يخرج أحدكم حتى يصلي )
- رواه أحمد

2 - وعن أبي الشعثاء قال : ( خرج رجل من المسجد بعد ما أذن فيه فقال أبو هريرة : أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه الجماعة إلا البخاري

- الحديث الأول روي من طريق ابن أبي الشعثاء واسمه أشعث عن أبيه عن أبي هريرة ورواه عن أبي هريرة أبو صالح ومحمد بن زاذان وسعيد بن المسيب قاله ابن سيد الناس في شرح الترمذي بعد أن روى الحديث بإسناده ولم يتكلم فيه
وأما الحديث الثاني فروي عن بعضهم أنه موقوف قال ابن عبد البر : هو مسند عندهم لا يختلفون فيه انتهى . وفي إسناده إبراهيم بن المهاجر وقد وثق وضعف وأخرج له الجماعة إلا البخاري . وفي الرواة من يسمي إبراهيم بن مهاجر ثلاثة : هذا أحدهم وهو البجلي الكوفي . والثاني المدني مولى سعد بن أبي وقاص . والثالث الأزدي الكوفي
وفي الباب عن عثمان بلفظ : قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من أدرك الآذان وهو في المسجد ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق ) رواه ابن سنجر والزيدوني في أحكامه وابن سيد الناس في شرح الترمذي وأشار إليه الترمذي في جامعه
( والحديثان ) يدلان على تحريم الخروج من المسجد بعد سماع الأذان لغير الوضوء وقضاء الحاجة وما تدعو الضرورة إليه [ ص 175 ] حتى يصلي فيه تلك الصلاة لأن ذلك المسجد قد تعين لتلك الصلاة قال الترمذي بعد أن ذكر الحديث : وعلى هذا العمل عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد إلا من عذر أن يكون على غير وضوء أو أمر لا بد منه ويروى عن إبراهيم النخعي أنه قال : يخرج ما لم يأخذ المؤذن في الإقامة وهذا عندنا لمن له عذر في الخروج منه انتهى . قال ابن رسلان في شرح السنن : إن الخروج مكروه عند عامة أهل العلم إذا كان لغير عذر من طهارة أو نحوها وإلا جاز بلا كراهة . قال القرطبي : هذا محمول على أنه حديث مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدليل نسبته إليه وكأنه سمع ما يقتضي تحريم الخروج من المسجد بعد الأذان فأطلق لفظ المعصية عليه

أبواب استقبال القبلة

باب وجوبه للصلاة

1 - عن أبي هريرة في حديث يأتي ذكره قال : ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : فإذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر )

- هذا الحديث الذي أشار إليه المصنف هو حديث المسيء وسيأتي في باب السجدة الثانية ولزوم الطمأنينة ويأتي إن شاء الله شرحه هنالك وهذا اللفظ الذي ذكره المصنف هو لفظ مسلم وهو يدل على وجوب الاستقبال وهو إجماع المسلمين إلا في حالة العجز أو في الخوف عند التحام القتال أو في صلاة التطوع كما سيأتي . وقد دل على الوجوب القرآن والسنة المتواترة . وفي الصحيح من حديث أنس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله عز و جل )
وقالت الهادوية : إن استقبال القبلة من شروط صحة الصلاة وقد عرفناك فيما سبق أن الأوامر بمجردها لا تصلح للاستدلال بها على الشرطية إلا على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده ولكن ههنا ما يمنع من الشرطية وهو خبر السرية الذي أخرجه الترمذي وأحمد والطبراني من حديث عامر بن ربيعة بلفظ : ( كنا مع [ ص 176 ] النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة وصلى كل رجل منا على حياله فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فنزل { فأينما تولوا فثم وجه الله } ) فإن الاستقبال لو كان شرطا لوجبت الإعادة في الوقت وبعده لأن الشرط يؤثر عدمه في العدم مع أن الهادوية يوافقون في عدم وجوب الإعادة بعد الوقت وهو يناقض قولهم إن الاستقبال شرط وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين ولكن له شواهد تقويه منها حديث جابر عند البيهقي بلفظ : ( صلينا ليلة في غيم وخفيت علينا القبلة فلما انصرفنا نظرنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : قد أحسنتم ولم يأمرنا أن نعيد )
وله طريق أخرى عنه بنحو هذه وفيها أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم ( قد أجزأت صلاتكم ) ولكنه تفرد به محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء وهما ضعيفان . وكذا قال الدارقطني قال البيهقي : وكذلك روي عن عبد الملك العرزمي عن عطاء ثم رواه من طريق أخرى بنحو ما هنا وقال : لا نعلم لهذا الحديث إسنادا صحيحا قويا والصحيح أن الآية إنما نزلت في التطوع خاصة كما في صحيح مسلم وسيأتي ذلك في باب تطوع المسافر . ومنها حديث معاذ عند الطبراني في الأوسط بلفظ : ( صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة فلما قضى الصلاة وسلم تجلت الشمس فقلنا : يا رسول الله صلينا إلى غير القبلة فقال : قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله عز و جل ) وفي إسناده أبو عبلة واسمه شمر بن عطاء وقد ذكره ابن حبان في الثقات
وهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها وفي حديث معاذ التصريح بأن ذلك كان بعد الفراغ من الصلاة قبل انقضاء الوقت وهو أصرح في الدلالة على عدم الشرطية وفيها أيضا رد لمذهب من فرق في وجوب الإعادة بين بقاء الوقت وعدمه

2 - وعن ابن عمر قال : ( بينما الناس بقبا في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة )
- متفق عليه

3 - وعن أنس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام } فمر رجل [ ص 177 ] من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة فنادى ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة )
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود

- وفي الباب عن البراء عند الجماعة إلا أبا داود . وعن ابن عباس عند أحمد والبزار والطبراني قال العراقي : وإسناده صحيح . وعن عمارة بن أوس عند أبي يعلى في مسنده والطبراني في الكبير . وعن عمرو بن عوف المزني عند البزار والطبراني أيضا . وعن سعد ابن أبي وقاص عند البيهقي وإسناده صحيح . وعن سهل بن سعد عند الطبراني والدارقطني . وعن عثمان بن حنيف عند الطبراني أيضا . وعن عمارة بن رويبة عند الطبراني أيضا . وعن أبي سعيد بن المعلى عند البزار والطبراني أيضا . وعن تويلة بنت أسلم عند الطبراني أيضا
قوله ( في صلاة الصبح ) هكذا في صحيح مسلم من حديث أنس بلفظ : ( وهم ركوع في صلاة الفجر ) وكذا عند الطبراني من حديث سهل بن سعد بلفظ : ( فوجدهم يصلون صلاة الغداة ) وفي الترمذي من حديث البراء بلفظ : ( فصلى رجل معه العصر ) وساق الحديث وهو مصرح بذلك في رواية البخاري من حديث البراء وليس عند مسلم تعيين الصلاة من حديث البراء . وفي حديث عمارة بن أوس أن التي صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكعبة إحدى صلاتي العشي وهكذا في حديث عمارة ابن رويبة وحديث تويلة وفي حديث أبي سعيد بن المعلى أنها الظهر . والجمع بين هذه الروايات أن من قال إحدى صلاتي العشي شك هل هي الظهر أو العصر وليس من شك حجة على من جزم فنظرنا فيمن جزم فوجدنا بعضهم قال الظهر وبعضهم قال العصر ووجدنا رواية العصر أصح لثقة رجالها وإخراج البخاري لها في صحيحه
وأما حديث كونها الظهر ففي إسنادها مروان بن عثمان وهو مختلف فيه . وأما رواية ( أن أهل قبا كانوا في صلاة الصبح ) فيمكن أنه أبطأ الخبر عنهم إلى صلاة الصبح
قال ابن سعد في الطبقات حاكيا عن بعضهم : إن ذلك كان بمسجد المدينة فقال : ويقال صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين ثم أمر أن يوجه إلى المسجد الحرام فاستدار إليه وكان معه المسلمون ويكون المعنى برواية البخاري أنها العصر أي أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة كاملة صلاة العصر
قوله ( إذ جاءهم آت ) قيل هو عباد ابن بشر وقيل عباد بن نهيك وقيل غيرهما
قوله ( فاستقبلوها ) بفتح الموحدة للأكثر أي فتحولوا إلى جهة الكعبة وفاعل استقبلوها المخاطبون بذلك وهم أهل قبا ويحتمل [ ص 178 ] أن يكون فاعل استقبلوها النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه . وفي رواية في البخاري بكسر الموحدة بصيغة الأمر ويؤيد الكسر ما عند البخاري في التفسير بلفظ : ( ألا فاستقبلوها )
قوله ( وكانت وجوههم ) هو تفسير من الراوي للتحول المذكور والضمير في وجوههم فيه الاحتمالان وقد وقع بيان كيفية التحول في خبر تويلة قالت : فتحول النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء . قال الحافظ : وتصويره أن الإمام تحول من مكانه في مقدم المسجد إلى مؤخر المسجد لأن من استقبل الكعبة استدبر بيت المقدس وهو لو دار في مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف ولما تحول الإمام تحولت الرجال حتى صاروا خلفه وتحول النساء حتى صرن خلف الرجال وهذا يستدعي عملا كثيرا في الصلاة فيحتمل أن ذلك وقع قبل تحريم العمل الكثير كما كان قبل تحريم الكلام ويحتمل أن يكون اغتفر العمل المذكور من أجل المصلحة المذكورة أو وقعت الخطوات غير متوالية عند التحول بل وقعت مفرقة
( وللحديث الأول فوائد ) منها أن حكم الناسخ لا يثبت في حق المكلف حتى يبلغه لأن أهل قبا لم يؤمروا بالإعادة . ومنها جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في أمر القبلة لأن الأنصار تحولوا إلى جهة الكعبة بالاجتهاد ونظره الحافظ قال : يحتمل أن يكون عندهم بذلك نص سابق . ومنها جواز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها . ومنها جواز نسخ الثابت بطريق العلم والقطع بخبر الواحد وتقريره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على أهل قبا عملهم بخبر الواحد وأجيب عن ذلك بأن الخبر المذكور احتف بالقرائن والمقدمات التي أفادت القطع لكونه في زمن تقلب وجهه في السماء ليحول إلى جهة الكعبة وقد عرفت منه الأنصار ذلك بملازمتهم له فكانوا يتوقعون ذلك في كل وقت فلما فجأهم الخبر عن ذلك أفادهم العلم لما كانوا يتوقعون حدوثه
وأجاب العراقي بأجوبة أخر : منها أن النسخ بخبر الواحد كان جائزا على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما امتنع بعده . قال الحافظ : ويحتاج إلى دليل . ومنها أنه تلا عليهم الآية التي فيها ذكر النسخ بالقرآن وهم أعلم الناس بإطالته وإيجازه وأعرفهم بوجوه إعجازه . ومنها أن العمل بخبر الواحد مقطوع به ثم قال : الصحيح أن النسخ للمقطوع بالمظنون كنسخ نص الكتاب أو السنة المتواترة بخبر الواحد جائز عقلا وواقع سمعا في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزمانه ولكن أجمعت الأمة على منعه بعد الرسول فلا مخالف فيه وإنما الخلاف في تجويزه في عهد الرسول صلى الله [ ص 179 ] عليه وآله وسلم انتهى
( ومن فوائد الحديث ) ما ذكره المصنف قال : وهو حجة في قبول أخبار الآحاد انتهى وذلك لأنه أجمع عليه الذين بلغ إليهم ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه و سلم بل روى الطبراني في آخر حديث تويلة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فيهم : ( أولئك رجال آمنوا بالغيب )

باب حجة من رأى فرض البعيد إصابة الجهة لا العين

1 - عن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما بين المشرق والمغرب قبلة )
- رواه ابن ماجه والترمذي وصححه . وقوله عليه السلام في حديث أبي أيوب : ( ولكن شرقوا أو غربوا ) يعضد ذلك

- الحديث الأول أخرجه الترمذي وابن ماجه من طريق أبي معشر وقد تابع أبا معشر عليه علي بن ظبيان قاضي حلب كما رواه ابن عدي في الكامل قال : ولا أعلم يرويه عن محمد بن عمرو غير علي بن ظبيان وأبي معشر وهو بأبي معشر أشهر منه بعلي بن ظبيان قال : ولعل علي بن ظبيان سرقه منه وذكر قول ابن معين فيه : إنه ليس بشيء وقول النسائي : متروك الحديث وقد تابعه عليه أيضا أبو جعفر الرازي رواه البيهقي في الخلافيات . وأبو جعفر وثقه ابن معين وابن المديني وأبو حاتم وقال أحمد والنسائي : ليس بقوي وقال العلاسي : سيئ الحفظ . وأبو معشر المذكور ضعيف
( والحديث ) رواه أيضا الحاكم والدارقطني وقد أخرج الحديث الترمذي من طريق غير طريق أبي معشر وقال : حديث حسن صحيح وقد خالفه البيهقي فقال بعد إخراجه من هذه الطريق : هذا إسناد ضعيف فنظرنا في الإسناد فوجدنا عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس بن شريق قد تفرد به عن المقبري وقد اختلف فيه فقال علي بن المديني : إنه روى أحاديث مناكير ووثقه ابن معين وابن حبان فكان الصواب ما قاله الترمذي
وأما الحديث الثاني أعني حديث أبي أيوب فهو متفق عليه وقد تقدم شرحه في أبواب التخلي
وفي الباب عن ابن عمر عند البيهقي . وفي الباب أيضا من قول عمر عند الموطأ وابن أبي شيبة والبيهقي . ومن قول علي عند ابن أبي شيبة . ومن قول عثمان عند ابن عبد البر في التمهيد . ومن قول ابن عباس أشار إلى ذلك الترمذي
( والحديث ) يدل على أن الفرض على من بعد عن الكعبة الجهة [ ص 180 ] لا العين وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وهو ظاهر ما نقله المزني عن الشافعي وقد قال الشافعي أيضا : إن شطر البيت وتلقاء وجهته واحد في كلام العرب واستدل لذلك أيضا بحديث أخرجه البيهقي عن ابن عباس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض مشارقها ومغاربها من أمتي ) قال البيهقي : تفرد به عمر بن حفص المكي وهو ضعيف قال : وروي بإسناد آخر ضعيف لا يحتج بمثله . وإلى هذا المذهب ذهب الأكثر وذهب الشافعي في أظهر القولين عنه إلى أن فرض من بعد العين وأنه يلزمه ذلك بالظن لحديث أسامة بن زيد أنه صلى الله عليه وآله وسلم ( لما دخل البيت دعا في نواحيه ولم يصل فيه حتى خرج فلما خرج ركع ركعتين في قبل قبلة وقال هذه القبلة ) ورواه البخاري من حديث ابن عباس مختصرا وقد عرفت ما قدمنا في باب صلاة التطوع في الكعبة من ترجيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى في الكعبة
وقد اختلف في معنى حديث الباب الأول فقال العراقي : ليس عاما في سائر البلاد وإنما هو بالنسبة إلى المدينة المشرفة وما وافق قبلتها وهكذا قال البيهقي في الخلافيات وهكذا قال أحمد بن خالويه الوهبي قال : ولسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال ونحو ذلك قال ابن عبد البر : وهذا صحيح لا مدفع له ولا خلاف بين أهل العلم فيه
وقال الأثرم : سألت أحمد بن حنبل عن معنى الحديث فقال هذا في كل البلدان إلا بمكة عند البيت فإنه إن زال عنه شيئا وإن قل فقد ترك القبلة ثم قال هذا المشرق وأشار بيده وهذا المغرب وأشار بيده وما بينهما قبلة . قلت له : فصلاة من صلى بينهما جائزة قال : نعم وينبغي أن يتحرى الوسط . قال ابن عبد البر : تفسير قول أحمد هذا في كل البلدان يريد أن البلدان كلها لأهلها في قبلتهم مثل ما لمن كانت قبلتهم بالمدينة الجنوب التي يقع لهم فيها الكعبة فيستقبلون جهتها ويتسعون يمينا وشمالا فيها ما بين المشرق والمغرب يجعلون المغرب عن أيمانهم والمشرق عن يسارهم وكذلك لأهل اليمن من السعة في قبلتهم مثل ما لأهل المدينة ما بين المشرق والمغرب إذا توجهوا أيضا قبل القبلة إلا أنهم يجعلون المشرق عن أيمانهم والمغرب عن يسارهم وكذلك أهل العراق وخراسان لهم من السعة في استقبال القبلة ما بين الجنوب والشمال مثل ما كان لأهل المدينة من السعة فيما بين المشرق والمغرب وكذلك ضد العراق على ضد ذلك أيضا وإنما تضيق القبلة كل الضيق على أهل المسجد الحرام [ ص 181 ] وهي لأهل مكة أوسع قليلا ثم هي لأهل الحرم أوسع قليلا ثم لأهل الآفاق من السعة على حسب ما ذكرنا اه
قال الترمذي : قال ابن عمر : إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة . وقال ابن المبارك : ما بين المشرق والمغرب قبلة هذا لأهل المشرق واختار ابن المبارك التياسر لأهل مرو اه
وقد يستشكل قول ابن المبارك من حيث أن من كان بالمشرق إنما يكون قبلته المغرب فإن مكة بينه وبين المغرب والجواب عنه أنه أراد بالمشرق البلاد التي يطلق عليها اسم المشرق كالعراق مثلا فإن قبلتهم أيضا بين المشرق والمغرب قبلة لأهل العراق قال : وقد ورد مقيدا بذلك في بعض طرق حديث أبي هريرة ( ما بين المشرق والمغرب قبلة لأهل العراق ) رواه البيهقي في الخلافيات وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر أنه قال : إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل المشرق
ويدل على ذلك أيضا تبويب البخاري على حديث أبي أيوب بلفظ باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ليس في المشرق ولا المغرب قبلة . قال ابن بطال في تفسير هذه الترجمة : يعني وقبلة مشرق الأرض كلها إلا ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب فحكم مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالانحراف عند الغائط لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها قال : وأما ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من شرقها إلى مغربها فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث ولا يصح لهم أن يشرقوا ولا أن يغربوا لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة وإذا غربوا استقبلوها وكذلك من كان موازيا بالمغرب مكة إذ العلة فيه مشتركة مع المشرق فاكتفى بذكر المشرق عن المغرب لأن المشرق أكثر الأرض المعمورة وبلاد الإسلام في جهة مغرب الشمس قليل قال : وتقدير الترجمة بأن قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ليس في التشريق ولا في التغريب يعني أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا بمواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها والعرب تطلق المشرق والمغرب بمعنى التغريب والتشريق وأنشد ثعلب في المجالس :
أبعد مغربهم نجدا وساحتها
قال ثعلب : معناه أبعد تغريبهم انتهى . وقد أطلنا الكلام في تفسير معنى الحديث لأنه كثيرا ما يسأل عنه الناس ويستشكلونه لا سيما مع زيادة لفظ لأهل المشرق

باب ترك القبلة لعذر الخوف . [ ص 182 ]

1 - عن نافع عن ابن عمر : ( أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها ثم قال : فإن كان خوف هو أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع : ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه البخاري

- الحديث ذكره البخاري في تفسير سورة البقرة وأخرجه مالك في الموطأ وقال في آخره : قال نافع : لا أرى عبد الله بن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ورواه ابن خزيمة وأخرجه مسلم وصرح بأن الزيادة من قول ابن عمر ورواه البيهقي من حديث موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر . وقال النووي في شرح المهذب : هو بيان حكم من أحكام صلاة الخوف لا تفسير للآية . وقد أخرجه البخاري في صلاة الخوف بلفظ وزاد ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( وإذا كانوا أكثر من ذلك فليصلوا قياما وركبانا )
( والحديث ) يدل على أن صلاة الخوف لا سيما إذا كثر العدو تجوز حسب الإمكان فينتقل عن القيام إلى الركوب وعن الركوع والسجود إلى الإيماء ويجوز ترك ما لا يقدر عليه من الأركان . وبهذا قال الجمهور لكن قالت المالكية لا يصنعون ذلك إلا إذا خشي فوات الوقت وسيأتي للمصنف في باب الصلاة في شدة الخوف نحو ما هنا ويأتي شرحه هنالك إن شاء الله

باب تطوع المسافر على مركوبه حيث توجه به

1 - عن ابن عمر قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسبح على راحلته قبل أي وجهة توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة )
- متفق عليه . وفي رواية : ( كان يصلي على راحلته وهو مقبل من مكة إلى المدينة حيثما توجهت به وفيه نزلت { فأينما تولوا فثم وجه الله } ) رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه

- الحديث قد تقدم شرحه والكلام على فقهه في باب صلاة الفرض على الراحلة لأن المصنف رحمه الله ذكره هنالك بنحو ما هنا من حديث عامر بن ربيعة . ولفظ الرواية [ ص 183 ] الآخرة في الترمذي : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى إلى بعيره أو راحلته وكان يصلي على راحلته حيثما توجهت به ) . ولم يذكر نزول الآية
قوله ( حيثما توجهت به ) قيدت الشافعية الحديث بالمذهب فقالت إذا توجهت به نحو مقصده وأما إذا توجهت به إلى غير مقصده فإن كان إلى جهة القبلة لم يضره وإن كان إلى غيرها بطلت صلاته وقد تقدم في أول أبواب الاستقبال ما يدل على أن الآية نزلت في صلاة الفريضة ولكن الصحيح ما هنا كما تقدم

2 - وعن جابر قال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وهو على راحلته النوافل في كل جهة ولكن يخفض السجود من الركوع ويومئ إيماء )
- رواه أحمد وفي لفظ : ( بعثني النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حاجة فجئت وهو يصلي على راحلته نحو المشرق والسجود أخفض من الركوع ) رواه أبو داود والترمذي وصححه

- الحديث أخرجه البخاري عن جابر ولكن بلفظ : ( كان يصلي التطوع وهو راكب ) وفي لفظ : ( كان يصلي على راحلته نحو المشرق فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة ) وأخرجه أيضا مسلم بنحو ذلك
وفي الباب عن جماعة من الصحابة وقد قدمنا في باب صلاة الفرض على الراحلة أنه يجوز التطوع عليها للمسافر بالإجماع وقدمنا الخلاف في جواز ذلك في الحضر وفي جواز صلاة الفريضة
( والحديث ) يدل على أن سجود من صلى على الراحلة يكون أخفض من ركوعه ولا يلزمه وضع الجبهة على السرج ولا بذل غاية الوسع في الانحناء بل يخفض سجوده بمقدار يفترق به السجود عن الركوع

3 - وعن أنس بن مالك قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أراد أن يصلي على راحلته تطوعا استقبل القبلة فكبر للصلاة ثم خلى عن راحلته فصلى حيثما توجهت به )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه أيضا الشيخان بنحو ما هنا . وأخرجه أيضا النسائي من رواية يحيى بن سعيد عن أنس وقال : حديث يحيى بن سعيد عن أنس الصواب موقوف وأما أبو داود فأخرجه من رواية الجارود بن أبي سبرة عن أنس
( والحديث ) يدل على جواز التنفل على الراحلة وقد تقدم الكلام على ذلك وعلى أنه لا بد من الاستقبال حال تكبيرة الإحرام ثم لا يضر الخروج بعد ذلك عن سمت القبلة كما أسلفنا

أبواب صفة الصلاة . [ ص 184 ]

باب افتراض افتتاحها بالتكبير

1 - عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم )
- رواه الخمسة إلا النسائي وقال الترمذي : هذا أصح شيء في هذا الباب وأحسن

- الحديث أخرجه أيضا الشافعي والبزار والحاكم وصححه وابن السكن من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل عن ابن الحنفية عن علي قال البزار : لا نعلمه عن علي إلا من هذا الوجه
وقال أبو نعيم : تفرد به ابن عقيل وقال العقيلي : في إسناده لين . وقال : هو أصح من حديث جابر الآتي وعكس ذلك ابن العربي فقال : حديث جابر أصح شيء في هذا الباب والعقيلي أقعد منه بمعرفة الفن . وقال ابن حبان : هذا حديث لا يصح لأن له طريقين : إحداهما عن علي وفيه ابن عقيل وهو ضعيف . والثانية عن أبي نضرة عن أبي سعيد تفرد به أبو سفيان عنه
( وفي الباب ) عن جابر عند أحمد والبزار والترمذي والطبراني وفي إسناده أبو يحيى القتات وهو ضعيف . وقال ابن عدي : أحاديثه عندي حسان . وعن أبي سعيد عند الترمذي وابن ماجه وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب وهو ضعيف ورواه الحاكم عن سعيد بن مسروق الثوري عن أبي سعيد وهو معلول قاله الحافظ
( وفي الباب ) أيضا عن عبد الله بن زيد عند الطبراني وفي إسناده الواقدي . وعن ابن عباس عند الطبراني أيضا وفي إسناده نافع بن هرمز وهو متروك . وعن أنس عند ابن عدي وفي إسناده أيضا نافع بن هرمز . وعن عبد الله بن مسعود عند أبي نعيم . قال الحافظ : وإسناده صحيح وهو موقوف . وعن عائشة عند مسلم وغيره بلفظ : ( كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ) الحديث وآخره : ( وكان يختم الصلاة بالتسليم ) وروى الحديث الدارقطني من حديث أبي إسحاق والبيهقي من حديث شعبة وهذه الطرق يقوي بعضها بعضا فيصلح الحديث للاحتجاج به
قوله ( مفتاح ) بكسر الميم والمراد أنه أول شيء يفتتح به من أعمال الصلاة لأنه شرط من شروطها
قوله ( الطهور ) بضم الطاء وقد تقدم ضبطه في أول الكتاب وفي رواية : ( الوضوء مفتاح الصلاة )
قوله ( وتحريمها التكبير ) فيه دليل على [ ص 185 ] أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار وإليه ذهب الجمهور . وقال أبو حنيفة : تنعقد الصلاة بكل لفظ قصد به التعظيم والحديث يرد عليه لأن الإضافة في قوله تحريمها تقتضي الحصر فكأنه قال جميع تحريمها التكبير أي انحصرت صحة تحريمها في التكبير لا تحريم لها غيره كقولهم مال فلان الإبل وعلم فلان النحو
( وفي الباب ) أحاديث كثيرة تدل على تعين لفظ التكبير من قوله صلى الله عليه وآله وسلم وفعله . وعلى هذا فالحديث يدل على وجوب التكبير وقد اختلف في حكمه : فقال الحافظ : إنه ركن عند الجمهور وشرط عند الحنفية ووجه عند الشافعي وسنة عند الزهري . قال ابن المنذر : ولم يقل به أحد غيره وروي عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك ولم يثبت عن أحد منهم تصريحا وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعا يجزيه تكبيرة الركوع . قال الحافظ : نعم نقله الكرخي من الحنفية عن ابن علية وأبي بكر الأصم ومخالفتهما للجمهور كثيرة
وذهب إلى الوجوب جماعة من السلف قال في البحر : إنه فرض إلا عن نفاة الأذكار والزهري ويدل على وجوبه ما في حديث المسيء عند مسلم وغيره من حديث أبي هريرة بلفظ : ( فإذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ) وعند الجماعة من حديثه بلفظ : ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ) وقد تقرر أن حديث المسيء هو المرجع في معرفة واجبات الصلاة وأن كل ما هو مذكور فيه واجب وما خرج عنه وقامت عليه أدلة تدل على وجوبه ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله في شرحه في الموضع الذي سيذكره فيه المصنف
ويدل للشرطية حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود بلفظ : ( لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ) ورواه الطبراني بلفظ : ( ثم يقول الله أكبر ) والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح إن كان نفي التمام يستلزم نفي الصحة وهو الظاهر لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها قالتا قصة غير صحيحة ومن ادعى صحتها فعليه البيان وقد جعل صاحب ضوء النهار نفي التمام هنا هو نفي الكمال بعينه واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسيلم في حديث المسيء : ( فإن انتقصت من ذلك شيئا فقد انتقصت من صلاتك ) وأنت خبير بأن هذا من محل النزاع أيضا لأنا نقول الانتقاص يستلزم عدم الصحة لذلك الدليل الذي أسلفناه ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة فلا يرد الإلزام بها وكونها تزيد في الثواب [ ص 186 ] لا يستلزم أنها منها كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات وليست منها نعم وقع في بعض روايات الحديث بلفظ : أنه لما قال صلى الله عليه وآله وسلم : فإنك لم تصل كبر على الناس أنه من أخف صلاته لم يصل حتى قال صلى الله عليه وآله وسلم : فإن انتقصت من ذلك شيئا فقد انتقصت من صلاتك فكان أهون عليهم . فكون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن نفي التمام المذكور بمعنى نفي الكمال إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين المقالتين ولما كانت هذه أهون عليهم ولا يخفاك أن الحجة في الذي جاءنا عن الشارع من قوله وفعله وتقريره لا في فهم بعض الصحابة سلمنا أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشارع فنحن نقول بموجب ما فهموه ونسلم أن بين الحالتين تفاوتا ولكن ذلك التفاوت من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة فقد فعل خيرا من قيام وذكر وتلاوة وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك وترك الواجب سبب للعقاب فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض لزمه أن يفعله إن أمكن فعله وحده وإلا فعله مع غيره والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها
وقد أجاب بمعنى هذا الجواب الحافظ ابن تيمية حفيد المصنف وهو حسن ثم إنا نقول غاية ما ينتهض له دعوى من قال إن نفي التمام بمعنى نفي الكمال هو عدم الشرطية لا عدم الوجوب لأن المجيء بالصلاة تامة كاملة واجب
وما أحسن ما قاله ابن تيمية في المقام ولفظه : ومن قال من الفقهاء إن هذا لنفي الكمال قيل إن أردت الكمال المستحب فهذا باطل لوجهين أحدهما أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع إنه ينفي عملا فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه ثم ينفيه لترك المستحبات بل الشارع لا ينفي عملا إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه . والثاني لو نفي لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم ولا صيام فإن الكمال المستحب متفاوت إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقال لا صلاة له اه
قوله ( وتحليلها التسليم ) سيأتي إن شاء الله الكلام عليه في باب كون السلام فرضا

2 - وعن مالك بن الحويرث : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : صلوا كما رأيتموني أصلي )
- رواه أحمد والبخاري وقد صح عنه أنه كان يفتتح بالتكبير

- الحديث يدل على وجوب جميع ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة من الأقوال والأفعال ويؤكد الوجوب كونها بيانا لمجمل قوله { أقيموا الصلاة } وهو أمر [ ص 187 ] قرآني يفيد الوجوب وبيان المجمل الواجب واجب كما تقرر في الأصول إلا أنه ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم اقتصر في تعليم المسيء صلاته على بعض ما كان يفعله ويداوم عليه فعلمنا بذلك أنه لا وجوب لما خرج عنه من الأقوال والأفعال لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز كما تقرر في الأصول بالإجماع ووقع الخلاف إذا جاءت صيغة أمر بشيء لم يذكر في حديث المسيء فمنهم من قال يكون قرينة تصرف الصيغة إلى الندب ومنهم من قال تبقى الصيغة على الظاهر الذي تدل عليه ويؤخذ بالزائد فالزائد وسيأتي ترجيح ما هو الحق عند الكلام على الحديث إن شاء الله تعالى

باب أن تكبير الإمام بعد تسوية الصفوف والفراغ من الإقامة

1 - عن النعمان بن بشير قال : ( كان صلى الله عليه وآله وسلم يسوي صفوفنا إذا قمنا إلى الصلاة فإذا استوينا كبر )
- رواه أبو داود

- الحديث أخرجه أبو داود بهذا اللفظ وبلفظ أخر من طريق سماك بن حرب عن النعمان قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسوينا في الصفوف كما يقوم القدح حتى إذا ظن أن قد أخذنا عنه ذلك وفقهنا أقبل ذات يوم بوجهه إذا رجل منتبذ بصدره فقال لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم ) قال المنذري : والحديث المذكور في الباب طرف من هذا الحديث وهذا الحديث أخرجه مسلم والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه . وأخرج البخاري ومسلم من حديث سالم بن أبي الجعد عن النعمان بن بشير الفصل الأخير منه
( وفي الباب ) عن جابر بن سمرة عند مسلم وعن البراء عند مسلم أيضا . وعن أنس عند البخاري ومسلم . وله حديث آخر عند البخاري وعن جابر عند عبد الرزاق . وعن أبي هريرة عند مسلم . وعن عائشة عند أحمد وابن ماجه . وعن ابن عمر عند أحمد وأبي داود . وروي عن عمر أنه : ( كان يوكل رجالا بإقامة الصفوف فلا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت ) أخرجه عنه الترمذي قال : وروي عن علي وعثمان أنهما كان يتعاهدان ذلك ويقولان استووا وكان علي يقول تقدم يا فلان تأخر يا فلان اه
قال ابن سيد الناس عن سويد بن غفلة قال : كان بلال يضرب أقدامنا في الصلاة ويسوي مناكبنا قال : والآثار في هذا الباب كثيرة عمن ذكرنا وعن غيرهم قال القاضي عياض : ولا يختلف فيه أنه من سنن الجماعات وفي البخاري بزيادة : ( فإن تسوية الصف من إقامة الصلاة ) [ ص 188 ] وقد ذهب ابن حزم الظاهري إلى فرضية ذلك محتجا بهذه الزيادة قال : وإذا كان من إقامة الصلاة فهو فرض لأن إقامة الصلاة فرض وما كان من الفرض فهو فرض وأجاب عن هذا اليعمري فقال : إن الحديث ثبت بلفظ الإقامة وبلفظ التمام ولا يتم له الاستدلال إلا برد لفظ التمام إلى لفظ الإقامة وليس ذلك بأولى من العكس قال : وأما قوله وإقامة الصلاة فرض فإقامة الصلاة تطلق ويراد بها فعل الصلاة وتطلق ويراد بها الإقامة بالصلاة التي تلي التأذين وليس إرادة الأول كما زعم بأولى من إرادة الثاني إذ الأمر بتسوية الصفوف تعقب الإقامة وهو من فعل الإمام أو من يوكله الإمام وهو مقيم الصلاة غالبا قال : فما ذهب إليه الجمهور من الاستحباب أولى ويحمل لفظ الإقامة على الإقامة التي تلي التأذين أو يقدر له محذوف تقديره من تمام إقامة الصلاة وتنتظم به أعمال الألفاظ الواردة في ذلك كلها لأن إتمام الشيء زائد على وجود حقيقته فلفظ من تمام الصلاة يدل على عدم الوجوب . وقد ورد من حديث أبي هريرة في صحيح مسلم مرفوعا بلفظ : ( فإن إقامة الصلاة من حسن الصلاة )

3 - وعن أبي موسى قال : ( علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قمتم إلى الصلاة فليؤمكم أحدكم وإذا قرأ الإمام فأنصتوا )
- رواه أحمد

- الفصل الأول من الحديث ثابت عند مسلم والنسائي وغيرهما من طرق . والفصل الثاني ثابت عند أبي داود وابن ماجه والنسائي وغيرهم وقال مسلم هو صحيح كما سيأتي وسيأتي الكلام على الحديث في باب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته . وفي أبواب الإقامة وقد ساقه المصنف هنا لأنه جعل إقامة الصلاة مقدمة على الأمر بالإمامة وهذا إنما يتم إذا جعلت الإقامة بمعنى تسوية الصلاة لا إذا كان المراد بها الإقامة التي تلي التأذين كما تقدم

باب رفع اليدين وبيان صفته ومواضعه

1 - عن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا )
- رواه الخمسة إلا ابن ماجه

- الحديث لا مطعن في إسناده لأنه رواه أبو داود عن مسدد والنسائي عن عمرو بن علي كلاهما عن يحيى القطان عن ابن أبي ذئب وهؤلاء من أكابر الأئمة عن سعيد [ ص 189 ] ابن سمعان وهو معدود في الثقات وقد ضعفه الأزدي وعن أبي هريرة وقد أخرجه الدارمي عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة
وأخرجه الترمذي أيضا بهذا اللفظ المذكور في الكتاب وبلفظ : ( كان إذا كبر للصلاة نشر أصابعه ) وقد تفرد بإخراج هذا اللفظ الآخر من طريق يحيى بن اليمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة وقال : قد روى هذا الحديث غير واحد عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان عن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدا )
وهذا أصح من رواية يحيى بن اليمان وأخطأ يحيى بن اليمان في هذا الحديث ثم قال : وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن أخبرنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي حدثنا ابن أبي ذئب عن سعيد بن سمعان قال : سمعت أبا هريرة يقول : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا ) قال : قال عبد الله : وهذا أصح من حديث يحيى بن اليمان وحديث يحيى بن اليمان خطأ انتهى كلام الترمذي . وقال ابن أبي حاتم : قال أبي : وهم يحيى إنما أراد كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدا كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب
قوله ( مدا ) يجوز أن يكون منتصبا على المصدرية بفعل مقدر وهو يمدهما مدا ويجوز أن يكون منتصبا على الحالية أي رفع يديه في حال كونه مادا لهما إلى رأسه ويجوز أن يكون مصدرا منتصبا بقوله رفع لأن الرفع بمعنى المد وأصل المد في اللغة الجر قاله الراغب . والارتفاع قال الجوهري : ومد النهار ارتفاعه وله معان أخر ذكرها صاحب القاموس وغيره . وقد فسر ابن عبد البر المذكور في الحديث بمد اليدين فوق الأذنين مع الرأس انتهى . والمراد به ما يقابل النشر المذكور في الرواية الأخرى لأن النشر تفريق الأصابع
( والحديث ) يدل على مشروعية رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وقد قال النووي في شرح مسلم : إنها أجمعت الأمة على ذلك عند تكبيرة الإحرام وإنما اختلفوا فيما عدا ذلك وحكى النووي أيضا عن داود إيجابه عند تكبيرة الإحرام قال : وبهذا قال الإمام أبو الحسن أحمد بن سيار والنيسابوري من أصحابنا أصحاب الوجوه وقد اعتذر له عن حكاية الإجماع أولا وحكاية الخلاف في الوجوب ثانيا بأن الاستحباب لا ينافي الوجوب أو بأنه أراد إجماع من قبل المذكورين أو بأنه لم يثبت ذلك عنده عنهم ولم يتفرد النووي بحكاية الإجماع فقد روى الإجماع على الرفع عند تكبيرة الإحرام ابن حزم وابن المنذر وابن السبكي وكذا حكى الحافظ في الفتح عن ابن عبد البر [ ص 190 ] أنه قال : أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة
قال الحافظ : وممن قال بالوجوب أيضا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري وابن خزيمة من أصحابنا نقله عنه الحاكم في ترجمة محمد بن علي العلوي وحكاه القاضي حسين عن الإمام أحمد وقال ابن عبد البر : كل من نقل عنه الإيجاب لا تبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي قال الحافظ : ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة أنه يأثم تاركه ونقل القفال عن أحمد بن سيار أنه يجب ولا تصح صلاة من لم يرفع ولا دليل يدل على الوجوب ولا على بطلان الصلاة بالترك نعم من ذهب من أهل الأصول إلى أن المداومة على الفعل تفيد الوجوب قال به هنا
ونقل ابن المنذر والعبدري عن الزيدية أنه لا يجوز رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ولا عند غيرها انتهى . وهو غلط على الزيدية فإن إمامهم زيد بن علي رحمه الله ذكر في كتابه المشهور بالمجموع حديث الرفع وقال باستحبابه وكذا أكابر أئمتهم المتقدمين والمتأخرين صرحوا باستحبابه ولم يقل بتركه منهم إلا الهادي يحيى بن الحسين وروي مثل قوله عن جده القاسم بن إبراهيم وروي عنه أيضا القول باستحبابه وروى صاحب التبصرة من المالكية عن مالك أنه لا يستحب وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم والمشهور عن مالك القول باستحباب الرفع عند تكبيرة الإحرام وإنما حكى عنه أنه لا يستحب عند الركوع والاعتدال منه قال ابن عبد الحكم : لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم
( احتج القائلون ) بالاستحباب بالأحاديث الكثيرة عن العدد الكثير من الصحابة حتى قال الشافعي : روى الرفع جمع من الصحابة لعله لم يرو حديث قط بعدد أكثر منهم . وقال البخاري في جزء رفع اليدين : روى الرفع تسعة عشر نفسا من الصحابة وسرد البيهقي في السنن وفي الخلافيات أسماء من روى الرفع نحوا من ثلاثين صحابيا وقال : سمعت الحاكم يقول اتفق على رواية هذه السنة العشرة المشهود لهم بالجنة فمن بعدهم من أكابر الصحابة قال البيهقي وهو كما قال . قال الحاكم والبيهقي أيضا : ولا يعلم سنة اتفق على روايتها العشرة فمن بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في الأقطار الشاسعة غير هذه السنة . وروى ابن عساكر في تاريخه من طريق أبي سلمة الأعرج قال : أدركت الناس كلهم يرفع يديه عند كل خفض ورفع قال البخاري في الجزء المذكور : قال الحسن وحميد بن هلال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يرفعون أيديهم ولم يستثن أحدا منهم
قال البخاري : ولم يثبت عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه [ ص 191 ] وسلم أنه لم يرفع يديه وجمع العراقي عدد من روى رفع اليدين في ابتداء الصلاة فبلغوا خمسين صحابيا منهم العشرة المشهود لهم بالجنة . قال الحافظ في الفتح : وذكر شيخنا الحافظ أبو الفضل أنه تتبع من رواه من الصحابة رضي الله عنهم فبلغوا خمسين رجلا
( واحتج من قال ) بعدم الاستحباب بحديث جابر بن سمرة عند مسلم وأبي داود قال : ( خرج علينا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكنوا في الصلاة )
وأجيب عن ذلك بأنه ورد على سبب خاص فإن مسلما رواه أيضا من حديث جابر بن سمرة قال : ( كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلنا السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيديه إلى الجانبين فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم : علام تومؤن بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفي أحدكم أن يضع يديه على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله )
ورد هذا الجواب بأنه قصر للعام على السبب وهو مذهب مرجوح كما تقرر في الأصول وهذا الرد متجه لولا أن الرفع قد ثبت من فعله صلى الله عليه وآله وسلم ثبوتا متواترا كما تقدم وأقل أحوال هذه السنة المتواترة أن تصلح لجعلها قرينة لقصر ذلك العام على السبب أو لتخصيص ذلك العموم على تسليم عدم القصر وربما نازع في هذا بعضهم فقال : قد تقرر عند بعض أهل الأصول أنه إذا جهل تاريخ العام والخاص اطرحا وهو لا يدري أن الصحابة قد أجمعت على هذه السنة بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم وهم لا يجمعون إلا على أمر فارقوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنه قد ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال بعد أن ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام وعند الركوع وعند الاعتدال فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى
وأيضا المتقرر في الأصول بأن العام والخاص إذا جهل تاريخهما وجب البناء وقد جعله بعض أئمة الأصول مجمعا عليه كما في شرح الغاية وغيره . وربما احتج بعضهم بما رواه الحاكم في المدخل من حديث أنس بلفظ : ( من رفع يديه في الصلاة فلا صلاة له ) وربما رواه ابن الجوزي عن أبي هريرة بنحو حديث أنس وهو لا يشعر أن الحاكم قال بعد إخراج حديث أنس : إنه موضوع . وقد قال في البدر المنير : إن في إسناده محمد بن عكاشة الكرماني قال الدارقطني : يضع الحديث وابن الجوزي جعل حديث أبي هريرة المذكور من جملة الموضوعات
( وقد اختلفت الأحاديث ) في محل الرفع عند تكبيرة الإحرام هل يكون قبلها أو بعدها أو مقارنا لها ففي بعضها قبلها كحديث ابن عمر الآتي [ ص 192 ] بلفظ : ( رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه ثم يكبر ) وفي بعضها بعدها كما في حديث مالك بن الحويرث عند مسلم بلفظ : ( كبر ثم رفع يديه ) وفي بعضها ما يدل على المقارنة كحديث ابن عمر الآتي في هذا الباب بلفظ : ( كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه ) وفي ذلك خلاف بين العلماء والمرجح عند الشافعية المقارنة
قال الحافظ : ولم أر من قال بتقديم التكبير على الرفع . ويرجح المقارنة حديث وائل بن حجر الآتي عند أبي داود بلفظ : ( رفع يديه مع التكبير ) وقضية المعية أنه ينتهي بانتهائه وهو المرجح أيضا عند المالكية . وقال فريق من العلماء : الحكمة في اقترانهما أنه يراه الأصم ويسمعه الأعمى وقد ذكرت في ذلك مناسبات أخر سيأتي ذكرها
ونقل ابن عبد البر عن ابن عمر أنه قال رفع اليدين من زينة الصلاة . وعن عقبة بن عامر أنه قال : لكل رفع عشر حسنات لكل إصبع حسنة انتهى . وهذا له حكم الرفع لأنه مما لا مجال للاجتهاد فيه هذا الكلام في رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام وسيأتي الكلام على الرفع عند الركوع والاعتدال وعند القيام من التشهد الأوسط

2 - وعن وائل بن حجر : ( أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه مع التكبيرة )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه البيهقي أيضا من طريق عبد الرحمن بن عامر اليحصبي عن وائل . ورواه أحمد وأبو داود من طريق عبد الجبار بن وائل قال حدثني أهل بيتي عن أبي قال المنذري : وعبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه وأهل بيته مجهولون وقد تقدم الكلام على فقه الحديث

3 - وعن ابن عمر قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة رفع يديه حتى يكونا بحذو منكبيه ثم يكبر فإذا أراد أن يركع رفعهما مثل ذلك وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا وقال سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد )
- متفق عليه . وللبخاري : ( ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه من السجود ) ولمسلم : ( ولا يفعل حين يرفع رأسه من السجود ) وله أيضا : ( ولا يرفعهما بين السجدتين )

- الحديث أخرجه البيهقي بزيادة : ( فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى ) قال ابن المديني : هذا الحديث عندي حجة على الخلق كل من سمعه فعليه أن يعمل به لأنه ليس في إسناده شيء . وقد صنف البخاري في هذه المسألة جزءا مفردا وحكى فيه عن الحسن وحميد ابن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك يعني الرفع في الثلاثة المواطن ولم يستثن الحسن أحدا [ ص 193 ] قال ابن عبد البر : كل من روي عنه ترك الرفع في الركوع والرفع منه روي عنه فعله إلا ابن مسعود . وقال محمد بن نصر المروزي : أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا بأهل الكوفة
وقال ابن عبد الحكم : لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا ابن القاسم والذي نأخذ به الرفع على حديث ابن عمر وهو الذي رواه ابن وهب وغيره عن مالك ولم يحك الترمذي عن مالك غيره
ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم أنه آخر قول مالك . وإلى الرفع في الثلاثة المواطن ذهب الشافعي وأحمد وجمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم وروي عن مالك والشافعي قول : إنه يستحب رفعهما في موضع رابع وهو إذا قام من التشهد الأوسط . قال النووي : وهذا القول هو الصواب فقد صح في حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يفعله رواه البخاري . وصح أيضا من حديث أبي حميد الساعدي رواه أبو داود والترمذي بأسانيد صحيحة وسيأتي ذلك . وقال أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من أهل الكوفة : لا يستحب في غير تكبيرة الإحرام قال النووي : وهو أشهر الروايات عن مالك
( واحتجوا ) على ذلك بحديث البراء بن عازب عند أبي داود والدارقطني بلفظ : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لم يعد ) وهو من رواية يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه
وقد اتفق الحفاظ أن قوله ثم لم يعد مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد . وقد رواه بدون ذلك شعبة والثوري وخالد الطحان وزهير وغيرهم من الحفاظ . وقال الحميدي : إنما روى هذه الزيادة يزيد ويزيد يزيد . وقال أحمد بن حنبل : لا يصح وكذا ضعفه البخاري وأحمد ويحيى والدارمي والحميدي وغير واحد . قال يحيى بن محمد بن يحيى : سمعت أحمد بن حنبل يقول هذا الحديث حديث واه . وكان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه ثم لا يعود فلما لقنوه يعني أهل الكوفة تلقن وكان يذكرها وهكذا قال علي بن عاصم . قال البيهقي : اختلف فيه على عبد الرحمن بن أبي ليلى . وقال البزار : قوله في الحديث ( ثم لم يعد ) لا يصح . وقال ابن حزم : إن صح قوله لا يعود دل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك لبيان الجواز فلا تعارض بينه وبين حديث ابن عمر وغيره
( واحتجوا ) أيضا بما روي عن عبد الله بن مسعود من طريق عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود [ ص 194 ] عن علقمة عنه عند أحمد وأبي داود والترمذي أنه قال : ( لأصلين لكم صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة واحدة ) ورواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي من حديث محمد بن جابر عن حماد بن إبراهيم عن علقمة عنه بلفظ : ( صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر فلم يرفعوا أيديهم إلا عند الاستفتاح ) وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حزم ولكنه عارض هذا التحسين والتصحيح قول ابن المبارك لم يثبت عندي وقول ابن أبي حاتم هذا حديث خطأ وتضعيف أحمد وشيخه يحيى بن آدم له وتصريح أبي داود بأنه ليس بصحيح وقول الدارقطني أنه لم يثبت وقول ابن حبان هذا أحسن خبر روى أهل الكوفة في نفي رفع اليدين في الصلاة عند الركوع وعند الرفع منه وهو في الحقيقة أضعف شيء يعول عليه لأن له عللا تبطله
قال الحافظ : وهؤلاء الأئمة إنما طعنوا كلهم في طريق عاصم بن كليب أما طريق محمد بن جابر فذكرها ابن الجوزي في الموضوعات وقال عن أحمد : محمد بن جابر لا شيء ولا يحدث عنه إلا من هو شر منه
( واحتجوا ) أيضا بما روي عن ابن عمر عند البيهقي في الخلافيات بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه إذا افتتح الصلاة ثم لا يعود ) قال الحافظ : وهو مقلوب موضوع
( واحتجوا ) أيضا بما روي عن ابن عباس أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه كلما ركع وكلما رفع ثم صار إلى افتتاح الصلاة وترك ما سوى ذلك ) حكاه ابن الجوزي وقال : لا أصل له ولا أعرف من رواه
والصحيح عن ابن عباس خلافه ورووا نحو ذلك عن ابن الزبير قال ابن الجوزي : لا أصل له ولا أعرف من رواه والصحيح عن ابن الزبير خلافه . قال ابن الجوزي : وما أبلد من يحتج بهذه الأحاديث لتعارض بها الأحاديث الثابتة انتهى
ولا يخفى على المنصف أن هذه الحجج التي أوردوها منها ما هو متفق على ضعفه وهو ما عدا حديث ابن مسعود منها كما بينا ومنها ما هو مختلف فيه وهو حديث ابن مسعود لما قدمنا من تحسين الترمذي وتصحيح ابن حزم له ولكن أين يقع هذا التحسين والتصحيح من قدح أولئك الأئمة الأكابر فيه غاية الأمر ونهايته أن يكون ذلك الاختلاف موجبا لسقوط الاستدلال به ثم لو سلمنا صحة حديث ابن مسعود ولم نعتبر بقدح أولئك الأئمة فيه فليس بينه وبين الأحاديث المثبتة للرفع في الركوع والاعتدال منه تعارض [ ص 195 ] لأنها متضمنة للزيادة التي لا منافاة بينها وبين المزيد وهي مقبولة بالإجماع لا سيما وقد نقلها جماعة من الصحابة واتفق على إخراجها الجماعة فمن جملة من رواها ابن عمر كما في حديث الباب . وعمر كما أخرجه البيهقي وابن أبي حاتم وعلي وسيأتي . ووائل بن حجر عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجه ومالك بن الحويرث عند البخاري ومسلم وسيأتي . وأنس بن مالك عند ابن ماجه . وأبو هريرة عند ابن ماجه أيضا وأبي داود . وأبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة عند ابن ماجه . وأبو موسى الأشعري عند الدارقطني . وجابر عند ابن ماجه . وعمير الليثي عند ابن ماجه أيضا . وابن عباس عند ابن ماجه أيضا . وله طريق أخرى عند أبي داود فهؤلاء أربعة عشر من الصحابة ومعهم أبو حميد الساعدي في عشرة من الصحابة كما سيأتي فيكون الجميع خمسة وعشرين أو اثنين وعشرين إن كان أبو أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة من العشرة المشار إليهم في رواية أبي حميد كما في بعض الروايات فهل رأيت أعجب من معارضة رواية مثل هؤلاء الجماعة بمثل حديث ابن مسعود السابق مع طعن أكثر الأئمة المعتبرين فيه ومع وجود مانع عن القول بالمعارضة وهو تضمن رواية الجمهور للزيادة كما تقدم
قوله في حديث الباب ( حتى يكونا بحذو منكبيه ) وهكذا في رواية علي وأبي حميد وسيأتي ذكرهما وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور وفي حديث مالك بن الحويرث الآتي حتى يحاذي بهما أذنيه وعند أبي داود من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر أنه جمع بينهما فقال حتى يحاذي بظهر كفيه المنكبين بأطراف أنامله الأذنين . ويؤيده رواية أخرى عن وائل عند أبي داود بلفظ : ( حتى كانتا حيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه ) وأخرج الحاكم في المستدرك والدارقطني من طريق عاصم الأحول عن أنس قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كبر فحاذى بإبهاميه أذنيه ) ومن طريق حميد عن أنس : ( كان إذا افتتح الصلاة كبر ثم رفع يديه حتى يحاذي بإبهاميه أذنيه ) وأخرج أبو داود عن ابن عمر : ( أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه في الافتتاح وفي غيره دون ذلك ) وأخرج أبو داود أيضا عن البراء : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ) وفي حديث وائل عند أبي داود أنه رأى الصحابة يرفعون أيديهم إلى صدورهم . والأحاديث الصحيحة وردت بأنه صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه إلى حذو منكبيه وغيرها لا يخلو عن مقال إلا حديث مالك بن الحويرث
قوله ( ولا يفعل ذلك حين يسجد ولا حين يرفع رأسه [ ص 196 ] من السجود ) في الرواية الأخرى : ( ولا يرفعهما بين السجدتين ) وسيأتي في حديث علي بلفظ : ( ولا يرفع يديه في شيء من صلاته ) وقد عارض هذه الروايات ما أخرجه أبو داود عن ميمون المكي ( أنه رأى عبد الله بن الزبير يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد وحين ينهض للقيام قال : فانطلقت إلى ابن عباس فقلت : إني رأيت ابن الزبير صلى صلاة لم أر أحدا يصليها فوصفت له هذه الإشارة فقال : إن أحببت أن تنظر إلى صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاقتد بصلاة عبد الله بن الزبير ) وفي إسناده ابن لهيعة وفيه مقال مشهور وأخرج أبو داود والنسائي عن النضر بن كثير السعدي قال : ( صلى إلى جنبي عبد الله بن طاوس في مسجد الخيف فكان إذا سجد السجدة الأولى ورفع رأسه منها رفع يديه تلقاء وجهه فأنكرت ذلك فقلت لوهيب بن خالد فقال له وهيب : تصنع شيئا لم أر أحدا يصنعه فقال ابن طاوس : رأيت أبي يصنعه وقال أبي : رأيت ابن عباس يصنعه ولا أعلم إلا أنه قال : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصنعه ) وفي إسناده النضر بن كثير وهو ضعيف الحديث . قال الحافظ أبو أحمد النيسابوري : هذا حديث منكر من حديث ابن طاوس وأخرج الدارقطني في العلل من حديث أبي هريرة : ( أنه كان يرفع يديه في كل خفض ورفع ويقول أنا أشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )
وهذه الأحاديث لا تنتهض للاحتجاج بها على الرفع في غير تلك المواطن فالواجب البقاء على النفي الثابت في الصحيحين حتى يقوم دليل صحيح يقتضي تخصيصه كما قام في الرفع عند القيام من التشهد الأوسط وقد تقدم الكلام عليه . وقد ذهب إلى استحبابه في السجود أبو بكر بن المنذر وأبو علي الطبري من أصحاب الشافعي وبعض أهل الحديث

4 - وعن نافع أن ابن عمر : ( كان إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه وإذا ركع رفع يديه وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه وإذا قام من الركعتين رفع يديه ) ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
- رواه البخاري والنسائي وأبو داود

- قوله ( ورفع ذلك ابن عمر ) قال أبو داود : رواه الثقفي يعني عبد الوهاب عن عبيد الله يعني ابن عمر بن حفص فلم يرفعه وهو الصحيح . وكذا رواه الليث بن سعد وابن جريج ومالك يعني موقوفا . وحكى الدارقطني في العلل الاختلاف في رفعه ووقفه
قال الحافظ : وقفه معتمر وعبد الوهاب عن عبيد الله عن نافع كما قال يعني الدارقطني لكن رفعاه عن سالم عن ابن عمر أخرجه البخاري في جزء رفع اليدين وفيه الزيادة وقد توبع نافع [ ص 197 ] على ذلك عن ابن عمر قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه ) وله شواهد كما تقدم وسيأتي
( والحديث ) يدل على مشروعية الرفع في الأربعة المواطن وقد تقدم الكلام على ذلك

5 - وعن علي ابن أبي طالب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وإذا أراد أن يركع ويصنعه إذا رفع رأسه من الركوع ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر )
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه

- الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه وصححه أيضا أحمد بن حنبل فيما حكاه الخلال
قوله ( وإذا قام من السجدتين ) وقع في هذا الحديث وفي حديث ابن عمر في طريق ذكر السجدتين مكان الركعتين والمراد بالسجدتين الركعتان بلا شك كما جاء في رواية الباقين كذا قال العلماء من المحدثين والفقهاء إلا الخطابي فإنه ظن أن المراد السجدتان المعروفتان ثم استشكل الحديث الذي وقع فيه ذكر السجدتين وهو حديث ابن عمر وهذا الحديث مثله وقال : لا أعلم أحدا من الفقهاء قال به . قال ابن رسلان : ولعله لم يقف على طرق الحديث ولو وقف عليها لحمله على الركعتين كما حمله الأئمة
( والحديث ) يدل على استحباب الرفع في هذه الأربعة المواطن وقد عرفت الكلام على ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى : وقد صح التكبير في المواضع الأربعة في حديث أبي حميد الساعدي وسنذكره إن شاء الله انتهى

6 - وعن أبي قلابة : ( أنه رأى مالك بن الحويرث إذا صلى كبر ورفع يديه وإذا أراد أن يركع رفع يديه وإذا رفع رأسه رفع يديه وحدث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صنع هكذا )
- متفق عليه . وفي رواية : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه وإذا رفع رأسه من الركوع فقال سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك ) رواه أحمد ومسلم وفي لفظ لهما : ( حتى يحاذي بهما فروع أذنيه )

- قوله ( إذا صلى كبر ) في رواية مسلم : ( ثم كبر ) وقد تقدم الكلام على اختلاف الأحاديث في الرفع هل يكون قبل التكبير أو بعده أو مقارنا له . والحديث قد تقدم [ ص 198 ] البحث عن جميع أطرافه
وقد اختلف في الحكمة في رفع اليدين : فقال الشافعي : هو إعظام لله تعالى وإتباع لرسوله . وقيل استكانة واستسلام وانقياد وكان الأسير إذا غلب مد يديه علامة لاستسلامه . وقيل هو إشارة إلى استعظام ما دخل فيه . وقيل إشارة إلى طرح أمور الدنيا والإقبال بكليته على صلاته ومناجاته ربه كما تضمن ذلك قوله الله أكبر فيطابق فعله قوله . وقيل إشارة إلى تمام القيام . وقيل إلى رفع الحجاب بينه وبين المعبود . وقيل ليستقبل بجميع بدنه . وقيل ليراه الأصم ويسمعه الأعمى . وقيل إشارة إلى دخوله في الصلاة وهذا يختص بالرفع لتكبيرة الإحرام . وقيل لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله والتكبير إثبات ذلك له عز و جل والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة وقيل غير ذلك . قال النووي : وفي أكثرها نظر
واعلم أن هذه السنة تشترك فيها الرجال والنساء ولم يرد ما يدل على الفرق بينهما فيها وكذا لم يرد ما يدل على الفرق بين الرجل والمرأة في مقدار الرفع . وروي عن الحنفية أن الرجل يرفع إلى الأذنين والمرأة إلى المنكبين لأنه أستر لها ولا دليل على ذلك كما عرفت

7 - وعن أبي حميد الساعدي : ( أنه قال وهو في عشرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحدهم أبو قتادة : أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا : ما كنت أقدم منا له صحبة ولا أكثرنا له إتيانا قال : بلى قالوا : فاعرض فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم يكبر فإذا أراد أن يركع رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه ثم قال الله أكبر وركع ثم اعتدل فلم يصوب رأسه ولم يقنع ووضع يديه على ركبتيه ثم قال سمع الله لمن حمده ورفع يديه واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه معتدلا ثم هوى إلى الأرض ساجدا ثم قال الله أكبر ثم ثنى رجله وقعد عليها واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ثم نهض ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة ثم صنع كذلك حتى إذا كانت الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركا ثم سلم قالوا صدقت هكذا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي ورواه البخاري مختصرا

- الحديث أخرجه أيضا ابن حبان وأعله الطحاوي بأن محمد بن عمرو بن عطاء لم يدرك أبا قتادة قال ويزيد ذلك بيانا أن عطاف بن خالد رواه عن محمد بن عمرو بلفظ [ ص 199 ] حدثني رجل أنه وجد عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلوسا
وقال ابن حبان : سمع هذا الحديث محمد بن عمرو عن أبي حميد وسمعه من عباس بن سهل بن سعد عن أبيه والطريقان محفوظان
قال الحافظ : السياق يأبى على ذلك كل الإباء والتحقيق عندي أن محمد بن عمرو الذي رواه عطاف بن خالد عنه هو محمد بن عمر بن علقمة بن وقاص الليثي وهو لم يلق أبا قتادة ولا قارب ذلك إنما يروى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وغيره من كبار التابعين . وأما محمد بن عمرو الذي رواه عبد الحميد بن جعفر عنه فهو محمد بن عمرو بن عطاء تابعي كبير جزم البخاري بأنه سمع من أبي حميد وغيره وأخرج الحديث من طريقه انتهى
وقد اختلف في موت أبي قتادة . فقيل مات في سنة أربع وخمسين وعلى هذا فلقاء محمد له ممكن لأن محمدا مات بعد سنة عشرين ومائة وله نيف وثمانون سنة . وقيل مات أبو قتادة في خلافة علي رضي الله عنه ولا يمكن على هذا أن محمدا أدركه لأن عليا قتل في سنة أربعين
وقد أجيب عن هذا أنه إذا صح موته في خلافة علي فلعل من ذكر مقدار عمر محمد أو وقت وفاته وهم
قوله ( أنا أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) فيه مدح الإنسان نفسه لمن يأخذ عنه ليكون كلامه أوقع وأثبت عند السامع كما أنه يجوز مدح الإنسان نفسه وافتخاره في الجهاد ليوقع الرهبة في قلوب الكفار
قوله ( فاعرض ) بوصل الهمزة وكسر الراء من قولهم عرضت الكتاب عرضا قرأته عن ظهر قلب ويحتمل أن يكون من قولهم عرضت الشيء عرضا من باب ضرب أي أظهرته
قوله ( فلم يصوب ) بضم الياء المثناة من تحت وفتح الصاد وتشديد الواو وبعده باء موحدة أي يبالغ في خفضه وتنكيسه
قوله ( ولم يقنع ) بضم الياء وإسكان القاف وكسر النون أي لا يرفعه حتى يكون أعلى من ظهره
قوله ( حتى يرجع كل عظم ) وفي رواية ابن ماجه : ( حتى يقر كل عظم في موضعه ) وفي رواية البخاري : ( حتى يعود كل فقار )
قوله ( ثم هوى ) الهوي السقوط من علو إلى أسفل
قوله ( ثم ثنى رجله وقعد عليها ) وهذه تسمى قعدة الاستراحة وسيأتي الكلام فيها
قوله ( حتى يرجع كل عظم في موضعه ) فيه فضيلة الطمأنينة في هذه الجلسة
قوله ( متوركا ) التورك في الصلاة القعود على الورك اليسرى والوركان فوق الفخذين كالكعبين فوق العضدين
( والحديث ) قد اشتمل على جملة كثيرة من صفة صلاته صلى الله عليه وآله وسلم وقد تقدم الكلام على بعض ما فيه في هذا الباب وسيأتي الكلام على بقية فوائده في المواضع التي يذكرها المصنف فيها إن شاء الله تعالى . وقد رويت حكاية أبي حميد لصلاته [ ص 200 ] صلى الله عليه و سلم بالقول كما في حديث الباب وبالفعل كما في غيره . قال الحافظ : ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يكون وصفها مرة بالفعل ومرة بالقول

باب ما جاء في وضع اليمين على الشمال

1 - عن وائل بن حجر : ( أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه حين دخل في الصلاة وكبر ثم التحف بثوبه ثم وضع اليمنى على اليسرى فلما أراد أن يركع أخرج يديه ثم رفعهما وكبر فركع فلما قال سمع الله لمن حمده رفع يديه فلما سجد سجد بين كفيه )
- رواه أحمد ومسلم . وفي رواية لأحمد وأبي داود : ( ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى والرسغ والساعد )

- الحديث أخرجه النسائي وابن حبان وابن خزيمة . وفي الباب عن هلب عند أحمد والترمذي وابن ماجه والدارقطني وفي إسناده قبيصة بن هلب لم يرو عنه غير سماك وثقه العجلي . وقال ابن المديني والنسائي : مجهول وحديث هلب حسنه الترمذي . وعن غطيف بن الحارث عند أحمد . وعن ابن عباس عند الدارقطني والبيهقي وابن حبان والطبراني وقد تفرد به حرملة . وعن ابن عمر عند العقيلي وضعفه . وعن حذيفة عند الدارقطني . وعن أبي الدرداء عند الدارقطني مرفوعا وابن أبي شيبة موقوفا . وعن جابر عند أحمد والدارقطني . وعن ابن الزبير عند أبي داود . وعن عائشة عند البيهقي وقال : صحيح . وعن شداد بن شرحبيل عند البزار وفيه عباس بن يونس . وعن يعلى بن مرة عند الطبراني وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى وهو ضعيف . وعن عقبة بن أبي عائشة عند الهيثمي موقوفا بإسناد حسن . وعن معاذ عند الطبراني وفيه الخصيب بن جحدر . وعن أبي هريرة عند الدارقطني والبيهقي . وعن الحسن مرسلا عند أبي داود . وعن طاوس مرسلا عنده أيضا . وعن سهل بن سعد وابن مسعود وعلي وسيأتي في هذا الباب
قوله ( والرسغ ) بضم الراء وسكون المهملة بعدها معجمة هو المفصل بين الساعد والكف
قوله ( والساعد ) بالجر عطف على الرسغ والرسغ مجرور لعطفه على قوله كفه اليسرى . والمراد أنه وضع يده اليمنى على كف يده اليسرى ورسغها وساعدها . ولفظ الطبراني : ( وضع يده اليمنى على ظهر اليسرى في الصلاة قريبا من الرسغ ) قال أصحاب الشافعي : يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى [ ص 201 ] وبعض رسغها وساعدها
( والحديث ) يدل على مشروعية وضع الكف على الكف وإليه ذهب الجمهور وروى ابن المنذر عن ابن الزبير والحسن البصري والنخعي أنه يرسلهما ولا يضع اليمنى على اليسرى ونقله النووي عن الليث بن سعد . ونقله المهدي في البحر عن القاسمية والناصرية والباقر . ونقله ابن القاسم عن مالك وخالفه ابن الحكم فنقل عن مالك الوضع . والرواية الأولى عنه هي رواية جمهور أصحابه وهي المشهورة عندهم . ونقل ابن سيد الناس عن الأوزاعي التخيير بين الوضع والإرسال
( احتج الجمهور ) على مشروعية الوضع بأحاديث الباب التي ذكرها المصنف وذكرناها وهي عشرون عن ثمانية عشر صحابيا وتابعيين . وحكى الحافظ عن ابن عبد البر أنه قال : لم يأت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه خلاف
( واحتج القائلون ) بالإرسال بحديث جابر بن سمرة المتقدم بلفظ : ( ما لي أراكم رافعي أيديكم ) وقد عرفناك أن حديث جابر وارد على سبب خاص . ( فإن قلت ) العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب قلنا إن صدق على الوضع مسمى الرفع فلا أقل من صلاحية أحاديث الباب لتخصيص ذلك العموم وإن لم يصدق عليه مسمى الرفع لم يصح الاحتجاج على مشروعيته بحديث جابر المذكور
( واحتجوا ) أيضا بأنه مناف للخشوع وهو مأمور به في الصلاة وهذه المنافاة ممنوعة . قال الحافظ : قال العلماء الحكمة في هذه الهيئة أنها صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع . ومن اللطائف قول بعضهم : القلب موضع النية والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه انتهى . قال المهدي في البحر : ولا معنى لقول أصحابنا ينافي الخشوع والسكون
( واحتجوا ) أيضا بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علم المسيء صلاته الصلاة ولم يذكر وضع اليمين على الشمال كذا حكاه ابن سيد الناس عنهم وهو عجيب فإن النزاع في استحباب الوضع لا وجوبه وترك ذكره في حديث المسيء إنما يكون حجة على القائل بالوجوب وقد علم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اقتصر على ذكر الفرائض في حديث المسيء . وأعجب من هذا الدليل قول المهدي في البحر مجيبا عن أدلة الجمهور بلفظ قلنا أما فعله فلعله لعذر لاحتماله وأما الخبر فإن صح فقوي ويحتمل الاختصاص بالأنبياء انتهى . وقد اختلف في محل وضع اليدين وسيأتي الكلام عليه

2 - وعن أبي حازم عن سهل بن سعد قال : ( كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة ) قال أبو حازم : ولا أعلمه إلا ينمي [ ص 202 ] ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه أحمد والبخاري

- قوله ( كان الناس يؤمرون ) قال الحافظ : هذا حكمه الرفع لأنه محمول على أن الآمر لهم بذلك هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم . قال البيهقي : لا خلاف في ذلك بين أهل النقل . قال النووي في شرح مسلم : وهذا حديث صحيح مرفوع
قوله ( على ذراعه اليسرى ) أبهم هنا موضعه من الذراع وقد بينته رواية أحمد وأبي داود في الحديث الذي قبل هذا
قوله ( ولا أعلمه إلا ينمي ) هو بفتح أوله وسكون النون وكسر الميم . قال أهل اللغة : نميت الحديث رفعته وأسندته . وفي رواية يرفع مكان ينمي والمراد بقوله ينميه يرفعه في اصطلاح أهل الحديث قاله الحافظ
وقد أعل بعضهم الحديث بأنه ظن من أبي حازم ورد بأن أبا حازم لو لم يقل لا أعلمه إلى آخره لكان في حكم المرفوع لأن قول الصحابي كنا نؤمر بكذا يصرف بظاهره إلى من له الأمر وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وأجيب عن هذا بأنه لو كان مرفوعا لما احتاج أبو حازم إلى قوله لا أعلمه إلى آخره ورد بأنه قال ذلك للانتقال إلى التصريح فالأول لا يقال له مرفوع وإنما يقال له حكم الرفع والثاني يقال له مرفوع
( والحديث ) يصلح للاستدلال به على وجوب وضع اليد على اليد للتصريح من سهل بن سعد بأن الناس كانوا يؤمرون ولا يصلح لصرفه عن الوجوب ما في حديث علي الآتي بلفظ : ( إن من السنة في الصلاة ) وكذا ما في حديث ابن عباس بلفظ : ( ثلاث من سنن المرسلين تعجيل الفطر وتأخير السحور ووضع اليمين على الشمال ) لما تقرر من أن السنة في لسان أهل الشرع أعم منها في لسان أهل الأصول على أن الحديثين ضعيفان . ويؤيد الوجوب ما روي أن عليا فسر قوله تعالى { فصل لربك وانحر } بوضع اليمين على الشمال رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال : إنه أحسن ما روي في تأويل الآية
وعند البيهقي من حديث ابن عباس مثل تفسير علي وروى البيهقي أيضا أن جبريل فسر الآية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك وفي إسناده إسرائيل بن حاتم وقد اتهمه ابن حبان به ومع هذا فطول ملازمته صلى الله عليه وآله وسلم لهذه السنة معلوم لكل ناقل وهو بمجرده كاف في إثبات الوجوب عند بعض أهل الأصول فالقول بالوجوب هو المتعين إن لم يمنع منه إجماع على أنا لا ندين بحجية الإجماع بل نمنع إمكانه ونجزم بتعذر وقوعه إلا أن من جعل حديث المسيء قرينة صارفة لجميع [ ص 203 ] الأوامر الواردة بأمور خارجة عنه لم يجعل هذه الأدلة صالحة للاستدلال بها على الوجوب وسيأتي الكلام على ذلك

3 - وعن ابن مسعود : ( أنه كان يصلي فوضع يده اليسرى على اليمنى فرآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضع يده اليمنى على اليسرى )
- رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه

- الحديث قال ابن سيد الناس : رجاله رجال الصحيح وقال الحافظ في الفتح : إسناده حسن
وفي الباب عن جابر عند أحمد والدارقطني قال : ( مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجل وهو يصلي وقد وضع يده اليسرى على اليمنى فانتزعها ووضع اليمنى على اليسرى )
( والحديث ) يدل على أن المشروع وضع اليمنى على اليسرى دون العكس ولا خلاف فيه بين القائلين بمشروعية الوضع

4 - وعن علي رضي الله عنه قال : ( إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث ثابت في بعض نسخ أبي داود وهي نسخة ابن الأعرابي ولم يوجد في غيرها وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي
قال أبو داود : سمعت أحمد بن حنبل يضعفه وقال البخاري : فيه نظر . وقال النووي : هو ضعيف بالاتفاق وأخرج أبو داود أيضا عن أبي جرير الضبي عن أبيه قال : ( رأيت عليا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة ) وفي إسناده أبو طالوت عبد السلام بن أبي حازم قال أبو داود : يكتب حديثه وأخرج أبو داود عن أبي هريرة بلفظ : ( أخذ الأكف على الأكف تحت السرة ) وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق المتقدم . وأخرج أبو داود أيضا عن طاوس أنه قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يضع يده اليمنى على يده اليسرى ثم يشد بهما على صدره وهو في الصلاة ) وهو مرسل وهذه الروايات المذكورة عن أبي داود كلها ليست إلا في نسخة ابن الأعرابي كما تقدم
( والحديث ) استدل به من قال أن الوضع يكون تحت السرة وهو أبو حنيفة وسفيان الثوري وإسحاق بن راهويه وأبو إسحاق المروزي من أصحاب الشافعي . وذهبت الشافعية قال النووي وبه قال الجمهور إلى أن الوضع يكون تحت صدره فوق سرته . وعن أحمد روايتان كالمذهبين ورواية ثالثة أنه يخير بينهما ولا ترجيح وبالتخيير قال الأوزاعي وابن المنذر . قال ابن المنذر في بعض تصانيفه : لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شيء فهو مخير . وعن [ ص 204 ] مالك روايتان إحداهما يضعهما تحت صدره والثانية يرسلهما ولا يضع إحداهما على الأخرى
( واحتجت الشافعية ) لما ذهبت إليه بما أخرجه ابن خزيمة في صحيحه وصححه من حديث وائل بن حجر قال : ( صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره ) وهذا الحديث لا يدل على ما ذهبوا إليه لأنهم قالوا إن الوضع يكون تحت الصدر كما تقدم والحديث صريح بأن الوضع على الصدر وكذلك حديث طاوس المتقدم ولا شيء في الباب أصح من حديث وائل المذكور وهو المناسب لما أسلفنا من تفسير علي وابن عباس لقوله تعالى { فصل لربك وانحر } بأن النحر وضع اليمين على الشمال في محل النحر والصدر

باب نظر المصلي إلى موضع سجوده والنهي عن رفع البصر في الصلاة

1 - عن ابن سيرين : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقلب بصره في السماء فنزلت هذه الآية { والذين هم في صلاتهم خاشعون } فطأطأ رأسه )
- رواه أحمد في كتاب الناسخ والمنسوخ وسعيد بن منصور في سننه بنحوه وزاد فيه : ( وكانوا يستحبون للرجل أن لا يجاوز بصره مصلاه ) وهو حديث مرسل

2 - وعن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي

3 - وعن أنس : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم فاشتد قوله في ذلك حتى قال لينتهن أو لتخطفن أبصارهم )
- رواه الجماعة إلا مسلما والترمذي

4 - وعن عبد الله بن الزبير قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا جلس في التشهد وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بالسبابة ولم يجاوز بصره إشارته )
- رواه أحمد والنسائي وأبو داود

- حديث ابن سيرين مرسل كما قال المصنف لأنه تابعي لم يدرك النبي صلى الله عليه و سلم ورجاله ثقات . وأخرجه البيهقي موصولا وقال : المرسل هو المحفوظ . وأخرجه الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت : { قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون } فطأطأ رأسه ) وقال : إنه [ ص 205 ] على شرط الشيخين . وحديث ابن الزبير أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه وأصله في مسلم دون قوله ( ولم يجاوز بصره إشارته )
قوله ( كان يقلب بصره ) الخ لعل ذلك كان عند إرادته صلى الله عليه و سلم تحويل القبلة كما وصفه الله تعالى في كتابه بقوله { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها }
قوله ( أن لا يجاوز بصره مصلاه ) فيه دليل على استحباب النظر إلى المصلى وترك مجاوزة البصر له
قوله ( لينتهين أقوام ) بتشديد النون وفيه أن النبي صلى الله عليه و سلم كان لا يواجه أحد بمكروه بل إن رأى أو سمع ما يكره عمم كما قال : ما بال أقوام يشترطون شروطا لينتهين أقوام عن كذا
قوله ( يرفعون أبصارهم ) قال ابن المنير : نظر المأموم إلى الإمام من مقاصد الائتمام فإذا تمكن من مراقبته بغير التفات أو رفع بصر إلى السماء كان ذلك من إصلاح صلاته
وقال ابن بطال : فيه حجة لمالك في أن نظر المصلي يكون إلى جهة القبلة . وقال الشافعي والكوفيون : يستحب له أن ينظر إلى موضع سجوده لأنه أقرب إلى الخشوع . ويدل عليه ما رواه ابن ماجه بإسناد حسن عن أم سلمة بنت أبي أمية زوج النبي صلى الله عليه و سلم أنها قالت : ( كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام المصلي يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع قدميه فتوفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد موضع جبينه فتوفي أبو بكر فكان عمر فكان الناس إذا قام أحدهم يصلي لم يعد بصر أحدهم موضع القبلة فكان عثمان وكانت الفتنة فالتفت الناس يمينا وشمالا ) لكن في إسناده موسى بن عبد الله بن أبي أمية لم يخرج له من أهل الكتب الستة غير ابن ماجه
قوله ( أو لتخطفن ) بضم الفوقية وفتح الفاء على البناء للمفعول يعني لا يخلو الحال من أحد الأمرين إما الانتهاء عنه وإما العمى وهو وعيد عظيم وتهديد شديد وإطلاقه يقضي بأنه لا فرق بين أن يكون عند الدعاء أو عند غيره إذا كان ذلك في الصلاة كما وقع به التقييد . والعلة في ذلك أنه إذا رفع بصره إلى السماء خرج عن سمت القبلة وأعرض عنها وعن هيئة الصلاة . والظاهر أن رفع البصر إلى السماء حال الصلاة حرام لأن العقوبة بالعمى لا تكون إلا عن محرم والمشهور عند الشافعية أنه مكروه وبالغ ابن حزم فقال : تبطل الصلاة به
وقيل المعنى في ذلك أنه يخشى على الأبصار من الأنوار التي تنزل بها الملائكة على المصلي كما في حديث أسيد بن حضير في فضائل القرآن وأشار إلى ذلك الداودي ونحوه في جامع حماد بن سلمة عن أبي مجلز أحد التابعين
قوله ( فاشتد [ ص 206 ] قوله في ذلك ) إما بتكرير هذا القول أو غيره مما يفيد المبالغة في الزجر
قوله ( لينتهن ) في رواية أبي داود لينتهين وهو جواب قسم محذوف . وفيه روايتان للبخاري فالأكثرون بفتح أوله وضم الهاء وحذف الياء المثناة وتشديد النون على البناء للفاعل والثانية بضم الياء وسكون النون وفتح الفوقية والهاء والياء التحتية وتشديد النون للتأكيد على البناء للمفعول
قوله ( وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ) الخ سيأتي الكلام على هذه الهيئة
قوله ( ولم يجاوز بصره إشارته ) فيه أنه يستحب للمصلي حال التشهد أن لا يرفع بصره إلى ما يجاوز به الإصبع التي يشير بها

باب ذكر الاستفتاح بين التكبير والقراءة

1 - عن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا كبر في الصلاة سكت هنيهة قبل القراءة فقلت : يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول قال : أقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد )
- رواه الجماعة إلا الترمذي

- قوله ( هنيهة ) في رواية ( هنية ) قال النووي : وأصله هنوة فلما صغرت صارت هنيوة فاجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء ثم أدغمت وقد تقلب هاء كما في رواية الكتاب . قال النووي أيضا : والهمز خطأ . وقال القرطبي : إن أكثر الرواة قالوه بالهمز
قوله ( بأبي أنت وأمي ) هو متعلق بمحذوف إما اسم أو فعل والتقدير أنت مفدى أو أفديك
قوله ( أرأيت ) الظاهر أنه بفتح التاء بمعنى أخبرني
قوله ( ما تقول ) فيه إشعار بأنه قد فهم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول قولا
قال ابن دقيق العيد : ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم كما استدل غيره على القراءة باضطراب اللحية
قوله ( باعد ) قال الحافظ : المراد بالمباعدة نحو ما حصل منها يعني الخطايا والعصمة عما سيأتي منها انتهى . وفي هذا اللفظ مجازان : الأول استعمال المباعدة التي هي في الأصل للأجسام في مباعدة المعاني . الثاني استعمال المباعدة في الإزالة بالكلية مع أن أصلها لا يقتضي الزوال وموضع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل وكأنه [ ص 207 ] أراد أن لا يقع له منها اقتراب بالكلية وكرر لفظ بين لأن العطف على الضمير المجرور ويعاد فيه الخافض
قوله ( نقني ) بتشديد القاف وهو مجاز عن زوال الذنوب ومحوها بالكلية . قال الحافظ : ولما كان الدنس في الثوب الأبيض أظهر من غيره من الألوان وقع التشبيه به والدنس الوسخ الذي يدنس الثوب
قوله ( بالثلج والماء والبرد ) جمع بين الثلاثة تأكيد ومبالغة كما قال الخطابي لأن الثلج والبرد نوعان من الماء . قال ابن دقيق العيد : عبر بذلك عن غاية المحو فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية تكون في غاية النقاء قال : ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو
( والحديث ) يدل على مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه والأحاديث ترد عليه . وفيه جواز الدعاء في الصلاة بما ليس من القرآن خلافا للحنفية والهادوية . وفيه أن دعاء الاستفتاح يكون بعد تكبيرة الإحرام وخالف في ذلك الهادي والقاسم وأبو العباس وأبو طالب من أهل البيت وسيأتي بيان ما هو الحق في ذلك

2 - وعن علي بن أبي طالب قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة قال : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا لا يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك أنا بك وإليك تباركت وتعاليت أستغفرك وأتوب إليك وإذا ركع قال : اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي وإذا رفع رأسه قال : اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد وإذا سجد قال : اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم : اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت )
- رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه

[ ص 208 ] - الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي مطولا وابن ماجه مختصرا وقد وقع في بعض نسخ هذا الكتاب مكان قوله رواه أحمد ومسلم الخ رواه الجماعة إلا البخاري وهو الصواب . وأخرجه أيضا ابن حبان وزاد إذا قام إلى الصلاة المكتوبة وكذلك رواه الشافعي وقيده أيضا بالمكتوبة وكذا غيرهما وأما مسلم فقيده بصلاة الليل وزاد لفظ من جوف الليل
قوله ( كان إذا قام إلى الصلاة ) وزاد أبو داود ( كبر ) ثم قال : وهذا تصريح بأن هذا التوجه بعد التكبيرة لا كما ذهب إليه من ذكرنا في شرح الحديث السابق من أنه قبل التكبيرة محتجين على ذلك بقوله تعالى { وكبره تكبيرا } بعد قوله { الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } إلى آخره وهو عندهم التوجه الصغير وقوله ( وجهت وجهي ) التوجه الكبير وهذا إنما يتم بعد تسليم أن المراد بقوله { وكبره تكبيرا } الإحرام وبعد تسليم أن الواو تقتضي الترتيب وبعد تسليم أن قوله تعالى { الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } إلى آخره من التوجهات الواردة
وهذه الأمور جميعا ممنوعة ودون تصحيحها مفاوز وعقاب والأحسن الاحتجاج لهم بإطلاق بعض الأحاديث الواردة كحديث جابر بلفظ : ( كان إذا استفتح الصلاة ) وحديث الباب بلفظ : ( كان إذا قام إلى الصلاة ) ولا يخفى عليك أنه قد ورد التقييد في حديث أبي هريرة المتقدم وفي حديث الباب أيضا في رواية أبي داود كما ذكرنا . وفي حديث أبي سعيد : ( كان إذا قام إلى الصلاة كبر ) وسيأتي . وقد ورد التقييد في غير حديث وحمل المطلق على المقيد واجب على ما هو الحق في الأصول
( ومن غرائبهم ) قولهم : إنه لا يشرع التوجه بغير ما ورد في هذا الحديث من الألفاظ القرآنية إلا قوله تعالى { الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا } الخ وقد وردت الأحاديث الصحيحة بتوجهات متعددة
قوله ( وجهت وجهي ) قبل معناه قصدت بعبادتي . وقيل أقبلت بوجهي وجمع السماوات وإفراد الأرض مع كونها سبعا لشرفها . وقال القاضي أبو الطيب : لأنا لا ننتفع من الأرض إلا بالطبقة الأولى بخلاف السماء فإن الشمس والقمر والكواكب موزعة عليها . وقيل لأن الأرض السبع لها سكن أخرج البيهقي عن أبي الضحى عن ابن عباس أنه قال : قوله { ومن الأرض مثلهن } قال سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم . قال : وإسناده صحيح عن ابن عباس غير أني لا أعلم لأبي الضحى متابعا
قوله ( حنيفا ) الحنيف المائل إلى الدين الحق وهو الإسلام قاله الأكثر ويطلق على المائل والمستقيم وهو عند العرب [ ص 209 ] اسم لمن كان على ملة إبراهيم وانتصابه على الحال
قوله ( ونسكي ) النسك العبادة لله وهو من ذكر العام بعد الخاص
قوله ( ومحياي ومماتي ) أي حياتي وموتي . والجمهور على فتح الياء الآخرة في محياي وقرئ بإسكانها
قوله ( وأنا من المسلمين ) في رواية لمسلم : ( وأنا أول المسلمين ) قال الشافعي : لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أول مسلمي هذه الأمة . وفي رواية أخرى لمسلم كما هنا . قال في الانتصار : إن غير النبي إنما يقول وأنا من المسلمين وهو وهم منشؤه توهم أن معنى وأنا أول المسلمين أني أول شخص اتصف بذلك بعد أن كان الناس بمعزل عنه وليس كذلك بل معناه بيان المسارعة في الامتثال لما أمر به ونظيره : { قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين } وقال موسى { وأنا أول المؤمنين } وظاهر الإطلاق أنه لا فرق في قوله وأنا من المسلمين وقوله وما أنا من المشركين بين الرجل والمرأة وهو صحيح على إرادة الشخص . وفي المستدرك للحاكم من رواية عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لفاطمة : ( قومي فاشهدي أضحيتك وقولي إن صلاتي ونسكي إلى قوله وأنا من المسلمين ) فدل على ما ذكرناه
قوله ( ظلمت نفسي ) اعتراف بما يوجب نقص حظ النفس من ملابسة المعاصي تأدبا وأراد بالنفس هنا الذات المشتملة على الروح
قوله ( لأحسن الأخلاق ) أي لأكملها وأفضلها
قوله ( سيئها ) أي قبيحها
قوله ( لبيك ) هو من ألب بالمكان إذا أقام به وثنى هذا المصدر مضافا إلى الكاف وأصل لبيك لبين فحذف النون للإضافة . وقال النووي : قال العلماء ومعناه أنا مقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة
قوله ( وسعديك ) قال الأزهري وغيره : معناه مساعدة لأمرك بعد مساعدة ومتابعة لدينك بعد متابعة
قوله ( والخير كله في يديك ) زاد الشافعي عن مسلم بن خالد عن موسى بن عقبة والمهدي من هديت . قال الخطابي وغيره : فيه الإرشاد إلى الأدب في الثناء على الله ومدحه بأن يضاف إليه محاسن الأمور دون مساويها على جهة الأدب
قوله ( والشر ليس إليك ) قال الخليل بن أحمد والنضر بن شميل وإسحاق بن راهويه ويحيى بن معين وأبو بكر بن خزيمة والأزهري وغيرهم : معناه لا يتقرب به إليك روى ذلك النووي عنهم وهذا القول الأول والقول الثاني حكاه الشيخ أبو حامد عن المزني أن معناه لا يضاف إليك على انفراده لا يقال يا خالق القردة والخنازير ويا رب الشر ونحو هذا وإن كان خالق كل شيء ورب كل شيء وحينئذ يدخل الشر في العموم . والثالث معناه والشر لا يصعد إليك وإنما يصعد الكلم الطيب [ ص 210 ] والعمل الصالح . والرابع معناه والشر ليس شرا بالنسبة إليك فأنت خلقته بحكمة بالغة وإنما هو شر بالنسبة إلى المخلوقين . والخامس حكاه الخطابي أنه كقولك فلان إلى بني فلان إذا كان عداده فيهم حكى هذه الأقوال النووي في شرح مسلم وقال : إنه مما يجب تأويله لأن مذهب أهل الحق أن كل المحدثات فعل الله تعالى وخلقه سواء خيرها وشرها اه وفي المقام كلام طويل ليس هذا موضعه
قوله ( أنا بك وإليك ) أي التجائي وانتمائي إليك وتوفيقي بك قاله النووي
قوله ( تباركت ) قال ابن الأنباري : تبارك العباد بتوحيدك وقيل ثبت الخير عندك وقال النووي : استحققت الثناء
قوله ( خشع لك ) أي خضع وأقبل عليك من قولهم خشعت الأرض إذا سكنت واطمأنت
قوله ( ومخي ) قال ابن رسلان : المراد به هنا الدماغ وأصله الودك الذي في العظم وخالص كل شيء مخه
قوله ( وعصبي ) العصب طنب المفاصل وهو ألطف من العظم زاد الشافعي في مسنده من رواية أبي هريرة : ( وشعري وبشري ) والجمهور على تضعيف هذه الزيادة وزاد النسائي من رواية جابر : ( ودمي ولحمي ) وزاد ابن حبان في صحيحه : ( وما استقلت به قدمي لله رب العالمين )
قوله ( ملء السماوات ) هو وما بعده بكسر الميم ونصب الهمزة ورفعها والنصب أشهر قاله النووي ورجحه ابن خالويه وأطنب في الاستدلال وجوز الرفع على أنه مرجوح
وحكى عن الزجاج أنه يتعين الرفع ولا يجوز غيره وبالغ في إنكار النصب . والذي تقتضيه القواعد النحوية هو ما قاله ابن خالويه . قال النووي : قال العلماء معناه حمدا لو كان أجساما لملأ السماوات والأرض وما بينهما لعظمه وهكذا قال القاضي عياض وصرح أنه من قبيل الاستعارة
قوله ( وملء ما شئت من شيء بعد ) وذلك كالكرسي والعرش وغيرهما مما لم يعلمه إلا الله والمراد الاعتناء في تكثير الحمد
قوله ( وصوره ) زاد مسلم وأبو داود فأحسن صوره وهو الموافق لقوله تعالى { فأحسن صوركم }
قوله ( وشق سمعه وبصره ) رواية أبي داود فشق قال القاضي عياض : قال الإمام يحتج به من يقول الأذنان من الوجه وقد مر الكلام على ذلك
قوله ( فتبارك ) هكذا رواية ابن حبان وهو في مسلم بدون الفاء وفي سنن أبي داود بالواو
قوله ( أحسن الخالقين ) أي المصورين والمقدرين . والخلق في اللغة الفعل الذي يوجده فاعله مقدرا له لا عن سهو وغفلة والعبد قد يوجد منه ذلك . قال الكعبي : لكن لا يطلق الخالق على العبد إلا مقيدا كالرب
قوله ( ما قدمت وما أخرت ) المراد بقوله ما أخرت إنما هو بالنسبة إلى ما وقع من ذنوبه المتأخرة لأن الاستغفار قبل الذنب محال كذا قال أبو الوليد النيسابوري . قال الأسنوي : ولقائل [ ص 211 ] أن يقول المحال إنما هو طلب مغفرته قبل وقوعه وأما الطلب قبل الوقوع أن يغفر إذا وقع فلا استحالة فيه
قوله ( وما أسررت وما أعلنت ) أي جميع الذنوب لأنها إما سرا أو علن
قوله ( وما أسرفت ) المراد الكبائر لأن الإسراف الإفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه
قوله ( وما أنت أعلم به مني ) أي من ذنوبي وإسرافي في أموري وغير ذلك
قوله ( أنت المقدم وأنت المؤخر ) قال البيهقي : قدم من شاء بالتوفيق إلى مقامات السابقين وأخر من شاء عن مراتبهم . وقيل قدم من أحب من أوليائه على غيرهم من عبيده وأخر من أبعده عن غيره فلا مقدم لما أخر ولا مؤخر لما قدم
قوله ( لا إله إلا أنت ) أي ليس لنا معبود نتذلل له ونتضرع إليه في غفران ذنوبنا إلا أنت
( الحديث ) يدل على مشروعية الاستفتاح بما في هذا الحديث . قال النووي : إلا أن يكون إماما لقوم لا يرون التطويل . وفيه استحباب الذكر في الركوع والسجود والاعتدال والدعاء قبل السلام . وفيه الدعاء في الصلاة بغير القرآن والرد على المانعين من ذلك وهم الحنفية والهادوية

3 - وعن عائشة قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا استفتح الصلاة قال : سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك )
- رواه أبو داود والدارقطني مثله من رواية أنس . وللخمسة مثله من حديث أبي سعيد . وأخرج مسلم في صحيحه أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) . وروى سعيد بن منصور في سننه عن أبي بكر الصديق أنه كان ( يستفتح بذلك ) وكذلك رواه الدارقطني عن عثمان بن عفان وابن المنذر عن عبد الله بن مسعود . وقال الأسود : ( كان عمر إذا افتتح الصلاة قال سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك يسمعنا ذلك ويعلمنا ) رواه الدارقطني

- أما حديث عائشة فأخرجه الترمذي وابن ماجه والدارقطني والحاكم قال الترمذي : هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وحارثة يعني ابن أبي الرجال المذكور في إسناد هذا الحديث قد تكلم فيه من قبل حفظه انتهى
وقال أبو داود بعد إخراجه : ليس بالمشهور عن عبد السلام بن حرب لم يروه عن عبد السلام إلا طلق بن غنام . وقال الدارقطني : ليس هذا الحديث بالقوي وقال الحافظ محمد بن عبد الواحد : ما علمت فيهم يعني رجال إسناد أبي داود مجروحا انتهى
وطلق بن غنام أخرج عنه البخاري في الصحيح : وعبد السلام بن حرب [ ص 212 ] أخرج له الشيخان ووثقه أبو حاتم وقد صحح الحاكم هذا الحديث وأورد له شاهدا وقال الحافظ : رجال إسناده ثقات لكن فيه انقطاع . قال : وفي الباب عن ابن مسعود وعثمان وأبي سعيد وأنس والحكم بن عمرو وأبي أمامة وعمرو بن العاص وجابر . وأما حارثة بن أبي الرجال الذي أخرج الحديث الترمذي من طريقه فضعفه أحمد ويحيى والرازيان وابن عدي وابن حبان . وأما حديث أبي سعيد فسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا . وأما أن عمر كان يجهر بهذه الكلمات فرواه مسلم عن عبدة بن أبي لبابة عنه وهو موقوف على عمر وعبدة لا يعرف له سماع من عمر وإنما سمع من عبد الله بن عمر ويقال رأى عمر رؤية وقد روى هذا الكلام عن عمر مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الدارقطني : المحفوظ عن عمر موقوف . قال الحاكم : وقد صح ذلك عن عمر وهو في صحيح ابن خزيمة عنه . قال الحافظ : وفي إسناده انقطاع وهكذا رواه الترمذي عن عمر موقوفا ورواه أيضا عن ابن مسعود
قوله ( سبحانك ) التسبيح تنزيه الله تعالى وأصله كما قال ابن سيد الناس المراد السريع في عبادة الله وأصله مصدر مثل غفران
قوله ( وبحمدك ) قال الخطابي : أخبرني ابن جلاد قال : سألت الزجاج عن قوله سبحانك اللهم وبحمدك فقال معناه سبحانك وبحمدك سبحتك
قوله ( تبارك اسمك ) البركة ثبوت الخير الإلهي في الشيء وفيه إشارة إلى اختصاص أسمائه تعالى بالبركات
قوله ( وتعالى جدك ) الجد العظمة وتعالى تفاعل من العلو أي علت عظمتك على عظمة كل أحد غيرك . قال ابن الأثير : معنى تعالى جدك علا جلالك وعظمتك
( والحديثان ) وما ذكره المصنف من الآثار تدل على مشروعية الاستفتاح بهذه الكلمات
قال المصنف رحمه الله : واختيار هؤلاء يعني الصحابة الذين ذكرهم بهذا الاستفتاح وجهر به عمر أحيانا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس مع أن السنة إخفاؤه يدل على أنه الأفضل وأنه الذي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يداوم عليه غالبا وإن استفتح بما رواه علي أو أبو هريرة فحسن لصحة الرواية انتهى
( ولا يخفى ) أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالإيثار والاختيار . وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة المتقدم ثم حديث علي . وأما حديث عائشة فقد عرفت ما فيه من المقال وكذلك حديث أبي سعيد ستعرف المقال الذي فيه . قال الإمام أحمد : أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر ولو أن رجلا استفتح ببعض ما روي كان حسنا
وقال ابن خزيمة : لا أعلم في الافتتاح بسبحانك اللهم خبرا ثابتا وأحسن أسانيده حديث أبي [ ص 213 ] سعيد ثم قال : لا نعلم أحدا ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه

باب التعوذ بالقراءة

- قال الله تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم }

1 - وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه : ( كان إذا قام إلى الصلاة استفتح ثم يقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه )
- رواه أحمد والترمذي . وقال ابن المنذر : جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه : ( كان يقول قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) وقال الأسود : ( رأيت عمر حين يفتتح الصلاة يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يتعوذ )
- رواه الدارقطني

- حديث أبي سعيد أخرجه أيضا أبو داود والنسائي ولفظ الترمذي : ( كان إذا قام إلى الصلاة كبر ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ثم يقول الله أكبر الله أكبر ثم يقول أعوذ بالله ) إلى آخر ما ذكره المصنف
ولفظ أبي داود كلفظ الترمذي إلا أنه قال : ( ثم يقول لا إله إلا الله ثلاثا ثم يقول الله أكبر كبيرا ثلاثا أعوذ بالله ) إلى آخره . قال أبو داود : وهذا الحديث يقولون هو عن علي بن علي يعني الرفاعي عن الحسن الوهم من جعفر
وقال الترمذي : حديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب . وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث . وأما أكثر أهل العلم فقالوا : إنما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول : ( سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ) هكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من التابعين وغيرهم . وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد كان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي وقال أحمد : لا يصح هذا الحديث انتهى كلام الترمذي
وعلي بن علي هو ابن نجاد بن رفاعة الرفاعي البصري روى عنه وكيع ووثقه وأبو نعيم وزيد ابن الحباب وشيبان بن فروخ . وقال الفضل بن دكين وعفان : كان علي بن علي الرفاعي يشبه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم . وقال أحمد بن حنبل : هو صالح . وقال محمد بن عبد الله بن عمار : زعموا أنه كان يصلي كل يوم ستمائة [ ص 214 ] ركعة وكان يشبه عيناه بعيني النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان رجلا عابدا ما أرى أن يكون له عشرون حديثا قيل له : أكان ثقة قال : نعم . وقال ابن معين : ثقة . وقال أبو حاتم : ليس به بأس لا يحتج بحديثه . وقال يعقوب بن إسحاق : قدم علينا شعبة فقال : اذهبوا بنا إلى سيدنا وابن سيدنا علي بن علي الرفاعي
قوله ( من همزه ونفخه ونفثه ) قد ذكر ابن ماجه تفسير هذه الثلاثة عن عمرو بن مرة الجملي بفتح الجيم والميم فقال : نفثه الشعر ونفخه الكبر وهمزه الموتة بسكون الواو بدون همز والمراد بها هنا الجنون وكذا فسره بهذا أبو داود في سننه . وإنما كان الشعر من نفثة الشيطان لأنه يدعو الشعراء المداحين الهجائين المعظمين المحقرين إلى ذلك . وقيل المراد شياطين الإنس وهم الشعراء الذين يختلقون كلاما لا حقيقة له والنفث في اللغة قذف الريق وهو أقل من التفل . والنفخ في اللغة أيضا نفخ الريح في الشيء وإنما فسر بالكبر لأن المتكبر يتعاظم لا سيما إذا مدح . والهمز في اللغة أيضا العصر يقال همزت الشيء في كفي أي عصرته . وهمز الإنسان اغتيابه
( والحديث ) يدل على مشروعية الافتتاح بما ذكر في الحديث وفيه وفي سائر الأحاديث رد لما ذهب إليه مالك من عدم استحباب الافتتاح بشيء وفي تقييده ببعد التكبير كما تقدم رد لما ذهب إليه من قال إن الافتتاح قبل التكبير وفيه أيضا مشروعية التعوذ من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه وإلى ذلك ذهب أحمد وأبو حنيفة والثوري وابن راهويه وغيرهم وقد ذهب الهادي والقاسم من أهل البيت إلى أن محله قبل التوجه ومذهبهما أن التوجه قبل التكبيرة كما تقدم وقد عرفت التصريح بأنه بعد التكبير وهذا الحديث وإن كان فيه المقال المتقدم فقد ورد من طرق متعددة يقوي بعضها بعضا . منها ما أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم بلفظ : ( اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم وهمزه ونفخه ونفثه ) وأخرجه أيضا البيهقي . ومنها ما أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث جبير ابن مطعم ( أنه رأى النبي صلى الله عليه و سلم صلى صلاة فقال الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الله أكبر كبيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا الحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه )
ومنها ما أخرجه أحمد عن أبي أمامة بنحو حديث جبير . ومنها عن سمرة عند الترمذي ومنها عن عمر موقوفا عند الدارقطني كما ذكره المصنف وهو أيضا عند الترمذي هذا مع ما يؤيد ثبوت هذه السنة من عموم القرآن [ ص 215 ] والحديث مصرح أن التعوذ المذكور يكون بعد الافتتاح بالدعاء المذكور في الحديث
( فائدة ) قال الحافظ في التلخيص : كلام الرافعي يقتضي أنه لم يرد الجمع بين وجهت وجهي وبين سبحانك اللهم وليس كذلك فقد جاء في حديث ابن عمر رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف وفيه عن جابر أخرجه البيهقي بسند جيد ولكنه من رواية ابن المنكدر عنه وقد اختلف عليه فيه وفيه عن علي رواه إسحاق بن راهويه في مسنده وأعله أبو حاتم انتهى
( فائدة أخرى ) الأحاديث الواردة في التعوذ ليس فيها إلا أنه فعل ذلك في الركعة الأولى وقد ذهب الحسن وعطاء وإبراهيم إلى استحبابه في كل ركعة واستدلوا بعموم قوله تعالى { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله } ولا شك أن الآية تدل على مشروعية الاستعاذة قبل قراءة القرآن وهي أعم من أن يكون القارئ خارج الصلاة أو داخلها . وأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة يدل على المنع منه حال الصلاة من غير فرق بين الاستعاذة وغيرها مما لم يرد به دليل يخصه ولا وقع الإذن بجنسه فالأحوط الاقتصار على ما وردت به السنة وهو الاستعاذة قبل قراءة الركعة الأولى فقط وسيأتي ما يدل على ذلك في باب افتتاح الثانية بالقراءة

باب ما جاء في بسم الله الرحمن الرحيم

1 - عن أنس بن مالك قال : ( صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم )
- رواه أحمد ومسلم وفي لفظ : ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) رواه أحمد والنسائي بإسناد على شرط الصحيح . ولأحمد ومسلم : ( صليت خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها ) ولعبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن شعبة عن قتادة عن أنس قال : ( صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان فلم يكونوا يستفتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم ) قال شعبة : فقلت لقتادة أنت سمعته من أنس قال : نعم نحن سألناه عنه . وللنسائي عن منصور بن زاذان عن أنس قال : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم وصلى بنا أبو بكر وعمر فلم نسمعها منهما )

- الحديث قد استوفى المصنف رحمه الله أكثر ألفاظه . ورواية ( فكانوا لا يجهرون ) أخرجها أيضا ابن حبان والدارقطني والطحاوي والطبراني . وفي لفظ لابن خزيمة : ( كانوا يسرون ) . وقوله ( كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ) هذا متفق عليه وإنما انفرد مسلم بزيادة : ( لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم ) وقد أعل هذا اللفظ بالاضطراب لأن جماعة من أصحاب شعبة رووه عنه بهذا وجماعة رووه عنه بلفظ : ( فلم أسمع أحدا منهم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ) وأجاب الحافظ عن ذلك بأنه قد رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه باللفظين
وأخرجه البخاري في جزء القراءة والنسائي وابن ماجه عن أيوب وهؤلاء والترمذي من طريق أبي عوانة والبخاري فيه وأبو داود من طريق هشام الدستوائي والبخاري فيه وابن حبان من طريق حماد بن سلمة والبخاري فيه والسراج من طريق همام كلهم عن قتادة باللفظ الأول
وأخرجه مسلم من طريق الأوزاعي عن قتادة بلفظ : ( لم يكونوا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم ) ورواه أبو يعلى والسراج وعبد الله بن أحمد عن أبي داود الطيالسي عن شعبة بلفظ : ( فلم يكونوا يفتتحون القراءة ) إلى آخر ما ذكره المصنف
( وفي الباب ) عن عائشة عند مسلم وعن أبي هريرة عند ابن ماجه وفي إسناده بشر بن رافع وقد ضعفه غير واحد وله حديث آخر عند أبي داود والنسائي وابن ماجه وله حديث ثالث سيأتي ذكره . وعن عبد الله بن مغفل وسيأتي أيضا . وقد استدل بالحديث من قال إنه لا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وهم ما حكاه ابن سيد الناس في شرح الترمذي علماء الكوفة ومن شايعهم قال : وممن رأى الإسرار بها عمر وعلي وعمار . وقد اختلف عن بعضهم فروي عنه الجهر بها وممن لم يختلف عنه أنه كان يسر بها عبد الله بن مسعود وبه قال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين والحسن وابن سيرين وروي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير وروي عنهما الجهر بها وروي عن علي أنه كان لا يجهر بها وعن سفيان وإليه ذهب الحكم وحماد والأوزاعي وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد وحكي عن النخعي وروي عن عمر قال أبو عمر من وجوه ليست بالقائمة أنه قال يخفي الإمام [ ص 217 ] أربعا التعوذ وبسم الله الرحمن الرحيم وآمين وربنا لك الحمد . وروى علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود قال : ثلاث يخفيهن الإمام الاستعاذة وبسم الله الرحمن الرحيم وآمين وروي نحو ذلك عن إبراهيم والثوري وعن الأسود صليت خلف عمر سبعين صلاة فلم يجهر فيها ببسم الله الرحمن الرحيم
وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم أنه قال : الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة . وروى الترمذي والحازمي الإسرار عن أكثر أهل العلم . وأما الجهر بها عند الجهر بالقراءة فروي عن جماعة من السلف قال ابن سيد الناس : روي ذلك عن عمر وابن عمر وابن الزبير وابن عباس وعلي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعن عمر فيها ثلاث روايات أنه لا يقرؤها وأنه يقرؤها سرا وأنه يجهر بها . وكذلك اختلف عن أبي هريرة في جهره بها وإسراره . وروى الشافعي بإسناده عن أنس بن مالك قال : ( صلى معاوية بالناس بالمدينة صلاة جهر فيها بالقراءة فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولم يكبر في الخفض والرفع فلما فرغ ناداه المهاجرون والأنصار يا معاوية نقصت الصلاة أين بسم الله الرحمن الرحيم وأين التكبير إذا خفضت ورفعت فكان إذا صلى بهم بعد ذلك قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وكبر ) وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال : صحيح على شرط مسلم . وذكره الخطيب عن أبي بكر الصديق وعثمان وأبي بن كعب وأبي قتادة وأبي سعيد وأنس وعبد الله ابن أبي أوفى وشداد بن أوس وعبد الله بن جعفر والحسين بن علي ومعاوية
قال الخطيب : وأما التابعون ومن بعدهم ممن قال بالجهر بها فهم أكثر من أن يذكروا وأوسع من أن يحصروا منهم سعيد بن المسيب وطاوس وعطاء ومجاهد وأبو وائل وسعيد بن جبير وابن سيرين وعكرمة وعلي بن الحسين وابنه محمد بن علي وسالم بن عبد الله بن عمر ومحمد بن المنكدر وأبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومحمد بن كعب ونافع مولى ابن عمر وأبو الشعثاء وعمر بن عبد العزيز ومكحول وحبيب بن أبي ثابت والزهري وأبو قلابة وعلي بن عبد الله بن عباس وابنه والأزرق بن قيس وعبد الله بن معقل بن مقرن . وممن بعد التابعين عبيد الله العمري والحسن بن زيد وزيد بن علي بن حسين ومحمد بن عمر بن علي وابن أبي ذئب والليث بن سعد وإسحاق ابن راهويه . وزاد البيهقي في التابعين عبد الله بن صفوان ومحمد بن الحنفية وسليمان التيمي
ومن تابعيهم المعتمر بن سليمان وزاد أبو عمر عن أصبغ بن الفرج قال : كان ابن وهب [ ص 218 ] يقول بالجهر ثم رجع إلى الإسرار وحكاه غيره عن ابن المبارك وأبي ثور . وذكر البيهقي في الخلافيات أنه اجتمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم حكاه عن أبي جعفر الهاشمي ومثله في الجامع الكافي وغيره من كتب العترة
وقد ذهب جماعة من أهل البيت إلى الجهر بها في الصلاة السرية والجهرية . وذكر الخطيب عن عكرمة أنه كان لا يصلي خلف من لا يجهر بالبسملة . وعن أبي جعفر الهاشمي مثله وإليه ذهب الشافعي وأصحابه ونقل عن مالك قراءتها في النوافل في فاتحة الكتاب وسائر سور القرآن . وقال طاوس : تذكر فاتحة الكتاب ولا تذكر في السورة بعدها . وحكي عن جماعة أنها لا تذكر سرا ولا جهرا وأهل هذه المقالة منهم القائلون أنها ليست من القرآن . وحكى القاضي أبو الطيب الطبري عن ابن أبي ليلى والحكم أن الجهر والإسرار بها سواء فهذه المذاهب في الجهر بها والإسرار وإثبات قراءتها ونفيها
( وقد اختلفوا ) هل هي آية من الفاتحة فقط أو من كل سورة أو ليست بآية فذهب ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وطاوس وعطاء ومكحول وابن المبارك وطائفة إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة غير براءة وحكي عن أحمد وإسحاق وأبي عبيد وجماعة أهل الكوفة ومكة وأكثر العراقيين وحكاه الخطابي عن أبي هريرة وسعيد بن جبير ورواه البيهقي في الخلافيات بإسناده عن علي بن أبي طالب والزهري وسفيان الثوري وحكاه في السنن الكبرى عن ابن عباس ومحمد بن كعب أنها آية من الفاتحة فقط وحكي عن الأوزاعي ومالك وأبي حنيفة وداود وهو رواية عن أحمد أنها ليست آية في الفاتحة ولا في أوائل السور
وقال أبو بكر الرازي وغيره من الحنفية : هي آية بين كل سورتين غير الأنفال وبراءة وليست من السور بل هي قرآن مستقل كسورة قصيرة وحكي هذا عن داود وأصحابه وهو رواية عن أحمد
( واعلم ) أن الأمة أجمعت أنه لا يكفر من أثبتها ولا من نفاها لاختلاف العلماء فيها بخلاف ما لو نفى حرفا مجمعا عليه أو أثبت ما لم يقل به أحد فإنه يكفر بالإجماع . ولا خلاف أنها آية في أثناء سورة النمل ولا خلاف في إثباتها خطا في أوائل السور في المصحف إلا في أول سورة التوبة
وأما التلاوة فلا خلاف بين القراء السبعة في أول فاتحة الكتاب وفي أول كل سورة إذا ابتدأ بها القارئ ما خلا سورة التوبة
وأما في أوائل السور مع الوصل بسورة قبلها فأثبتها ابن كثير وقالون وعاصم والكسائي من [ ص 219 ] القراء في أول كل سورة إلا أول سورة التوبة وحذفها منهم أبو عمرو وحمزة وورش وابن عامر
( وقد احتج القائلون ) بالإسرار بها بحديث الباب وحديث ابن مغفل الآتي وغيرهما مما ذكرنا
( واحتج القائلون ) بالجهر بها في الصلاة الجهرية بأحاديث :
منها حديث أنس وحديث أم سلمة الآتيان وسيأتي الكلام عليهما . ومنها حديث ابن عباس عند الترمذي والدارقطني بلفظ : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ) قال الترمذي : هذا حديث ليس إسناده بذاك وفي إسناده إسماعيل بن حماد قال البزار : إسماعيل لم يكن بالقوي . وقال العقيلي : غير محفوظ وقد وثق إسماعيل يحيى بن معين
وقال أبو حاتم : يكتب حديثه وفي إسناده أبو خالد الوالي اسمه هرمز وقيل هرم قال الحافظ : مجهول . وقال أبو زرعة : لا أعرف من هو . وقال أبو حاتم : صالح الحديث . وقد ضعف أبو داود هذا الحديث روى ذلك عنه الحافظ في التلخيص . وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس رواها الحاكم بلفظ : ( كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم ) وصحح الحاكم هذا الطريق وخطأه الحافظ في ذلك لأن في إسنادها عبد الله بن عمرو بن حسان وقد نسبه ابن المديني إلى الوضع للحديث . وقد رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم عن شريك ولم يذكر ابن عباس في إسناده بل أرسله وهو الصواب من هذا الوجه قاله الحافظ . وقال أبو عمر : الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس من فعله لا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ومنها ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم ) وفي إسناده عمر بن حفص المكي وهو ضعيف
وأخرجه أيضا عنه من طريق أخرى وفيها أحمد بن رشيد بن خثيم عن عمه سعيد بن خثيم وهما ضعيفان . ومنها ما أخرجه النسائي من حديث أبي هريرة بلفظ : ( قال نعيم المجمر : صليت وراء أبي هريرة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن ) وفيه : ( ويقول إذا سلم والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والحاكم وقال : على شرط البخاري ومسلم وقال البيهقي : صحيح الإسناد وله شواهد وقال أبو بكر الخطيب فيه : ثابت صحيح لا يتوجه عليه تعليل . ومنها عن أبي هريرة أيضا عند الدارقطني عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم ) قال الدارقطني : رجال إسناده كلهم [ ص 220 ] ثقات انتهى . وفي إسناده عبد الله بن عبد الله الأصبحي روي عن ابن معين توثيقه وتضعيفه وقال ابن المديني : كان عند أصحابنا ضعيفا وقد تكلم فيه غير واحد . ومنها عن أبي هريرة أيضا عند الدارقطني قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا قرأتم الحمد فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آيها ) قال اليعمري : وجميع رواته ثقات إلا أن نوح ابن أبي بلال الراوي له عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة تردد فيه فرفعه تارة ووقفه أخرى
وقال الحافظ : هذا الإسناد رجاله ثقات وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه وأعله ابن القطان بتردد نوح المذكور وتكلم فيه ابن الجوزي من أجل عبد الحميد بن جعفر فإن فيه مقالا ولكن متابعة نوح له مما تقويه . ومنها عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم ) أخرجه الدارقطني وفي إسناده جابر الجعفي وإبراهيم بن الحكم بن ظهير وغيرهما ممن لا يعول عليه . ومنها عن علي أيضا بلفظ : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته ) أخرجه الدارقطني وقال : هذا إسناد علوي لا بأس به وله طريق أخرى عنده عنه بلفظ : ( أنه سئل عن السبع المثاني فقال الحمد لله رب العالمين قيل إنما هي ست فقال بسم الله الرحمن الرحيم ) وإسناده كلهم ثقات
وقال الحافظ : في الحديث الأول الذي قال إنه لا بأس بإسناده إنه بين ضعيف ومجهول . ومنها عن عمر : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا قام إلى الصلاة فأراد أن يقرأ قال بسم الله الرحمن الرحيم ) رواه ابن عبد البر قال : ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف . ومنها عن جابر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة قلت : أقرأ الحمد لله رب العالمين قال : قل بسم الله الرحمن الرحيم ) رواه الشيخ أبو الحسن وفي إسناده الجهم بن عثمان قال أبو حاتم : مجهول . ومنها عن سمرة قال : ( كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم سكتتان سكتة إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم وسكتة إذا فرغ من القراءة فأنكر ذلك عمران بن الحصين فكتبوا إلى أبي بن كعب فكتب إن صدق سمرة ) أخرجه الدارقطني وإسناده جيد غير أن الحديث أخرجه الترمذي وأبو داود وغيرهما بلفظ : ( سكتة حين يفتتح وسكتة إذا فرغ من السورة ) . ومنها عن أنس قال : ( كان النبي صلى الله عليه و سلم يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم ) أخرجه الدارقطني أيضا وله طريق أخرى عن أنس عند الدارقطني والحاكم بمعناه . ومنها عن أنس أيضا بلفظ : ( سمعت [ ص 221 ] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) أخرجه الحاكم قال : ورواته كلهم ثقات . ومنها عن عائشة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ) ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي وفي إسناده الحكم بن عبد الله بن سعد وقد تكلم فيه غير واحد
ومنها عن بريدة بن الحصيب بنحو حديث عائشة وفيه جابر الجعفي وليس بشيء وله طريق أخرى فيها سلمة بن صالح وهو ذاهب الحديث . ومنها عن الحكم بن عمر وغيره من طرق لا يعول عليها . ومنها عن ابن عمر قال : ( صليت خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وعمر فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) أخرجه الدارقطني قال الحافظ : وفيه أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي العلوي وقد كذبه أبو حاتم وغيره ومن دونه أيضا ضعيف ومجهول ورواه الخطيب عن ابن عمر من وجه آخر وفيه مسلم بن حبان وهو مجهول قال : والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع
( فهذه الأحاديث ) فيها القوي والضعيف كما عرفت وقد عارضتها الأحاديث الدالة على ترك البسملة التي قدمناها وقد حملت روايات حديث أنس السابقة على ترك الجهر لا ترك البسملة مطلقا لما في تلك الرواية التي قدمناها في حديثه بلفظ : ( فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم ) وكذلك حملت رواية حديث عبد الله بن مغفل الآتية وغيرهما حملا لما أطلقته أحاديث نفي قراءة البسملة على تلك الرواية المقيدة بنفي الجهر فقط وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه
قال الحافظ : لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي لأن أنسا يبعد جدا أن يصحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مدة عشر سنين ويصحب أبا بكر وعمر وعثمان خمسا وعشرين سنة فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرا فلم يستحضر الجهر بالبسملة فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر انتهى
ويؤيد ما قاله الحافظ من عدم استحضار أنس لذلك ما أخرجه الدارقطني عن أبي سلمة قال : ( سألت أنس بن مالك : أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم فقال : إنك سألتني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك فقلت : أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في النعلين قال : نعم ) قال [ ص 222 ] الدارقطني : هذا إسناد صحيح وعروض النسيان في مثل هذا غير مستنكر فقد حكى الحازمي عن نفسه أنه حضر جامعا وحضره جماعة من أهل التمييز المواظبين في ذلك الجامع فسألهم عن حال إمامهم في الجهر والإخفات قال وكان صيتا يملأ صوته الجامع فاختلفوا في ذلك فقال بعضهم يجهر وقال بعضهم يخفت ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر منها ما لا يدل على المطلوب وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة أو ذكر القراءة لها أو ذكر الأمر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب وهو الجهر بها في الصلاة
وكذلك ما كان مقيدا بالجهر بها دون ذكر الصلاة لأنه لا نزاع في الجهر بها خارج الصلاة
( فإن قلت ) أما ذكر أنها آية أو ذكر الأمر بقراءتها في الصلاة بدون تقييد بالجهر فعدم الاستلزام مسلم وأما ذكر قراءته صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة لها فالظاهر أنه يستلزم الجهر لأن الطريق إلى نقله إنما هي السماع وما يسمع جهر وهو المطلوب
قلت : يمكن أن تكون الطريق إلى ذلك إخباره صلى الله عليه وآله وسلم أنه قرأ بها في الصلاة فلا ملازمة . والذي يدل على المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة وهي أحاديث لا ينتهض الاحتجاج بها كما عرفت ولهذا قال الدارقطني إنه لم يصح في الجهر بها حديث ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت بذلك مطلوب القائلين بالجهر لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة المتقدم وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها على أنه قد رواه جماعة غير نعيم عن أبي هريرة بدون ذكر البسملة كما قال الحافظ في الفتح
وقد جمع القرطبي بما حاصله أن المشركين كانوا يحضرون المسجد فإذا قرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا إنه يذكر رحمن اليمامة يعنون مسيلمة فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزلت { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها } قال الحكيم الترمذي : فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذكر الرسم وإن زالت العلة وقد روى هذا الحديث الطبراني في الكبير والأوسط . وعن سعيد بن جبير قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم وكان المشركون يهزؤون بمكاء وتصدية ويقولون محمد يذكر إله اليمامة وكان مسيلمة الكذاب يسمى رحمن فأنزل الله { ولا تجهر بصلاتك } فتسمع المشركين فيهزؤوا بك ولا تخافت عن أصحابك فلا تسمعهم ) رواه ابن جبير [ ص 223 ] عن ابن عباس ذكره النيسابوري في التيسير وهذا جمع حسن إن صح أن هذه كان السبب في ترك الجهر . وقد قال في مجمع الزوائد : إن رجاله موثقون
وقد ذكر ابن القيم في الهدي أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة ويخفيها أكثر مما جهر بها ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائما في كل يوم وليلة خمس مرات أبدا حضرا وسفرا ويخفي ذلك على خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح انتهى
وحجج بقية الأقوال التي فيها التفصيل في الجهر والإسرار وجواز الأمرين مأخوذة من هذه الأدلة فلا نطول بذكرها . وأما أدلة المثبتين لقرآنية البسملة والنافين لقرآنيتها فيأتي ذكر طرف منها في الباب الذي بعد هذا . وهذه المسألة طويلة الذيل وقد أفردها جماعة من أكابر العلماء بتصانيف مستقلة ( 1 ) ومن آخر ما وقع رسالة جمعتها في أيام الطلب مشتملة على نظم ونثر أجبت بها على سؤال ورد وأجاب عنه جماعة من علماء العصر فلنقتصر في هذا الشرح على هذا المقدار وإن كان بالنسبة إلى ما في المسألة من التطويل نزرا يسيرا ولكنه لا يقصر عن إفادة المنصف ما هو الصواب في المسألة وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة والخلاف فيها ولقد بالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد
_________
( 1 ) وقد اطلعت على رسالة لحافظ المغرب الإمام أبي عمر ابن عبد البر سماها الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف في بسم الله الرحمن الرحيم فوجدتها مفيدة نافعة فباشرت بطبعها والحمد لله رب العالمين

2 - وعن ابن عبد الله بن مغفل قال : ( سمعني أبي وأنا أقول بسم الله الرحمن الرحيم فقال : يا بني إياك والحدث قال : ولم أر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجلا كان أبغض إليه حدثا في الإسلام منه فإني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان فلم أسمع أحدا منهم يقولها فلا تقلها إذا أنت قرأت فقل الحمد لله رب العالمين )
- رواه الخمسة إلا أبا داود

[ ص 224 ] - الحديث حسنه الترمذي وقد تفرد به الجريري وقد قيل إنه اختلط بآخره وقد توبع عليه الجريري كما سيأتي وهو أيضا من أفراد ابن عبد الله بن مغفل وعليه مداره وذكر أن اسمه يزيد وهو مجهول لا يعرف روي عنه إلا أبو نعامة وقد رواه معمر عن الجريري ورواه إسماعيل بن مسعود عن خالد بن عبد الله الواسطي عن عثمان بن غياث عن أبي نعامة عن ابن عبد الله بن مغفل ولم يذكر الجريري . وإسماعيل هو الجحدري قال أبو حاتم : صدوق وروى عنه النسائي فعثمان بن غياث متابع للجريري وقد وثق عثمان أحمد ويحيى وروى له البخاري ومسلم . وقال ابن خزيمة : هذا الحديث غير صحيح . وقال الخطيب وغيره : ضعيف قال النووي : ولا يرد على هؤلاء الحفاظ قول الترمذي إنه حسن انتهى
وسبب تضعيف هذا الحديث ما ذكرناه من جهالة ابن عبد الله بن مغفل والمجهول لا تقوم به حجة . قال أبو الفتح اليعمري : والحديث عندي ليس معللا بغير الجهالة في ابن عبد الله بن مغفل وهي جهالة حالية لا عينية للعلم بوجوده فقد كان لعبد الله بن المغفل سبعة أولا سمى هذا منهم يزيد وما رمى بأكثر من أنه لم يرو عنه إلا أبا نعامة فحكمه حكم المستور قال : وليس في رواة هذا الخبر من يتهم بكذب فهو جار على رسم الحسن عنده . وأما تعليله بجهالة المذكور فما أراه يخرجه عن رسم الحسن عند الترمذي ولا غيره . وأما قول من قال غير صحيح فكل حسن كذلك
( والحديث ) استدل به القائلون بترك قراءة البسملة في الصلاة والقائلون بترك الجهر بها وقد تقدم الكلام على ذلك
( قال المصنف ) رحمه الله : قوله لا تقلها وقوله لا يقرؤونها أو لا يذكرونها ولا يستفتحون بها أي جهرا بدليل قوله في رواية تقدمت ولا يجهرون بها وذلك يدل على قراءتهم لها سرا انتهى . وقد قدمنا الكلام على ذلك في شرح الحديث الذي قبل هذا

3 - وعن قتادة قال : ( سئل أنس كيف كانت قراءة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد ببسم الله ويمد بالرحمن ويمد بالرحيم )
- رواه البخاري

- الحديث أخرجه أيضا أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه بدون ذكر البسملة وهو يدل على مشروعية قراءة البسملة وعلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يمد قراءته في البسملة وغيرها
( وقد استدل به القائلون ) باستحباب الجهر بقراءة البسملة في الصلاة لأن كون قراءته كانت على الصفة التي وصفها أنس تستلزم سماع [ ص 225 ] أنس لها منه صلى الله عليه و سلم خارج الصلاة فظاهره أنه أخبر عن مطلق قراءته صلى الله عليه وآله وسلم ولفظ كانت مشعر بالاستمرار كما تقرر في الأصول فيستفاد منه عموم الأزمان وكونه من لفظ الراوي لا يقدح في ذلك لأن الفرض أنه عدل عارف

4 - وروى ابن جرير عن عبد الله بن أبي مليكة عن أم سلمة : ( أنها سئلت عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت : كان يقطع قراءته آية آية بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد لله رب العالمين . الرحمن الرحيم . مالك يوم الدين )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه أيضا الترمذي في القراءة ولم يذكر التسمية وقال : غريب وليس إسناده بمتصل وقد أعل الطحاوي الخبر بالانقطاع فقال : لم يسمعه ابن أبي مليكة من أم سلمة واستدل على ذلك برواية الليث عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك عن أم سلمة
قال الحافظ : وهذا الذي أعل به ليس بعلة . فقد رواه الترمذي من طريق ابن أبي مليكة عن أم سلمة بلا واسطة وصححه ورجحه على الإسناد الذي فيه يعلى بن مملك انتهى
وقد عرفت أن الترمذي قال : إنه غريب وليس بمتصل في باب القراءة ورواه في باب فضائل القرآن وصححه هنالك بعد أن رواه عن أبي مليكة عن يعلى بن مملك فلعل التصحيح لأجل الاتصال كما يدل عليه قوله في باب القراءة وليس إسناده بمتصل . وأخرجه الدارقطني عن ابن أبي مليكة عن أم سلمة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقطعها آية آية وعدها عد الأعراب وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد عليهم ) قال اليعمري : رواته موثقون وكذا رواه من هذا الوجه ابن خزيمة والحاكم وفي إسناده عمر بن هارون البلخي قال الحافظ : هو ضعيف انتهى . ولكنه قد وثق فقول اليعمري رواته موثقون صحيح
( والحديث ) يدل على أن البسملة آية وقد استدل به من قال باستحباب الجهر بالبسملة في الصلاة لما ذكرناه في شرح الحديث الذي قبله وقد تقدم بسط الكلام على ذلك في أول الباب

باب في البسملة هل هي من الفاتحة وأوائل السور أم لا

1 - عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من صلى صلاة [ ص 225 ] لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج يقولها ثلاثا فقيل لأبي هريرة : إنا نكون وراء الإمام فقال : اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : قال الله عز و جل قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال الله حمدني عبدي فإذا قال الرحمن الرحيم قال الله أثنى علي عبدي فإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي وقال مرة فوض إلي عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال هذا لعبدي ولعبدي ما سأل )
- رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه

- قوله ( خداج ) بكسر الخاء المعجمة قال الخليل الأصمعي وأبو حاتم السجستاني والهروي وآخرون : الخداج النقصان يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق وأخدجت إذا ولدته ناقصا وإن كان لتمام الولادة
وقال جماعة من أهل اللغة : خدجت وأخدجت إذا ولدت لغير تمام قالوا فقوله خداج أي ذات خداج
قوله ( اقرأ بها في نفسك ) السائل لأبي هريرة هو أبو السائب أي اقرأها سرا بحيث تسمع نفسك
قوله ( قسمت الصلاة ) قال النووي : قال العلماء المراد بالصلاة الفاتحة سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها والمراد قسمتها من جهة المعنى لأن نصفها الأول تحميد لله وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه والنصف الثاني سؤال وطلب وتضرع وافتقار
قوله ( حمدني وأثنى علي ومجدني ) الحمد الثناء بجميل الفعال والتمجيد الثناء بصفات الجلال والثناء مشتمل على الأمرين ولهذا جاء جوابا للرحمن الرحيم لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية حكى ذلك النووي عن العلماء
قوله ( فوض إلي عبدي ) وجه مطابقة هذا لقوله مالك يوم الدين أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم وبجزاء العباد وحسابهم . والدين الحساب وقيل الجزاء ولا دعوى لأحد ذلك اليوم حقيقة ولا مجازا وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي ويدعي بعضهم دعوى باطلة وكل هذا ينقطع في ذلك اليوم
قوله ( فإذا قال إياك نعبد ) الخ قال القرطبي : إنما قال الله تعالى هذا لأن في ذلك تذلل العبد لله وطلبه الاستعانة منه وذلك يتضمن تعظيم الله وقدرته على ما طلب منه
قوله ( فإذا قال اهدنا الصراط المستقيم ) إلى آخر السورة إنما كان هذا للعبد لأنه سؤال يعود نفعه إلى العبد وفيه دليل على أن اهدنا وما بعده إلى آخر السورة ثلاث آيات لا آيتان وفي المسألة خلاف مبني على أن البسملة من الفاتحة أم لا وقد تقدم بسطه
( والحديث ) [ ص 227 ] يدل على أنها ليست من الفاتحة لأن الفاتحة سبع آيات بالإجماع فثلاث في أولها ثناء أولها الحمد لله . وثلاث دعاء أولها اهدنا الصراط المستقيم والرابعة متوسطة وهي إياك نعبد وإياك نستعين ولم تذكر البسملة في الحديث ولو كانت منها لذكرت . قال النووي : وهو من أوضح ما احتجوا به قال : وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول أن البسملة آية من الفاتحة بأجوبة أحدها أن التنصيف عائد إلى جملة الصلاة لا إلى الفاتحة هذا حقيقة اللفظ . والثاني أن التنصيف عائد إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة . والثالث معناه فإذا انتهى العبد في قراءته إلى الحمد لله رب العالمين فحينئذ تكون القسمة انتهى . ولا يخفى أن هذه الأجوبة منها ما هو غير نافع ومنها ما هو متعسف
( والحديث ) أيضا يدل على وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة وإليه ذهب الجمهور وسيأتي البحث عن ذلك في الباب الذي بعد هذا إن شاء الله . وأما الاستدلال بهذا الحديث على ترك الجهر في الصلاة بالبسملة فليس بصحيح قال اليعمري : لأن جماعة ممن يرى الجهر بها لا يعتقدونها قرآنا بل هي من السنن عندهم كالتعوذ والتأمين وجماعة ممن يرى الإسرار يعتقدونها قرآنا ولهذا قال النووي : إن مسألة الجهر ليست مرتبة على إثبات مسألة البسملة وكذلك احتجاج من احتج بأحاديث عدم قراءتها على أنها ليست بآية لما عرفت

2 - وعن أبي هريرة : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : إن سورة من القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي تبارك الذي بيده الملك )
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي

- الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححه وحسنه الترمذي وأعله البخاري في التاريخ الكبير بأن عباسا الجشمي لا يعرف سماعه من أبي هريرة ولكن ذكره ابن حبان في الثقات وله شاهد من حديث ثابت عن أنس رواه الطبراني في الكبير بإسناد صحيح
( والحديث ) استدل به من قال إن البسملة ليست من القرآن وقد تقدم ذكر أهل هذه المقالة في الباب الأول وإنما استدلوا به لأن سورة تبارك ثلاثون آية بالإجماع بدون التسمية ولهذا قال المصنف ولا يختلف العادون أنها ثلاثون آية بدون التسمية انتهى . وأجيب عن ذلك بأن المراد عدد ما هو خاصة السورة لأن البسملة كالشيء بالمشترك فيه وكذا الجواب عما روي عن أبي هريرة أن سورة الكوثر ثلاث آيات

3 - وعن أنس قال : ( بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم بين أظهرنا في المسجد إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا له : ما أضحكك يا رسول الله فقال : نزلت [ ص 228 ] علي آنفا سورة فقرأ : { بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر } ثم قال : أتدرون ما الكوثر ) قال وذكر الحديث
- رواه أحمد ومسلم والنسائي

- تمام الحديث ( قلنا : الله ورسوله أعلم قال : إنه نهر وعدنيه ربي عز و جل عليه خير كثير وهو حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد نجوم السماء فيختلج العبد منهم فأقول رب إنه من أمتي فيقول ما تدري ما أحدث بعدك ) هذا الحديث من جملة أدلة من أثبت البسملة وقد تقدم ذكرهم . ومن أدلتهم على إثباتها ما ثبت في المصاحف منها بغير تمييز كما ميزوا أسماء السور وعدد الآي بالحمرة أو غيرها مما يخالف صورة المكتوب قرآنا
( وأجاب عن ذلك القائلون ) بأنها ليست من القرآن أنها ثبتت للفصل بين السور وتخلص القائلون بإثباتها عن هذا الجواب بوجوه : الأول هذا تغرير ولا يجوز ارتكابه لمجرد الفصل . الثاني لو كان للفصل لكتبت بين براءة والأنفال ولما كتبت في أول الفاتحة . الثالث أن الفصل كان ممكنا بتراجم السور كما حصل بين براءة والأنفال
ومن جملة حجج المثبتين ما تقدم من الأحاديث المصرحة بأنها آية من الفاتحة وأجاب من لم يثبتها بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ولا تواتر لا سيما مع ورود الأدلة الدالة على أنها ليست بقرآن كحديثي أبي هريرة المتقدم ذكرهما في هذا الباب وحديث إتيان جبريل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقوله { اقرأ باسم ربك الذي خلق } رواه البخاري ومسلم وسائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول . وبإجماع أهل العدد على ترك عدها آية من غير الفاتحة وتخلص المثبتون عن قولهم لا يثبت القرآن إلا بالتواتر بوجهين : الأول أن إثباتها في المصحف في معنى التواتر وقد صرح عضد الدين أن الرسم دليل علمي . الثاني أن التواتر إنما يشترط فيما يثبت قرآنا على سبيل القطع فأما ما ثبت قرآنا على سبيل الحكم فلا والبسملة قرآن على سبيل الحكم
( ومن جملة ) ما أجيب به أن عدم تواترها ممنوع لأن بعض القراء السبعة أثبتها والقراآت السبع متواترة فيلزم تواترها والاختلاف لا يستلزم عدم التواتر فكثيرا ما يقع لبعض الباحثين ولا يقع لمن لم يبحث كل البحث ومحل البحث الأصول فمن رام الاستيفاء فليراجع مطولاته

4 - وعن ابن عباس قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم )
- رواه أبو داود

[ ص 229 ] - الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه على شرطهما . وقد رواه أبو داود في المراسيل عن سعيد بن جبير وقال : المرسل أصح . وقال الذهبي في تلخيص المستدرك بعد أن ذكر الحديث عن ابن عباس : أما هذا فثابت . وقال الهيثمي : رواه البزار بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح
( والحديث ) استدل به القائلون بأن البسملة من القرآن وقد تقدم ذكرهم وهو ينبني على تسليم أن مجرد تنزيل البسملة يستلزم قرآنيتها

باب وجوب قراءة الفاتحة

1 - عن عبادة بن الصامت : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب )
- رواه الجماعة . وفي لفظ : ( لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) رواه الدارقطني وقال : إسناده صحيح

- الحديث زاد فيه مسلم وأبو داود وابن حبان لفظ ( فصاعدا ) لكن قال ابن حبان : تفرد بها معمر عن الزهري وأعلها البخاري في جزء القراءة ورواية الدارقطني صححها ابن القطان ولها شاهد من حديث أبي هريرة مرفوعا بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما
ولأحمد بلفظ : ( لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن ) وفي الباب عن أنس عند مسلم والترمذي . وعن أبي قتادة عند أبي داود والنسائي . وعن عبد الله بن عمر عند ابن ماجه . وعن أبي سعيد عند أحمد وأبي داود وابن ماجه . وعن أبي الدرداء عند النسائي وابن ماجه . وعن جابر عند ابن ماجه . وعن علي عند البيهقي . وعن عائشة وأبي هريرة وسيأتيان إن شاء الله تعالى . وعن عبادة وسيأتي في الباب الذي بعد هذا
( والحديث ) يدل على تعين فاتحة الكتاب في الصلاة وأنه لا يجزئ غيرها وإليه ذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم وهو مذهب العترة لأن النفي المذكور في الحديث يتوجه إلى الذات إن أمكن انتفاؤها وإلا توجه إلى ما هو أقرب إلى الذات وهو الصحة لا إلى الكمال لأن الصحة أقرب المجازين والكمال أبعدهما والحمل على أقرب المجازين واجب . وتوجه النفي ههنا إلى الذات ممكن كما قال الحافظ في الفتح لأن المراد بالصلاة معناها الشرعي لا اللغوي لما تقرر من أن ألفاظ الشارع محمولة على عرفه لكونه بعث لتعريف الشرعيات لا لتعريف الموضوعات اللغوية وإذا كان [ ص 230 ] المنفي الصلاة الشرعية استقام نفي الذات لأن المركب كما ينتفي جميع أجزائه ينتفي بانتفاء بعضها فلا يحتاج إلى إضمار الصحة ولا الإجزاء ولا الكمال كما روي عن جماعة لأنه إنما يحتاج إليه عند الضرورة وهي عدم إمكان انتفاء الذات ولو سلم أن المراد هنا الصلاة اللغوية فلا يمكن توجه النفي إلى ذاتها لأنها قد وجدت في الخارج كما قاله البعض لكان المتعين توجيه النفي إلى الصحة أو الإجزاء لا إلى الكمال أما أولا فلما ذكرنا من أن ذلك أقرب المجازين وأما ثانيا فلرواية الدارقطني المذكورة في الحديث فإنها مصرحة بالإجزاء فيتعين تقديره . إذا تقرر هذا فالحديث صالح للاحتجاج به على أن الفاتحة من شروط الصلاة لا من واجباتها فقط لأن عدمها قد استلزم عدم الصلاة وهذا شأن الشرط
وذهبت الحنفية وطائفة قليلة إلى أنها لا تجب بل الواجب آية من القرآن هكذا قال النووي والصواب ما قال الحافظ أن الحنفية يقولون بوجوب قراءة الفاتحة لكن بنوا على قاعدتهم أنها مع الوجوب ليست شرطا في صحة الصلاة لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لا تتم الصلاة إلا به فرض والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن وقد قال تعالى { فاقرؤوا ما تيسر منه } فالفرض قراءة ما تيسر وتعين الفاتحة إنما يثبت بالحديث فيكون واجبا يأثم من يتركه وتجزئ الصلاة بدونه وهذا تعويل على رأي فاسد حاصله رد كثير من السنة المطهرة بلا برهان ولا حجة نيرة فكم موطن من المواطن يقول فيه الشارع لا يجزئ كذا لا يقبل كذا لا يصح كذا ويقول المتمسكون بهذا الرأي يجزئ ويقبل ويصح ولمثل هذا حذر السلف من أهل الرأي
( ومن جملة ) ما أشادوا به هذه القاعدة أن الآية مصرحة بما تيسر وهو تخيير فلو تعينت الفاتحة لكان التعيين نسخا للتخيير والقطعي لا ينسخ بالظني فيجب توجيه النفي إلى الكمال وهذه الكلية ممنوعة والسند ما تقدم من تحول أهل قبا إلى الكعبة بخبر واحد ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل مدحهم كما تقدم ذلك في باب الاستقبال ولو سلمت لكان محل النزاع خارجا عنها لأن المنسوخ إنما هو استمرار التخيير وهو ظني وأيضا الآية نزلت في قيام الليل فليست مما نحن فيه
وأما قولهم إن الحمل على توجه النفي إلى الصحة إثبات للغة بالترجيح وإن الصحة عرف متجدد لأهل الشرع فلا يحمل خطاب الشارع عليه وإن تصحيح الكلام ممكن بتقدير الكمال فيكفي لأن الواجب التقدير بحسب الحاجة فيرده تصريح الشارع بلفظ الإجزاء وكونه من إثبات اللغة بالترجيح بل هو من إلحاق الفرد المجهول بالأعم [ ص 231 ] الأغلب المعلوم
ومن جملة ما استظهروا به على توجه النفي إلى الكمال أن الفاتحة لو كانت فرضا لوجب تعلمها واللازم باطل فالملزوم مثله لما في حديث المسيء صلاته بلفظ : ( فإن كان معك قرآن وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ) عند النسائي وأبي داود والترمذي وهذا ملتزم فإن أحاديث فرضيتها تستلزم وجوب تعلمها لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب كما تقرر في الأصول . وما في حديث المسيء لا يدل على بطلان اللازم لأن ذلك فرضه حين لا قرآن معه على أنه يمكن تقييده بعدم الاستطاعة لتعلم القرآن كما في حديث ابن أبي أوفى عند أبي داود والنسائي وأحمد وابن الجارود وابن حبان والحاكم والدارقطني : ( أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزيني في صلاتي فقال : قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ) ولا شك أن غير المستطيع لا يكلف لأن الاستطاعة شرط في التكليف فالعدول ههنا إلى البدل عنه تعذر المبدل غير قادح في فرضيته أو شرطيته
( ومن أدلتهم ) ما في حديث المسيء بلفظ : ( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) والجواب عنه أنه قد ورد في حديث المسيء أيضا عند أحمد وأبي داود وابن حبان بلفظ : ( ثم اقرأ بأم القرآن ) فقوله ما تيسر مجمل مبين أو مطلق مقيد أو مبهم مفسر بذلك لأن الفاتحة كانت هي المتيسرة لحفظ المسلمين لها وقد قيل إن المراد بما تيسر فيما زاد على الفاتحة جمعا بين الأدلة لأن حديث الفاتحة زيادة وقعت غير معارضة وهذا حسن . وقيل إن ذلك منسوخ بحديث تعيين الفاتحة وقد تعقب القول بالإجمال والإطلاق والنسخ والظاهر الإبهام والتفسير وهذا الكلام إنما يحتاج إليه على القول بأن حديث المسيء يصرف ما ورد في غيره من الأدلة المقتضية للفرضية . وأما على القول بأنه يؤخذ بالزائد فالزائد فلا إشكال في تحتم المصير إلى القول بالفرضية بل القول بالشرطية لما عرفت
ومن أدلتهم أيضا حديث أبي سعيد بلفظ : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب أو غيرها ) قال ابن سيد الناس : لا يدري بهذا اللفظ من أين جاء وقد صح عن أبي سعيد عند أبي داود أنه قال : ( أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ) وإسناده صحيح ورواته ثقات ومن أدلتهم أيضا حديث أبي هريرة عند أبي داود بلفظ : ( لا صلاة إلا بقرآن ولو بفاتحة الكتاب ) ويجاب بأنه من رواية جعفر بن ميمون وليس بثقة كما قال النسائي
وقال أحمد : ليس بقوي في الحديث وقال ابن عدي : يكتب حديثه في الضعفاء وأيضا قد روى أبو داود هذا [ ص 232 ] الحديث من طريقه عن أبي هريرة بلفظ : ( أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد ) كما سيأتي وليست الرواية الأولى بأولى من هذه وأيضا أين تقع هذه الرواية على فرض صحتها بجنب الأحاديث المصرحة بفرضية فاتحة الكتاب وعدم إجزاء الصلاة بدونها
( ومن أدلتهم ) أيضا ما روى ابن ماجه عن ابن عباس أنه لما مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر حديث صلاة أبي بكر بالناس ومجيء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم وفيه : ( فكان أبو بكر يأتم بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم والناس يأتمون بأبي بكر قال ابن عباس : وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر ) ويجاب عنه بأنه روي بإسناد فيه قيس بن الربيع قال البزار : لا نعلم روي هذا الكلام إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد وقيس قال ابن سيد الناس : هو ممن اعتراه من ضعف الرواية وسوء الحفظ بولاية القضاء ما اعترى ابن أبي ليلى وشريكا وقد وثقه قوم وضعفه آخرون على أنه لا مانع من قراءته صلى الله عليه وآله وسلم للفاتحة بكمالها في غير هذه الركعة التي أدرك أبا بكر فيها لأن النزاع إنما هو في وجوب الفاتحة في جملة الصلاة لا في وجوبها في كل ركعة فسيأتي هذا خلاصة ما في هذه المسألة من المعارضات
( وقد استدل ) بهذا الحديث على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة بناء على أن الركعة تسمى صلاة وفيه نظر لأن قراءتها في ركعة واحدة تقتضي حصول مسمى القراءة في تلك الصلاة والأصل عدم وجوب الزيادة على المرة الواحدة وإطلاق اسم الكل على البعض مجاز لا يصار إليه إلا لموجب فليس في الحديث إلا أن الواجب في الصلاة التي هي اسم لجميع الركعات قراءة الفاتحة مرة واحدة فإن دل دليل خارجي على وجوبها في كل ركعة وجب المصير إليه وقد نسب القول بوجوب الفاتحة في كل ركعة النووي في شرح مسلم والحافظ في الفتح إلى الجمهور
ورواه ابن سيد الناس في شرح الترمذي عن علي وجابر وعن ابن عون والأوزاعي وأبي ثور قال : وإليه ذهب أحمد وداود وبه قال مالك إلا في الناسي وإليه ذهب الإمام شرف الدين من أهل البيت
قال المهدي في البحر : إن الظاهر مع من ذهب إلى إيجابها في كل ركعة واستدلوا أيضا على ذلك بما وقع عند الجماعة واللفظ للبخاري من قوله صلى الله عليه و سلم للمسيء : ( ثم افعل ذلك في صلاتك كلها ) بعد أن أمره بالقراءة وفي رواية لأحمد وابن حبان والبيهقي في قصة المسيء صلاته أنه قال في آخره : ( ثم افعل ذلك في كل ركعة ) وقد نسب صاحب ضوء النهار هذه الرواية إلى [ ص 233 ] البخاري من حديث أبي قتادة وهو وهم والذي في البخاري عن أبي قتادة : ( أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب ) وهذا الدليل إذا ضممته إلى ما أسلفنا لك من حمل قوله في حديث المسيء ( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) على الفاتحة لما تقدم انتهض ذلك للاستدلال به على وجوب الفاتحة في كل ركعة وكان قرينة لحمل قوله في حديث المسيء : ( ثم كذلك في كل صلاتك فافعل ) على المجاز وهو الركعة وكذلك حمل : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) عليه . ويؤيد وجوب الفاتحة في كل ركعة حديث أبي سعيد عند ابن ماجه بلفظ : ( لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها ) . قال الحافظ : وإسناده ضعيف . وحديث أبي سعيد أيضا بلفظ : ( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة ) رواه إسماعيل بن سعيد الشاكنجي قال ابن عبد الهادي في التفتيح : رواه إسماعيل هذا هو صاحب الإمام أحمد من حديث عبادة وأبي سعيد بهذا اللفظ وظاهر هذه الأدلة وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم وبين إسرار الإمام وجهره وسيأتي الكلام على ذلك
( ومن جملة المؤيدات ) لوجوب الفاتحة في كل ركعة ما أخرجه مالك في الموطأ والترمذي وصححه عن جابر أنه قال : ( من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام ) وذهب الحسن البصري والهادي والمؤيد بالله وداود وإسحاق إلى أن الواجب في الصلاة قراءة الفاتحة وقرآن معها مرة واحدة في أي ركعة أو مفرقة . وقال زيد بن علي والناصر : إن الواجب القراءة في الأوليين وكذا قال أبو حنيفة لكن من غير تخصيص للفاتحة كما سلف عنه . وأما الأخريان فلا تتعين القراءة فيهما عندهم بل إن شاء قرأ وإن شاء سبح زاد أبو حنيفة وإن شاء سكت
( واحتج القائلون ) بوجوب الفاتحة مرة واحدة بالأحاديث المذكورة في الباب فإن المعنى الحقيقي للصلاة هو جميعها لا بعضها
وقد عرفت الجواب عن ذلك واحتج من قال بوجوبها في الأوليين فقط بما روي عن علي عليه السلام أنه قرأ في الأوليين وسبح في الآخريين وقد اختلف القائلون بتعيين الفاتحة في كل ركعة هل تصح صلاة من نسيها فذهبت الشافعية وأحمد بن حنبل إلى عدم الصحة وروى ابن القاسم عن مالك أنه إن نسيها في ركعة من صلى ركعتين فسدت صلاته وإن نسيها في ركعة من صلى ثلاثية أو رباعية فروي عنه أنه يعيدها ولا تجزئه وروي عنه أنه يسجد سجدتي السهو وروي عنه أنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام . ومقتضى الشرطية التي نبهناك [ ص 234 ] على صلاحية الأحاديث للدلالة عليها أن الناسي يعيد الصلاة كمن صلى بغير وضوء ناسيا واختلف هل تجب القراءة بزيادة على الفاتحة أو لا وسيأتي تحقيقه

2 - وعن عائشة قالت : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج )
- رواه أحمد وابن ماجه . وقد سبق مثله من حديث أبي هريرة

- الحديث أخرجه ابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة . ومحمد بن إسحاق فيه مقال مشهور ولكن يشهد لصحته حديث أبي هريرة المتقدم الذي أشار إليه المصنف عند الجماعة إلا البخاري بلفظ : ( من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ) وتقدم هنالك أيضا ضبط الخداج وتفسيره ويشهد له أيضا ما أخرجه البيهقي عن علي عليه السلام مرفوعا بلفظ : ( كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج )
( والحديث ) احتج به الجمهور القائلون بوجوب قراءة الفاتحة وأجاب القائلون بعدم الوجوب عنه بأن الخداج معناه النقص وهو لا يستلزم البطلان ورد بأن الأصل أن الصلاة الناقصة لا تسمى صلاة حقيقية وقد تقدم الكلام على بقية الأدلة في المسألة

3 - وعن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يخرج فينادي لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد )
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أخرجه أبو داود من طريق جعفر بن ميمون . وقد تقدم أن النسائي قال : ليس بثقة وأحمد قال : ليس بقوي وابن عدي قال : يكتب حديثه في الضعفاء . ولكنه يشهد لصحته ما عند مسلم وأبي داود وابن حبان من حديث عبادة بن الصامت بلفظ : ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا ) وإن كان قد أعلها البخاري في جزء القراءة كما تقدم
ويشهد له أيضا حديث أبي سعيد عند أبي داود بلفظ : ( أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر ) قال ابن سيد الناس : وإسناده صحيح ورجاله ثقات . وقال الحافظ : إسناده صحيح ويشهد له أيضا حديث أبي سعيد عند ابن ماجه بلفظ : ( لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة ) وقد تقدم تضعيف الحافظ له
( وهذه الأحاديث ) لا تقصر عن الدلالة على وجوب قرآن مع الفاتحة ولا خلاف في استحباب قراءة السورة مع الفاتحة في صلاة الصبح والجمعة والأوليين من كل الصلوات . قال النووي : إن ذلك سنة عند جميع [ ص 235 ] العلماء وحكى القاضي عياض عن بعض أصحاب مالك وجوب السورة . قال النووي : وهو شاذ مردود
وأما السورة في الركعة الثالثة والرابعة فكره ذلك مالك واستحبه الشافعي في قوله الجديد دون القديم . وقد ذهب إلى إيجاب قرآن مع الفاتحة عمر وابنه عبد الله وعثمان بن أبي العاص والهادي والقاسم والمؤيد بالله كذا في البحر
وقدره الهادي بثلاث آيات قال القاسم والمؤيد بالله أو آية طويلة والظاهر ما ذهبوا إليه من إيجاب شيء من القرآن وأما التقدير بثلاث آيات فلا دليل عليه إلا توهم أنه لا يسمى ما دون ذلك قرآنا لعدم إعجازه كما قال المهدي في البحر وهو فاسد لصدق القرآن على القليل والكثير لأنه جنس وأيضا المراد ما يسمى قرآنا معجزا ولا تلازم بينهما وكذلك التقدير بالآية الطويلة . نعم لو كان حديث أبي سعيد المصرح فيه بذكر السورة صحيحا لكان مفسرا للمبهم في الأحاديث من قوله ( فما زاد ) وقوله ( فصاعدا ) وقوله ( وما تيسر ) ولكان دالا على وجوب الفاتحة وسورة في كل ركعة ولكنه ضعيف كما عرفت
وقد عورضت هذه الأحاديث بما في البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أنه قال في كل صلاة يقرأ فما أسمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسمعناكم وما أخفى عنا أخفينا عنكم وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت وإن زدت فهو خير
ولكن الظاهر من السياق أن قوله وإن لم تزد الخ ليس مرفوعا ولا مما له حكم الرفع فلا حجة فيه . وقد أخرج أبو عوانة هذا الحديث كرواية الشيخين إلا أنه زاد في آخره وسمعته يقول : ( لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ) قال الحافظ في الفتح : وظاهر سياقه أن ضمير سمعته للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون مرفوعا بخلاف رواية الجماعة ثم قال نعم
قوله ( ما أسمعنا وما أخفى عنا ) يشعر بأن جميع ما ذكره متلقى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون للجميع حكم الرفع اه
وهذا الإشعار في غاية الخفاء باعتبار جميع الحديث فإن صح جمع بينه وبين الأحاديث المصرحة بزيادة ما تيسر من القرآن بحملها على الاستحباب . وقد قيل إن المراد بقوله فصاعدا دفع توهم حصر الحكم على الفاتحة كذا قال الحافظ وهو معنى ما قال البخاري في جزء القراءة إن قوله فصاعدا نظير قوله ( تقطع اليد في ربع دينار فصاعدا ) قال الحافظ في الفتح : وادعى ابن حبان والقرطبي وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد على الفاتحة وفيه نظر لثبوته عن بعض الصحابة وغيرهم اه

باب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته إذا سمع إمامه . [ ص 236 ]

1 - عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا )
- رواه الخمسة إلا الترمذي . وقال مسلم : هو صحيح

- زيادة قوله ( وإذا قرأ فأنصتوا ) قال أبو داود : ليست بمحفوظة والوهم عندنا من أبي خالد . قال المنذري : وفيما قاله نظر فإن أبا خالد هذا هو سليمان بن حبان الأحمر وهو من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحيهما ومع هذا فلم يتفرد بهذه الزيادة بل قد تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني نزيل بغداد
وقد سمع من ابن عجلان وهو ثقة وثقه يحيى بن معين ومحمد بن عبد الله المخرمي وأبو عبد الرحمن النسائي وقد أخرج هذه الزيادة النسائي في سننه من حديث أبي خالد الأحمر ومن حديث محمد بن سعد وقد أخرج مسلم في الصحيح هذه الزيادة في حديث أبي موسى الأشعري من حديث جرير بن عبد الحميد عن سليمان التيمي عن قتادة وقال الدارقطني : هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها عن قتادة وخالفه الحفاظ فلم يذكروها قال : وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه
قال المنذري : ولم يؤثر عند مسلم تفرد سليمان بذلك لثقته وحفظه وصحح هذه الزيادة يعني مسلما قال أبو إسحاق صاحب مسلم : قال أبو بكر ابن أخت أبي النصر : في هذا الحديث لمسلم أي طعن فيه فقال مسلم : يزيد أحفظ من سليمان فقال أبو بكر : فحديث أبي هريرة هو صحيح يعني ( فإذا قرأ فأنصتوا ) فقال : هو عندي صحيح فقال : لم لم تضعه ههنا فقال : ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه فقد صحح مسلم هذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري ومن حديث أبي هريرة
قوله ( إنما جعل الإمام ليؤتم به ) معناه أن الإئتمام يقتضي متابعة المأموم لإمامه فلا يجوز له المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه كصلاة القائم خلف القاعد ونحوها . وقد ورد النهي عن الاختلاف بخصوصه بقوله ( لا تختلفوا )
قوله ( فكبروا ) جزم ابن بطال وابن دقيق العيد بأن الفاء للتعقيب ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم تقع عقب فعل الإمام فلو سبقه بتكبيرة الإحرام له لم تنعقد صلاته وتعقب القول بالتعقيب بأن فاءه هي العاطفة وأما التي هنا فهي للربط [ ص 237 ] فقط لأنها وقعت جوابا للشرط فعلى هذا لا يقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء . وقد قال قوم : إن الجزاء يكون مع الشرط فينبغي على هذا المقارنة
قوله ( وإذا قرأ فأنصتوا ) احتج بذلك القائلون أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام في الصلاة الجهرية وهم زيد بن علي والهادي والقاسم وأحمد بن عيسى وعبيد الله بن الحسن العنبري وإسحاق بن راهويه وأحمد ومالك والحنفية لكن الحنفية قالوا لا يقرأ خلف الإمام لا في سرية ولا جهرية واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن شداد الآتي وهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج به كما ستعرف ذلك
( واستدل القائلون ) أن المؤتم لا يقرأ خلف الإمام في الجهرية بقوله تعالى { فاستمعوا له وأنصتوا } وبحديث أبي هريرة الآتي ذهب الشافعي وأصحابه إلى وجوب قراءة الفاتحة على المؤتم من غير فرق بين الجهرية والسرية سواء سمع المؤتم قراءة الإمام أم لا وإليه ذهب الناصر من أهل البيت واستدلوا على ذلك بحديث عبادة بن الصامت الآتي وأجابوا عن أدلة أهل القول الأول بأنها عمومات وحديث عبادة خاص وبناء العام على الخاص واجب كما تقرر في الأصول وهذا لا محيص عنه . ويؤيده الأحاديث المتقدمة القاضية بوجوب فاتحة الكتاب في كل ركعة من غير فرق بين الإمام والمأموم لأن البراءة عن عهدتها إنما تحصل بناقل صحيح لا بمثل هذه العمومات التي اقترنت بما يجب تقديمه عليها وقد أجاب المهدي في البحر عن حديث عبادة بأنه معارض بحديث ( ما لي أنازع القرآن ) وهي من معارضة العام بالخاص وهو لا يعارضه أما على قول من قال من أهل الأصول أنه يبنى العام على الخاص مطلقا وهو الحق فظاهر وأما على قول من قال إن العام المتأخر عن الخاص ناسخ له وإنما يخصص المقارن والمتأخر بمدة لا تتسع للعمل فكذلك أيضا لأن عبادة روى العام والخاص في حديثه الآتي فهو من التخصيص بالمقارن فلا تعارض في المقام على جميع الأقوال
( ومن جملة ) ما استدل به القائلون بوجوب السكوت خلف الإمام في الجهرية ما تقدم من قول جابر : ( من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام ) وهو مع كونه غير مرفوع مفهوم لا يعارض بمثله منطوق حديث عبادة
( وقد اختلفت ) الشافعية في قراءة الفاتحة هل تكون عند سكتات الإمام أو عند قراءته وظاهر الأحاديث الآتية أنها تقرأ عند قراءة الإمام وفعلها حال سكوت الإمام إن أمكن أحوط لأنه يجوز عند أهل القول الأول فيكون فاعل ذلك آخذا بالإجماع وأما اعتياد [ ص 238 ] قراءتها حال قراءة الإمام للفاتحة فقط أو حال قراءته للسورة فقط فليس عليه دليل بل الكل جائز وسنة نعم حال قراءة الإمام للفاتحة مناسب من جهة عدم الاحتياج إلى تأخير الاستعاذة عن محلها الذي هو بعد التوجه أو تكريرها عند إرادة قراءة الفاتحة إن فعلها في محلها أو لا وأخر الفاتحة إلى حال قراءة الإمام للسورة ومن جهة الاكتفاء بالتأمين مرة واحدة عند فراغه وفراغ الإمام من قراءة الفاتحة إن وقع الاتفاق في التمام بخلاف من أخر قراءة الفاتحة إلى حال قراءة الإمام للسورة وقد بالغ بعض الشافعية فصرح بأنه إذا اتفقت قراءة الإمام والمأموم في آية خاصة من آي الفاتحة بطلت صلاته روى ذلك صاحب البيان من الشافعية عن بعض أهل الوجوه منهم وهو من الفساد بمكان يغني عن رده

2 - وعن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال : هل قرأ معي أحد منكم آنفا فقال رجل : نعم يا رسول الله قال : فإني أقول ما لي أنازع القرآن قال : فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما يجهر فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الصلوات بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال : حديث حسن

- الحديث أخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي وأحمد وابن ماجه وابن حبان وقوله ( فانتهى الناس عن القراءة ) مدرج في الخبر كما بينه الخطيب واتفق عليه البخاري في التاريخ وأبو داود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي وغيرهم قال النووي : وهذا مما لا خلاف فيه بينهم
قوله ( ما لي أنازع ) بضم الهمزة للمتكلم وفتح الزاي مضارع ومفعوله الأول مضمر فيه والقرآن مفعوله الثاني قاله شارح المصابيح واقتصر عليه ابن رسلان في شرح السنن . والمنازعة المجاذبة قال صاحب النهاية : أنازع أي أجاذب كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة وأصل النزع الجذب ومنه نزع الميت بروحه
( والحديث ) استدل به القائلون بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام في الجهرية وهو خارج عن محل النزاع لأن الكلام في قراءة المؤتم خلف الإمام سرا والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره وأيضا لو سلم دخول ذلك في المنازعة لكان هذا الاستفهام الذي للإنكار عاما لجميع القرآن أو مطلقا في جميعه وحديث [ ص 239 ] عبادة خاصا ومقيدا وقد تقدم البحث عن ذلك

3 - وعن عبادة قال : ( صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة فلما انصرفت قال : إني أراكم تقرؤون وراء إمامكم قال : قلنا يا رسول الله أي والله قال : لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها )
- رواه أبو داود والترمذي . وفي لفظ : ( فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت به إلا بأم القرآن ) رواه أبو داود والنسائي والدارقطني وقال : كلهم ثقات

4 - وعن عبادة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لا يقرأن أحد منكم شيئا من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن )
- رواه الدارقطني وقال : رجاله كلهم ثقات

- الحديث أخرجه أيضا أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه وابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق ابن إسحاق قال : حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن عبادة وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول
ومن شواهده ما رواه من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ قالوا : إنا لنفعل قال : لا إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب )
قال الحافظ : إسناده حسن . ورواه ابن حبان من طريق أيوب عن أبي قلابة عن أنس وزعم أن الطريقتين محفوظتان وخالفه البيهقي فقال : إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست بمحفوظة ومحمد بن إسحاق قد صرح بالتحديث فذهبت مظنة تدليسه وتابعه من تقدم
قوله ( فثقلت عليه القراءة ) أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة ويحتمل أن يراد به أنها التبست عليه القراءة بدليل ما عند أبي داود من حديث عبادة في رواية له بلفظ : ( فالتبست عليه القراءة )
قوله ( لا تفعلوا ) هذا النهي محمول على الصلاة الجهرية كما في الرواية الأخرى التي ذكرها المصنف بلفظ : ( إذا جهرت به ) وبلفظ : ( إذا جهرت بالقراءة ) وفي رواية لمالك والنسائي وأبي داود والترمذي وحسنها عن أبي هريرة بلفظ : ( فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما جهر فيه حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ) كما تقدم في الحديث الذي قبل هذا . وفي لفظ للدارقطني : ( إذا أسررت بقراءتي فاقرؤوا وإذا جهرت بقراءتي فلا يقرأ معي أحد )
قوله ( فإنه لا صلاة ) قد تقدم الكلام على ما يقدر في هذا النفي
( والحديث ) استدل به من قال بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام وهو الحق وقد تقدم بيان ذلك وظاهر الحديث الإذن بقراءة الفاتحة جهرا لأنه استثنى من النهي عن الجهر خلفه ولكنه أخرج ابن حبان من حديث أنس قال : ( قال [ ص 240 ] رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أتقرؤون في صلاتكم خلف الإمام والإمام يقرأ فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه )
وأخرجه أيضا الطبراني في الأوسط والبيهقي وأخرجه عبد الرزاق عن أبي قلابة مرسلا وظاهر التقييد بقوله من القرآن يدل على أنه لا بأس بالاستفتاح حال قراءة الإمام بما ليس بقرآن والتعوذ والدعاء
وقد ذهب ابن حزم إلى أن المؤتم لا يأتي بالتوجه وراء الإمام قال : لأن فيه شيئا من القرآن وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقرأ خلف الإمام إلا أم القرآن وهو فاسد لأنه إن أراد بقوله لأن فيه شيئا من القرآن كل توجه فقد عرفت مما سلف أن أكثرها مما لا قرآن فيه وإن أراد خصوص توجه علي رضي الله عنه الذي فيه وجهت وجهي إلى آخره فليس محل النزاع هذا التوجه الخاص ولكنه ينبغي لمن صلى خلف إمام يتوجه قبل التكبيرة كالهادوية أو دخل في الصلاة حال قراءة الإمام أن يأتي بأخصر التوجهات ليتفرغ لسماع قراءة الإمام . ويمكن أن يقال لا يتوجه بشيء من التوجهات من صلى خلف إمام لا يتوجه بعد التكبيرة لأن عمومات القرآن والسنة قد دلت على وجوب الإنصات والاستماع والمتوجه حال قراءة الإمام للقرآن غير منصت ولا مستمع وإن لم يكن تاليا للقرآن إلا عند من يجوز تخصيص مثل هذا العموم بمثل ذلك المفهوم أعني مفهوم قوله من القرآن هذا هو التحقيق في المقام
( فائدة ) قد عرفت مما سلف وجوب الفاتحة على كل إمام ومأموم في كل ركعة وعرفناك أن تلك الأدلة صالحة للاحتجاج بها على أن قراءة الفاتحة من شروط صحة الصلاة فمن زعم أنها تصح صلاة من الصلوات أو ركعة من الركعات بدون فاتحة الكتاب فهو محتاج إلى إقامة برهان يخصص تلك الأدلة
ومن ههنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإمام راكعا دخل معه واعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك شيئا من القراءة واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة : ( من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى ) رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ وهو متروك
وأخرجه الدارقطني بلفظ : ( إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى ) ولكنه رواه من طريق سليمان بن داود الحراني ومن طريق صالح بن أبي الأخضر وسليمان متروك وصالح ضعيف على أن التقييد بالجمعة في كلا الروايتين مشعر بأن غير الجمعة بخلافها وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدل على خلاف المدعى [ ص 241 ] لأن الركعة حقيقة لجميعها وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لا يصار إليه إلا لقرينة كما وقع عند مسلم من حديث البراء بلفظ : ( فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته ) فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام والاعتدال والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع
وقد ورد حديث : ( من أدرك ركعة من صلاة الجمعة ) بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال حتى قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه : لا أصل لهذا الحديث إنما المتن : ( من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها ) وكذا قال القرطبي والعقيلي . وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ : ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم الإمام صلبه ) وليس في ذلك دليل لمطلوبهم لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها وأركانها حقيقة شرعية وعرفية وهما مقدمتان على اللغوية كما تقرر في الأصول فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة وما قبله قرينة صارفة عن المعنى الحقيقي
( فإن قلت ) فأي فائدة على هذا في التقليد بقوله ( قبل أن يقيم صلبه ) قلت دفع توهم أن من دخل مع الإمام ثم قرأ الفاتحة وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك . إذا تقرر لك هذا علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية وأدلة وجوب الفاتحة
وقد ذهب إلى هذا بعض أهل الظاهر وابن خزيمة وأبو بكر الضبعي روى ذلك ابن سيد الناس في شرح الترمذي وذكر فيه حاكيا عمن روى عن ابن خزيمة أنه احتج لذلك بما روي عن أبي هريرة أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة ) وقد رواه البخاري في القراءة خلف الإمام من حديث أبي هريرة أنه قال : ( إن أدركت القوم ركوعا لم تعتد بتلك الركعة ) قال الحافظ : وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفا . وأما المرفوع فلا أصل له وقال الرافعي تبعا للإمام : إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج به وقد حكى هذا المذهب البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام وحكاه في الفتح عن جماعة من الشافعية وقواه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من محدثي الشافعية ورجحه المقبلي . قال : وقد بحثت هذه المسألة وأحطتها في جميع بحثي فقها وحديثا فلم أحصل منها على غير ما ذكرت يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط
قال العراقي في شرح الترمذي بعد أن حكى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتد بالركعة من لا يدرك الفاتحة ما لفظه : وهو الذي يختاره اه . فالعجب [ ص 242 ] ممن يدعي الإجماع والمخالف مثل هؤلاء
وأما احتجاج الجمهور بحديث أبي بكرة حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( زادك الله حرصا ولا تعد ) ولم يؤمر بإعادة الركعة فليس فيها ما يدل على ما ذهبوا إليه لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتد بها . والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها لأن الكون مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتدا به أم لا كما في حديثه : ( إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شيئا ) أخرجه أبو داود وغيره على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى أبا بكر عن العود إلى مثل ذلك
والاحتجاج بشيء قد نهي عنه لا يصح وقد أجاب ابن حزم في المحلى عن حديث أبي بكرة فقال : إنه لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة ثم استدل على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث : ( ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) ثم جزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة والركن والذكر المفروض لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به قال : فهو مأمور بقضاء ما سبقه الإمام وإتمامه فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص آخر ولا سبيل إلى وجوده قال : وقد أقدم بعضهم على دعوى الإجماع على ذلك وهو كاذب في ذلك لأنه قد روي عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن وروي القضاء أيضا عن زيد بن وهب ثم قال : فإن قيل أنه يكبر قائما ثم يركع فقد صار مدركا للوقفة قلنا وهذه معصية أخرى وما أمر الله تعالى قط ولا رسوله أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإمام عليها وأيضا لا يجزئ قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإمام لا قبل ذلك . وقال أيضا في الجواب عن استدلالهم بحديث : ( من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة ) : إنه حجة عليهم لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة انتهى
( والحاصل ) أن أنهض ما احتج به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة لقوله فيه ( قبل أن يقيم صلبه ) كما تقدم
وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مناف لمطلوبهم وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني كما عرفت ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحا ويذهب إلى خلافه
( ومن الأدلة ) على ما ذهبنا إليه في هذه المسألة حديث أبي قتادة وأبي هريرة المتفق عليهما بلفظ : ( ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) قال الحافظ في الفتح : قد استدل بهما على أن من أدرك الإمام راكعا لم يحتسب له تلك الركعة للأمر بإتمام [ ص 243 ] ما فاته لأنه فاته القيام والقراءة فيه ثم قال : وحجة الجمهور حديث أبي بكرة وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم به . وقد ألف السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسألة ورجح مذهب الجمهور وقد كتبت أبحاثا في الجواب عليها

5 - وروى عبد الله بن شداد : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة )
- رواه الدارقطني . وقد روي مسندا من طرق كلها ضعاف والصحيح أنه مرسل

- الحديث قال الدارقطني : لم يسنده عن موسى بن أبي عائشة غير أبي حنيفة والحسن ابن عمارة وهما ضعيفان قال : وروى هذا الحديث سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وحريث بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى ابن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الصواب انتهى . قال الحافظ : وهو مشهور من حديث جابر وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة . وقال في الفتح : إنه ضعيف عند جميع الحفاظ وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني
وقد احتج القائلون بأن الإمام يتحمل القراءة عن المؤتم في الجهرية الفاتحة وغيرها والجواب أنه عام لأن القراءة مصدر مضاف وهو من صيغ العموم وحديث عبادة المتقدم خاص فلا معارضة وقد تقدم الكلام على ذلك

6 - وعن عمران بن حصين : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى الظهر فجعل رجل يقرأ خلفه سبح اسم ربك الأعلى فلما انصرف قال : أيكم قرأ أو أيكم القارئ فقال الرجل : أنا فقال : لقد ظننت أن بعضكم خالجنيها )
- متفق عليه

- قوله ( خالجنيها ) أي نازعنيها . ومعنى هذا الكلام الإنكار عليه في جهره أو رفع صوته بحيث أسمع غيره لا عن أصل القراءة بل فيه أنهم كانوا يقرؤون بالسورة في الصلاة السرية وفيه إثبات قراءة السورة في الظهر للإمام والمأموم . قال النووي : وهكذا الحكم عندنا ولنا وجه شاذ ضعيف أنه لا يقرأ المأموم السورة في السرية كما لا يقرؤها في الجهرية وهذا غلط لأنه في الجهرية يؤمر بالإنصات وهنا لا يسمع فلا معنى لسكوته من غير استماع ولو كان بعيدا عن الإمام لا يسمع قراءته فالصحيح أنه يقرأ السورة لما ذكرناه انتهى
وظاهر الأحاديث المنع من قراءة ما عدا الفاتحة من القرآن من غير فرق بين أن يسمع المؤتم الإمام أو لا يسمعه لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا [ ص 244 ] جهرت ) يدل على النهي عن القراءة عند مجرد وقوع الجهر من الإمام وليس فيه ولا في غيره ما يشعر باعتبار السماع

باب التأمين والجهر به مع القراءة

1 - عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا أمن الإمام فأمنوا فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) وقال ابن شهاب : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أمين )
- رواه الجماعة إلا أن الترمذي لم يذكر قول ابن شهاب . وفي رواية : ( إذا قال الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين وإن الإمام يقول آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ) رواه أحمد والنسائي

- وفي الباب عن علي عند ابن ماجه وعن بلال عند أبي داود . وعن أبي موسى عند أبي عوانة . وعن عائشة عند أحمد والطبراني وابن ماجه . وعن ابن عباس عند ابن ماجه أيضا وفي إسناده طلحة بن عمرو وقد تكلم فيه غير واحد من أهل العلم
وعن سلمان عند الطبراني في الكبير وفيه سعيد بن بشير . وعن ابن أم الحصين عند الطبراني في الكبير وفيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف . وعن أبي هريرة حديث آخر سيأتي وحديث ثالث عند النسائي . وعن وائل ثلاثة أحاديث سيأتي ذكرها في المتن والشرح وذكر الحافظ محمد ابن إبراهيم الوزير رحمه الله أن في الباب أيضا عن أم سلمة وسمرة انتهى . وعن ابن شهاب مرسل كما في حديث الباب وفي الباب أيضا عن علي حديث آخر عند أحمد بن عيسى في الأمالي وعنه موقوف عليه من طريق أبي خالد الواسطي في مجموع زيد بن علي وعنه أيضا موقوف عليه آخر من فعله عند ابن أبي حاتم وقال : هذا عندي خطأ . وعن ابن الزبير من فعله عند الشافعي فهذه سبعة عشر حديثا وثلاثة آثار
قوله ( إذا أمن الإمام ) فيه مشروعية التأمين للإمام وقد تعقب بأن القضية شرطية فلا تدل على المشروعية ورد بأن إذا تشعر بتحقيق الوقوع كما صرح بذلك أئمة المعاني
وقد ذهب مالك إلى أن الإمام لا يؤمن في الجهرية وفي رواية عنه مطلقا . وكذا روي عن أبي حنيفة والكوفيين وأحاديث الباب ترده . وسيأتي منها ما هو أصرح من حديث أبي هريرة في مشروعيته للإمام وظاهر [ ص 245 ] الرواية الأولى من الحديث أن المؤتم يوقع التأمين عند تأمين الإمام وظاهر الرواية الثانية منه أنه يوقعه عند قول الإمام غير المغضوب عليهم ولا الضالين
وجمع الجمهور بين الروايتين بأن المراد بقوله ( إذا أمن ) أي أراد التأمين ليقع تأمين الإمام والمأموم معا . قال الحافظ : ويخالفه رواية معمر عن ابن شهاب بلفظ : ( إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين فإن الملائكة تقول آمين والإمام يقول آمين ) قال : أخرجها النسائي وابن السراج وهي الرواية الثانية من حديث الباب . وقيل المراد بقوله ( إذا قال ولا الضالين فقولوا آمين ) أي إذا لم يقل الإمام آمين . وقيل الأول لمن قرب من الإمام والثاني لمن تباعد عنه لأن جهر الإمام بالتأمين أخفض من جهره بالقراءة . وقيل يؤخذ من الروايتين تخيير المأموم في قولها مع الإمام أو بعده قاله الطبري . قال الخطابي : وهذه الوجوه كلها محتملة وليست بدون الوجه الذي ذكروه يعني الجمهور
قوله ( فأمنوا ) استدل به على مشروعية تأخير تأمين المأموم عن تأمين الإمام لأنه رتبه عليه بالفاء لكن قد تقدم في الجمع بين الراويتين أن المراد المقارنة وبذلك قال الجمهور
قوله ( تأمين الملائكة ) قال النووي : واختلف في هؤلاء الملائكة فقيل هم الحفظة وقيل غيرهم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( من وافق قوله قول أهل السماء ) وأجاب الأولون بأنه إذا قاله الحاضرون من الحفظة قاله من فوقهم حتى ينتهي إلى أهل السماء . والمراد بالموافقة الموافقة في وقت التأمين فيؤمن مع تأمينهم قاله النووي . قال ابن المنير : الحكمة في إثبات الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها . وقال القاضي عياض : معناه وافقهم في الصفة والخشوع والإخلاص . قال الحافظ : والمراد بتأمين الملائكة استغفارهم للمؤمنين
قوله ( آمين ) هو بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القراء . وحكى أبو نصر عن حمزة والكسائي الإمالة وفيه ثلاث لغات أخر شاذة القصر حكاه ثعلب وأنشد له شاهدا وأنكره ابن درستويه وطعن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر . وحكى عياض ومن تبعه عن ثعلب أنه إنما أجازه في الشعر خاصة . والثانية التشديد مع المد . والثالثة التشديد مع القصر وخطأهما جماعة من أئمة اللغة . وآمين من أسماء الأفعال ويفتح في الوصل لأنها مثل كيف ومعناه اللهم استجب عند الجمهور . وقيل غير ذلك مما يرجع جميعه إلى هذا المعنى . وقيل إنه اسم لله حكاه صاحب القاموس عن الواحدي
( والحديث ) يدل على مشروعية التأمين قال الحافظ : وهذا الأمر عند الجمهور للندب . وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم [ ص 246 ] وجوبه على المأموم عملا بظاهر الأمر . وأوجبته الظاهرية على كل من يصلي . والظاهر من الحديث الوجوب على المأموم فقط لكن لا مطلقا بل مقيدا بأن يؤمن الإمام وأما الإمام والمنفرد فمندوب فقط
وحكى المهدي في البحر عن العترة جميعا أن التأمين بدعة وقد عرفت ثبوته عن علي عليه السلام من فعله وروايته عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتب أهل البيت وغيرهم على أنه قد حكى السيد العلامة الإمام محمد بن إبراهيم الوزير عن الإمام مهدي محمد بن المطهر وهو أحد أئمتهم المشاهير أنه قال في كتابه الرياض الندية : إن رواة التأمين جم غفير قال : وهو مذهب زيد بن علي وأحمد بن عيسى انتهى
وقد استدل صاحب البحر على أن التأمين بدعة بحديث معاوية بن الحكم السلمي إن هذه صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ولا يشك أن أحاديث التأمين خاصة وهذا عام وإن كانت أحاديثه الواردة عن جمع من الصحابة لا يقوى بعضها على تخصيص حديث واحد من الصحابة مع أنها مندرجة تحت العمومات القاضية بمشروعية مطلق الدعاء في الصلاة لأن التأمين دعاء فليس في الصلاة تشهد وقد أثبتته العترة فما هو جوابهم في إثباته فهو الجواب في إثبات ذلك على أن المراد بكلام الناس في الحديث هو تكليمهم لأنه اسم مصدر كلم لا تكلم
ويدل على أن ذلك السبب المذكور في الحديث . وأما القدح في مشروعية التأمين بأنه من طريق وائل بن حجر فهو ثابت من طريق غيره في كتب أهل البيت وغيرها فإنه مروي من جهة ذلك العدد الكثير
وأما ما رواه في الجامع الكافي عن القاسم بن إبراهيم أن آمين ليست من لغة العرب فهذه كتب اللغة بأجمعها على ظهر البسيطة

2 - وعن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا تلا غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال : آمين حتى يسمع من يليه من الصف الأول )
- رواه أبو داود وابن ماجه وقال : ( حتى يسمعها أهل الصف الأول فيرتج بها المسجد )

- الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وقال : إسناده حسن والحاكم وقال : صحيح على شرطهما . والبيهقي وقال : حسن صحيح . وأشار إليه الترمذي وهو يدل على مشروعية التأمين للإمام ومشروعية الجهر به وقد تقدم الخلاف في ذلك . واستدلوا على مشروعية الجهر به بحديث عائشة مرفوعا عند أحمد وابن ماجه والطبراني بلفظ : ( ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين ) وحديث ابن عباس عند ابن ماجه [ ص 247 ] بلفظ : قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على قول آمين فأكثروا من قول آمين ) اه

3 - وعن وائل بن حجر قال : ( سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقال آمين يمد بها صوته )
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي

- الحديث أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان وزاد أبو داود : ( ورفع بها صوته ) قال الحافظ : وسنده صحيح وصححه الدارقطني وأعله ابن القطان بحجر بن عنبس وقال : إنه لا يعرف وخطأه الحافظ وقال : إنه ثقة معروف قيل له صحبة ووثقه يحيى بن معين وغيره وروى الحديث ابن ماجه وأحمد والدارقطني من طريق أخرى بلفظ : ( وخفض بها صوته ) وقد أعلت باضطراب شعبة في إسنادها ومتنها ورواها سفيان ولم يضطرب في الإسناد ولا المتن
قال ابن القطان : اختلف شعبة وسفيان فقال شعبة : خفض وقال الثوري : رفع . وقال شعبة : حجر أبو عنبس وقال الثوري : حجر بن عنبس وصوب البخاري وأبو زرعة قول الثوري
وقد جزم ابن حبان في الثقات أن كنيته كاسم أبيه فيكون ما قالاه صوابا . وقال البخاري : إن كنيته أبو السكن ولا مانع من أن يكون له كنيتان وقد ورد الحديث من طرق ينتفي بها إعلاله بالاضطراب من شعبة ولم يبق إلا التعارض بين شعبة وسفيان وقد رجحت رواية سفيان بمتابعة اثنين له بخلاف شعبة فلذلك جزم النقاد بأن روايته أصح كما روي ذلك عن البخاري وأبي زرعة . وقد حسن الحديث الترمذي قال ابن سيد الناس : ينبغي أن يكون صحيحا
( وهو يدل ) على مشروعية التأمين للإمام والجهر ومد الصوت به قال الترمذي : وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين ومن بعدهم يرون أن الرجل يرفع صوته بالتأمين ولا يخفيها وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق اه

باب حكم من لم يحسن فرض القراءة

1 - عن رفاعة بن رافع : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علم رجلا الصلاة فقال : إن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله وكبره وهلله ثم اركع )
- رواه أبو داود والترمذي

2 - وعن عبد الله بن أبي أوفى قال : ( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إني لا أستطيع أن آخذ شيئا من القرآن فعلمني ما يجزئني قال : قل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله [ ص 248 ] أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله )
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي والدارقطني ولفظه فقال : ( إني لا أستطيع أن أتعلم القرآن فعلمني ما يجزئني في صلاتي ) فذكره

- أما الحديث الأول فهو طرف من حديث المسيء صلاته وأخرجه النسائي أيضا وقال الترمذي : حديث رفاعة حسن
وأما الحديث الثاني فأخرجه أيضا ابن الجارود وابن حبان والحاكم وفي إسناده إبراهيم ابن إسماعيل السكسكي وهو من رجال البخاري لكن عيب عليه إخراج حديثه وضعفه النسائي
وقال ابن القطان : ضعفه قوم فلم يأتوا بحجة . وقال ابن عدي : لم أجد له حديثا منكر المتن . وذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف . وقال في شرح المهذب : رواه أبو داود والنسائي بإسناد ضعيف اه ولم ينفرد بالحديث إبراهيم فقد رواه الطبراني وابن حبان في صحيحه أيضا من طريق طلحة بن مصرف عن ابن أبي أوفى ولكن في إسناده الفضل بن موفق ضعفه أبو حاتم كذا قال الحافظ
قوله ( فاحمد الله ) الخ قيل قد عين الحديث الثاني لفظ الحمد والتكبير والتهليل المأمور به ولا يخفى أنه من التقييد بموافق المطلق
قوله ( إني لا أستطيع ) رواه ابن ماجه بلفظ : ( إني لا أحسن من القرآن شيئا ) قال شارح المصابيح : اعلم أن هذه الواقعة لا تجوز أن تكون في جميع الأزمان لأن من يقدر على تعلم هذه الكلمات لا محالة يقدر على تعلم الفاتحة بل تأويله لا أستطيع أن أتعلم شيئا من القرآن في هذه الساعة وقد دخل على وقت الصلاة فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلم
( والحديثان ) يدلان على أن الذكر المذكور يجزئ من لا يستطيع أن يتعلم القرآن وليس فيه ما يقتضي التكرار فظاهره أنها تكفي مرة
وقد ذهب البعض إلى أنه يقوله ثلاث مرات والقائلون بوجوب الفاتحة في كل ركعة لعلهم يقولون بوجوبه في كل ركعة

باب قراءة السورة بعد الفاتحة في الأوليين وهل تسن قراءتها في الأخريين أم لا

1 - عن أبي قتادة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفي الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب ويسمعنا الآية أحيانا ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الثانية وهكذا في العصر وهكذا في الصبح )
- متفق عليه . ورواه أبو داود وزاد قال : ( فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى )

[ ص 249 ] - قوله ( الأوليين ) بتحتانيتين تثنية الأولى وكذا الأخريين
قوله ( وسورتين ) أي في كل ركعة سورة ويدل على ذلك ما ثبت من حديث قتادة في رواية للبخاري بلفظ : ( كان النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ في الركعتين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة سورة ) وفيه دليل على إثبات القراءة في الصلاة السرية
وقد أخرج أبو داود والنسائي عن ابن عباس أنه سئل : ( أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر والعصر فقال : لا لا فقيل له : فلعله كان يقرأ في نفسه فقال : خمسا هذه أشد من الأولى فكان عبدا مأمورا بلغ ما أرسل به ) الحديث وهو كما قال الخطابي وهم من ابن عباس وقد أثبت القراءة في السرية أبو قتادة وخباب بن الأرت وغيرهما والإثبات مقدم على النفي . وقد تردد ابن عباس في ذلك فروى عنه أبو داود أنه قال : ( لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا ) وفي هذه الرواية دليل على أنه اعتمد في الأولى على عدم الدراية لا على قرائن دلت على ذلك
قوله ( ويسمعنا الآية أحيانا ) فيه دلالة على جواز الجهر في السرية وهو يرد على من جعل الإسرار شرطا لصحة الصلاة السرية وعلى من أوجب في الجهر سجود السهو . وقوله ( أحيانا ) يدل على أنه تكرر ذلك منه
قوله ( ويطول في الركعة الأولى ) استدل به على استحباب تطويل الأولى على الثانية سواء كان التطويل بالقراءة بترتيلها مع استواء المقروء في الأوليين
وقد قيل إن المستحب التسوية بين الأوليين فاستدلوا بحديث سعد عند البخاري ومسلم وغيرهما وسيأتي . وكذلك استدلوا بحديث أبي سعيد الآتي عند مسلم وأحمد : ( أنه كان صلى الله عليه و سلم يقرأ في الظهر في الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية ) وفي رواية لابن ماجه : ( أن الذين حزروا ذلك كانوا ثلاثين من الصحابة ) وجعل صاحب هذا القول تطويل الأولى المذكور في الحديث بسبب دعاء الاستفتاح والتعوذ
وقد جمع البيهقي بين الأحاديث بأن الإمام يطول في الأولى إن كان منتظرا لأحد وإلا سوى بين الأوليين . وجمع ابن حبان بأن تطويل الأولى إنما كان لأجل الترتيل في قراءتها مع استواء المقروء في الأوليين
قوله ( وهكذا في الصبح ) الخ فيه دليل على عدم اختصاص القراءة بالفاتحة وسورة في الأوليين وبالفاتحة فقط في الأخريين والتطويل في الأولى بصلاة الظهر بل ذلك هو السنة في جميع الصلوات
قوله ( فظننا أنه يريد ) الخ فيه أن الحكمة في التطويل المذكور هي انتظار الداخل وكذا روى هذه الزيادة ابن خزيمة وابن حبان . وقال القرطبي : لا حجة فيه لأن الحكمة لا تعلل [ ص 250 ] بها لخفائها وعدم انضباطها
( والحديث ) يدل على مشروعية القراءة بفاتحة الكتاب في كل ركعة وقد تقدم الكلام عليه وعلى قراءة سورة مع الفاتحة في كل واحدة من الأوليين وعلى جواز الجهر ببعض الآيات في السرية

2 - وعن جابر بن سمرة قال : ( قال عمر لسعد : لقد شكوك في كل شيء حتى الصلاة قال : أما أنا فأمد في الأوليين وأحذف في الأخريين ولا آلو ما اقتديت به من صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : صدقت ذلك الظن بك أو ظني بك )
- متفق عليه

- قوله ( شكوك ) يعني أهل الكوفة وفي رواية للبخاري شكا أهل الكوفة سعدا
قوله ( في كل شيء ) قال الزبير بن بكار في كتاب النسب : رفع أهل الكوفة عليه أشياء كشفها عمر فوجدها باطلة ولكن عزله واستعمل عليهم عمار بن ياسر . قال خليفة : استعمل عمارا على الصلاة وابن مسعود على بيت المال وعثمان بن حنيف على مساحة الأرض
قوله ( فأمد ) في رواية في الصحيحين فأركد في الأوليين وهما متقاربان . قال القزاز : أي أقيم طويلا أطول فيهما القراءة ويحتمل التطويل لما هو أعم كالأذكار والقراءة والركوع والسجود والمعهود في التفرقة بين الركعات إنما هو في القراءة
قوله ( وأحذف ) بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة قال الحافظ : وكذا هو في جميع طرق هذا الحديث التي وقفت عليها لكن في رواية البخاري وأخف بضم الهمزة وكسر الخاء المعجمة والمراد بالحذف حذف التطويل وتقصيرهما عن الأوليين لا حذف أصل القراءة والإخلال بها فكأنه قال أحذف المد
( وفيه دليل ) على أن الأوليين من الرباعية متساويتان في الطول وكذا الأوليان من الثلاثية وقد تقدم الكلام على ذلك . وفيه دليل أيضا على تساوي الأخريين
قوله ( ولا آلو ) بمد الهمزة من آلو وضم اللام بعدها أي لا أقصر في ذلك
قوله ( ذلك الظن بك ) فيه جواز مدح الرجل الجليل في وجهه إذا لم يخف عليه فتنة بإعجاب ونحوه والنهي عن ذلك إنما هو لمن خيف عليه وقد جاءت أحاديث كثيرة ثابتة في الصحيح بالأمرين والمد في الأوليين يدل على قراءة زيادة على فاتحة الكتاب ولذا أورد المصنف الحديث دليلا لقراءة السورة بعد الفاتحة

3 - وعن أبي سعيد الخدري : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الأخريين قدر قراءة [ ص 251 ] خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر قراءة خمس عشر آية وفي الآخريين قدر نصف ذلك )
- رواه أحمد ومسلم

- الحديث يدل على استحباب التطويل في الأوليين من الظهر والأخريين منه لأن الوقوف في كل واحدة من الأخريين منه مقدار خمس عشرة آية يدل على أنه صلى الله عليه و سلم كان يقرأ بزيادة على الفاتحة لأنها ليست إلا سبع آيات
وقوله ( في الأخريين قدر خمس عشرة آية ) أي في كل ركعة كما يشعر بذلك السياق . ويدل أيضا على استحباب التخفيف في صلاة العصر وجعلها على النصف من صلاة الظهر . وقد روى مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد من طريق أخرى هذا الحديث بدون قوله في كل ركعة ولفظه : ( فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر ) فينبغي حمل المطلق في هذه الرواية على المقيد بقوله في كل ركعة
والحكمة في إطالة الظهر أنها في وقت غفلة بالنوم في القائلة فطولت ليدركها المتأخر والعصر ليست كذلك بل تفعل في تعب أهل الأعمال فخففت وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يطول في الظهر تطويلا زائدا على هذا المقدار كما في حديث : ( إن صلاة الظهر كانت تقام ويذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الركعة الأولى مما يطيلها )

باب قراءة سورتين في كل ركعة وقراءة بعض سورة وتنكيس السور في ترتيبها وجواز تكريرها

1 - عن أنس قال : ( كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قبا فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بقل هو الله أحد حتى يفرغ منها ثم يقرأ سورة أخرى معها فكان يصنع ذلك في كل ركعة فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبروه الخبر فقال : وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة قال : إني أحبها قال : حبك إياها أدخلك الجنة )
- رواه الترمذي وأخرجه البخاري تعليقا

- الحديث قال الترمذي : حسن صحيح غريب وأخرجه البزار والبيهقي والطبراني
قوله ( كان رجل ) هو كلثوم بن الهدم ذكره ابن منده في كتاب التوحيد . وقيل قتادة بن [ ص 252 ] النعمان وقيل مكتوم بن هدم وقيل كرز بن هدم
قوله ( افتتح بقل هو الله أحد ) تمسك به من قال لا يشترط قراءة الفاتحة وأجيب بأن الراوي لم يذكر الفاتحة للعلم بأنه لا بد منها فيكون معناه افتتح سورة بعد الفاتحة أو أن ذلك قبل ورود الدليل على اشتراط الفاتحة
قوله ( فكان يصنع ذلك في كل ركعة ) لفظ البخاري : ( فكلمه أصحابه وقالوا : إنك تفتتح بهذه السورة لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ أخرى فقال : ما أنا بتاركها إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلت وإن كرهتم ذلك تركتكم وكانوا يرون أنه من أفضلهم وكرهوا أن يؤمهم غيره فلما أتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبروه الخبر فقال : يا فلان ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك وما يحملك ) الخ
قوله ( ما يحملك ) أجابه عن الحامل على الفعل بأنه المحبة وحدها
قوله ( أدخلك الجنة ) التبشير له بالجنة يدل على الرضا بفعله وعبر بالفعل الماضي وإن كان الدخول مستقبلا تنبيها على تحقق الوقوع كما نص عليه أئمة المعاني قال ناصر الدين ابن المنير : في هذا الحديث إن المقاصد تغير أحكام الفعل لأن الرجل لو قال إن الحامل له على إعادتها أنه لا يحفظ غيرها لأمكن أن يأمره بحفظ غيرها لكنه اعتل بحبها فظهرت صحة قصده فصوبه . قال : وفيه دليل على جواز تخصيص بعض القرآن بميل النفس إليه والاستكثار منه ولا يعد ذلك هجرانا لغيره
( والحديث ) يدل على جواز قراءة سورتين في كل ركعة مع فاتحة الكتاب على ذلك التأويل من غير فرق بين الأوليين والآخريين لأن قوله في كل ركعة يشمل الأخريين

2 - وعن حذيفة قال : ( صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة فقلت يركع عند المائدة ثم مضى فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها فمضى ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح وإذا مر بسؤال سأل وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم وكان ركوعه نحوا من قيامه ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ثم قام قياما طويلا قريبا مما ركع ثم سجد فقال سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي

- قوله ( فقلت يصلي بها في ركعة ) قال النووي : معناه ظننت أنه يسلم بها فيقسمها على ركعتين وأراد بالركعة الصلاة بكمالها وهي ركعتان ولا بد من هذا التأويل لينتظم الكلام بعده
قوله ( فمضى ) معناه قرأ معظمها بحيث غلب على ظني أنه لا يركع الركعة الأولى إلا في آخر البقرة فحينئذ قلت يركع بها الركعة الأولى بها فجاوز وافتتح النساء
قوله ( ثم افتتح [ ص 253 ] آل عمران ) قال القاضي عياض : فيه دليل لمن يقول أن ترتيب السور اجتهاد من المسلمين حين كتبوا المصحف وأنه لم يكن ذلك من ترتيب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل وكله إلى أمته بعده قال : وهذا قول مالك والجمهور واختاره القاضي أبو بكر الباقلاني . قال ابن الباقلاني : هو أصح القولين مع احتمالهما قال : والذي نقوله إن ترتيب السور ليس بواجب في الكتابة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التلقين والتعليم وإنه لم يكن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك نص ولا يحرم مخالفته ولذلك اختلف ترتيب المصاحف قبل مصحف عثمان قال : وأما من قال من أهل العلم أن ذلك بتوقيف من النبي صلى الله عليه و سلم كما استقر في مصحف عثمان وإنما اختلفت المصاحف قبل أن يبلغهم التوقيف فيتأول قراءته صلى الله عليه و سلم النساء ثم آل عمران هنا على أنه كان قبل التوقيف والترتيب قال : ولا خلاف إنه يجوز للمصلي أن يقرأ في الركعة الثانية سورة قبل التي قرأها في الأولى وإنما يكره ذلك في ركعة ولمن يتلو في غير الصلاة قال : وقد أباح بعضهم وتأول نهي السلف عن قراءة القرآن منكوسا على من يقرأ من آخر السورة إلى أولها ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة بتوقيف من الله على ما بني عليه الآن في المصحف وهكذا نقلته الأمة عن نبيها صلى الله عليه وآله وسلم
قوله ( فقرأها مترسلا إذا مر بآية ) الخ فيه استحباب الترسل والتسبيح عند المرور بآية فيها تسبيح والسؤال عند قراءة آية فيها سؤال والتعوذ عند تلاوة آية فيها تعوذ
والظاهر استحباب هذه الأمور لكل قارئ من غير فرق بين المصلي وغيره وبين الإمام والمنفرد والمأموم وإلى ذلك ذهبت الشافعية
قوله ( ثم ركع فجعل يقول سبحان ربي العظيم ) فيه استحباب تكريره هذا الذكر في الركوع وكذلك سبحان ربي الأعلى في السجود وإلى ذلك ذهب الشافعي وأصحابه والأوزاعي وأبو حنيفة والكوفيون وأحمد والجمهور
وقال مالك : لا يتعين ذلك للاستحباب وسيأتي الكلام على ذلك في باب الذكر في الركوع والسجود
قوله ( ثم قال سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ثم قام قياما طويلا ) فيه رد لما ذهب إليه أصحاب الشافعي من أن تطويل الاعتدال عن الركوع لا يجوز وتبطل به الصلاة وسيأتي الكلام على ذلك
( والحديث ) أيضا يدل على استحباب تطويل صلاة الليل وجواز الائتمام في النافلة

3 - وعن رجل من جهينة : ( أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في الصبح إذا زلزلت الأرض في الركعتين كلتيهما قال : فلا أدري أنسي رسول الله صلى الله [ ص 254 ] عليه وآله وسلم أم قرأ ذلك عمدا )
- رواه أبو داود

- الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وقد قدمنا أن جماعة من أئمة الحديث صرحوا بصلاحية ما سكت عنه أبو داود للاحتجاج وليس في إسناده مطعن بل رجاله رجال الصحيح وجهالة الصحابي لا تضر عند الجمهور وهو الحق
قوله ( يقرأ في الصبح إذا زلزلت ) فيه استحباب قراءة سورة بعد الفاتحة وجواز قراءة قصار المفصل في الصبح
قوله ( فلا أدري أنسي ) فيه دليل لمذهب الجمهور القائلين بجواز النسيان عليه صلى الله عليه وآله وسلم وقد صرح بذلك حديث : ( إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ) ولكن فيما ليس طريقه البلاغ قالوا ولا يقر عليه بل لا بد أن يتذكره واختلفوا هل من شرط ذلك الفور أم يصح على التراخي قبل وفاته صلى الله عليه وآله وسلم
قوله ( أم قرأ ذلك عمدا ) تردد الصحابي في أن إعادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم للسورة هل كان نسيانا لكون المعتاد من قراءته أن يقرأ في الركعة الثانية غير ما قرأ به في الأولى فلا يكون مشروعا لأمته أو فعله عمدا لبيان الجواز فتكون الإعادة مترددة بين المشروعية وعدمها وإذا دار الأمر بين أن يكون مشروعا أو غير مشروع فحمل فعله صلى الله عليه وآله وسلم على المشروعية أولى لأن الأصل في أفعاله التشريع والنسيان على خلاف الأصل . ونظيره ما ذكره الأصوليون فيما إذا تردد فعله صلى الله عليه وآله وسلم بين أن يكون جبليا أو لبيان الشرع والأكثر على التأسي به

4 - وعن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر في الأولى منهما { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا } الآية التي في البقرة وفي الآخرة { آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون } ) وفي رواية : ( كان يقرأ في ركعتي الفجر { قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا } والتي في آل عمران { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } )
- رواهما أحمد ومسلم

- الروايات فيما كان يقرؤه صلى الله عليه وآله وسلم في الركعتين قبل الفجر مختلفة . فمنها ما ذكره المصنف . ومنها ما في صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ) وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة أنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح حتى إني لأقول هل قرأ فيهما بأم القرآن ) وفي [ ص 255 ] رواية : ( أقول لم يقرأ فيهما بفاتحة الكتاب )
( والحديث ) يدل على استحباب قراءة الآيتين المذكورتين فيهما بعد قراءة فاتحة الكتاب لما ثبت في رواية لمسلم : ( أنه كان يقرأ فيهما بعد فاتحة الكتاب بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد ) فتحمل الأحاديث التي لم يذكر فيها القراءة بفاتحة الكتاب كحديث الباب على هذه الرواية ويكون المصلي مخيرا إن شاء قرأ مع فاتحة الكتاب في كل ركعة ما في حديث ابن عباس وإن شاء قرأ بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون في ركعة وقل هو الله أحد في ركعة وإلى ذلك ذهب الجمهور . وقال مالك وجمهور أصحاب الشافعي : إنه لا يقرأ غير الفاتحة . وقال بعض السلف : لا يقرأ شيئا وكلاهما خلاف هذه الأحاديث الصحيحة وسيأتي الكلام على ذلك في باب تأكيد ركعتي الفجر . وقد استدل المصنف رحمه الله بالحديث على جواز قراءة بعض سورة في الركعة كما فعل في ترجمة الباب

باب جامع القراءة في الصلوات

1 - عن جابر بن سمرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الفجر ب { ق والقرآن المجيد } ونحوها وكان صلاته بعد إلى تخفيف ) وفي رواية : ( كان يقرأ في الظهر بالليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك )
- رواهما أحمد ومسلم . وفي رواية : ( كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحو من والليل إذا يغشى والعصر كذلك والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيلها ) رواه أبو داود

- قوله ( كان يقرأ في الفجر ب { ق } ) قد تقرر في الأصول أن كان تفيد الاستمرار وعموم الأزمان فينبغي أن يحمل قوله كان يقرأ في الفجر ب { ق } على الغالب من حاله صلى الله عليه و سلم أو تحمل على أنها لمجرد وقوع الفعل لأنها قد تستعمل لذلك كما قال ابن دقيق العيد لأنه قد ثبت أنه قرأ في الفجر { إذا الشمس كورت } عند الترمذي والنسائي من حديث عمرو بن حريث . وثبت أنه صلى الله عليه و سلم صلى بمكة الصبح فاستفتح سورة المؤمنين عند مسلم من حديث عبد الله بن السائب . وأنه قرأ بالطور ذكره البخاري تعليقا من حديث أم سلمة . وأنه كان يقرأ في ركعتي الفجر أو إحداهما ما بين الستين إلى المائة أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي [ ص 256 ] برزة . وأنه قرأ الروم أخرجه النسائي عن رجل من الصحابة . وأنه قرأ المعوذتين أخرجه النسائي أيضا من حديث عقبة بن عامر . وأنه قرأ { إنا فتحنا لك فتحا مبينا } أخرجه عبد الرزاق عن أبي بردة . وأنه قرأ الواقعة أخرجه عبد الرزاق أيضا عن جابر بن سمرة . وأنه قرأ بيونس وهود أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي هريرة . وأنه قرأ إذا زلزلت الأرض كما تقدم عند أبي داود وأنه قرأ ألم تنزيل السجدة وهل أتى على الإنسان أخرجه الشيخان من حديث ابن مسعود
قوله ( وكان يقرأ في الظهر بالليل والعصر نحو ذلك ) ينبغي أن يحمل هذا على ما تقدم لأنه قد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطارق وشبههما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث جابر بن سمرة . وأنه كان يقرأ في الظهر بسبح اسم ربك الأعلى أخرجه مسلم عن جابر بن سمرة أيضا . وأنه قرأ من سورة لقمان والذاريات في صلاة الظهر أخرجه النسائي عن البراء . وأنه قرأ في الأولى من الظهر بسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية أخرجه النسائي أيضا عن أنس وثبت أنه كان يقرأ في الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى ويقصر في الثانية عند البخاري وقد تقدم ولم يعين السورتين . وتقدم أنه كان يقرأ في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة وتقدم أيضا أنه كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية وفي الآخريين قدر خمس عشرة آية أو قال نصف ذلك وفي العصر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية وفي الأخريين قدر نصف ذلك
وثبت عن أبي سعيد عند مسلم وغيره أنه قال : ( كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه و سلم في الظهر والعصر فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة آلم تنزيل السجدة وحزرنا قيامه في الركعتين الأخريين قدر النصف من ذلك وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الآخرتين من الظهر وفي الآخريين من العصر على النصف من ذلك
قوله ( وفي الصبح أطول من ذلك ) قال العلماء : لأنها تفعل في وقت الغفلة بالنوم في آخر الليل فيكون في التطويل انتظار للمتأخر . قال النووي حاكيا عن العلماء : إن السنة أن تقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل ويكون الصبح أطول وفي العشاء والعصر بأوساط المفصل وفي المغرب بقصاره قال : قالوا والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنهما في وقت غفلة بالنوم آخر الليل وفي القائلة فطولتا ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها والعصر ليست كذلك [ ص 257 ] بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخففت عن ذلك والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم والعشاء في وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر انتهى
وكون السنة في صلاة المغرب القراءة بقصار المفصل غير مسلم فقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرأ فيها بسورة الأعراف والطور والمرسلات كما يأتي في أحاديث هذا الباب . وثبت أنه صلى الله عليه و سلم قرأ فيها بالأعراف في الركعتين جميعا أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي أيوب . وقرأ بالدخان أخرجه النسائي وأخرج البخاري عن مروان بن الحكم قال : ( قال لي زيد بن ثابت : ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقرأ بطولى الطوليين ) والطوليان هما الأعراف والأنعام . وثبت أنه قرأ صلى الله عليه و سلم فيه بالذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أخرجه ابن حبان من حديث ابن عمر وسيأتي بقية الكلام في آخر الباب

2 - وعن جبير بن مطعم قال : ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في المغرب بالطور )
- رواه الجماعة إلا الترمذي

- قوله ( بالطور ) أي بسورة الطور . قال ابن الجوزي : يحتمل أن يكون الباء بمعنى من كقوله تعالى { يشرب بها عباد الله } وهو خلاف الظاهر وقد ورد في الأحاديث ما يشعر بأنه قرأ السورة كلها فعند البخاري في التفسير بلفظ : ( سمعته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } الآيات إلى قوله المصيطرون كاد قلبي يطير ) وقد ادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث على تطويل القراءة لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ : ( سمعته يقرأ { إن عذاب ربك لواقع } ) قال : فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هو هذه الآية خاصة وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة
وحديث البخاري المتقدم يبطل هذه الدعوى وقد ثبت في رواية أنه سمعه يقرأ والطور وكتاب مسطور . ومثله لابن سعد وزاد في أخرى : ( فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد ) وأيضا لو كان اقتصر على قراءة تلك الآية كما زعم لما كان لإنكار زيد بن ثابت على مروان كما في الحديث المتقدم معنى لأن الآية أقصر من قصار المفصل وقد روي أن زيدا قال له : ( إنك تخفف القراءة في الركعتين من المغرب [ ص 258 ] فو الله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ فيهما بسورة الأعراف في الركعتين جميعا ) أخرج هذه الرواية ابن خزيمة وقد ادعى أبو داود نسخ التطويل ويكفي إبطال هذه الدعوى حديث أم الفضل الآتي
وقد ذهب إلى كراهة القراءة في المغرب بالسور الطوال مالك وقال الشافعي : لا أكره ذلك بل استحبه . قال الحافظ : والمشهور عند الشافعية أنه لا كراهة ولا استحباب انتهى

3 - وعن ابن عباس : ( أن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ والمرسلات عرفا فقال : يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بها في المغرب )
- رواه الجماعة إلا ابن ماجه

- قوله ( أن أم الفضل ) هي والدة ابن عباس الراوي عنها وبذلك صرح الترمذي فقال عن أمه أم الفضل واسمها لبابة بنت الحارث الهلالية ويقال إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة
قوله ( سمعته ) أي سمعت ابن عباس وفيه التفات لأن ظاهر السياق أن يقول سمعتني
قوله ( لقد ذكرتني ) أي شيئا نسيته
قوله ( إنها لآخر ما سمعت ) الخ في رواية ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله . وقد ثبت من حديث عائشة أن آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه في مرض موته الظهر . وطريق الجمع أن عائشة حكت آخر صلاة صلاها في المسجد لقرينة قولها بأصحابه والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته كما روى ذلك النسائي ولكنه يشكل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن أم الفضل بلفظ : ( خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب ) ويمكن حمل قولها خرج إلينا أنه خرج من مكانه الذي كان فيه راقدا إلى من في البيت . وهذا الحديث يرد على من قال التطويل في صلاة المغرب منسوخ كما تقدم

4 - وعن عائشة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في المغرب بسورة الأعراف فرقها في الركعتين )
- رواه النسائي

- الحديث إسناده في سنن النسائي هكذا أخبرنا عمرو بن عثمان قال حدثنا بقية وأبو حيوة عن ابن أبي حمزة قال حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة فذكره وبقية وإن كان فيه ضعف فقد تابعه أبو حيوة وهو ثقة . وقد أخرج نحوه ابن أبي شيبة في مصنفه عن أبي أيوب بلفظ : ( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين جميعا ) وأخرج نحوه ابن خزيمة من حديث زيد بن ثابت كما تقدم . ويشهد [ ص 259 ] لصحته ما أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي من حديث زيد بن ثابت : ( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ في المغرب بطولى الطوليين ) زاد أبو داود : ( قلت وما طولى الطوليين قال الأعراف ) قال الحافظ في الفتح : إنه حصل الاتفاق على تفسير الطولى بالأعراف
وقد استدل الخطابي وغيره بالحديث على امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق وكذلك استدل به المصنف رحمه الله كما تقدم في باب وقت صلاة المغرب من أبواب الأوقات وتقدم الكلام على ذلك هنالك

5 - وعن ابن عمر قال : ( كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في المغرب قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد )
- رواه ابن ماجه

6 - وفي حديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا معاذ أفتان أنت أو قال أفاتن أنت فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى )
- متفق عليه

- أما الحديث الأول فقال الحافظ في الفتح : ظاهر إسناده الصحة إلا أنه معلول قال الدارقطني : أخطأ بعض رواته فيه وأخرج نحوه ابن حبان والبيهقي عن جابر بن سمرة وفي إسناده سعيد بن سماك وهو متروك
قال الحافظ أيضا : والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب
وأما الحديث الثاني فقال في الفتح : إن قصة معاذ كانت في العشاء وقد صرح بذلك البخاري في روايته لحديث جابر وسيأتي الخلاف في تعيين الصلاة وتعيين السورة التي قرأها معاذ في باب انفراد المؤتم لعذر . ولفظ الحديث في البخاري أنه قال جابر ( أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق معاذا يصلي فترك ناضحيه وأقبل إلى معاذ فقرأ بسورة البقرة والنساء فانطلق الرجل وبلغه أن معاذا نال منه فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فشكا إليه معاذا فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ) إلى آخر ما ذكره المصنف
قوله ( فلولا صليت ) أي فهلا صليت
قوله ( أفتان أنت أو قال أفاتن ) قال ابن سيد الناس : الأولى أن يكون للشك من الراوي لا من باب الرواية بالمعنى كما زعم بعضهم لما تحلت به صيغة فعال من المبالغة التي خلت عنها صيغة فاعل
( والحديث ) يدل على مشروعية القراءة في العشاء بأوساط المفصل كما حكاه النووي عن العلماء . ويدل أيضا على مشروعية التخفيف للإمام لما بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض روايات حديث معاذ عند البخاري وغيره بلفظ : ( فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير ) وفي لفظ له : ( فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة ) قال أبو عمر : التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه مندوب عند العلماء إليه إلا أن ذلك إنما [ ص 260 ] هو أقل الكمال وأما الحذف والنقصان فلا لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عن نقر الغراب ورأى رجلا يصلي ولم يتم ركوعه وسجوده فقال له : ( ارجع فصل فإنك لم تصل ) وقال : ( لا ينظر الله عز و جل إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده ) وقال أنس : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخف الناس صلاة في تمام ) قال ابن دقيق العيد وما أحسن ما قال : إن التخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنسبة إلى عادة آخرين انتهى
ولعله يأتي إن شاء الله تعالى للمقام مزيد تحقيق في باب ما يؤمر به الإمام من التخفيف من أبواب صلاة الجماعة . وسيذكر المصنف طرفا من حديث معاذ في باب انفراد المأموم لعذر . وفي باب هل يقتدي المفترض بالمتنفل أم لا وسنذكر إن شاء الله في شرحه هنالك بعضا من فوائده التي لم يذكرها ههنا

7 - وعن سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال : ( ما رأيت رجلا أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من فلان لإمام كان بالمدينة قال سليمان : فصليت خلفه فكان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف الآخرتين ويخفف العصر ويقرأ في الأوليين من المغرب بقصار المفصل ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل ويقرأ في الغداة بطوال المفصل )
- رواه أحمد والنسائي

- الحديث قال الحافظ في الفتح : صححه ابن خزيمة وغيره وقال في بلوغ المرام : إن إسناده صحيح
( والحديث ) استدل به على مشروعية ما تضمنه من القراءة في الصلوات لما عرفت من إشعار لفظ كان بالمداومة . وقيل في الاستدلال به على ذلك نظر لأن قوله أشبه صلاة يحتمل أن يكون في معظم الصلاة لا في جميع أجزائها وقد تقدم نظير هذا ويمكن أن يقال في جوابه إن الخبر ظاهر في المشابهة في جميع الأجزاء فيحمل على عمومه حتى يثبت ما يخصصه وقد تقدم الكلام في صلاة الصبح والظهر والعصر وأما المغرب فقد عرفت ما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يستمر على قراءة قصار المفصل فيها بل قرأ فيها بطولى الطوليين وبطوال المفصل وكانت قراءته في آخر صلاة صلاها بالمرسلات في صلاة المغرب كما تقدم
قال الحافظ في الفتح : وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أحيانا يطيل القراءة في المغرب إما لبيان الجواز وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين ولكنه يقدح في هذا الجمع ما في البخاري وغيره من إنكار زيد بن ثابت على مروان مواظبته على قصار المفصل في المغرب ولو كانت قراءته صلى الله عليه وآله وسلم السور الطويلة في المغرب لبيان الجواز لما كان ما فعله مروان من المواظبة على قصار المفصل إلا [ ص 261 ] محض السنة ولم يحسن من هذا الصحابي الجليل إنكار ما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يفعل غيره إلا لبيان الجواز ولو كان الأمر كذلك لما سكت مروان عن الاحتجاج بمواظبته صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك في مقام الإنكار عليه
وأيضا بيان الجواز يكفي فيه مرة واحدة . وقد عرفت أنه قرأ بالسور الطويلة مرات متعددة وذلك يوجب تأويل لفظ كان الذي استدل به على الدوام بمثل ما قدمنا . فالحق أن القراءة في المغرب بطوال المفصل وقصاره وسائر السور سنة والاقتصار على نوع من ذلك إن انضم إليه اعتقاد أنه السنة دون غيره مخالف لهديه صلى الله عليه وآله وسلم
قوله ( بقصار المفصل ) قد اختلف في تفسير المفصل على عشرة أقوال ذكرها صاحب القاموس وغيره وقد ذكرناها في باب وقت صلاة المغرب من أبواب الأوقات
قوله ( ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل ) قد تقدم في حديث معاذ ( أن النبي صلى الله عليه و سلم أمره بالقراءة بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ) وهذه السور من أوساط المفصل وزاد مسلم : ( أنه أمره بقراءة اقرأ باسم ربك الذي خلق ) وزاد عبد الرزاق الضحى وفي رواية للحميدي بزيادة : ( والسماء ذات البروج والسماء والطارق ) وقد عرفت أن قصة معاذ كانت في صلاة العشاء وثبت أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ في صلاة العشاء بالشمس وضحاها ونحوها من السور أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه من حديث بريدة وأنه قرأ فيها بالتين والزيتون أخرجه البخاري ومسلم والترمذي من حديث البراء . وأنه قرأ بإذا السماء انشقت أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة

باب الحجة في الصلاة بقراءة ابن مسعود وأبي وغيرهما ممن أثني على قراءته

1 - عن عبد الله بن عمر قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : خذوا القرآن من أربعة من ابن أم عبد فبدأ به ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب وسالم مولى أبي حذيفة )
- رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه

2 - وعن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من أحب أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد )
- رواه أحمد

[ ص 262 ] - حديث أبي هريرة أخرجه أيضا أبو يعلى والبزار وفيه جرير بن أيوب البجلي وهو متروك لكنه أخرجه بهذا اللفظ البزار والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عمار بن ياسر قال في مجمع الزوائد : ورجال البزار ثقات
قوله ( ابن أم عبد ) هو عبد الله بن مسعود وقد روي أنه لم يحفظ القرآن جميعا في عصره صلى الله عليه وآله وسلم إلا هؤلاء الأربعة
والمصنف رحمه الله عقد هذا الباب للرد على من يقول أنها لا تجزئ في الصلاة إلا قراءة السبعة القراء المشهورين قالوا لأن ما نقل آحاديا ليس بقرآن ولم تتواتر إلا السبع دون غيرها فلا قرآن إلا ما اشتملت عليه وقد رد هذا الاشتراط إمام القراآت الجزري فقال في النشر : زعم بعض المتأخرين أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر ولا يخفى ما فيه لأنا إذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابتة عن هؤلاء السبعة وغيرهم وقال : ولقد كنت أجنح إلى هذا القول ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف على خلافه وقال : القراءة المنسوبة إلى كل قارئ من السبعة وغيرهم منقسمة إلى المجمع عليه والشاذ غير أن هؤلاء السبعة لشهرتهم وكثرة الصحيح المجمع عليه في قراءتهم تركن النفس إلى ما نقل عنهم فوق ما نقل عن غيرهم اه . فانظر كيف جعل اشتراط التواتر قولا لبعض المتأخرين وجعل قول أئمة السلف والخلف على خلافه
وقال أيضا في النشر : كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح إسنادها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم غيرهم من الأئمة عن المقبولين ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها ضعيفة أو شاذة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أو عمن هو أكبر منهم هذا هو الصحيح عند أئمة التحقيق من السلف والخلف صرح بذلك المدني والمكي والمهدوي وأبو شامة وهو مذهب السلف الذي لا يعرف من أحدهم خلافه قال أبو شامة في المرشد الوجيز : لا ينبغي أن يغتر بكل قراءة تعزى إلى أحد هؤلاء السبعة ويطلق عليها لفظ الصحة وأنها نزلت هكذا إلا إذا دخلت في تلك الضابطة وحينئذ لا ينفرد مصنف عن غيره ولا يختص ذلك بنقلها عنهم بل إن نقلت عن غيرهم من القراء فذلك لا يخرجها عن الصحة فإن الاعتماد على استجماع تلك الأوصاف لا على من تنسب إليه إلى آخر كلام الجزري الذي حكاه عنه صاحب الإتقان
وقال أبو شامة : شاع على ألسنة جماعة من المقرئين [ ص 263 ] المتأخرين وغيرهم من المقلدين أن السبع كلها متواترة أي كل حرف مما يروى عنهم قالوا والقطع بأنها منزلة من عند الله واجب ونحن نقول بهذا القول ولكن فيما أجمعت على نقله عنهم الطرق واتفقت عليه الفرق من غير نكير فلا أقل من اشتراط ذلك إذ لم يتفق التواتر في بعضها اه
إذا تقرر لك إجماع أئمة السلف والخلف على عدم تواتر كل حرف من حروف القراآت السبع وعلى أنه لا فرق بينها وبين غيرها إذا وافق وجها عربيا وصح إسناده ووافق الرسم ولو احتمالا بما نقلناه عن أئمة القراء تبين لك صحة القراءة في الصلاة بكل قراءة متصفة بتلك الصفة سواء كانت من قراءة الصحابة المذكورين في الحديث أو من قراءة غيرهم وقد خالف هؤلاء الأئمة النويري المالكي في شرح الطيبة فقال عند شرح قول الجزري فيها :
فكل ما وافق وجه نحوي ... وكان للرسم احتمالا يحوي
وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان
وكل ما خالف وجها أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة
ما لفظه : ظاهره أن القرآن يكتفى في ثبوته مع الشرطين المتقدمين بصحة السند فقط ولا يحتاج إلى التواتر وهذا قول حادث مخالف لإجماع الفقهاء والمحدثين وغيرهم من الأصوليين والمفسرين اه وأنت تعلم أن نقل مثل الإمام الجزري وغيره من أئمة القراءة لا يعارضه نقل النويري لما يخالفه لأنا إن رجعنا إلى الترجيح بالكثرة أو الخبرة بالفن أو غيرهما من المرجحات قطعنا بأن نقل أولئك الأئمة أرجح وقد وافقهم عليه كثير من أكابر الأئمة حتى إن الشيخ زكريا بن محمد الأنصاري لم يحك في غاية الوصول إلى شرح لب الأصول الخلاف لما حكاه الجزري وغيره عن أحد سوى ابن الحاجب

3 - وعن أنس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي : إن الله أمرني أن أقرأ عليك لم يكن الذين كفروا ) وفي رواية : ( أن أقرأ عليك القرآن قال : وسماني لك . قال : نعم . فبكى )
- متفق عليه

- قوله ( أمرني أن أقرأ عليك ) فيه استحباب قراءة القرآن على الحذاق فيه وأهل العلم به والفضل وإن كان القارئ أفضل من المقروء عليه وفيه منقبة شريفة لأبي بقراءته صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشاركه فيها أحد لا سيما مع ذكر الله تعالى لاسمه ونصه عليه في هذه المنزلة الرفيعة
قوله ( لم يكن الذين كفروا ) وجه تخصيص هذه السورة أنها وجيزة جامعة [ ص 264 ] لقواعد كثيرة من أصول الدين وفروعه ومهماته والإخلاص وتطهير القلوب وكان الوقت يقتضي الاختصار
قوله ( وسماني لك ) فيه جواز الاستثبات في الاحتمالات وسببه ههنا أنه جوز أن يكون الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه و سلم يقرأ على رجل من أمته ولم ينص عليه
قوله ( فبكى ) فيه جواز البكاء للسرور والفرح بما يبشر الإنسان ويعطاه من معالي الأمور . واختلفوا في وجه الحكمة في قراءته على أبي فقيل سببها أن يسن لأمته بذلك القراءة على أهل الإتقان والفضل ويتعلموا آداب القراءة ولا يأنف أحد عن ذلك . وقيل التنبيه على جلالة أبي وأهليته لأخذ القرآن ولذلك كان بعده صلى الله عليه و سلم رأسا وإما ما في إقراء القرآن وهو أجل ناشريه أو من أجلهم

باب ما جاء في السكتتين قبل القراءة وبعدها

1 - عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( أنه كان يسكت سكتتين إذا استفتح الصلاة وإذا فرغ من القراءة كلها ) وفي رواية : ( سكتة إذا كبر وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
- روى ذلك أبو داود وكذلك أحمد والترمذي وابن ماجه بمعناه

- الحديث حسنه الترمذي وقد تقدم الكلام في سماع الحسن من سمرة لغير حديث العقيقة وقد صحح الترمذي حديث الحسن عن سمرة في مواضع من سننه . منها حديث : ( نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ) وحديث : ( جار الدار أحق بدار الجار ) وحديث : ( لا تلاعنوا بلعنة الله ولا بغضب الله ولا بالنار ) وحديث : ( الصلاة الوسطى صلاة العصر ) فكان هذا الحديث على مقتضى تصرفه جديرا بالتصحيح . وقد قال الدارقطني : رواة الحديث كلهم ثقات وفي الباب عن أبي هريرة عند أبي داود والنسائي بلفظ : ( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة )
قوله ( إذا استفتح الصلاة ) الغرض من هذه السكتة ليفرغ المأمومون من النية وتكبيرة الإحرام لأنه لو قرأ الإمام عقب التكبير لفات من كان مشتغلا بالتكبير والنية بعض سماع القراءة . وقال الخطابي : إنما كان يسكت في الموضعين ليقرأ من خلفه فلا ينازعونه القراءة إذا قرأ . قال اليعمري : كلام الخطابي هذا في السكتة التي بعد قراءة الفاتحة وأما السكتة الأولى فقد وقع بيانها [ ص 265 ] في حديث أبي هريرة السابق في باب الافتتاح : ( إنه كان يسكت بين التكبير والقراءة يقول اللهم باعد بيني وبين خطاياي ) الحديث
قوله ( وإذا فرغ من القراءة كلها ) قيل وهي أخف من السكتتين اللتين قبلها وذلك بمقدار ما تنفصل القراءة عن التكبير فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الوصل فيه
قوله ( وسكتة إذا فرغ من قراءة غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) قال النووي عن أصحاب الشافعي : يسكت قدر قراءة المأمومين الفاتحة قال : ويختار الذكر والدعاء والقراءة سرا لأن الصلاة ليس فيها سكوت في حق الإمام وقد ذهب إلى استحباب هذه السكتات الثلاث الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق . وقال أصحاب الرأي ومالك : السكتة مكروهة وهذه الثلاث السكتات قد دل عليها حديث سمرة باعتبار الروايتين المذكورتين . وفي رواية في سنن أبي داود بلفظ : ( إذا دخل في صلاته وإذا فرغ من القراءة ثم قال بعد وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) واستحب أصحاب الشافعي سكتة رابعة بين ولا الضالين وبين آمين قالوا ليعلم المأموم أن لفظة آمين ليست من القرآن

باب التكبير للركوع والسجود والرفع

1 - عن ابن مسعود قال : ( رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكبر في كل رفع وخفض وقيام وقعود )
- رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه

- الحديث أخرج نحوه البخاري ومسلم من حديث عمران بن حصين وأخرجا نحوه أيضا من حديث أبي هريرة وأخرج نحوه البخاري من حديثه . وفي الباب عن أنس عند النسائي . وعن ابن عمر عند أحمد والنسائي . وعن أبي مالك الأشعري عند ابن أبي شيبة . وعن أبي موسى غير الحديث الذي سيذكره المصنف عند ابن ماجه . وعن وائل بن حجر عند أبي داود وأحمد والنسائي وابن ماجه وفي الباب عن غير هؤلاء . وسيأتي في هذا الكتاب بعض من ذلك
( والحديث ) يدل على مشروعية التكبير في كل خفض ورفع وقيام وقعود إلا في الرفع من الركوع فإنه يقول سمع الله لمن حمده . قال النووي : وهذا مجمع عليه اليوم ومن الأعصار المتقدمة وقد كان فيه خلاف في زمن أبي هريرة وكان بعضهم لا يرى التكبير إلا للإحرام انتهى
وقد حكى مشروعية التكبير في كل خفض ورفع الترمذي عن الخلفاء الأربعة [ ص 266 ] وغيرهم ومن بعدهم من التابعين قال : وعليه عامة الفقهاء والعلماء . وحكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عمر وجابر وقيس بن عباد والشافعي وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي ومالك وسعيد بن عبد العزيز وعامة أهل العلم
وقال البغوي في شرح السنة : اتفقت الأمة على هذه التكبيرات . قال ابن سيد الناس : وقال آخرون لا يشرع إلا تكبير الإحرام فقط يحكى ذلك عن عمر بن الخطاب وقتادة وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري ونقله ابن المنذر عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر ونقله ابن بطال عن جماعة أيضا منهم معاوية بن أبي سفيان وابن سيرين قال أبو عمر : قال قوم من أهل العلم : إن التكبير ليس بسنة إلا في الجماعة وأما من صلى وحده فلا بأس عليه أن لا يكبر . وقال أحمد : أحب إلي أن يكبر إذا صلى وحده في الفرض وأما في التطوع فلا . وروي عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده
( واستدل ) من قال بعدم مشروعية التكبير كذلك بما أخرجه أحمد وأبو داود عن ابن أبزى عن أبيه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان لا يتم التكبير . وفي لفظ لأحمد إذا خفض ورفع . وفي رواية فكان لا يكبر إذا خفض يعني بين السجدتين وفي إسناده الحسن بن عمران قال أبو زرعة : شيخ ووثقه ابن حبان
وحكي عن أبي داود الطيالسي أنه قال : هذا عندي باطل وهذا لا يقوى على معارضة أحاديث الباب لكثرتها وصحتها وكونها مثبتة ومشتملة على الزيادة والأحاديث الواردة في هذا الباب أقل أحوالها الدالة على سنية التكبير في كل خفض ورفع . وقد روى أحمد عن عمران بن حصين أن أول من ترك التكبير عثمان حين كبر وضعف صوته وهذا يحتمل أنه ترك الجهر . وروى الطبري عن أبي هريرة أن أول من ترك التكبير معاوية وروى أبو عبيد أن أول من تركه زياد . وهذه الروايات غير متنافية لأن زيادا تركه بترك معاوية وكان معاوية تركه بترك عثمان وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء وحكى الطحاوي أن بني أمية كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع وما هذه بأول سنة تركوها . وقد اختلف القائلون بمشروعية التكبير فذهب جمهورهم إلى أنه مندوب فيما عدا تكبيرة الإحرام وقال أحمد في رواية عنه وبعض أهل الظاهر : إنه يجب كله
( واحتج الجمهور ) على الندبية بأن النبي [ ص 267 ] صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمه المسيء صلاته ولو كان واجبا لعلمه وأيضا حديث ابن أبزى يدل على عدم الوجوب لأن تركه صلى الله عليه وآله وسلم له في بعض الحالات لبيان الجواز والإشعار بعدم الوجوب وسيأتي دليل القائلين بالوجوب . وأما الجواب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمه المسيء فممنوع بل قد أخرج أبو داود أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للمسيء بلفظ : ( ثم يقول الله أكبر ثم يركع حتى يطمئن مفاصله ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى يطمئن مفاصله ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى يطمئن مفاصله ثم يرفع رأسه فيكبر فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته )

2 - وعن عكرمة قال : ( قلت لابن عباس صليت الظهر بالبطحاء خلف شيخ أحمق فكبر ثنتين وعشرين تكبيرة يكبر إذا سجد وإذا رفع رأسه فقال ابن عباس : تلك صلاة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه أحمد والبخاري

- قوله ( الظهر ) لم يكن ذلك في البخاري وإنما زاده الإسماعيلي وبذلك يصح عدد التكبير لأن في كل ركعة خمس تكبيرات فتقع في الرباعية عشرون تكبيرة مع تكبيرة الافتتاح والقيام مع التشهد الأول . ولأحمد والطبراني عن عكرمة أنه قال : ( صلى بنا أبو هريرة )
قوله ( تلك صلاة أبي القاسم ) في لفظ للبخاري : ( أوليس تلك صلاة أبي القاسم لا أم لك ) وفي لفظ له : ( ثكلتك أمك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وآله وسلم )
( والحديث ) يدل على مشروعية تكبير الانتقال وقد تقدم الخلاف فيه

3 - وعن أبي موسى قال : ( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبنا فبين لنا سنتنا وعلمنا صلاتنا فقال إذا صليتم فأقيموا صفوفكم ثم ليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا وإذا قال غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين يجبكم الله وإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : فتلك بتلك وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا لك الحمد يسمع الله لكم فإن الله تعالى قال على لسان نبيه سمع الله لمن حمده وإذا كبر وسجد فكبروا واسجدوا فإن الإمام يسجد قبلكم ويرفع قبلكم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : فتلك بتلك وإذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم التحيات الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود . وفي رواية بعضهم : ( وأشهد أن محمدا )

- قوله ( فأقيموا صفوفكم ) قال النووي : هو مأمور به بإجماع الأمة قال : وهو أمر ندب والإقامة [ ص 268 ] تسويتها والاعتدال فيها وتتميمها الأول فالأول والتراص فيها
قوله ( ثم ليؤمكم أحدكم ) فيه الأمر بالجماعة في المكتوبات وقد اختلفوا هل هو أمر ندب أو إيجاب وسيأتي بسط الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى
قوله ( فإذا كبر فكبروا ) فيه أن المأموم لا يكبر قبل الإمام ولا معه بل بعده لأن الفاء للتعقيب وقد قدمنا المناقشة في هذا
قوله ( وإذا قرأ فأنصتوا ) قد تقدم الكلام على هذه الزيادة في باب ما جاء في قراءة المأموم وإنصاته
قوله ( فإذا قرأ غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين ) استدل به على مشروعية أن يكون تأمين الإمام والمأموم متفقا وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى
قوله ( يجبكم الله ) أي يستجب لكم وهذا حث عظيم على التأمين فيتأكد الاهتمام به
قوله ( فإذا كبر وركع إلى قوله فتلك بتلك ) معناه اجعلوا تكبيركم للركوع وركوعكم بعد تكبيره وركوعه وكذلك رفعكم من الركوع بعد رفعه . ومعنى تلك بتلك أي اللحظة التي سبقكم الإمام بها في تقدمه إلى الركوع تنجبر لكم بتأخيركم في الركوع بعد رفعه لحظة فتلك اللحظة بتلك اللحظة وصار قدر ركوعكم كقدر ركوعه وكذلك في السجود
قوله ( وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ) الخ فيه دلالة على استحباب الجهر من الإمام بالتسميع ليسمعوه فيقولون وفيه أيضا دليل لمذهب من يقول لا يزيد المأموم على قوله ربنا لك الحمد ولا يقول معه سمع الله لمن حمده . وفيه خلاف وسيأتي بسطه في باب ما يقول في رفعه . ومعنى سمع الله لمن حمده أجاب دعاء من حمده ومعنى قوله يسمع الله لكم يستجب لكم
قوله ( ربنا لك الحمد ) هكذا هو بلا واو وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بإثبات الواو وبحذفها والكل جائز ولا ترجيح لأحدهما على الآخر كذا قال النووي . والظاهر أن إثبات الواو أرجح لأنها زيادة مقبولة
قوله ( وإذا كان عند القعدة ) إلى آخر الحديث الكلام على بقية ألفاظه يأتي إن شاء الله تعالى في أبواب التشهد
وقد استدل بقوله ( فليكن من أول قول أحدكم ) على أنه يقول ذلك في أول جلوسه ولا يقول بسم الله . قال النووي : وليس هذا الاستدلال بواضح لأنه قال فليكن من أول ولم يقل فليكن أول
( والحديث ) يدل على مشروعية تكبير النقل وقد استدل به القائلون بوجوبه كما تقدم وهو أخص من الدعوى لأنه أمر للمؤتم فقط وقد دفعه الجمهور بما تقدم من عدم ذكر تكبير الانتقال في حديث المسيء وقد عرفت ما فيه بحديث ابن أبزى المتقدم

باب جهر الإمام بالتكبير ليسمع من خلفه وتبليغ الغير له عند الحاجة . [ ص 269 ]

1 - عن سعيد بن الحارث قال : ( صلى لنا أبو سعيد فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود وحين سجد وحين رفع وحين قام من الركعتين وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه البخاري وهو لأحمد بلفظ أبسط من هذا

- الحديث يدل على مشروعية الجهر بالتكبير للانتقال وقد كان مروان وسائر بني أمية يسرون به ولهذا اختلف الناس لما صلى أبو سعيد هذه الصلاة فقام على المنبر فقال إني والله ما أبالي اختلفت صلاتكم أم لم تختلف إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا يصلي وقد عرفت مما سلف أن أول من ترك تكبير النقل أي الجهر به عثمان ثم معاوية ثم زياد ثم سائر بني أمية

2 - وعن جابر قال : ( اشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه . ولمسلم والنسائي قال : ( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الظهر وأبو بكر خلفه فإذا كبر كبر أبو بكر يسمعنا )

- الحديث يأتي وشرحه إن شاء الله تعالى في باب الإمام ينتقل مأموما وقد ذكره المصنف هنا للاستدلال به على جواز رفع الصوت بالتكبير ليسمعه الناس ويتبعوه وأنه يجوز للمقتدي إتباع صوت المكبر وهذا مذهب الجمهور وقد نقل أنه إجماع قال النووي : وما أراه يصح الإجماع فيه فقد نقل القاضي عياض عن مذهبهم أن منهم من أبطل صلاة المقتدي ومنهم من لم يبطلها ومنهم من قال إن أذن له الإمام في الإسماع صح الإقتداء به وإلا فلا ومنهم من أبطل صلاة المسمع ومنهم من صححها ومنهم من شرط إذن الإمام ومنهم من قال إن تكلف صوتا بطلت صلاته وصلاة من ارتبط بصلاته وكل هذا ضعيف والصحيح جواز كل ذلك وصحة صلاة المسمع والسامع ولا يعتبر إذن الإمام

باب هيئات الركوع . [ ص 270 ]

1 - عن أبي مسعود عقبة بن عمرو : ( أنه ركع فجافى يديه ووضع يديه على ركبتيه وفرج بين أصابعه من وراء ركبتيه وقال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي )
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي

2 - وفي حديث رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك )
- رواه أبو داود

- الحديث الأول طرف من حديث أبي مسعود . والثاني طرف من حديث رفاعة بن رافع في وصف تعليمه صلى الله عليه وآله وسلم للمسيء صلاته وكلاهما لا مطعن فيه فإن جميع رجال إسنادهما ثقات
قوله ( فجافى يديه ) أي باعدهما عن جنبيه وهو من الجفاء وهو البعد عن الشيء
قوله ( وفرج بين أصابعه ) أي فرق بينها جاعلا لها وراء ركبتيه
قوله ( فضع راحتيك ) تثنية راحة وهي الكف جمعها راح بغير تاء
قوله ( على ركبتيك ) فيه رد على أهل التطبيق وسيأتي البحث في ذلك قريبا
( والحديثان ) يدلان على مشروعية ما اشتملا عليه من هيئات الركوع ولا خلاف في شيء منها بين أهل العلم إلا للقائلين بمشروعية التطبيق

3 - وعن مصعب بن سعد قال : ( صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي ثم وضعتهما بين فخذي فنهاني عن ذلك وقال كنا نفعل هذا فأمرنا أن نضع أيدينا على الركب )
- رواه الجماعة

- وفي الباب عن عمر عند النسائي والترمذي وصححه . وعن أنس أشار إليه الترمذي أيضا . وعن أبي حميد الساعدي وأبي أسيد وسهل بن سعد ومحمد بن مسلمة إلى تمام عشرة من الصحابة عند الخمسة وقد تقدم . وعن عائشة عند ابن ماجه
قوله ( مصعب بن سعد ) يعني ابن أبي وقاص
قوله ( فطبقت ) التطبيق الإلصاق بين باطني الكفين حال الركوع وجعلهما بين الفخذين
قوله ( كنا نفعل هذا فأمرنا ) لفظ البخاري والترمذي وغيرهما : ( كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا ) الخ فيه دليل على نسخ التطبيق لأن هذه الصيغة حكمها الرفع قال الترمذي : التطبيق منسوخ عند أهل العلم وقال : لا اختلاف بينهم في ذلك إلا ما روي عن ابن [ ص 271 ] مسعود وبعض أصحابه أنهم كانوا يطبقون انتهى
وقد روى النووي عن علقمة والأسود أنهما يقولان بمشروعية التطبيق . وأخرج مسلم عن علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله فذكر الحديث قال : فوضعنا أيدينا على ركبنا فضرب أيدينا ثم طبق بين يديه ثم جعلهما بين فخذيه فلما صلى قال هكذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وروى ابن خزيمة عن ابن مسعود أنه قال : إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه فركع فبلغ ذلك سعدا فقال صدق أخي كنا نفعل ذلك ثم أمرنا بهذا . يعني الإمساك بالركب . وقد اعتذر عن ابن مسعود وصاحبيه بأن الناسخ لم يبلغهم . وقد روى ابن المنذر عن ابن عمر أنه قال إنما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرة يعني التطبيق قال الحافظ : وإسناده قوي
واستدل ابن خزيمة بقوله نهينا على أن التطبيق غير جائز قال الحافظ : وفيه نظر لاحتمال حمل النهي على الكراهة فقد روى ابن أبي شيبة من طريق عاصم بن ضمرة عن علي قال : ( إذا ركعت فإن شئت قلت هكذا ) يعني وضعت يديك على ركبتيك ( وإن شئت طبقت ) وإسناده حسن وهو ظاهر في أنه كان يرى التخيير أو لم يبلغه الناسخ والظاهر ما قاله ابن خزيمة لأن المعنى الحقيقي للنهي على ما هو الحق التحريم وقول الصحابي لا يصلح قرينة لصرفه إلى المجاز

باب الذكر في الركوع والسجود

1 - عن حذيفة قال : ( صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم وفي سجوده سبحان ربي الأعلى وما مرت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل ولا آية عذاب إلا تعوذ منها )
- رواه الخمسة وصححه الترمذي

- الحديث أخرجه أيضا مسلم . قوله ( يسأل ) أي الرحمة . قوله ( تعوذ ) أي من العذاب وشر العقاب . قال ابن رسلان : ولا بآية تسبيح إلا سبح وكبر ولا بآية دعاء واستغفار إلا دعا واستغفر وإن مر بمرجو سأل يفعل ذلك بلسانه أو بقلبه
( والحديث ) يدل على مشروعية هذا التسبيح في الركوع والسجود وقد ذهب الشافعي ومالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء من أئمة العترة وغيرهم إلى أنه سنة وليس بواجب . وقال إسحاق بن راهويه : التسبيح واجب فإن تركه عمدا بطلت صلاته وإن نسيه لم تبطل . وقال الظاهري : واجب مطلقا [ ص 272 ] وأشار الخطابي في معالم السنن إلى اختياره . وقال أحمد : التسبيح في الركوع والسجود وقول سمع الله لمن حمده وربنا لك الحمد والذكر بين السجدتين وجميع التكبيرات واجب فإن ترك منه شيئا عمدا بطلت صلاته وإن نسيه لم تبطل ويسجد للسهو هذا هو الصحيح عنه وعنه رواية أنه سنة كقول الجمهور وقد روي القول بوجوب تسبيح الركوع والسجود عن ابن خزيمة
( احتج الموجبون ) بحديث عقبة بن عامر الآتي بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وبقول الله تعالى { وسبحوه } ولا وجوب في غير الصلاة فتعين أن يكون فيها وبالقياس على القراءة
( واحتج الجمهور ) بحديث المسيء صلاته فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم علمه واجبات الصلاة ولم يعلمه هذه الأذكار مع أنه علمه تكبيرة الإحرام والقراءة فلو كانت هذه الأذكار واجبة لعلمه إياها لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فيكون تركه لتعليمه دالا على أن الأوامر الواردة بما زاد على ما علمه للاستحباب لا للوجوب
( والحديث ) يدل على أن التسبيح في الركوع والسجود يكون بهذا اللفظ فيكون مفسرا لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث عقبة ( اجعلوها في ركوعكم اجعلوها في سجودكم ) وإلى ذلك ذهب الجمهور من أهل البيت وبه قال جميع من عداهم . وقال الهادي والقاسم والصادق أنه سبحان الله العظيم وبحمده في الركوع وسبحان الله الأعلى وبحمده في السجود . واستدلوا بظاهر قوله { فسبح باسم ربك العظيم } و { سبح اسم ربك الأعلى } وقد أمر صلى الله عليه و سلم بجعل الأولى في الركوع والثانية في السجود كما سيأتي في حديث عقبة ولكنه لا يتم إلا على فرض أنه ليس لله جل جلاله إلا اسم واحد وقد تقرر أن له تسعة وتسعين اسما بالأحاديث الصحيحة وأن له أسماء متعددة بصريح القرآن { ولله الأسماء الحسنى } فامتثال ما في الآيتين يحصل بالمجيء بأي اسم منها مثل سبحان ربي وسبحان الله وسبحان الأحد وغير ذلك لكنه قد ورد من فعله صلى الله عليه وآله وسلم ما يدل على بيان المراد من ذلك كحديث الباب وغيره وكذلك ورد من قوله ما يدل على ذلك كحديث ابن مسعود الآتي فتعين أن لفظ الرب هو المراد
وبهذا يندفع ما ألزم به صاحب البحر من تلاوة لفظ الآيتين في الركوع والسجود وأما زيادة وبحمده فهي عند أبي داود من حديث عقبة الآتي وعند الدارقطني من حديث ابن مسعود الآتي أيضا . وعنده أيضا من حديث حذيفة . وعند أحمد والطبراني من حديث أبي مالك الأشعري وعند الحاكم من حديث أبي جحيفة [ ص 273 ] ولكنه قال أبو داود بعد إخراجه لها من حديث عقبة أنه يخاف أن لا تكون محفوظة . وفي حديث ابن مسعود السري بن إسماعيل وهو ضعيف . وفي حديث حذيفة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وهو ضعيف . وفي حديث أبي مالك شهر بن حوشب وقد رواه أحمد والطبراني أيضا من طريق ابن السعدي عن أبيه بدونها . وحديث أبي جحيفة قال الحافظ : إسناده ضعيف وقد أنكر هذه الزيادة ابن الصلاح وغيره ولكن هذه الطرق تتعاضد فيرد بها هذا الإنكار . وسئل أحمد عنها فقال أما أنا فلا أقول وبحمده انتهى

2 - وعن عقبة بن عامر قال : ( لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم قال لنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجعلوها في ركوعكم فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم )
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه
قوله ( اجعلوها ) قد تبين بالحديث الأول وبما سيأتي كيفية هذا الجعل والحكمة في تخصيص الركوع بالعظيم والسجود بالأعلى أن السجود لما كان فيه غاية التواضع لما فيه من وضع الجبهة التي هي أشرف الأعضاء على مواطئ الأقدام كان أفضل من الركوع فحسن تخصيصه بما فيه صيغة أفعل التفضيل وهو الأعلى بخلاف العظيم جعلا للأبلغ مع الأبلغ والمطلق مع المطلق
( والحديث ) يصلح متمسكا للقائلين بوجوب تسبيح الركوع والسجود وقد تقدم الجواب عنهم

3 - وعن عائشة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح قدوس رب الملائكة والروح )
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي

- قوله ( سبوح قدوس ) بضم أولهما وبفتحهما والضم أكثر وأفصح . قال ثعلب : كل اسم على فعول فهو مفتوح الأول إلا السبوح والقدوس فإن الضم فيهما أكثر . قال الجوهري : سبوح من صفات الله . وقال ابن فارس والزبيدي وغيرهما : سبوح هو الله عز و جل والمراد المسبح والمقدس فكأنه يقول مسبح مقدس . ومعنى سبوح المبرأ من النقائص والشريك وكل ما لا يليق بالإلهية . وقدوس المطهر من كل ما لا يليق بالخالق وهما خبران مبتدؤهما محذوف تقديره ركوعي وسجودي لمن هو سبوح قدوس . وقال الهروي : قيل القدوس المبارك قال القاضي عياض : وقيل فيه سبوحا قدوسا على تقدير [ ص 274 ] أسبح سبوحا أو أذكر أو أعظم أو أعبد
قوله ( رب الملائكة والروح ) هو من عطف الخاص على العام لأن الروح من الملائكة وهو ملك عظيم يكون إذا وقف كجميع الملائكة . وقيل يحتمل أن يكون جبريل وقيل خلق لا تراهم الملائكة كنسبة الملائكة إلينا

4 - وعن عائشة قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي يتأول القرآن )
- رواه الجماعة إلا الترمذي

- قوله ( يكثر أن يقول ) في رواية : ( ما صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه إذا جاء نصر الله والفتح إلا يقول فيها سبحانك ) الحديث وفي بعض طرقه عند مسلم ما يشعر بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يواظب على ذلك داخل الصلاة وخارجها
قوله ( سبحانك ) هو منصوب على المصدرية والتسبيح التنزيه كما تقدم
قوله ( وبحمدك ) هو متعلق بمحذوف دل عليه التسبيح أي وبحمدك سبحتك ومعناه بتوفيقك لي وهدايتك وفضلك علي سبحتك لا بحولي وقوتي . قال القرطبي : ويظهر وجه آخر وهو إبقاء معنى الحمد على أصله وتكون الباء باء السببية ويكون معناه بسبب أنك موصوف بصفات الكمال والجلال سبحك المسبحون وعظمك المعظمون . وقد روي بحذف الواو من قوله وبحمدك وبإثباتها
قوله ( اللهم اغفر لي ) يؤخذ منه إباحة الدعاء في الركوع وفيه رد على من كرهه فيه كمالك
( واحتج من قال ) بالكراهة بحديث مسلم وأبي داود والنسائي بلفظ : ( أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء ) الحديث وسيأتي ولكنه لا يعارض ما ورد من الأحاديث الدالة على إثبات الدعاء في الركوع لأن تعظيم الرب فيه لا ينافي الدعاء كما أن الدعاء في السجود لا ينافي التعظيم . قال ابن دقيق العيد : ويمكن أن يحمل حديث الباب على الجواز وذلك على الأولوية ويحتمل أنه أمر في السجود بتكثير الدعاء والذي وقع في الركوع من قوله اللهم اغفر لي ليس كثيرا
قوله ( يتأول القرآن ) يعني قوله تعالى { فسبح بحمد ربك واستغفره } أي يعمل بما أمر به فيه فكان يقول هذا الكلام البديع في الجزالة المستوفي ما أمر به في الآية وكان يأتي به في الركوع والسجود لأن حالة الصلاة أفضل من غيرها فكان يختارها لأداء هذا الواجب الذي أمر به فيكون أكمل

5 - وعن عون بن عبد الله بن عتبة عن ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله [ ص 275 ] عليه وآله وسلم قال : إذا ركع أحدهم فقال في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه )
- رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وهو مرسل عون لم يلق ابن مسعود

- الحديث قال أبو داود : مرسل كما قال المصنف قال : لأن عونا لم يدرك عبد الله وذكره البخاري في تاريخه الكبير وقال : مرسل . وقال الترمذي : ليس إسناده بمتصل انتهى . وعون هذا ثقة سمع جماعة من الصحابة وأخرج له مسلم . وفي الحديث مع الإرسال إسحاق بن يزيد الهذلي راويه عن عون لم يخرج له في الصحيح . قال ابن سيد الناس : لا نعلمه وثق ولا عرف إلا برواية ابن أبي ذئب عنه خاصة فلم ترتفع عنه الجهالة العينية ولا الحالية
قوله ( وذلك أدناه ) في الموضعين أي أدنى الكمال وفيه إشعار بأنه لا يكون المصلي متسننا بدون الثلاث . وقد قال الماوردي : إن الكمال إحدى عشرة أو تسع وأوسطه خمس ولو سبح مرة حصل التسبيح . وروى الترمذي عن ابن المبارك وإسحاق بن راهويه أنه يستحب خمس تسبيحات للإمام وبه قال الثوري ولا دليل على تقييد الكمال بعدد معلوم بل ينبغي الاستكثار من التسبيح على مقدار تطويل الصلاة من غير تقييد بعدد . وإما إيجاب سجود السهو فيما زاد على التسع واستحباب أن يكون عدد التسبيح وترا لا شفعا فيما زاد على الثلاث فمما لا دليل عليه

6 - وعن سعيد بن جبير عن أنس قال : ( ما صليت وراء أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا الفتى يعني عمر بن عبد العزيز قال : فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات وفي سجوده عشر تسبيحات )
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي

- الحديث رجال إسناده كلهم ثقات إلا عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان أبو يزيد الصنعاني قال أبو حاتم : صالح الحديث . وقال النسائي : ليس به بأس وليس له عند أبي داود والنسائي إلا هذا الحديث
قوله ( فحزرنا ) أي قدرنا . قوله ( عشر تسبيحات ) قيل فيه حجة لمن قال إن كمال التسبيح عشر تسبيحات والأصح أن المنفرد يزيد في التسبيح ما أراد وكلما زاد كان أولى والأحاديث الصحيحة في تطويله صلى الله عليه وآله وسلم ناطقة بهذا وكذلك الإمام إذا كان المؤتمون لا يتأذون بالتطويل
( فائدة ) من الأذكار المشروعة في الركوع والسجود ما تقدم في حديث علي عليه السلام في باب الاستفتاح . ومنها ما أخرجه [ ص 276 ] أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عوف بن مالك الأشجعي : ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في ركوعه سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة ثم قال في سجوده مثل ذلك ) ومنها ما أخرجه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة : ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره وعلانيته وسره ) ومنها ما أخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه من حديث عائشة : ( أنها سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في سجوده في صلاة الليل أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) وقد ورد الأذن بمطلق التعظيم في الركوع وبمطلق الدعاء في السجود كما سيأتي في الباب الذي بعد هذا

باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود

1 - عن ابن عباس قال : ( كشف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الستارة والناس صفوف خلف أبي بكر فقال : يا أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود

- قوله ( كشف الستارة ) بكسر السين المهملة وهي الستر الذي يكون على باب البيت والدار
قوله ( من مبشرات النبوة ) أي من أول ما يبدو منها مأخوذ من تباشير الصبح وهو أول ما يبدو منه وهو كقول عائشة أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الوحي الحديث وفيه أن الرؤيا من المبشرات سواء رآها المسلم أو رآها غيره
قوله ( ألا وإني نهيت ) النهي له صلى الله عليه وآله وسلم نهي لأمته كما يشعر بذلك قوله في الحديث ( أما الركوع ) إلى آخره ويشعر به أيضا ما في صحيح مسلم وغيره أن عليا قال : ( نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا ) ويدل عليه أيضا التأسي العامة وفيه خلاف في الأصول وهذا النهي يدل على تحريم قراءة القرآن في الركوع والسجود وفي بطلان الصلاة بالقراءة حال الركوع والسجود خلاف
قوله ( أما الركوع فعظموا فيه الرب ) [ ص 277 ] أي سبحوه ونزهوه ومجدوه وقد بين صلى الله عليه وآله وسلم اللفظ الذي يقع به هذا التعظيم بالأحاديث المتقدمة في الباب الذي قبل هذا
قوله ( وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء ) فيه الحث على الدعاء في السجود وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء )
قوله ( فقمن ) قال النووي : هو بفتح القاف وفتح الميم وكسرها لغتان مشهورتان فمن فتح فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع ومن كسر فهو وصف يثنى ويجمع قال : وفيه لغة ثالثة قمين بزيادة الياء وفتح القاف وكسر الميم ومعناه حقيق وجدير . ويستحب الجمع بين الدعاء والتسبيح المتقدم ليكون المصلي عاملا بجميع ما ورد والأمر بتعظيم الرب في الركوع والاجتهاد في الدعاء في السجود محمول على الندب عند الجمهور وقد تقدم ذكر من قال بوجوب تسبيح الركوع والسجود

باب ما يقول في رفعه من الركوع وبعد انتصابه

1 - عن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ثم يكبر حين يركع ثم يقول سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركعة ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يكبر حين يهوي ساجدا ثم يكبر حين يرفع رأسه ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها ويكبر حين يقوم من الثنتين بعد الجلوس )
- متفق عليه . وفي رواية لهم ( ربنا لك الحمد )

- قوله ( إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم ) فيه أن التكبير يكون مقارنا لحال القيام وأنه لا يجزئ من قعود . وقد اختلف في وجوب تكبيرة الإحرام وقد قدمنا الكلام على ذلك
قوله ( ثم يقول وهو قائم ربنا ولك الحمد ) فيه متمسك لمن قال إنه يجمع بين التسميع والتحميد كل مصل من غير فرق بين الإمام والمؤتم والمنفرد وهو الشافعي ومالك وعطاء وأبو داود وأبو بردة ومحمد بن سيرين وإسحاق وداود قالوا : إن المصلي إذا رفع رأسه من الركوع يقول في حال ارتفاعه سمع الله لمن حمده فإذا استوى قائما يقول ربنا ولك الحمد
وقال الإمام يحيى والثوري والأوزاعي وروي عن مالك : إنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد ويحمد المؤتم . وقال أبو يوسف ومحمد : يجمع بينهما الإمام والمنفرد أيضا [ ص 278 ] ولكن يسمعل المؤتم . وقال الهادي والقاسم وأبو حنيفة : إنه يقول الإمام والمنفرد سمع الله لمن حمده فقط والمأموم ربنا لك الحمد فقط وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وأبي هريرة والشعبي ومالك وأحمد قال وبه أقول انتهى . وهو مروي عن الناصر
( احتج القائلون ) بأنه يجمع بينهما كل مصل بحديث الباب ولكنه أخص من الدعوى لأنه حكاية لصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إماما كما هو المتبادر والغالب إلا أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) يدل على عدم اختصاص ذلك بالإمام
( واحتجوا أيضا ) بما نقله الطحاوي وابن عبد البر من الإجماع على أن المنفرد يجمع بينهما وجعله الطحاوي حجة لكون الإمام يجمع بينهما فيلحق بهما المؤتم لأن الأصل استواء الثلاثة في المشروع في الصلاة إلا ما صرح الشرع باستثنائه
( واحتجوا ) أيضا بما أخرجه الدارقطني عن بريدة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يا بريدة إذا رفعت رأسك من الركوع فقل سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد ) وظاهره عدم الفرق بين كونه منفردا أو إماما أو مأموما ولكن سنده ضعيف . وبما أخرجه أيضا عن أبي هريرة قال : ( كنا إذا صلينا خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال سمع الله لمن حمده قال من ورائه سمع الله لمن حمده )
( احتج القائلون ) بأنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد ببعض هذه الأدلة
( واحتج القائلون ) بأن الإمام والمنفرد يقولان سمع الله لمن حمده فقط والمأموم ربنا لك الحمد فقط بحديث أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إنما جعل الإمام ليؤتم به ) وفيه ( وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد ) أخرجه الشيخان وأخرجا نحوه من حديث عائشة وقد تقدم نحو ذلك في باب التكبير للركوع والسجود من حديث أبي موسى وسيأتي نحوه من حديث أنس . ويجاب بأن أمر المؤتم بالحمد عند تسميع الإمام لا ينافي فعله له كما أنه لا ينافي قوله صلى الله عليه وآله وسلم ( إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين ) قراءة المؤتم للفاتحة وكذلك أمر المؤتم بالتحميد لا ينافي مشروعيته للإمام كما لا ينافي أمر المؤتم بالتأمين تأمين الإمام وقد استفيد التحميد للإمام والتسميع للمؤتم من أدلة أخرى هي المذكورة سابقا والواو في قوله ( ربنا ولك الحمد ) ثابتة في أكثر الروايات وقد قدمنا أنها زيادة فيكون الأخذ بها أرجح لا كما قال النووي إنه لا ترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى وهي عاطفة على مقدر بعد قوله ربنا وهو استجب كما قال ابن دقيق العيد أو حمدناك كما قال النووي أو الواو [ ص 279 ] زائدة كما قال أبو عمر بن العلاء أو للحال كما قال غيره . وروي عن أحمد بن حنبل أنه إذا قال ربنا قال ولك الحمد وإذا قال اللهم ربنا قال لك الحمد . قال ابن القيم : لم يأت في حديث صحيح الجمع بين لفظ اللهم وبين الواو . وأقول قد ثبت الجمع بينهما في صحيح البخاري في باب الصلاة للقاعد من حديث أنس بلفظ ( وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد ) وقد تطابقت على هذا اللفظ النسخ الصحيحة من صحيح البخاري
قوله ( ثم يكبر حين يهوي ) فيه أن التكبير ذكر الهوي فيبتدئ به من حين يشرع في الهوي بعد الاعتدال إلى حين يتمكن ساجدا
قوله ( وفي رواية لهم ) يعني البخاري ومسلما وأحمد لأن المتفق عليه في اصطلاحه هو ما أخرجه هؤلاء الثلاثة كما تقدم في أول الكتاب لا ما أخرجه الشيخان فقط كما هو اصطلاح غيره
( والحديث ) يدل على مشروعية تكبير النقل وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى

2 - وعن أنس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد )
- متفق عليه

- الحديث قد سبق شرحه في باب التكبير للركوع والسجود . وفي الحديث الذي في أول الباب وقد احتج به القائلون بأن الإمام والمنفرد يقولان سمع الله لمن حمده فقط والمؤتم يقول ربنا ولك الحمد فقط . وقد عرفت الجواب عن ذلك

3 - وعن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع قال اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد أهل الثناء والمجد لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد )
- رواه مسلم والنسائي

- الحديث قد تقدم طرف من شرحه في حديث علي المتقدم في باب ذكر الاستفتاح بين التكبير والقراءة
قوله ( أهل الثناء والمجد ) هو في صحيح مسلم بزيادة : ( أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد ) قبل قوله لا مانع الخ . وأهل منصوب على النداء أو الاختصاص وهذا هو المشهور وجوز بعضهم رفعه على أنه خبر مبتدأ محذوف والثناء الوصف الجميل والمجد العظمة والشرف وقد وقع في بعض نسخ مسلم الحمد مكان المجد
قوله ( لا مانع لما أعطيت ) هذه جملة مستأنفة متضمنة للتفويض والإذعان والاعتراف
قوله ( ذا الجد ) بفتح الجيم على المشهور وروى ابن عبد البر عن البعض الكسر . قال ابن جرير : وهو خلاف ما عرفه أهل النقل ولا يعلم من قاله غيره ومعناه بالفتح الحظ [ ص 280 ] والغنى والعظمة أي لا ينفعه ذلك وإنما ينفعه العمل الصالح وبالكسر الاجتهاد أي لا ينفعه اجتهاده وإنما تنفعه الرحمة
( والحديث ) يدل على مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع والذكر فيه بهذا . وقد وردت في تطويله أحاديث كثيرة وسيأتي الكلام على ذلك

باب في أن الانتصاب بعد الركوع فرض

1 - عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ينظر الله إلى صلاة رجل لا يقيم صلبه بين ركوعه وسجوده )
- رواه أحمد

2 - وعن علي بن شيبان : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الركوع والسجود )
- رواه أحمد وابن ماجه

3 - وعن أبي مسعود الأنصاري قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا تجزئ صلاة لا يقيم فيها الرجل صلبه في الركوع والسجود )
- رواه الخمسة وصححه الترمذي

- الحديث الأول تفرد به أحمد من رواية عبد الله بن زيد الحنفي قال في مجمع الزوائد : ولم أجد من ترجمه وقد ذكر ابن حجر في المنفعة أنه وهم الهيثمي في تسميته عبد الله بن زيد وأنه عبد الله بن بدر وهو معروف موثق ولكنه قال إن عبد الله بن بدر لا يروي عن أبي هريرة إلا بواسطة
والحديث الثاني أخرجه أيضا ابن ماجه من طريق أبي بكر ابن أبي شيبة عن ملازم بن عمرو وقد وثقه أحمد ويحيى والنسائي . وقال أبو داود : ليس به بأس عن عبد الله بن بدر وقد وثقه ابن معين والعجلي وأبو زرعة عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان وقد وثقه ابن حبان
والحديث الثالث إسناده صحيح وصححه الترمذي كما قال المصنف
( وفي الباب ) عن أنس عند الشيخين وعن أبي هريرة من حديث المسيء صلاته وسيأتي . وعن رفاعة الزرقي عند أبي داود والترمذي والنسائي من حديث المسيء صلاته أيضا . وعن حذيفة عند أحمد والبخاري وسيأتي . وعن أبي قتادة عند أحمد وعن أبي سعيد عنده أيضا وسيأتيان . وعن عبد الرحمن بن شبل عند أبي داود والنسائي وابن ماجه
( والأحاديث ) المذكورة في الباب تدل على وجوب الطمأنينة في الاعتدال من الركوع والاعتدال بين السجدتين وإلى ذلك ذهبت العترة والشافعي وأحمد وإسحاق وداود وأكثر العلماء قالوا ولا تصح [ ص 281 ] صلاة من لم يقم صلبه فيهما وهو الظاهر من أحاديث الباب لما قررناه غير مرة من أن النفي إن لم يمكن توجهه إلى الذات توجه إلى الصحة لأنها أقرب إليها . وقال أبو حنيفة وهو مروي عن مالك إن الطمأنينة في الموضعين غير واجبة بل لو انحط من الركوع إلى السجود أو رفع رأسه عن الأرض أدنى رفع أجزأه ولو كحد السيف
( واحتج أبو حنيفة ) بقوله تعالى { اركعوا واسجدوا } وقد عرفناك في باب قراءة الفاتحة أن الفرض عنده لا يثبت بما يزيد على القرآن وبينا بطلانه هنالك وسيأتي لهذا مزيد بيان في باب الجلسة بين السجدتين إن شاء الله

باب هيئات السجود وكيف الهوي إليه

1 - عن وائل بن حجر قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه )
- رواه الخمسة إلا أحمد

- الحديث قال الترمذي : هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحدا رواه غير شريك وذكر أنهما ما رواه عن عاصم مرسلا ولم يذكر وائل بن حجر قال اليعمري : من شأن الترمذي التصحيح بمثل هذا الإسناد فقد صحح حديث عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل ( لأنظرن إلى صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلما جلس للتشهد ) الحديث وإنما الذي قصر بهذا عن التصحيح عنده الغرابة التي أشار إليها وهي تفرد يزيد بن هارون عن شريك وهو لا يحطه عن درجة الصحيح لجلالة يزيد وحفظه وأما تفرد شريك به عن عاصم وبه صار حسنا فإن شريكا لا يصحح حديثه منفردا هذا معنى كلامه
وكذلك علل الحديث النسائي بتفرد يزيد بن هارون عن شريك وقال الدارقطني : تفرد به يزيد عن شريك ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك وشريك ليس بالقوي فيما يتفرد به . وقال البيهقي : هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي وإنما تابعه همام مرسلا هكذا ذكر البخاري وغيره من الحفاظ المتقدمين وأخرج الحديث أبو داود من طريق محمد بن جحادة عن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال المنذري : عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه وكذا قال ابن معين وأخرجه أيضا من طريق همام عن شقيق عن عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو مرسل . وكذا قال الترمذي وغيره كما تقدم لأن كليب بن شهاب والد عاصم لم يدرك النبي صلى الله عليه و سلم
( وفي الباب ) عن [ ص 282 ] أنس : ( أنه صلى الله عليه وآله وسلم انحط بالتكبير فسبقت ركبتاه يديه ) أخرجه الحاكم والبيهقي والدارقطني وقال : تفرد به العلاء بن إسماعيل وهو مجهول وقال الحاكم : هو على شرطهما ولا أعلم له علة وقال ابن أبي حاتم عن أبيه : إنه منكر
( الحديث ) يدل على مشروعية وضع الركبتين قبل اليدين ورفعهما عند النهوض قبل رفع الركبتين وإلى ذلك ذهب الجمهور وحكاه القاضي أبو الطيب عن عامة الفقهاء وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب والنخعي ومسلم بن يسار وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي قال وبه أقول
وذهبت العترة والأوزاعي ومالك وابن حزم إلى استحباب وضع اليدين قبل الركبتين وهي رواية عن أحمد وروى الحازمي عن الأوزاعي أنه قال : أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم قال ابن أبي داود : وهو قول أصحاب الحديث
( واحتجوا ) بحديث أبي هريرة الآتي وهو أقوى لأن له شاهدا من حديث ابن عمر أخرجه ابن خزيمة وصححه وذكره البخاري تعليقا موقوفا كذا قال الحافظ في بلوغ المرام . وقد أخرجه الدارقطني والحاكم في المستدرك مرفوعا بلفظ : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه ) وقال : على شرط مسلم
( وأجاب الأولون ) عن ذلك بأجوبة : منها أن حديث أبي هريرة وابن عمر منسوخان بما أخرج ابن خزيمة في صحيحه من حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال : ( كنا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا أن نضع الركبتين قبل اليدين ) ولكنه قال الحازمي في إسناده مقال ولو كان محفوظا لدل على النسخ غير أن المحفوظ عن مصعب عن أبيه حديث نسخ التطبيق . وقال الحافظ في الفتح : إنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل عن أبيه وهما ضعيفان وقد عكس ابن حزم فجعل حديث أبي هريرة في وضع اليدين قبل الركبتين ناسخا لما خالفه . ومنها ما جزم به ابن القيم في الهدي أن حديث أبي هريرة الآتي انقلب متنه على بعض الرواة قال : ولعله وليضع ركبتيه قبل يديه قال : وقد رواه كذلك أبو بكر ابن أبي شيبة فقال حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك كبروك الفحل ) ورواه الأثرم في سننه أيضا عن أبي بكر كذلك وقد روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يصدق ذلك ويوافق حديث وائل بن حجر
قال ابن أبي داود حدثنا يوسف بن عدي حدثنا ابن فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده عن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل يديه ) اه ولكنه قد [ ص 283 ] ضعف عبد الله بن سعيد يحيى القطان وغيره قال أبو أحمد الحاكم : إنه ذاهب الحديث . وقال أحمد بن حنبل : هو منكر الحديث متروك الحديث . وقال يحيى بن معين : ليس بشيء لا يكتب حديثه وقال أبو زرعة : هو ضعيف لا يوقف منه على شيء وقال أبو حاتم : ليس بقوي . وقال ابن عدي : عامة ما يرويه الضعف عليه بين
( ومما أجاب به ابن القيم ) عن حديث أبي هريرة أن أوله يخالف آخره قال : فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير فإن البعير إنما يضع يديه أولا قال : ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا ركبتا البعير في يديه لا في رجليه فهو إذا برك وضع ركبتيه أولا فهذا هو المنهي عنه قال : وهو فاسد لوجوه حاصلها : أن البعير إذا برك يضع يديه ورجلاه قائمتان وهذا هو المنهي عنه وإن القول بأن ركبتي البعير في يديه لا يعرفه أهل اللغة وأنه لو كان الأمر كما قالوا لقال صلى الله عليه وآله وسلم فليبرك كما يبرك البعير لأن أول ما يمس الأرض من البعير يداه
ومن الأجوبة التي أجاب بها الأولون عن حديث أبي هريرة الآتي أن حديث وائل أرجح منه كما قال الخطابي وغيره ويجاب عنه بأن المقال الذي سيأتي على حديث أبي هريرة لا يزيد على المقال الذي تقدم في حديث وائل على أنه قد رجحه الحافظ كما عرفت وكذلك الحافظ ابن سيد الناس قال : أحاديث وضع اليدين قبل الركبتين أرجح وقال : ينبغي أن يكون حديث أبي هريرة داخلا في الحسن على رسم الترمذي لسلامة رواته من الجرح . ومنها الاضطراب في حديث أبي هريرة فإن منهم من يقول وليضع يديه قبل ركبتيه . ومنهم من يقول بالعكس كما تقدم . ومنهم من يقول وليضع يديه على ركبتيه كما رواه البيهقي . ومنها أن حديث وائل موافق لما نقل عن الصحابة كعمر بن الخطاب وابنه وعبد الله بن مسعود . ومنها أن لحديث وائل شواهد من حديث أنس وابن عمر ويجاب عنه بأن لحديث أبي هريرة شواهد كذلك . ومنها أنه مذهب الجمهور
( ومن المرجحات ) لحديث أبي هريرة أنه قول وحديث وائل حكاية فعل والقول أرجح مع أنه تقرر في الأصول أن فعله صلى الله عليه و سلم لا يعارض قوله الخاص بالأمة ومحل النزاع من هذا القبيل
وأيضا حديث أبي هريرة مشتمل على النهي المقتضي للحظر وهو مرجح مستقل وهذا خلاصة ما تكلم به الناس في هذه المسألة وقد أشرنا إلى تزييف البعض منه والمقام من معارك الأنظار ومضايق الأفكار ولهذا قال النووي لا يظهر له ترجيح أحد المذهبين
وأما الحافظ ابن القيم فقد رجح حديث وائل بن حجر وأطال الكلام في ذلك وذكر عشرة مرجحات قد أشرنا ههنا إلى بعضها
وقد حاول المحقق المقبلي الجمع بين الأحاديث بما [ ص 284 ] حاصله أن من قدم يديه أو قدم ركبتيه وأفرط في ذلك بمباعدة سائر أطرافه وقع في الهيئة المنكرة ومن قارب بين أطرافه لم يقع فيها سواء قدم اليدين أو الركبتين وهو مع كونه جمعا لم يسبقه إليه أحد تعطيل لمعاني الأحاديث وإخراج لها عن ظاهرها ومصير إلى ما لم يدل عليه دليل . ومثل هذا ما روى البعض عن مالك من جواز الأمرين ولكن المشهور عنه ما تقدم

2 - وعن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير وليضع يديه ثم ركبتيه )
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي وقال الخطابي : حديث وائل بن حجر أثبت من هذا

- الحديث أخرجه الترمذي وقال : غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه اه . وقال البخاري : إن محمد بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب لا يتابع عليه وقال : لا أدري سمع من أبي الزناد أو لا . وقال الدارقطني : تفرد به الدراوردي عن محمد بن عبد الله المذكور . قال المنذري : وفيما قال الدارقطني نظر فقد روى نحوه عبد الله بن نافع عن محمد بن عبد الله وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه وقال أبو بكر بن أبي داود السجستاني : هذه سنة تفرد بها أهل المدينة ولهم فيها إسنادان هذا أحدهما والآخر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد قدمنا أنه أخرج حديث ابن عمر هذا الدارقطني والحاكم وابن خزيمة وصححه وقد أعله الدارقطني بتفرد الدراوردي أيضا عن عبيد الله بن عمر وقال في موضع آخر : تفرد به أصبغ بن الفرج عن الدراوردي اه
ولا ضير في تفرد الدراوردي فإنه قد أخرج له مسلم في صحيحه واحتج به وأخرج له البخاري مقرونا بعبد العزيز بن أبي حازم وكذلك تفرد أصبغ فإنه قد حدث عنه البخاري في صحيحه محتجا به
( والحديث ) استدل به القائلون بوضع اليدين قبل الركبتين وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى
قوله ( وليضع يديه ثم ركبتيه ) هو في سنن أبي داود وغيرها بلفظ ( قبل ركبتيه ) ولعل ما ذكره المصنف لفظ أحمد

3 - وعن عبد الله بن بحينة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا سجد يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه )
- متفق عليه

- قوله ( يجنح ) بضم الياء المثناة من تحت وفتح الجيم وكسر النون المشددة وروي فرج . وروي خوى وكلها بمعنى واحد . والمراد أنه نحى كل يد عن الجنب الذي يليها
[ ص 285 ] قوله ( حتى يرى ) قال النووي : هو بالنون وروي بالياء المثناة من تحت المضمومة وكلاهما صحيح
قوله ( وضح إبطيه ) هو البياض وفي رواية : ( حتى يبدو بياض إبطيه ) وفي أخرى : ( حتى إني لأرى بياض إبطيه ) قال الحافظ : قال القرطبي : والحكمة في استحباب هذه الهيئة أن يخف اعتماده على وجهه ولا يتأثر أنفه ولا جبهته ولا يتأذى بملاقاة الأرض قال : وقال غيره : هو أشبه بالتواضع وأبلغ في تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان
وقال ابن المنير ما معناه : أن يتميز كل عضو بنفسه . وأخرج الطبراني وغيره بإسناد صحيح أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لا تفترش افتراش السبع واعتمد على راحتيك وأبد ضبعيك فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو منك ) وأخرج مسلم من حديث عائشة : ( نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع ) وأخرج أيضا من حديث البراء مرفوعا : ( إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك ) . وظاهر هذه الأحاديث مع حديث أنس الآتي وجوب التفريج المذكور لولا ما أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة بلفظ : ( شكى أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم له مشقة السجود عليهم إذا انفرجوا فقال استعينوا بالركب ) وترجم له باب الرخصة في ذلك أي في ترك التفريج وفسره ابن عجلان أحد رواته بوضع المرفقين على الركبتين إذا طال السجود
وقد أخرجه الترمذي ولم يقع في روايته إذا انفرجوا فترجم له باب ما جاء في الاعتماد إذا قام من السجود فجعل محل الاستعانة بالركب حين يرتفع من السجود طالبا للقيام واللفظ يحتمل ما قال والزيادة التي أخرجها أبو داود تعين المراد ولكنه قال الترمذي : إنه لم يعرف الحديث إلا من هذا الوجه وذكر أنه روي من غير هذا الوجه مرسلا وكأنه أصح . وقال البخاري : إرساله أصح من وصله وهذا الإعلال غير قادح لأنه قد رفعه أئمة فرواه الليث عن ابن عجلان عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا والرفع من هؤلاء زيادة وتفردهم غير ضائر

4 - وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب )
- رواه الجماعة

- قوله ( ولا يبسط ) في رواية ولا يبتسط بزيادة التاء المثناة من فوق وفي رواية ( ولا يفترش ) ومعناه واحد كما قال ابن المنير وابن رسلان أي لا يجعل ذراعيه على الأرض كالفراش والبساط . قال القرطبي : ولا شك في كراهة هذه الهيئة ولا في استحباب نقيضها
[ ص 286 ] قوله ( انبساط الكلب ) في رواية ( افتراش الكلب ) وقد عرفت أن معناهما واحد والانبساط مصدر فعل محذوف تقديره ولا يبسط فينبسط انبساط الكلب ومثله قوله تعالى { والله أنبتكم من الأرض نباتا } وقوله تعالى { وأنبتها نباتا حسنا } أي أنبتكم فنبتم نباتا وأنبتها نباتا . والمراد بالاعتدال المأمور به في الحديث هو التوسط بين الافتراش والقبض
وظاهر الحديث الوجوب وقد تقدم في شرح الحديث الأول ما يدل على صرفه عنه إلى الاستحباب

5 - وعن أبي حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه )
- رواه أبو داود

- حديث أبي حميد قد تقدم ذكر من أخرجه في باب رفع اليدين وهذا طرف منه
قوله ( فرج بين فخذيه ) أي فرق بين فخذيه وركبتيه وقدميه قال أصحاب الشافعي : يكون التفريق بين القدمين بقدر شبر
قوله ( غير حامل بطنه ) بفتح الراء من غير والمراد أنه لم يجعل شيئا من فخذيه حاملا لبطنه بل يرفع بطنه عن فخذيه حتى لو شاءت بهيمة أن تمر بين يديه لمرت
( والحديث ) يدل على مشروعية التفريج بين الفخذين في السجود ورفع البطن عنهما ولا خلاف في ذلك

6 - وعن أبي حميد : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض ونحى يديه عن جنبيه ووضع كفيه حذو منكبيه )
- رواه أبو داود والترمذي وصححه

- وهذا أيضا طرف من حديث أبي حميد المتقدم وأخرجه بهذا اللفظ أيضا ابن خزيمة في صحيحه
قوله ( أمكن ) يقال أمكنته من الشيء ومكنته منه فتمكن واستمكن أي قوي عليه . وفيه دليل على مشروعية السجود على الأنف والجبهة وسيأتي الكلام عليه
قوله ( ونحى يديه ) فيه مشروعية التخوية في السجود كما في الركوع
قوله ( ووضع كفيه ) هذه الرواية مبينة للرواية الأخرى الواردة بلفظ : ( ووضع يديه )
قوله ( حذو منكبيه ) فيه مشروعية وضع اليدين في السجود حذو المنكبين

باب أعضاء السجود

1 - عن العباس بن عبد المطلب : ( أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه )
- رواه الجماعة إلا البخاري

[ ص 287 ] - قوله ( آراب ) بالمد جمع إرب بكسر أوله وإسكان ثانيه وهو العضو
( الحديث ) يدل على أن أعضاء السجود سبعة وأنه ينبغي للساجد أن يسجد عليها كلها وقد اختلف العلماء في وجوب السجود على هذه السبعة الأعضاء فذهبت العترة والشافعي في أحد قوليه إلى وجوب السجود على جميعها للأوامر التي ستأتي من غير فصل بينها . وقال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه وأكثر الفقهاء الواجب السجود على الجبهة فقط لقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( ومكن جبهتك ) ووافقهم المؤيد بالله في عدم وجوب السجود على القدمين والحق ما قاله الأولون

2 - وعن ابن عباس قال : ( أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسجد على سبعة أعضاء ولا يكف شعرا ولا ثوبا الجبهة واليدين والركبتين والرجلين )
- أخرجاه وفي لفظ : ( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه واليدين والركبتين والقدمين ) متفق عليه . وفي رواية : ( أمرت أن أسجد على سبع ولا أكفت الشعر ولا الثياب الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين ) رواه مسلم والنسائي

- قوله ( أمر ) قال الحافظ : هو بضم الهمزة في جميع الروايات على البناء لما لم يسم فاعله وهو الله جل جلاله . قال البيضاوي : وعرف ذلك بالعرف وذلك يقتضي الوجوب ونظره الحافظ قال : لأنه ليس فيه صيغة أفعل وهو ساقط لأن لفظ أمر أدل على المطلوب من صيغة افعل كما تقرر في الأصول ولكن الذي يتوجه على القول باقتضائه الوجوب على الأمة أنه لا يتم إلا على القول بأن خطابه صلى الله عليه وآله وسلم خطاب لأمته وفيه خلاف معروف ولا شك أن عموم أدلة التأسي تقتضي ذلك وقد أخرجه البخاري في صحيحه من رواية شعبة عن عمرو ابن دينار عن طاوس عن ابن عباس بلفظ ( أمرنا ) وهو دال على العموم
قوله ( سبعة أعظم ) سمى كل واحد عظما وإن اشتمل على عظام باعتبار الجملة ويجوز أن يكون من باب تسمية الجملة باسم بعضها كذا قال ابن دقيق العيد
قوله ( ولا يكف شعرا ولا ثوبا ) جملة معترضة بين المجمل والمبين . والمراد بالشعر شعر الرأس . وظاهره أن ترك الكف واجب حال الصلاة لا خارجها ورده القاضي عياض بأنه خلاف ما عليه الجمهور فإنهم كرهوا ذلك للمصلي سواء فعله في الصلاة أو قبل أن يدخلها . قال الحافظ : واتفقوا على أنه لا يفسد الصلاة لكن [ ص 288 ] حكى ابن المنذر عن الحسن وجوب الإعادة . ( قيل ) الحكمة في ذلك أنه إذا رفع ثوبه وشعره عن مباشرة الأرض أشبه المتكبرين
قوله ( الجبهة ) احتج به من قال بوجوب السجود على الجبهة دون الأنف وإليه ذهب الجمهور . وقال أبو حنيفة : إنه يجزئ السجود على الأنف وحده وقد نقل ابن المنذر إجماع الصحابة على أنه لا يحزئ السجود على الأنف وحده وذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق وابن حبيب من المالكية وغيرهم إلى أنه يجب أن يجمعهما وهو قول للشافعي
( واستدل ) أبو حنيفة بالرواية الثانية من حديث ابن عباس المذكور في الباب لأنه ذكر الجبهة وأشار إلى الأنف فدل على أنه المراد ورده ابن دقيق العيد فقال : إن الإشارة لا تعارض التصريح بالجبهة لأنها قد لا تعين المشار إليه بخلاف العبارة فإنها معينة وفيه أن الإشارة الحسية أقوى من الدلالة اللفظية وعدم التعيين المدعى ممنوع وقد صرح النحاة أن التعيين فيها يقع بالعين والقلب وفي المعرف باللام بالقلب فقط ولهذا جعلوها أعرف منه بل قال ابن السراج : إنها أعرف المعارف
واستدل القائلون بوجوب الجمع بينهما بالرواية الثالثة من حديث ابن عباس المذكور لأنه جعلهما كعضو واحد ولو كان كل واحد منهما عضوا مستقلا للزم أن تكون الأعضاء ثمانية وتعقب بأنه يلزم منه أن يكتفي بالسجود على الأنف وحده والجبهة وحدها فيكون دليلا لأبي حنيفة لأن كل واحد منهما بعض العضو وهو يكفي كما في غيره من الأعضاء وأنت خبير بأن المشي على الحقيقة هو المتحتم والمناقشة بالمجاز بدون موجب للمصير إليه غير ضائرة . ولا شك أن الجبهة والأنف حقيقة في المجموع ولا خلاف أن السجود على مجموع الجبهة والأنف مستحب . وقد أخرج أحمد من حديث وائل قال : ( رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم يسجد على الأرض واضعا جبهته وأنفه في سجوده ) وأخرج الدارقطني من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض ما يصيب الجبين ) قال الدارقطني : الصواب عن عكرمة مرسلا وروى إسماعيل ابن عبد الله المعروف بسمويه في فوائده عن عكرمة عن ابن عباس قال : ( إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض فإنكم قد أمرتم بذلك )
قوله ( واليدين ) المراد بهما الكفان بقرينة ما تقدم من النهي عن افتراش السبع والكلب
قوله ( والرجلين ) وفي الرواية الثانية والثالثة والركبتين والقدمين وهي معينة للمراد من الرجلين في الرواية الأولى
( والحديث ) يدل على وجوب السجود على السبعة الأعضاء جميعا وقد تقدم الخلاف [ ص 289 ] في ذلك وظاهره أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء لأن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها
قال ابن دقيق العيد : ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب لما يحذر فيه من كشف العورة وأما عدم وجوب كشف القدمين فلدليل لطيف وهو أن الشارع وقت المسح على الخف بمدة يقع فيها الصلاة بالخف فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخف المقتضي لنقض الطهارة فتبطل الصلاة اه ويمكن أن يخص ذلك بلابس الخف لأجل الرخصة . وأما كشف اليدين والجبهة فسيأتي الكلام عليه في الباب الذي بعد هذا
وقد ذهب الهادي والقاسم والشافعي إلى أنه لا يجب الكشف عن شيء من السبعة الأعضاء . وذهب الناصر والمرتضى وأبو طالب والشافعي في أحد قوليه إلى أنه يجب في الجبهة دون غيرها . وقال المؤيد بالله وأبو حنيفة : إنه يجزئ السجود على كور العمامة وفي قول للشافعي إنه يجب كشف اليدين كالجبهة وقال المؤيد بالله وأبو حنيفة وأهل القول الأول إنه لا يجب كعصابة الحرة وسيأتي الدليل على ذلك

باب المصلي يسجد على ما يحمله ولا يباشر مصلاه بأعضائه

1 - عن أنس قال : ( كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه )
- رواه الجماعة

- قوله ( ثوبه ) قال في الفتح : الثوب في الأصل يطلق على غير المخيط
( والحديث ) يدل على جواز السجود على الثياب لاتقاء حر الأرض وفيه إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هي الأصل لتعليق بسط ثوب بعدم الاستطاعة . وقد استدل بالحديث على جواز السجود على الثوب المتصل بالمصلي . قال النووي : وبه قال أبو حنيفة والجمهور وحمله الشافعي على الثوب المنفصل
قال ابن دقيق العيد : يحتاج من استدل به على الجواز إلى أمرين : أحدهما أن لفظ ثوبه دال على المتصل به إما من حيث اللفظ وهو تعقيب السجود بالبسط وإما من خارج اللفظ وهو قلة الثياب عندهم وعلى تقدير أن يكون كذلك وهو الأمر الثاني يحتاج إلى ثبوت كونه متناولا لمحل النزاع وهو أن يكون مما يتحرك بحركة المصلي وليس في الحديث ما يدل عليه وقد عورض هذا الحديث بحديث خباب بن الأرت عند الحاكم في الأربعين والبيهقي بلفظ : ( شكونا إلى [ ص 290 ] رسول الله صلى الله عليه و سلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا ) وأخرجه مسلم بدون لفظ حر وبدون لفظ جباهنا وأكفنا ويجمع بين الحديثين بأن الشكاية كانت لأجل تأخير الصلاة حتى يبرد الحر لا لأجل السجود على الحائل إذ لو كان كذلك لأذن لهم بالحائل المنفصل كما تقدم أنه كان صلى الله عليه و سلم يصلي على الخمرة ذكر معنى ذلك الحافظ في التلخيص
وأما ما أخرجه أبو داود في المراسيل عن صالح بن خيوان السبائي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رأى رجلا يسجد إلى جنبه وقد اعتم على جبهته فحسر عن جبهته . وأخرج ابن أبي شيبة عن عياض بن عبد الله قال : ( رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم رجلا يسجد على كور العمامة فأومأ بيده ارفع عمامتك ) فلا تعارضهما الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يسجد على كور عمامته لأنها كما قال البيهقي لم يثبت منها شيء يعني مرفوعا
وقد رويت من طرق عن جماعة من الصحابة . منها عن ابن عباس عند أبي نعيم في الحلية وفي إسناده ضعف كما قال الحافظ . ومنها عن ابن أبي أوفى عند الطبراني وفيه قائد أبو الورقاء وهو ضعيف . ومنها عن جابر عند ابن عدي وفيه عمرو بن شمر وجابر الجعفي وهما متروكان . ومنها عن أنس عند ابن أبي حاتم في العلل وفيه حسان بن سيارة وهو ضعيف . ورواه عبد الرزاق مرسلا . وعن أبي هريرة قال أبو حاتم : هو حديث باطل ويمكن الجمع إن كان لهذه الأحاديث أصل في الاعتبار بأن يحمل حديث صالح بن خيوان وعياض بن عبد الله على عدم العذر من حر أو برد وأحاديث سجوده صلى الله عليه وآله وسلم على كور العمامة على العذر . وكذلك يحمل حديث الحسن الآتي على العذر المذكور
ومن القائلين بجواز السجود على كور العمامة عبد الرحمن بن يزيد وسعيد بن المسيب والحسن وبكر المزني ومكحول والزهري روى ذلك عنهم ابن أبي شيبة . ومن المانعين عن ذلك علي ابن أبي طالب وابن عمر وعبادة بن الصامت وإبراهيم وابن سيرين وميمون بن مهران وعمر بن عبد العزيز وجعدة بن هبيرة روى ذلك عنهم أيضا أبو بكر ابن أبي شيبة

2 - وعن ابن عباس قال : ( لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم مطير وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد )
- رواه أحمد

- الحديث أخرج نحوه ابن أبي شيبة عنه بلفظ : ( إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى في ثوب واحد يتقي بفضوله حر الأرض وبردها ) وأخرجه بهذا اللفظ أحمد وأبو يعلى [ ص 291 ] والطبراني في الأوسط والكبير . قال في مجمع الزوائد : ورجال أحمد رجال الصحيح
( والحديث ) يدل على جواز الاتقاء بطرف الثوب الذي على المصلي ولكن للعذر إما عذر المطر كما في حديث الباب أو الحر والبرد كما في رواية ابن أبي شيبة . وهذا الحديث مصرح بأن الكساء الذي سجد عليه كان متصلا به . وبه استدل القائلون بجواز ترك كشف اليدين في الصلاة وقد تقدم ذكرهم في الباب الأول ولكنه مقيد بالعذر كما عرفت إلا أن القول بوجوب الكشف يحتاج إلى دليل إلا أن يقال إن الأمر بالسجود على الأعضاء المذكورة يقتضي أن يكون بينها وبين الأرض حائل وقد قدمنا أن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها

3 - وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال : ( جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فصلى بنا في مسجد بني الأشهل فرأيته واضعا يديه في ثوبه إذا سجد )
- رواه أحمد وابن ماجه وقال : ( على ثوبه )

- الحديث أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن إسماعيل بن أبي حبيبة عنه . وهذا الحديث قد اختلف في إسناده فقال ابن أبي أويس عن إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن ثابت بن الصامت عن أبيه عن جده وهذا أولى بالصواب قاله المزني
وقد استدل به أيضا القائلون بجواز ترك كشف اليدين حال السجود وهو أدل على مطلوبهم من حديث ابن عباس لإطلاقه وتقييد حديث ابن عباس بالعذر وقد تقدم تمام الكلام عليه . قال المصنف : وقال البخاري : قال الحسن : كان القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة [ ص 292 ] ويداه في كمه . وروى سعيد في سننه عن إبراهيم قال : كانوا يصلون في المساتق والبرانس والطيالسة ولا يخرجون أيديهم انتهى
وكلام الحسن الذي علقه البخاري قد وصله البيهقي وقال : هذا أصح ما في السجود موقوفا على الصحابة . ووصله أيضا عبد الرزاق وابن أبي شيبة . والقلنسوة بفتح القاف واللام وسكون النون وضم المهملة وفتح الواو وقد تبدل ياء مثناة من تحت وقد تبدل الفاء وتفتح السين وبعدها هاء تأنيث وهي غشاء مبطن يستر به الرأس قاله القزاز في شرح الفصيح . وقال ابن هشام : التي يقال لها العمامة الشاشية . وفي المحكم هي من ملابس الروس معروفة . وقال أبو هلال العسكري : هي التي تغطى بها العمائم وتستر من الشمس والمطر كأنها عنده رأس البرنس . وقول الحسن ويداه في كمه أي يد كل واحد منهم قال الحافظ : وكأنه أراد بتغيير الأسلوب بيان أن كل واحد منهم ما كان يجمع بين السجود على العمامة والقلنسوة معا لكن في كل حالة كان يسجد ويداه في كمه . والمساتق جمع مستقة وهي فرو طويل الكمين كذا في القاموس . والبرانس جمع برنس بالضم قال في القاموس هو قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه دراعة كان أو جبة . والطيالسة جمع طيلسان

باب الجلسة بين السجدتين وما يقول فيها

1 - عن أنس قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قال سمع الله لمن حمده قام حتى نقول قد أوهم ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول قد أوهم )
- رواه مسلم . وفي رواية متفق عليها : ( أن أنسا قال : إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بنا فكان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول الناس قد نسي وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول الناس قد نسي )

- الرواية الأولى أخرجها أيضا أبو داود وغيره . قوله ( قد أوهم ) بفتح الهمزة والهاء فعل ماض مبني للفاعل . قال القرطبي : ومعناه ترك . قال ثعلب : يقال أوهمت الشيء إذا تركته كله أوهم ووهمت في الحساب وغيره إذا غلطت أهم ووهمت إلى الشيء إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره . وقال في النهاية : أوهم في صلاته أي أسقط منها شيئا يقال أوهمت الشيء إذا تركته وأوهمت في الكلام والكتاب إذا أسقطت منه شيئا . ووهم يعني بكسر الهاء يوهم وهما بالتحريك إذا غلط . قال ابن رسلان : ويحتمل أن يكون معناه نسي أنه في صلاة وكذا قال الكرماني وزاد أو ظن أنه في وقت القنوت حيث كان معتدلا والتشهد حيث كان جالسا ويؤيد التفسير بالنسيان التصريح به في الرواية الأخرى
قوله ( إني لا آلو ) هو بهمزة ممدودة بعد حرف النفي ولام مضمومة بعدها واو خفيفة أي لا أقصر
قوله ( قد نسي ) أي نسي وجوب الهوي إلى السجود قاله الكرماني ويحتمل أن يكون المراد أنه نسي في صلاة أو ظن أنه وقت القنوت حيث كان معتدلا والتشهد حيث كان جالسا قاله الحافظ . ووقع عند الإسماعيلي [ ص 293 ] من طريق غندر عن شعبة قلنا قد نسي طول القيام أي لأجل طول قيامه
( والحديث ) يدل على مشروعية تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين وقد ذهب بعض الشافعية إلى بطلان الصلاة بتطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين محتجا بأن طولهما ينفي الموالاة وما أدري ما يكون جوابه عن حديث الباب . وعن حديث حذيفة الآتي بعده . وعن حديث البراء المتفق عليه : ( أنه كان ركوعه صلى الله عليه وآله وسلم وسجوده وإذا رفع من الركوع وبين السجدتين قريبا من السواء ) ولفظ مسلم : ( وجدت قيامه فركعته فاعتداله ) الحديث . وفي لفظ للبخاري : ( كان ركوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسجوده وبين السجدتين وإذا رفع رأسه من الركوع ما خلا القيام والقعود قريبا من السواء ) قال ابن دقيق العيد : هذا الحديث يدل على أن الاعتدال ركن طويل وحديث أنس أصرح في الدلالة على ذلك بل هو نص فيه فلا ينبغي العدول عنه لدليل ضعيف وهو قولهم لم يسن فيه تكرير التسبيحات كالركوع والسجود
ووجه ضعفه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد انتهى . على أنه قد ثبتت مشروعية أذكار في الاعتدال أكثر من التسبيح المشروع في الركوع والسجود كما تقدم وسيأتي . وأما القول بأن طولهما ينفي الموالاة فباطل لأن معنى الموالاة أن لا يتخلل فصل طويل بين الأركان مما ليس فيها وما ورد به الشرع لا يصح نفي كونه منها وقد ترك الناس هذه السنة الثابتة بالأحاديث الصحيحة محدثهم وفقيههم ومجتهدهم ومقلدهم فليت شعري ما الذي عولوا عليه في ذلك والله المستعان

2 - وعن حذيفة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول بين السجدتين رب اغفر لي رب اغفر لي )
رواه النسائي وابن ماجه

- الحديث أخرجه أيضا الترمذي وأبو داود عن حذيفة مطولا ولفظه : ( إنه رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل وكان يقول : الله أكبر ثلاثا ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة ثم استفتح فقرأ البقرة ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه وكان يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم سبحان ربي العظيم ثم رفع رأسه من الركوع فكان قيامه نحوا من قيامه ) وفي رواية الأسارى : ( نحوا من ركوعه وكان يقول لربي الحمد ثم يسجد فكان سجوده نحوا من قيامه فكان يقول في سجوده سبحان ربي الأعلى ثم يرفع رأسه من السجود وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوا من سجوده وكان يقول رب اغفر لي رب [ ص 294 ] اغفر لي فصلى أربع ركعات فقرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة أو الأنعام ) شك شعبة وفي إسناده رجل من بني عبس . قيل هو صلة بن زفر العبسي الكوفي وقد احتج به البخاري ومسلم
والحديث أصله في مسلم وهو يدل على مشروعية طلب المغفرة في الاعتدال بين السجدتين وعن استحباب تطويل صلاة النافلة والقراءة فيها بالسور الطويلة وتطويل أركانها جميعا . وفيه رد على من ذهب إلى كراهة تطويل الاعتدال من الركوع والجلسة بين السجدتين . قال النووي : والجواب عن هذا الحديث صعب . وقد تقدم بقية الكلام على ذلك

3 - وعن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول بين السجدتين اللهم اغفر لي وارحمني واجبرني واهدني وارزقني )
- رواه الترمذي وأبو داود إلا أنه قال فيه : ( وعافني ) مكان ( واجبرني )

- الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي وجمع ابن ماجه بين لفظ ارحمني واجبرني وزاد ارفعني ولم يقل اهدني ولا عافني . وجمع بينها الحاكم كلها إلا أنه لم يقل وعافني . وفي إسناده كامل أبو العلاء التميمي السعدي الكوفي وثقه يحيى بن معين وتكلم فيه غيره
( والحديث ) يدل على مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في القعدة بين السجدتين . قال المتولي : ويستحب للمنفرد أن يزيد هنا اللهم هب لي قلبا نقيا من الشرك بريا لا كافرا ولا شقيا . قال الأذرعي : لحديث ورد فيه

باب السجدة الثانية ولزوم الطمأنينة في الركوع والسجود والرفع عنهما

1 - عن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل المسجد فدخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه و سلم فقال : ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ارجع فصل فإنك لم تصل فرجع فصلى كما صلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ارجع فصل فإنك لم تصل ثلاثا فقال : والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني فقال : إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن [ ص 295 ] جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في الصلاة كلها )
- متفق عليه لكن ليس لمسلم فيه ذكر السجدة الثانية . وفي رواية لمسلم : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ) الحديث

- الحديث فيه زيادات وله طرق وسنشير إلى بعضها عند الكلام على مفرداته . وفي الباب عن رفاعة بن رافع عند الترمذي وأبي داود والنسائي . وعن عمار بن ياسر أشار إليه الترمذي
قوله ( فدخل رجل ) هو خلاد بن رافع كذا بينه ابن شيبة
قوله ( فصلى ) زاد النسائي ركعتين وفيه إشعار بأنه صلى نفلا . قال الحافظ : والأقرب أنها تحية المسجد
قوله ( ثم جاء فسلم ) زاد البخاري فرد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي مسلم وكذا البخاري في الاستئذان من رواية ابن نمير فقال ( وعليك السلام ) وهذه الزيادة ترد ما قاله ابن المنير من أن الموعظة في وقت الحاجة أهم من رد السلام واستدل بالحديث قال : ولعله لم يرد عليه تأديبا له على جهله ولعله لم يستحضر هذه الزيادة
قوله ( فإنك لم تصل ) قال عياض : فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ وهذا مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء وهو الظاهر ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمره بالإعادة بعد التعليم فدل على إجزائها وإلا لزم تأخير البيان كذا قال بعض المالكية وتعقب بأنه قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه فكأنه قال له أعد صلاتك على غير هذه الكيفية
وقد احتج لتوجه النفي إلى الكمال بما وقع في بعض روايات الحديث عند أبي داود والترمذي من حديث رفاعة بلفظ : ( فإن انتقصت منه شيئا انتقصت من صلاتك ) وكان أهون عليهم من الأول أنه من انتقص من ذلك شيئا انتقص من صلاته ولم تذهب كلها قالوا والنقص لا يستلزم الفساد وإلا لزم في ترك المندوبات لأنها تنتقص بها الصلاة وقد قدمنا الجواب على هذا الاحتجاج في شرح أول حديث من أبواب صفة الصلاة
قوله ( ثلاثا ) في رواية البخاري فقال في الثالثة أو في التي بعدها وفي أخرى له فقال في الثانية أو في الثالثة ورواية الكتاب أرجح لعدم الثالثة فيها ولكونه صلى الله عليه وآله وسلم كان من عادته استعمال الثلاث في تعليمه
قوله ( إذا قمت إلى الصلاة فكبر ) وفي رواية للبخاري : ( إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر ) وهي في مسلم أيضا كما قال المصنف . وفي رواية للبخاري أيضا والترمذي وأبي داود : ( فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد وأقم ) والمراد بقوله ثم تشهد الأمر بالشهادتين عقيب [ ص 296 ] الوضوء لا التشهد في الصلاة كذا قال ابن رسلان وهو الظاهر من السياق لأنه جعله مرتبا على الوضوء ورتب عليه الإقامة والتكبير والقراءة كما في رواية أبي داود . والمراد بقوله وأقم الأمر بالإقامة
وفي رواية للنسائي وأبي داود ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه إلا أنه قال النسائي يمجده مكان يثني عليه ثم ساق أبو داود في هذه الرواية الأمر بتكبير الانتقال في جميع الأركان والتسميع وهي تدل على وجوبه وقد تقدم البحث عن ذلك . وظاهر قوله ( فكبر ) في رواية حديث الباب وجوب تكبيرة الافتتاح وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل أبواب صفة الصلاة
قوله ( ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ) وفي رواية لأبي داود والنسائي من حديث رفاعة : ( فإن كان معك قرآن فاقرأ وإلا فاحمد الله تعالى وكبره وهلله ) وفي رواية لأبي داود من حديث رفاعة : ( ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله ) ولأحمد وابن حبان : ( ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت ) وقد تمسك بحديث الباب من لم يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة وأجيب عنه بهذه الروايات المصرحة بأم القرآن وقد تقدم البحث عن ذلك في باب وجوب قراءة الفاتحة
قوله ( ثم اركع حتى تطمئن ) في رواية لأحمد وأبي داود : ( فإذا ركعت فاجعل راحتيك على ركبتيك وامدد ظهرك ومكن ركوعك )
قوله ( ثم ارفع حتى تعتدل قائما ) في رواية لابن ماجه : ( تطمئن ) وهي على شرط مسلم وأخرجها إسحاق بن راهويه في مسنده وأبو نعيم في مستخرجه والسراج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري
قال الحافظ : فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبان . وفي لفظ لأحمد : ( فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها ) وهذه الروايات ترد مذهب من لم يوجب الطمأنينة وقد تقدم الكلام في ذلك
قوله ( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ) فيه دليل على وجوب السجود وهو إجماع ووجوب الطمأنينة فيه خلافا لأبي حنيفة
قوله ( ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ) فيه دلالة على وجوب الرفع والطمأنينة فيه ولا خلاف في ذلك . وقال أبو حنيفة : يكفي أدنى رفع وقال مالك : يكون أقرب إلى الجلوس
قوله ( ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ) فيه أيضا وجوب السجود والطمأنينة فيه ولا خلاف في ذلك
( وقد استدل ) بهذا الحديث على عدم وجوب قعدة الاستراحة وسيأتي الكلام على ذلك في الباب الذي بعد هذا ولكنه قد ثبت في رواية للبخاري من رواية ابن نمير في باب الاستئذان بعد ذكر السجود الثاني بلفظ : ( ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ) وهي [ ص 297 ] تصلح للمتمسك بها على الوجوب ولكنه لم يقل به أحد على أنه قد أشار البخاري إلى أن ذلك وهم لأنه عقبها بقوله قال أبو أسامة في الأخير حتى يستوي قائما . ويمكن أن يحمل إن كان محفوظا على الجلوس للتشهد انتهى . فشكك البخاري هذه الرواية التي ذكرها ابن نمير بمخالفة أبي أسامة وبقوله إن كان محفوظا
قال في البدر المنير ما معناه : وقد أثبت هذه الزيادة إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة كما قال ابن نمير . وكذلك البيهقي من طريقه وزاد أبو داود في حديث رفاعة : ( فإذا جلست في وسط الصلاة يعني التشهد الأوسط فاطمئن وافرش فخذك ثم تشهد )
( الحديث يدل ) على وجوب الطمأنينة في جميع الأركان كما تقدم وقد جزم كثير من العلماء بأن واجبات الصلاة هي المذكورة في طرق هذا الحديث واستدلوا به على عدم وجوب من لم يذكر فيه . قال ابن دقيق العيد : تقرر من الفقهاء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه وعدم وجوب ما لم يذكر فيه فأما وجوب ما ذكر فيه فلتعلق الأمر به وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك بمجرد كون الأصل عدم الوجوب بل لأمر زائد على ذلك وهو أن الموضع موضع تعليم وبيان للجاهل وتعريف لواجبات الصلاة وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر ويقوي مرتبة الحصر أنه صلى الله عليه و سلم ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي وما لم يتعلق به إساءته من واجبات الصلاة . وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت به الإساءة فقط . فإذا تقرر هذا فكل موضع اختلفت العلماء في وجوبه وكان مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه وكل موضع اختلفوا في عدم وجوبه ولم يكن مذكورا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه لكونه غير مذكور على ما تقدم من كونه موضع تعليم ثم قال : إلا أن على طالب التحقيق ثلاث وظائف :
أحدها أن يجمع طرق الحديث ويحصي الأمور المذكورة فيه ويأخذ بالزائد فالزائد فإن الأخذ بالزائد واجب . ثانيها إذا أقام دليلا على أحد الأمرين إما الوجوب أو عدم الوجوب فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى وهذا عند النفي يجب التحرز فيه أكثر فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين يعمل به قال : وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعدم ذكره في الحديث وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر فالمقدم صيغة الأمر وإن كان يمكن أن يقال الحديث دليل على عدم الوجوب ويحمل صيغة الأمر على الندب ثم ضعفه بأنه إنما يتم إذا [ ص 298 ] كان عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر وليس كذلك فإن عدم الذكر إنما يدل على عدم الوجوب وهو غير عدم الذكر في نفس الأمر فيقدم ما دل على الوجوب لأنه إثبات لزيادة يتعين العمل بها انتهى ( 1 ) والوظائف التي أرشد إليها قد امتثلنا رسمه فيها
فجمعنا من طرق هذا الحديث في هذا الشرح عند الكلام على مفرداته ما تدعو الحاجة إليه وتظهر للاختلاف في ألفاظه مزيد فائدة وعملنا بالزائد فالزائد من ألفاظه فوجدنا الخارج عما اشتمل عليه حديث الباب . الشهادتين بعد الوضوء . وتكبير الانتقال . والتسميع . والإقامة . وقراءة الفاتحة . ووضع اليدين على الركبتين حال الركوع . ومد الظهر . وتمكين السجود . وجلسة الاستراحة . وفرش الفخذ . والتشهد الأوسط . والأمر بالتحميد والتكبير والتهليل والتمجيد عند عدم استطاعة القراءة . وقد تقدم الكلام على جميعها إلا التشهد الأوسط وجلسة الاستراحة وفرش الفخذ فسيأتي الكلام على ذلك . والخارج عن جميع ألفاظه من الواجبات المتفق عليها كما قال الحافظ والنووي النية . والقعود الأخير . ومن المختلف فيها التشهد الأخير والصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم فيه . والسلام في آخر الصلاة . وقد قدمنا الكلام على النية في الوضوء وسيأتي الكلام على الثلاثة الأخيرة . وأما قوله أنها تقدم صيغة الأمر إذا جاءت في حديث آخر واختياره لذلك من دون تفصيل فنحن لا نوافقه بل نقول إذا جاءت صيغة أمر قاضية بوجوب زائد على ما في هذا الحديث فإن كانت متقدمة على تاريخه كان صارفا لها إلى الندب لأن اقتصاره صلى الله عليه و سلم في التعليم على غيرها وتركه لها من أعظم المشعرات بعدم وجوب ما تضمنته لما تقرر من أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وإن كانت متأخرة عنه فهو غير صالح لصرفها لأن الواجبات الشرعية ما زالت تتجدد وقتا فوقتا وإلا لزم قصر واجبات الشريعة على الخمس المذكورة في حديث ضمام بن ثعلبة وغيره أعني الصلاة والصوم والحج والزكاة والشهادتين لأن النبي صلى الله عليه و سلم اقتصر عليها في مقام التعليم والسؤال عن جميع [ ص 299 ] الواجبات واللازم باطل فالملزوم مثله . وإن كانت صيغة الأمر الواردة بوجوب زيادة على هذا الحديث غير معلومة التقدم عليه ولا التأخر ولا المقارنة فهذا محل الإشكال ومقام الاحتمال والأصل عدم الوجوب والبراءة منه حتى يقوم دليل يوجب الانتقال عن الأصل والبراءة ولا شك أن الدليل المفيد للزيادة على حديث المسيء إذا التبس تاريخه محتمل لتقدمه عليه وتأخره فلا ينتهض للاستدلال به على الوجوب وهذا التفصيل لا بد منه وترك مراعاته خارج عن الاعتدال إلى حد الإفراط أو التفريط لأن قصر الواجبات على حديث المسيء فقط وإهدار الأدلة الواردة بعده تخيلا لصلاحيته لصرف كل دليل يرد بعده دالا على الوجوب سد لباب التشريع ورد لما تجدد من واجبات الصلاة ومنع للشارع من إيجاب شيء منها وهو باطل لما عرفت من تجدد الواجبات في الأوقات
والقول بوجوب كل ما ورد الأمر به من غير تفصيل يؤدي إلى إيجاب كل أقوال الصلاة وأفعالها التي ثبتت عنه صلى الله عليه وآله وسلم من غير فرق بين أن يكون ثبوتها قبل حديث المسيء أو بعده لأنها بيان للأمر القرآني أعني قوله تعالى { أقيموا الصلاة } ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) وهو باطل لاستلزامه تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو لا يجوز عليه صلى الله عليه وآله وسلم
وهكذا الكلام في كل دليل يقضي بوجوب أمر خارج عن حديث المسيء ليس بصيغة الأمر كالتوعد على الترك أو الذم لمن لم يفعل . وهكذا يفصل في كل دليل يقتضي عدم وجوب شيء مما اشتمل عليه حديث المسيء أو تحريمه إن فرضنا وجوده
( وقد استدل ) بالحديث على عدم وجوب الإقامة ودعاء الافتتاح ورفع اليدين في الإحرام وغيره ووضع اليمنى على اليسرى وتكبيرات الانتقال وتسبيحات الركوع والسجود وهيئات الجلوس ووضع اليد على الفخذ والقعود ونحو ذلك
قال الحافظ : وهو في معرض المنع لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق اه . وقد قدمنا البعض من ذلك . وللحديث فوائد كثيرة قال أبو بكر ابن العربي فيه أربعون مسألة ثم سردها
_________
( 1 ) وقد اختصر الشارح كلام العلامة ابن دقيق العيد ولم يذكر الوظيفة الثالثة وقد ذكر الوظائف الثلاثة العلامة ابن دقيق في كتابه إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام مستوفاة ونقلت كلام الشوكاني هذا هناك في تعليقي عليه ونص كلامه في الوظيفة الثالثة : وثالثها أن يستمر على طريقة واحدة ولا يستعمل في طريقة ما يتركه في آخر فيتشعب نظره وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالا واحدا فإنه يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين انتهى . والله أعلم

2 - وعن حذيفة : ( أنه رأى رجلا لا يتم ركوعه ولا سجوده فلما قضى صلاته دعاه فقال له حذيفة : ما صليت ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى الله عليه وآله وسلم )
- رواه أحمد والبخاري

- قوله ( رأى حذيفة رجلا ) روى عبد الرزاق وابن خزيمة وابن حبان من طريق [ ص 300 ] الثوري عن الأعمش أن هذا الرجل كان عند أبواب كندة . قال الحافظ : ولم أقف على اسمه
قوله ( ما صليت ) هو نظير قوله صلى الله عليه وآله وسلم للمسيء : ( فإنك لم تصل ) وزاد أحمد بعد قوله فقال له حذيفة : ( منذ كم صليت قال منذ أربعين سنة ) وللنسائي مثل ذلك . وحذيفة مات سنة ست وثلاثين من الهجرة فعلى هذا يكون ابتداء صلاة المذكور قبل الهجرة بأربع سنين أو أكثر . قال الحافظ : ولعل الصلاة لم تكن فرضت بعد فلعله أراد المبالغة أو لعله كان ممن يصلي قبل إسلامه فحصلت المدة المذكورة من الأمرين . ولهذه العلة لم يذكر البخاري هذه الزيادة
قوله ( غير الفطرة ) قال الخطابي : الفطرة الملة والدين قال : ويحتمل أن يكون المراد بها السنة كما في حديث : ( خمس من الفطرة ) وقد قدمنا تفسيرها في شرح حديث خصال الفطرة
( والحديث ) يدل على وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود وعلى أن الإخلال بها يبطل الصلاة وعلى تكفير تارك الصلاة لأن ظاهره أن حذيفة نفى الإسلام عنه وهو على حقيقته عند قوم وعلى المبالغة عند قوم آخرين . وقد تقدم الكلام على ذلك في أوائل كتاب الصلاة . وقال الحافظ : إن حذيفة أراد توبيخ الرجل ليرتدع في المستقبل . ويرجحه وروده من وجه آخر عند البخاري بلفظ : ( سنة محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) وهذه الزيادة تدل على أن حديث حذيفة المذكور مرفوع لأن قول الصحابي من السنة يفيد ذلك وقد مال إليه قوم وخالفه آخرون والأول هو الراجح

3 - وعن أبي قتادة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أشر الناس سرقة الذي يسرق من صلاته فقالوا : يا رسول الله وكيف يسرق من صلاته قال : لا يتم ركوعها ولا سجودها أو قال ولا يقيم صلبه في الركوع والسجود )
- رواه أحمد . ولأحمد من حديث أبي سعيد مثله إلا أنه قال : ( يسرق صلاته )

- الحديث أخرجه أيضا الطبراني في الكبير والأوسط قال في مجمع الزوائد : ورجاله رجال الصحيح . وفيه أن ترك إقامة الصلب في الركوع والسجود جعله الشارع من أشر أنواع السرق وجعل الفاعل لذلك أشر من تلبس بهذه الوظيفة الخسيسة التي لا أوضع ولا أخبث منها تنفيرا عن ذلك وتنبيها على تحريمه . وقد صرح صلى الله عليه وآله وسلم بأن صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود غير مجزئة كما أخرجه أبو داود والترمذي وصححه النسائي وابن ماجه من حديث ابن مسعود بلفظ : ( لا تجزئ صلاة الرجل [ ص 301 ] حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود ) ونحوه عن علي بن شيبان عند أحمد وابن ماجه وقد تقدما في باب أن الانتصاب بعد الركوع فرض . والأحاديث في هذا الباب كثيرة وكلها ترد على من لم يوجب الطمأنينة في الركوع والسجود والاعتدال منهما

باب كيف النهوض إلى الثانية وما جاء في جلسة الاستراحة

1 - عن وائل بن حجر : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سجد وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقع كفاه فلما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه وإذا نهض نهض على ركبتيه واعتمد على فخذيه )
- رواه أبو داود

- الحديث أخرجه أبو داود من طريق عبد الجبار بن وائل بن حجر عن أبيه وقد أخرج له مسلم ووثقه ابن معين وقال : لم يسمع من أبيه شيئا وقال أيضا : مات وهو حمل قال الذهبي : وهذا القول مردود بما صح عنه أنه قال : كنت غلاما لا أعقل صلاة أبي . وأخرجه من طريق عاصم بن كليب عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكليب والد عاصم لم يدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم فحديثه مرسل قال ذلك الترمذي والمنذري وغيرهما وقد تقدم تفصيل ذلك في باب هيئات السجود
قوله ( وقعت ركبتاه إلى الأرض قبل أن يقع كفاه ) وقد تقدم الكلام على هذه الهيئة وما فيها من الاختلاف في باب هيئات السجود
قوله ( فلما سجد وضع جبهته بين كفيه وجافى عن إبطيه ) لم يذكر هذا أبو داود في الباب الذي ذكر فيه طرق حديث وائل وإنما ذكره في باب افتتاح الصلاة . والمجافاة المباعدة وهو من الجفاء وهو البعد عن الشيء
قوله ( وإذا نهض نهض على ركبتيه ) فيه مشروعية النهوض على الركبتين والاعتماد على الفخذين لا على الأرض
قوله ( على فخذيه ) الذي في سنن أبي داود على فخذه بلفظ الإفراد وقيده ابن رسلان في شرح السنن بالإفراد أيضا وقال : هكذا الرواية ثم قال : وفي رواية أظنها لغير المصنف يعني أبا داود على فخذيه بالتثنية وهو اللائق بالمعنى . ورواه أيضا أبو داود في باب افتتاح الصلاة بالإفراد قال ابن رسلان : ولعل المراد التثنية كما في ركبتيه

2 - وعن مالك بن الحويرث : ( أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا )
- رواه الجماعة إلا مسلما وابن ماجه

[ ص 302 ] - الحديث فيه مشروعية جلسة الاستراحة وهي بعد الفراغ من السجدة الثانية وقبل النهوض إلى الركعة الثانية والرابعة . وقد ذهب إلى ذلك الشافعي في المشهور عنه وطائفة من أهل الحديث وعن أحمد روايتان . وذكر الخلال أن أحمد رجع إلى القول بها ولم يستحبها الأكثر واحتج لهم الطحاوي بحديث أبي أحمد الساعدي المشتمل على وصف صلاته صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر فيه هذه الجلسة بل ثبت في بعض ألفاظه : ( أنه قام ولم يتورك ) كما أخرجه أبو داود قال : فيحتمل أن ما فعله في حديث مالك بن الحويرث لعلة كانت به فقعد من أجلها لأن ذلك من سنة الصلاة ثم قوى ذلك بأنها لو كانت مقصودة لشرع لها ذكر مخصوص وتعقب بأن الأصل عدم العلة وبأن مالك بن الحويرث هو راوي حديث ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) فحكاياته لصفات صلاة رسول الله صلى الله عليه و سلم داخلة تحت هذا الأمر . وحديث أبي حميد يستدل به على عدم وجوبها وأنه تركها لبيان الجواز لا على عدم مشروعيتها على أنها لم تتفق الروايات عن أبي حميد في نفي هذه الجلسة بل أخرج أبو داود والترمذي وأحمد عنه من وجه آخر بإثباتها . وأما الذكر المخصوص فإنها جلسة خفيفة جدا استغنى فيها بالتكبير المشروع للقيام
( واحتج بعضهم ) على نفي كونها سنة بأنها لو كانت كذلك لذكرها كل من وصف صلاته وهو متعقب بأن السنن المتفق عليها لم يستوعبها كل واحد ممن وصف صلاته إنما أخذ مجموعها عن مجموعهم
( واحتجوا أيضا ) على عدم مشروعيتها بما وقع في حديث وائل بن حجر عند البزار بلفظ : ( كان إذا رفع رأسه من السجدتين استوى قائما ) وهذا الاحتجاج يرد على من قال بالوجوب لا من قال بالاستحباب لما عرفت على أن حديث وائل قد ذكره النووي في الخلاصة في فصل الضعيف
( واحتجوا ) أيضا بما أخرجه الطبراني من حديث معاذ أنه كان يقوم كأنه السهم وهذا لا ينفي الاستحباب المدعى على أن في إسناده متهما بالكذب وقد عرفت مما قدمنا في شرح حديث المسيء أن جلسة الاستراحة مذكورة فيه عند البخاري وغيره لا كما زعمه النووي من أنها لم تذكر فيه وذكرها فيه يصلح للاستدلال به على وجوبها لولا ما ذكرنا فيما تقدم من إشارة البخاري إلى أن ذكر هذه الجلسة وهم وما ذكرنا أيضا من أنه لم يقل بوجوبها أحد وقد صرح بمثل ذلك الحافظ في الفتح
( ومن جملة ) ما احتج به القائلون بنفي استحبابها حديث وائل بن حجر عند أبي داود المتقدم قبل حديث الباب . وما روى ابن المنذر عن النعمان ابن أبي عياش [ ص 303 ] قال : أدركت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس وذلك لا ينافي القول بأنها سنة لأن الترك لها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في بعض الحالات إنما ينافي وجوبها فقط وكذلك ترك بعض الصحابة لها لا يقدح في سنيتها لأن ترك ما ليس بواجب جائز

باب افتتاح الثانية بالقراءة من غير تعوذ ولا سكتة

1 - عن أبي هريرة قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا نهض في الركعة الثانية افتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يسكت )
- رواه مسلم

- الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه من حديث عبد الواحد وغيره عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة أخرجه أيضا أبو داود وليس عنده إلا السكتة في الركعة الأولى وذكر دعاء الاستفتاح فيها وكذلك هو عند ابن ماجه بلفظ أبي داود وعند النسائي من هذا الوجه عن أبي هريرة : ( أن النبي صلى الله عليه و سلم كانت له سكتة إذا افتتح الصلاة )
( والحديث ) يدل على عدم مشروعية السكتة قبل القراءة في الركعة الثانية وكذلك عدم مشروعية التعوذ فيها وحكم ما بعدها من الركعات حكمها فتكون السكتة قبل القراءة مختصة بالركعة الأولى وكذلك التعوذ قبلها وقد تقدم الكلام في السكتتين في باب ما جاء في السكتتين وفي التعوذ في بابه المتقدم وقد رجح صاحب الهدى الاقتصار على التعوذ في الأولى لهذا الحديث واستدل لذلك بأدلة فليراجع

باب الأمر بالتشهد الأول وسقوطه بالسهو

1 - عن ابن مسعود قال : ( أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم قال : إذا قعدتم في كل ركعتين فقولوا التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع به ربه عز و جل )
- رواه أحمد والنسائي

[ ص 304 ] - الحديث رواه أحمد من طرق بألفاظ فيها بعض اختلاف وفي بعضها طول وجميعها رجالها ثقات وإنما عزاه المصنف رحمه الله إلى أحمد والنسائي باعتبار الزيادة التي في أوله وهي ( إذا قعدتم في كل ركعتين ) فإنها لم تكن عند غيرهما بهذا اللفظ وهو عند الترمذي بلفظ : ( قال : علمنا رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قعدنا في الركعتين ) وفي رواية أخرى للنسائي بلفظ : ( فقولوا في كل جلسة ) وأما سائر ألفاظ الحديث إلى قوله ( ثم ليتخير ) فقد اتفق على إخراجه الجماعة كلهم وسيذكره المصنف . وأما زيادة قوله ( ثم ليتخير ) إلى آخر الحديث فأخرجها البخاري بلفظ : ( ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به ) وفي لفظ له : ( ثم يتخير من الثناء ما شاء ) وأخرجها أيضا مسلم بلفظ : ( ثم يتخير من المسألة ما شاء ) وفي رواية للنسائي عن أبي هريرة : ( ثم يدعو لنفسه بما بدا له ) قال الحافظ : إسنادها صحيح . وفي رواية أبي داود : ( ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه )
وقوله ( فقولوا التحيات ) فيه دليل لمن قال بوجوب التشهد الأوسط وهو أحمد في المشهور عنه والليث وإسحاق وهو قول للشافعي وإليه ذهب داود وأبو ثور ورواه النووي عن جمهور المحدثين . ومما يدل على ذلك إطلاق الأحاديث الواردة بالتشهد وعدم تقييدها بالأخير
( واحتج الطبري ) لوجوبه بأن الصلاة وجبت أولا ركعتين وكان التشهد فيها واجبا فلما زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب وتعقب بأن الزيادة لم تتعين في الأخريين بل يحتمل أن يكون هما الفرض الأول والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما . ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان كذا قال الحافظ . ولا يخفى ما في هذا التعقب من التعسف وغاية ما استدل به القائلون بعدم الوجوب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ترك التشهد الأوسط ولم يرجع إليه ولا أنكر على أصحابه متابعته في الترك وجبره بسجود السهو فلو كان واجبا لرجع إليه وأنكر على أصحابه متابعته ولم يكتف في تجبيره بسجود السهو ويجاب عن ذلك بأن الرجوع على تسليم وجوبه للواجب المتروك إنما يلزم إذا ذكره المصلي وهو في الصلاة ولم ينقل إلينا أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكره قبل الفراغ اللهم إلا أن يقال إنه قد روى أن الصحابة سبحوا به فمضى حتى فرغ كما يأتي وذلك يستلزم أنه علم به . وترك إنكاره على المؤتمين به متابعته إنما يكون حجة بعد تسليم أنه يجب على المؤتمين ترك متابعة الإمام إذا ترك واجبا من واجبات الصلاة وهو ممنوع والسند الأحاديث الدالة على وجوب المتابعة وتجبيره بالسجود إنما يكون دليلا على عدم الوجوب إذا سلمنا أن [ ص 305 ] سجود السهو إنما يجبر به المسنون دون الواجب وهو غير مسلم
( والحاصل ) أن حكمه حكم التشهد الأخير وسيأتي والتفرقة بينهما ليس عليها دليل يرتفع به النزاع على أنه يدل على مزيد خصوصية للتشهد الأوسط ذكره في حديث المسيء كما تقدم في شرحه وسيأتي
قوله ( التحيات لله ) إلى آخر ألفاظ التشهد سيأتي شرحها في باب ذكر تشهد ابن مسعود
قوله ( ثم ليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه ) فيه الإذن بكل دعاء أراد المصلي أن يدعو به في هذا الموضع وعدم لزوم الاقتصار على ما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم

2 - وعن رفاعة بن رافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إذا قمت في صلاتك فكبر ثم اقرأ ما تيسر عليك من القرآن فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن وافترش فخذك اليسرى ثم تشهد )
- رواه أبو داود

- هذا طرف من حديث رفاعة في تعليم المسيء وقد أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه والترمذي وحسنه ولكنه انفرد أبو داود بهذه الزيادة أعني قوله ( فإذا جلست في وسط الصلاة ) الخ وفي إسنادها محمد بن إسحاق ولكنه صرح بالتحديث
قوله ( في وسط الصلاة ) بفتح السين قال في النهاية : يقال فيما كان متفرق الأجزاء غير متصل كالناس والدواب بسكون السين وما كان متصل الأجزاء كالدار والرأس فهو بالفتح والمراد هنا القعود للتشهد الأول في الرباعية ويلحق به الأول في الثلاثية
قوله ( فاطمئن ) يؤخذ منه أن المصلي لا يشرع في التشهد حتى يطمئن يعني يستقر كل مفصل في مكانه ويسكن من الحركة
قوله ( وافترش فخذك اليسرى ) أي ألقها على الأرض وابسطها كالفراش للجلوس عليها والافتراش في وسط الصلاة موافق لمذهب الشافعي وأحمد لكن أحمد يقول يفترش في التشهد الثاني كالأول . والشافعي يتورك في الثاني ومالك يتورك فيهما كذا ذكره ابن رسلان في شرح السنن . وفيه دليل لمن قال إن السنة الافتراش في الجلوس للتشهد الأوسط وهم الجمهور . قال ابن القيم : ولم يرو عنه في هذه الجلسة غير هذه الصفة يعني الفرش والنصب وقال مالك : يتورك فيه لحديث ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس في وسط الصلاة وفي آخرها متوركا ) قال ابن القيم : لم يذكر عنه صلى الله عليه وآله وسلم التورك إلا في التشهد الأخير
( والحديث ) فيه دليل لمن قال بوجوب التشهد الأوسط وقد تقدم الاختلاف فيه

3 - وعن عبد الله ابن بحينة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام في صلاة [ ص 306 ] الظهر وعليه جلوس فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم وسجدها الناس معه مكان ما نسي من الجلوس )
- رواه الجماعة

- قوله ( عن عبد الله ابن بحينة ) بحينة اسم أم عبد الله أو اسم أم أبيه قال الحافظ : فعلى هذا ينبغي أن يكتب ابن بحينة بالألف
قوله ( قام في صلاة الظهر ) زاد الضحاك بن عثمان الأعرج : ( فسبحوا به فمضى حتى فرغ من صلاته ) أخرجه ابن خزيمة . وعند النسائي والحاكم نحو هذه الزيادة
قوله ( وعليه جلوس ) فيه إشعار بالوجوب حيث قال وعليه جلوس
قوله ( يكبر في كل سجود ) فيه مشروعية تكبير النقل في سجود السهو
قوله ( وهو جالس ) جملة حالية متعلقة بقوله سجد أي أنشأ السجود جالسا
( والحديث ) استدل به من قال بأن التشهد الأوسط غير واجب وتقدم وجه دلالته على ذلك والجواب عنه

باب صفة الجلوس في التشهد وبين السجدتين وما جاء في التورك والإقعاء

1 - عن وائل بن حجر : ( أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فسجد ثم قعد فافترش رجله اليسرى )
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي . وفي لفظ لسعيد بن منصور قال : ( صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قعد وتشهد فرش قدمه اليسرى على الأرض وجلس عليها )

2 - وعن رفاعة بن رافع : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال للأعرابي إذا سجدت فمكن سجودك فإذا جلست فاجلس على رجلك اليسرى )
- رواه أحمد

- حديث وائل أخرجه أيضا ابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح وحديث رفاعة أخرجه أيضا أبو داود باللفظ الذي سبق في الباب الأول ولا مطعن في إسناده
وأخرجه أيضا ابن أبي شيبة وابن حبان وقد احتج بالحديثين القائلون باستحباب فرش اليسرى ونصب اليمنى في التشهد الأخير وهم زيد بن علي والهادي والقاسم والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه والثوري . وقال مالك والشافعي وأصحابه : إنه يتورك المصلي في التشهد الأخير . وقال أحمد بن حنبل : إن التورك يختص بالصلاة التي فيها تشهدان
( واستدل ) الأولون أيضا بما أخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح من حديث أبي حميد : ( أن رسول [ ص 307 ] الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس يعني للتشهد فافترش رجله اليسرى وأقبل بصدور اليمنى على قبلته ) الحديث وبحديث عائشة الآتي . ووجه الاستدلال بهذين الحديثين وبحديثي الباب أن رواتها ذكروا هذه الصفة لجلوس التشهد ولم يقيدوه بالأول واقتصارهم عليها من دون تعرض لذكر غيرها مشعر بأنها هي الهيئة المشروعة في التشهدين جميعا ولو كانت مختصة بالأول لذكروا هيئة التشهد الأخير ولم يهملوه لا سيما وهم بصدد بيان صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعليمه لمن لا يحسن الصلاة فعلم بذلك أن هذه الهيئة شاملة لهما . ويمكن أن يقال إن هذه الجلسة التي ذكر هيئتها أبو حميد في هذا الحديث هي جلسة التشهد الأول بدليل حديثه الآتي فإنه وصف هيئة الجلوس الأول بهذه الصفة ثم ذكر بعدها هيئة الجلوس الآخر فذكر فيها التورك واقتصاره على بعض الحديث في هذه الرواية ليس بمناف لما ثبت عنه في الرواية الأخرى لا سيما وهي ثابتة في صحيح البخاري ولا يعد ذلك الاقتصار إلا لبيان هيئة التشهد الأخير في مقام التصدي لصفة جميع الصلوات لأنه ربما اقتصر من ذلك على ما تدعو الحاجة إليه ويقال في حديث رفاعة المذكور ههنا أنه مبين بروايته المتقدمة في الباب الأول
وأما حديث وائل وحديث عائشة فقد أجاب عنهما القائلون بمشروعية التورك في التشهد الأخير بأنهما محمولان على التشهد الأوسط جمعا بين الأدلة لأنهما مطلقان عن التقييد بأحد الجلوسين . وحديث أبي حميد مقيد وحمل المطلق على المقيد واجب ولا يخفاك أنه يبعد هذا الجمع ما قدمنا من أن مقام التصدي لبيان صفة صلاته صلى الله عليه وآله وسلم يأبى الاقتصار على ذكر هيئة أحد التشهدين وإغفال الآخر مع كون صفته مخالفة لصفة المذكور لا سيما حديث عائشة فإنها قد تعرضت فيه لبيان الذكر المشروع في كل ركعتين وعقبت ذلك بذكر هيئة الجلوس قمن البعيد أن يخص بهذه الهيئة أحدهما ويهمل الآخر ولكنه يلوح من هذا أن مشروعية التورك في الأخير آكد من مشروعية النصب والفرش وأما أنه ينفي مشروعية النصب والفرش فلا وإن كان حق حمل المطلق على المقيد هو ذلك لكنه منع من المصير إليه ما عرفناك
والتفصيل الذي ذهب إليه أحمد يرده قول أبي حميد في حديثه الآتي فإذا جلس في الركعة الأخيرة . وفي رواية لأبي داود حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم . وقد اعتذر ابن القيم عن ذلك بما لا طائل تحته وقد ذكر مسلم في صحيحه من حديث ابن الزبير صفة ثالثة لجلوس التشهد الأخير وهي أنه صلى الله [ ص 308 ] عليه وآله وسلم كان يجعل قدمه اليسرى بين فخذه وساقه ويفرش قدمه اليمنى واختار هذه الصفة أبو القاسم الخرقي في مصنفه ولعله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفعل هذا تارة
وقد وقع الخلاف في الجلوس للتشهد الأخير هل هو واجب أم لا فقال بالوجوب عمر بن الخطاب وأبو مسعود وأبو حنيفة والشافعي . ومن أهل البيت الهادي والقاسم والناصر والمؤيد بالله . وقال علي بن أبي طالب والثوري والزهري ومالك إنه غير واجب
( استدل الأولون ) بملازمته صلى الله عليه وآله وسلم له والآخرون بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلمه المسيء ومجرد الملازمة لا تفيد الوجوب وهذا هو الظاهر لا سيما مع قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المسيء بعد أن علمه فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك ولا يتوهم أن ما دل على وجوب التسليم دل على وجوب جلوس التشهد لأنه لا ملازمة بينهما

3 - وعن أبي حميد أنه قال وهو في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم : ( كنت أحفظكم لصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأيته إذا كبر جعل يديه حذاء منكبيه وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه ثم هصر ظهره فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة فإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى فإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته )
- رواه البخاري وقد سبق لغيره بلفظ أبسط من هذا

- الحديث تقدم في باب رفع اليدين وههنا ألفاظ لم تذكر هنالك وبعضها محتاج إلى الشرح فمن ذلك قوله ( ثم هصر ظهره ) هو بالهاء والصاد المهملة المفتوحتين أي ثناه في استواء من غير تقويس ذكره الخطابي
قوله ( حتى يعود كل فقار ) الفقار بفتح الفاء والقاف جمع فقارة وهي عظام الظهر وهي العظام التي يقال لها خرز الظهر قاله القزاز
وقال ابن سيده : هي من الكاهل إلى العجب وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي أن عدتها سبع عشرة وفي أمالي الزجاج أصولها سبع غير التوابع . وعن الأصمعي هي خمس وعشرون سبع في العنق وخمس في الصلب وبقيتها في طرف الأضلاع كذا في الفتح
قوله ( واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ) فيه حجة لمن قال إن السنة أن ينصب قدميه في السجود وأن تكون أصابع رجليه متوجهة إلى القبلة وإنما يحصل توجيهها بالتحامل عليها والاعتماد على بطونها
( والحديث ) قد اشتمل على جمل واسعة من صفة صلاته صلى الله عليه وآله وسلم وقد تقدم الكلام على كل [ ص 309 ] فرد منها في بابه . وقد ساقه المصنف ههنا للاستدلال به على مشروعية التورك وقد تقدم الكلام عليه في أول الباب

4 - وعن عائشة قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين وكان إذا ركع لم يرفع رأسه ولم يصوبه وكان بين ذلك وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائما وإذا رفع رأسه من السجود لم يسجد حتى يستوي جالسا وكان يقول في كل ركعتين التحية وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى وكان ينهى عن عقب الشيطان وكان ينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع وكان يختم الصلاة بالتسليم )
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود

- الحديث له علة وهي أنه رواه أبو الجوزاء عن عائشة قال ابن عبد البر : لم يسمع منها وحديثه عنها مرسل
قوله ( يفتتح الصلاة بالتكبير ) هو الله أكبر وفيه رد على من قال إنه يجزئ كل ما فيه تعظيم نحو الله أجل الله أعظم وهو أبو حنيفة
قوله ( والقراءة بالحمد لله ) قال النووي : هو برفع الدال على الحكاية وبه تمسك من قال بمشروعية ترك الجهر بالبسملة في الصلاة وأجيب عنه بأن المراد بذلك اسم السورة ونوقش هذا الجواب بأنه لو كان المراد اسم السورة لقالت عائشة بالحمد لأنه وحده هو الاسم ورد ذلك بما ثبت عند أبي داود من حديث أبي هريرة مرفوعا : ( الحمد لله رب العالمين أم القرآن والسبع المثاني ) وبما عند البخاري بلفظ : ( الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني ) ويمكن الجواب عن ذلك الاستدلال بأنها ذكرت أول آية من الآيات التي تخص السورة وتركت البسملة لأنها مشتركة بينها وبين غيرها من السورة وقد تقدم البحث عن هذا مبسوطا
قوله ( ولم يصوبه ) قد تقدم ضبط هذا اللفظ وتفسيره في حديث أبي حميد السابق في باب رفع اليدين
قوله ( وكان يقول في كل ركعتين التحية ) فيه التصريح بمشروعية التشهد الأوسط والأخير والتسوية بينهما وقد تقدم الكلام عليهما
قوله ( وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى ) استدل به من قال بمشروعية النصب والفرش في التشهدين جميعا ووجهه ما قدمنا من الإطلاق وعدم التقييد في مقام التصدي لوصف صلاته صلى الله عليه وآله وسلم لا سيما بعد وصفها للذكر المشروع في التشهدين جميعا وقد بينا ما هو الحق في أول الباب
قوله ( وكان ينهى عن عقب الشيطان ) قيده النووي وغيره بفتح العين وكسر القاف قال : وهذا هو الصحيح المشهور فيه . قال ابن رسلان : وحكي ضم العين مع فتح القاف جمع عقبة بضم العين وسكون القاف وقد ضعف [ ص 310 ] ذلك القاضي عياض وفسره أبو عبيد وغيره بالإقعاء المنهي عنه وهو أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب . وقال ابن رسلان في شرح السنن : هي أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه
قوله ( وكان ينهى أن يفرش الرجل ذراعيه افتراش السبع ) هو أن يضع ذراعيه على الأرض في السجود ويفضي بمرفقه وكفه إلى الأرض
( والحديث ) قد اشتمل على كثير من فروض الصلاة وأركانها وقد تقدم الكلام على جميع ما فيه كل شيء في بابه إلا التسليم فسيأتي البحث عنه

5 - وعن أبي هريرة قال : ( نهاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن ثلاث عن نقرة كنقرة الديك وإقعاء كإقعاء الكلب والتفات كالتفات الثعلب )
- رواه أحمد

- الحديث أخرجه البيهقي أيضا وأشار إليه الترمذي وهو من رواية ليث بن أبي سليم وأخرجه أيضا أبو يعلى والطبراني في الأوسط قال في مجمع الزوائد : وإسناد أحمد حسن والنهي عن نقرة كنقرة الغراب أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن شبل والنهي عن الإقعاء أخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه من حديث علي مرفوعا بلفظ : ( لا تقع بين السجدتين ) وفي إسناده الحارث الأعور وأخرجه ابن ماجه من رواية أنس بلفظ : ( إذا رفعت رأسك من السجود فلا تقع كما يقعى الكلب ضع إليتيك بين قدميك والزق ظاهر قدميك بالأرض ) وفي إسناده العلاء أبو محمد وقد ضعفه بعض الأئمة وأخرج البيهقي من روايته حديثا آخر بلفظ : ( نهى عن الإقعاء والتورك ) وأخرج أيضا من حديث جابر بن سمرة قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الإقعاء في الصلاة ) وأخرج ابن ماجه عن عائشة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سجد فرفع رأسه لم يسجد حتى يستوي جالسا وكان يفرش رجله اليسرى )
قوله ( عن نقرة كنقرة الديك ) النقرة بفتح النون والمراد بها كما قال ابن الأثير : ترك الطمأنينة وتخفيف السجود وأن لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد الأكل منه كالجيفة لأنه يتابع في النقر منها من غير تلبث
قوله ( وإقعاء كإقعاء الكلب ) الإقعاء قد اختلف في تفسيره اختلافا كثيرا . قال النووي : والصواب الذي لا يعدل عنه أن الإقعاء نوعان : أحدهما أن يلصق إليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام وآخرون من أهل [ ص 311 ] اللغة وهذا النوع هو المكروه الذي ورد النهي عنه . والنوع الثاني أن يجعل إليتيه على العقبين بين السجدتين اه . قال في النهاية : والأول أصح
قوله ( والتفات كالتفات الثعلب ) فيه كراهة الالتفات في الصلاة وقد وردت بالمنع منه أحاديث وثبت أن الالتفات اختلاس من الشيطان وسيأتي الكلام على الالتفات في الباب الذي عقده المصنف له . وقد اختلف أهل العلم في كيفية الجمع بين هذه الأحاديث الواردة بالنهي عن الإقعاء وما روي عن ابن عباس أنه قال في الإقعاء على القدمين بين السجدتين : إنه السنة فقال له طاوس : إنا لنراه جفاء بالرجل فقال ابن عباس : هي سنة نبيكم . أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود . وأخرج البيهقي عن ابن عمر أنه كان إذا رفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول إنه من السنة . وعن ابن عمر وابن عباس أنهما كانا يقعيان . وعن طاوس قال : رأيت العبادلة يقعون . قال الحافظ : وأسانيدها صحيحة فقال الخطابي والماوردي : إن الإقعاء منسوخ ولعل ابن عباس لم يبلغه النهي
وقد أنكر القول بالنسخ ابن الصلاح والنووي وقال البيهقي والقاضي عياض وابن الصلاح والنووي وجماعة من المحققين : إنه يجمع بينها بأن الإقعاء الذي ورد النهي عنه هو الذي يكون كإقعاء الكلب على ما تقدم من تفسير أئمة اللغة والإقعاء الذي صرح ابن عباس وغيره أنه من السنة هو وضع الأليتين على العقبين بين السجدتين والركبتان على الأرض وهذا الجمع لا بد منه
وأحاديث النهي والمعارض لها يرشد إليه لما فيها من التصريح بإقعاء الكلب ولما في أحاديث العبادلة من التصريح بالإقعاء على القدمين وعلى أطراف الأصابع . وقد روي عن ابن عباس أيضا أنه قال : من السنة أن تمس عقبيك إليتيك وهو مفسر للمراد فالقول بالنسخ غفلة عن ذلك وعما صرح به الحفاظ من جهل تاريخ هذه الأحاديث وعن المنع من المصير إلى النسخ مع إمكان الجمع
وقد روي عن جماعة من السلف من الصحابة وغيرهم فعله كما قال النووي ونص الشافعي في البويطي والإملاء على استحبابه . وأما النهي عن عقب الشيطان فقد عرفت تفسير ذلك في شرح الحديث الأول . وقال الحافظ في التلخيص : يحتمل أن يكون واردا للجلوس للتشهد الأخير فلا يكون منافيا للقعود على العقبين بين السجدتين والأولى أن يمنع كون الإقعاء المروي عن العبادلة مما يصدق عليه حديث النهي عن عقب الشيطان مسندا بما تقدم في تفسيره

باب ذكر تشهد ابن مسعود وغيره . [ ص 312 ]

1 - عن ابن مسعود قال : ( علمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التشهد كفي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله )
- رواه الجماعة وفي لفظ : ( أن النبي صلى الله عليه و سلم قال : إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله ) وذكره وفيه عند قوله : ( وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض ) وفي آخره : ( ثم يتخير من المسألة ما شاء ) متفق عليه . ولأحمد من حديث أبي عبيدة عن عبد الله قال : ( علمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التشهد وأمره أن يعلمه الناس التحيات لله ) وذكره قال الترمذي : حديث ابن مسعود أصح حديث في التشهد والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين

- الحديث قال أبو بكر البزار أيضا : هو أصح حديث في التشهد قال : وقد روي من نيف وعشرين طريقا وسرد أكثرها
وممن جزم بذلك البغوي في شرح السنة وقال مسلم : إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف بعضهم بعضا وغيره قد اختلف أصحابه . وقال الذهلي : إنه أصح حديث روي في التشهد ومن مرجحاته أنه متفق عليه دون غيره وأن رواته لم يختلفوا في حرف منه بل نقلوه مرفوعا على صفة واحدة وقد روى التشهد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من الصحابة غير ابن مسعود منهم ابن عباس وسيأتي حديثه . ومنهم جابر أخرج حديثه النسائي وابن ماجه والترمذي في العلل والحاكم ورجاله ثقات . ومنهم عمر أخرج حديثه مالك والشافعي والحاكم والبيهقي روي مرفوعا . وقال الدارقطني : لم يختلفوا في أنه موقوف عليه . ومنهم ابن عمر أخرج حديثه أبو داود والدارقطني والطبراني . ومنهم علي أخرج حديثه الطبراني بإسناد ضعيف . ومنهم أبو موسى أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي والطبراني . ومنهم عائشة أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده والبيهقي ورجح الدارقطني وقفه . ومنهم سمرة أخرجه أبو داود وإسناده ضعيف . ومنهم ابن الزبير أخرجه الطبراني وقال : تفرد به ابن لهيعة . ومنهم معاوية [ ص 313 ] أخرجه الطبراني وإسناده حسن قاله الحافظ . ومنهم سلمان أخرجه الطبراني والبزار وإسناده ضعيف . ومنهم أبو حميد أخرجه الطبراني . ومنهم أبو بكر أخرجه البزار وإسناده حسن وأخرجه ابن أبي شيبة موقوفا . ومنهم الحسين بن علي أخرجه الطبراني . ومنهم طلحة بن عبيد الله قال الحافظ : وإسناده حسن . ومنهم أنس قال : وإسناده صحيح . ومنهم أبو هريرة قال : وإسناده صحيح أيضا . ومنهم أبو سعيد قال : وإسناده صحيح أيضا . ومنهم الفضل بن عباس وأم سلمة وحذيفة والمطلب بن ربيعة وابن أبي أوفى وفي أسانيدهم مقال وبعضها مقارب
قوله ( التحيات لله ) هي جمع تحية قال الحافظ : ومعناها السلام وقيل البقاء وقيل العظمة وقيل السلامة من الآفات والنقص وقيل الملك . قال المحب الطبري : يحتمل أن يكون لفظ التحية مشتركا بين هذه المعاني . وقال الخطابي والبغوي : المراد بالتحيات أنواع التعظيم
قوله ( والصلوات ) قيل المراد الخمس وقيل أعم وقيل العبادات كلها وقيل الدعوات وقيل الرحمة وقيل التحيات العبادات القولية والصلوات العبادات الفعلية والطيبات العبادات المالية كذا قال الحافظ
قوله ( والطيبات ) قيل هي ما طاب من الكلام . وقيل ذكر الله وهو أخص . وقيل الأعمال الصالحة وهو أعم
قال البيضاوي : يحتمل أن يكون والصلوات والطيبات عطفا على التحيات ويحتمل أن تكون الصلوات مبتدأ خبره محذوف والطيبات معطوفة عليها . قال ابن مالك : إذا جعلت التحيات مبتدأ ولم يكن صفة لموصوف محذوف كان قولك والصلوات مبتدأ لئلا يعطف نعت على منعوته فيكون من باب عطف الجمل بعضها على بعض فكل جملة مستقلة وهذا المعنى لا يوجد عند إسقاط الواو
قوله ( السلام ) قال الحافظ في التلخيص : أكثر الروايات فيه يعني حديث ابن مسعود بتعريف السلام في الموضعين ووقع في رواية للنسائي سلام علينا بالتنكير وفي رواية للطبراني سلام عليك بالتنكير . وقال في الفتح : لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس قال النووي : لا خلاف في جواز الأمرين ولكن بالألف واللام أفضل وهو الموجود في روايات صحيحي البخاري ومسلم وأصله النصب وعدل إلى الرفع على الابتداء للدلالة على الدوام والثبات
والتعريف فيه بالألف واللام إما للعهد التقديري أي السلام الذي وجه إلى الرسل والأنبياء عليك أيها النبي أو للجنس أي السلام المعروف لكل أحد وهو اسم من أسماء الله تعالى ومعناه التعويذ بالله والتحصين أو هو السلامة من كل عيب وآفة ونقص وفساد . قال البيضاوي : علمهم [ ص 314 ] أن يفردوه صلى الله عليه وآله وسلم بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم ثم علمهم أن يخصوا أنفسهم لأن الاهتمام بها أهم ثم أمرهم بتعميم السلام على الصالحين إعلاما منه بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن يكون شاملا لهم اه والمراد بقوله رحمة الله إحسانه . وقوله وبركاته زيادة من كل خير قاله الحافظ
قوله ( أشهد أن لا إله إلا الله ) زاد بن أبي شيبة وحده لا شريك له قال الحافظ في الفتح : وسنده ضعيف لكن ثبتت هذه الرواية في حديث أبي موسى عند مسلم . وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ . وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني وعند أبي داود عن ابن عمر أنه قال : زدت فيها وحده لا شريك له وإسناده صحيح
قوله ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) سيأتي في حديث ابن عباس بدون قوله عبده . وقد أخرج عبد الرزاق عن عطاء : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر رجلا أن يقول عبده ورسوله ) ورجاله ثقات لولا إرساله
قوله ( فإنكم إذا فعلتم ذلك ) في لفظ للبخاري : فإنكم إذا قلتموها والمراد قوله وعلى عباد الله الصالحين وهو كلام معترض بين قوله الصالحين وبين قوله أشهد
قوله ( على كل عبد صالح ) استدل به على أن الجمع المضاف والجمع المحلى باللام يعم
قوله ( في السماء والأرض ) في رواية بين السماء والأرض أخرجها الإسماعيلي وغيره
قوله ( ثم يتخير من المسألة ) قد قدمنا في باب الأمر بالتشهد الأول اختلاف الروايات في هذه الكلمة وفي ذلك دليل على مشروعية الدعاء في الصلاة قبل السلام من أمور الدنيا والآخرة ما لم يكن إثما وإلى ذلك ذهب الجمهور . وقال أبو حنيفة : لا يجوز إلا بالدعوات المأثورة في القرآن والسنة وقالت الهادوية : لا يجوز مطلقا
( والحديث ) وغيره من الأدلة المتكاثرة التي فيها الإذن بمطلق الدعاء ومقيدة ترد عليهم ولولا ما رواه ابن رسلان عن البعض من الإجماع على عدم وجوب الدعاء قبل السلام لكان الحديث منتهضا للاستدلال به عليه لأن التخير في آحاد الشيء لا يدل على عدم وجوبه كما قال ابن رشد وهو المتقرر في الأصول إنه قد ذهب إلى الوجوب أهل الظاهر وروي عن أبي هريرة
( وقد استدل ) بقوله في الحديث : ( إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل ) وبقوله في الرواية الأخرى : ( وأمره أن يعلمه الناس ) القائلون بوجوب التشهد الأخير وهم عمر وابن عمر وأبو مسعود والهادي والقاسم والشافعي وقال النووي في شرح مسلم : مذهب أبي حنيفة ومالك وجمهور الفقهاء أن التشهدين سنة وإليه ذهب الناصر من أهل البيت عليهم السلام . قال : وروي عن مالك القول بوجوب الأخير
( واستدل القائلون ) بالوجوب أيضا بقول ابن مسعود : كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد [ ص 315 ] السلام على عباد الله الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي وصححاه وهو مشعر بفرضية التشهد . وأجاب عن ذلك القائلون بعدم الوجوب بأن الأوامر المذكورة في الحديث للإرشاد لعدم ذكر التشهد الأخير في حديث المسيء وعن قول ابن مسعود بأنه تفرد به ابن عيينة كما قال ابن عبد البر ولكن هذا لا يعد قادحا . وأما الاعتذار بعدم الذكر في حديث المسيء فصحيح إلا أن يعلم تأخر الأمر بالتشهد عنه كما قدمنا . وأما الاعتذار عن الوجوب بأن الأمر المذكور صرف لهم عما كانوا يقولون من تلقاء أنفسهم فلا يدل على الوجوب أو بأن قول ابن عباس كما يعلمنا السورة يرشد إلى الإرشاد لأن تعليم السورة غير واجب فمما لا يعول عليه
( ومن جملة ) ما استدل به القائلون بعدم الوجوب ما ثبت في بعض روايات حديث المسيء من قوله صلى الله عليه و سلم : ( فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك ) ويتوجه على القائلين بالوجوب إيجاب جميع التشهد وعدم التخصيص بالشهادتين كما قالت الهادوية بنفس الدليل الذي استدلوا به على ذلك
وقد اختلف العلماء في الأفضل من التشهدات فذهب الشافعي وبعض أصحاب مالك إلى أن تشهد ابن عباس أفضل لزيادة لفظ المباركات فيه كما يأتي . وقال أبو حنيفة وأحمد وجمهور الفقهاء وأهل الحديث : تشهد ابن مسعود أفضل لما قدمناه من المرجحات وقال مالك : تشهد عمر بن الخطاب أفضل لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد ولفظه : ( التحيات لله الزاكيات الطيبات الصلوات لله ) الحديث . وفي رواية بسم الله خير الأسماء قال البيهقي : لم يختلفوا في أن هذا الحديث موقوف على عمر ورواه بعض المتأخرين عن مالك مرفوعا
قال الحافظ : وهو وهم وقالت الهادوية : أفضلها ما رواه زيد بن علي عن علي عليه السلام ولفظه : ( بسم الله وبالله والحمد لله والأسماء الحسنى كلها لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) وضم إليه أبو طالب ما رواه الهادي في المنتخب من زيادة التحيات لله والصلوات والطيبات بعد قوله والأسماء الحسنى كلها لله . قال النووي : واتفق العلماء على جوازها كلها يعني التشهدات الثابتة من وجه صحيح وكذلك نقل الإجماع القاضي أبو الطيب الطبري

2 - وعن ابن عباس قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن فكان يقول التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله )
- رواه مسلم وأبو داود بهذا اللفظ ورواه الترمذي وصححه كذلك لكنه ذكر السلام منكرا ورواه ابن ماجه كمسلم لكنه قال : ( وأشهد [ ص 316 ] أن محمدا عبده ورسوله ) ورواه الشافعي وأحمد بتنكير السلام وقالا فيه : ( وأن محمدا ) ولم يذكرا أشهد والباقي كمسلم . ورواه أحمد من طريق آخر كذلك لكن بتعريف السلام . ورواه النسائي كمسلم لكنه نكر السلام وقال : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله )

- الحديث أخرجه أيضا الدارقطني في أحد روايتيه وابن حبان في صحيحه بتعريف السلام الأول وتنكير الثاني . وأخرجه الطبراني بتنكير الأول وتعريف الثاني
قوله ( التحيات المباركات الصلوات الطيبات ) قال النووي : تقديره والمباركات والصلوات والطيبات كما في حديث ابن مسعود وغيره ولكن حذفت اختصارا وهو جائز معروف في اللغة
( ومعنى الحديث ) أن التحيات وما بعدها مستحقة لله تعالى ولا يصلح حقيقتها لغيره . والمباركات جمع مباركة وهي كثيرة الخير وقيل النماء وهذه زيادة اشتمل عليها حديث ابن عباس كما اشتمل حديث ابن مسعود على زيادة الواو ولولا وقوع الإجماع كما قدمنا على جواز كل تشهد من التشهدات الصحيحة لكان اللازم الأخذ بالزائد فالزائد من ألفاظها وقد مر شرح بقية ألفاظ الحديث

باب في أن التشهد في الصلاة فرض

1 - عن ابن مسعود قال : ( كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله السلام على جبريل وميكائيل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقولوا هكذا ولكن قولوا التحيات لله ) وذكره
- رواه الدارقطني وقال : إسناده صحيح

- الحديث أخرجه أيضا البيهقي وصححه وهو من جملة ما استدل به القائلون بوجوب التشهد وقد ذكرنا ذلك مستوفى في شرح حديث ابن مسعود وقد صرح صاحب ضوء النهار أن الفرض ههنا بمعنى التعيين وهو شيء لا وجود له في كتب اللغة وقد صرح صاحب النهاية أن معنى فرض الله أوجب وكذا في القاموس وغيره
وللفرض معان أخر مذكورة في كتب اللغة لا تناسب المقام ومن جملة ما اعتذر به في ضوء النهار أن قول ابن مسعود هذا اجتهاد منه ولا يخفى أن كلامه هذا خارج مخرج الرواية لأنه بصدد الرأي وقول الصحابي فرض علينا وجب علينا إخبار عن حكم الشارع وتبليغ إلى الأمة وهو من أهل اللسان العربي وتجويزه ما ليس بفرض فرضا بعيد فالأولى الاقتصار في الاعتذار [ ص 317 ] عن الوجوب على عدم الذكر في حديث المسيء وعدم العلم بتأخير هذا عنه كما تقدم . قال المصنف رحمه الله : وهذا يعني قول ابن مسعود يدل على أنه فرض عليهم اه

2 - وعن عمر بن الخطاب قال : ( لا تجزئ صلاة إلا بتشهد )
- رواه سعيد في سننه والبخاري في تاريخه

- الأثر من جملة ما تمسك به القائلون بوجوب التشهد وهو لا يكون حجة إلا على القائلين بحجية أقوال الصحابة لا على غيرهم لظهور أنه قاله رأيا لا رواية بخلاف ما تقدم عن ابن مسعود وقد حكى ابن عبد البر عن الشافعي أنه قال : من ترك التشهد ساهيا أو عامدا فعليه إعادة الصلاة إلا أن يكون الساهي قريبا فيعود إلى إتمام صلاته ويتشهد وإلى وجوب إعادة الصلاة على من ترك التشهد ذهبت الهادوية وقد قدمنا غير مرة أن الإخلال بالواجبات لا يستلزم بطلان الصلاة وأن المستلزم لذلك إنما هو الإخلال بالشروط والأركان

باب الإشارة بالسبابة وصفة وضع اليدين

1 - عن وائل بن حجر : ( أنه قال في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قعد فافترش رجله اليسرى ووضع كفه اليسرى على فخذه وركبته اليسرى وجعل حد مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى ثم قبض ثنتين من أصابعه وحلق حلقة ثم رفع إصبعه فرأيته يحركها يدعو بها )
- رواه أحمد والنسائي وأبو داود

- الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه وابن خزيمة والبيهقي وهو طرف من حديث وائل المذكور في صفة صلاته صلى الله عليه وآله وسلم
قوله ( ثم قعد فافترش رجله اليسرى ) استدل به من قال بمشروعية الفرش والنصب في الجلوس الأخير وقد تقدم تحقيق ذلك
قوله ( ووضع كفه اليسرى على فخذه ) أي ممدودة غير مقبوضة قال إمام الحرمين ينشر أصابعها مع التفريج
قوله ( وجعل حد مرفقه ) أي طرفه والمراد كما قال في شرح المصابيح أن يجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد . قال ابن رسلان : يرفع طرف مرفقه من جهة العضد عن فخذه حتى يكون مرتفعا عنه كما يرتفع الوتد عن الأرض ويضع طرفه الذي من جهة الكف على طرف فخذه الأيمن
قوله ( ثم قبض ثنتين ) أي [ ص 318 ] إصبعين من أصابع يده اليمنى وهما الخنصر والبنصر
قوله ( وحلق ) بتشديد اللام أي جعل إصبعيه حلقة والحلقة بسكون اللام جمعها حلق بفتحتين على غير قياس . وقال الأصمعي : الجمع حلق بكسر الحاء مثل قصعة وقصع
قوله ( فرأيته يحركها ) قال البيهقي : يحتمل أن يكون مراده بالتحريك الإشارة بها لا تكرير تحريكها حتى لا يعارض حديث ابن الزبير عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه بلفظ : ( كان يشير بالسبابة ولا يحركها ولا يجاوز بصره إشارته ) قال الحافظ : وأصله في مسلم دون قوله ( ولا يجاوز بصره إشارته ) انتهى . وليس في مسلم من حديث ابن الزبير إلا الإشارة دون قوله ولا يحركها وما بعده . ومما يرشد إلى ما ذكره البيهقي رواية أبي داود لحديث وائل فإنها بلفظ : ( وأشار بالسبابة )
وقد ورد في وضع اليمنى على الفخذ حال التشهد هيئات هذه إحداها . والثانية ما أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا جلس في الصلاة وضع يده اليمنى على ركبته اليمنى وعقد ثلاثة وخمسين وأشار بالسبابة ) . والثالثة قبض كل الأصابع والإشارة بالسبابة كما في حديث ابن عمر الذي سيذكره المصنف . والرابعة ما أخرجه مسلم من حديث ابن الزبير بلفظ : ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا قعد يدعو وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بإصبعه السبابة ووضع إبهامه على إصبعه الوسطى ويلقم كفه اليسرى ركبته ) . والخامسة وضع اليد اليمنى على الفخذ من غير قبض والإشارة بالسبابة وقد أخرج مسلم رواية أخرى عن ابن الزبير تدل على ذلك لأنه اقتصر فيها على مجرد الوضع والإشارة . وكذلك أخرج عن ابن عمر ما يدل على ذلك كما سيأتي . وكذلك أخرج أبو داود والترمذي من حديث أبي حميد بدون ذكر القبض اللهم إلا أن تحمل الرواية التي لم يذكر فيها القبض على الروايات التي فيها القبض حمل المطلق على المقيد
وقد جعل ابن القيم في الهدي الروايات المذكورة كلها واحدة قال : فإن من قال قبض أصابعه الثلاث أراد به أن الوسطى كانت مضمومة ولم تكن منشورة كالسبابة ومن قال قبض اثنتين أراد أن الوسطى لم تكن مقبوضة مع البنصر بل الخنصر والبنصر متساويتان في القبض دون الوسطى . وقد صرح بذلك من قال : وعقد ثلاثا وخمسين فإن الوسطى في هذا العقد تكون مضمومة ولا تكون مقبوضة مع البنصر انتهى
( والحديث ) يدل على استحباب وضع اليدين على الركبتين حال الجلوس للتشهد وهو مجمع عليه . [ ص 319 ] قال أصحاب الشافعي : تكون الإشارة بالإصبع عند قوله إلا الله من الشهادة . قال النووي : والسنة أن لا يجاوز بصره إشارته وفيه حديث صحيح في سنن أبي داود ويشير بها موجهة إلى القبلة وينوي بالإشارة التوحيد والإخلاص . قال ابن رسلان : والحكمة في الإشارة بها إلى أن المعبود سبحانه وتعالى واحد ليجمع في توحيده بين القول والفعل والاعتقاد . وروي عن ابن عباس أنه قال : هي الإخلاص وقال مجاهد : مقمعة الشيطان

2 - وعن ابن عمر قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه ورفع إصبعه اليمنى التي تلي الإبهام فدعا بها ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها ) . وفي لفظ : ( كان إذا جلس في الصلاة وضع كفه اليمنى على فخذه اليمنى وقبض أصابعه كلها وأشار بإصبعه التي تلي الإبهام ووضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى )
- رواهما أحمد ومسلم والنسائي

- وأخرج نحوه الطبراني بلفظ : ( كان إذا جلس في الصلاة للتشهد نصب يده على ركبته ثم يرفع إصبعه السبابة التي تلي الإبهام وباقي أصابعه على يمينه مقبوضة )
قوله ( وضع يده على ركبته ورفع إصبعه ) ظاهر هذا عدم القبض لشيء من الأصابع فيكون دليلا على الهيئة الخامسة التي قدمناها إلا أن يحمل على اللفظ الآخر كما سلف . ويمكن أن يقال إن قوله ويده اليسرى على ركبته باسطها عليها مشعر بقبض اليمنى ولكنه إشعار فيه خفاء على أنه يمكن أن يكون توصيف اليسرى بأنها مبسوطة ناظرا إلى رفع إصبع اليمنى للدعاء فيفيد أنه لم يرفع إصبع اليسرى للدعاء
( والحديث ) يدل على مشروعية الإشارة وقبض الأصابع كما في اللفظ الآخر من حديث الباب وقد تقدم البحث عن ذلك

باب ما جاء في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

1 - عن أبي مسعود قال : ( أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد : أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك قال : فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى تمنينا أنه لم يسأله ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على [ ص 320 ] آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد والسلام كما قد علمتم )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي وصححه . ولأحمد في لفظ آخر نحوه وفيه : ( فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا )

- الحديث أخرجه أيضا أبو داود وابن خزيمة وابن حبان والدارقطني وحسنه والحاكم وصححه والبيهقي وصححه وزادوا : ( النبي الأمي ) بعد قوله : ( قولوا اللهم صل على محمد ) وزاد أبو داود بعد قول : ( كما باركت على آل إبراهيم ) لفظ : ( في العالمين ) وفي الباب عن كعب بن عجرة عند الجماعة وسيأتي
وعن علي عليه السلام عند النسائي في مسند علي بلفظ حديث أبي هريرة الآتي . وعن أبي هريرة وسيأتي أيضا . وعن طلحة بن عبيد الله عند النسائي بلفظ : ( اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ) وفي رواية وآل محمد في الموضعين ولم يقل فيهما وآل إبراهيم
وعن أبي سعيد عند البخاري والنسائي وابن ماجه بلفظ : ( قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ) وعن بريدة عند أحمد بلفظ : ( اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وآل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد ) وفيه أبو داود الأعمى اسمه نفيع وهو ضعيف جدا ومتهم بالوضع . وعن زيد بن خارجة عند أحمد والنسائي بلفظ : ( قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ) وعن أبي حميد وسيأتي
وعن رويفع بن ثابت وجابر وابن عباس عند المستغفري في الدعوات . قال النووي في شرح المهذب : ينبغي أن تجمع ما في الأحاديث الصحيحة فتقول اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد
قال العراقي : بقي عليه مما في الأحاديث الصحيحة ألفاظ آخر وهي خمسة يجمعها قولك اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد انتهى
وهذه الزيادات التي ذكرها العراقي ثابتة في أحاديث الباب التي ذكرها المصنف وذكرناها . وقد وردت زيادات غير هذه في أحاديث أخر عن علي [ ص 321 ] وابن مسعود وغيرهما ولكن فيها مقال
قوله في الحديث ( قولوا ) استدل بذلك على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم بعد التشهد وإلى ذلك ذهب عمر وابنه عبد الله وابن مسعود وجابر بن زيد . والشعبي ومحمد بن كعب القرظي وأبو جعفر الباقر والهادي والقاسم والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وابن المواز واختاره القاضي أبو بكر ابن العربي
( وذهب الجمهور ) إلى عدم الوجوب منهم مالك وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي والناصر من أهل البيت وآخرون . قال الطبري والطحاوي : إنه أجمع المتقدمون والمتأخرون على عدم الوجوب . وقال بعضهم : إنه لم يقل بالوجوب إلا الشافعي وهو مسبوق بالإجماع . وقد طول القاضي عياض في الشفاء الكلام على ذلك ودعوى الإجماع من الدعاوى الباطلة لما عرفت من نسبة القول بالوجوب إلى جماعة من الصحابة والتابعين وأهل البيت والفقهاء ولكنه لا يتم الاستدلال على وجوب الصلاة بعد التشهد بما في حديث الباب من الأمر بها وبما في سائر أحاديث الباب لأن غايتها الأمر بمطلق الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم وهو يقتضي الوجوب في الجملة فيحصل الامتثال بإيقاع فرد منها خارج الصلاة فليس فيها زيادة على ما في قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } ولكنه يمكن الاستدلال لوجوب الصلاة في الصلاة بما أخرجه ابن حبان والحاكم والبيهقي وصححوه وابن خزيمة في صحيحه والدارقطني من حديث ابن مسعود بزيادة : ( كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا ) وفي رواية : ( كيف نصلي عليك في صلاتنا ) وغاية هذه الزيادة أن يتعين بها محل الصلاة عليه صلى الله عليه و سلم وهو مطلق الصلاة وليس فيها ما يعين محل النزاع وهو إيقاعها بعد التشهد الأخير
ويمكن الاعتذار عن القول بالوجوب بأن الأوامر المذكورة في الأحاديث تعليم كيفية وهي لا تفيد الوجوب فإنه لا يشك من له ذوق أن من قال لغيره إذا أعطيتك درهما فكيف أعطيك إياه أسرا أم جهرا فقال له أعطنيه سرا كان ذلك أمرا بالكيفية التي هي السرية لا أمرا بالإعطاء وتبادر هذا المعنى لغة وشرعا وعرفا لا يدفع
وقد تكرر في السنة وكثر فمنه ( إذا قام أحدكم الليل فليفتتح الصلاة بركعتين خفيفتين ) الحديث . وكذا قوله صلى الله عليه و سلم في صلاة الاستخارة ( فليركع ركعتين ثم ليقل ) الحديث وكذا قوله في صلاة التسبيح ( فقم وصل أربع ركعات ) وقوله في الوتر ( فإذا خفت الصبح فأوتر بركعة ) والقول بأن هذه الكيفية المسؤول عنها هي كيفية الصلاة المأمور بها في القرآن فتعليمها بيان للواجب [ ص 322 ] المجمل فتكون واجبة لا يتم إلا بعد تسليم أن الأمر القرآني بالصلاة مجمل وهو ممنوع لاتضاح معنى الصلاة والسلام المأمور بهما على أنه قد حكى الطبري الإجماع على أن محمل الآية على الندب فهو بيان لمجمل مندوب لا واجب ولو سلم انتهاض الأدلة على الوجوب لكان غايتها أن الواجب فعلها مرة واحدة فأين دليل التكرار في كل صلاة ولو سلم وجود ما يدل على التكرار لكان تركها في تعليم المسيء دالا على عدم وجوبه
( ومن جملة ) ما استدل به القائلون بوجوب الصلاة بعد التشهد الأخير ما أخرجه الترمذي وقال : حسن صحيح من حديث علي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال : ( البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ) قالوا وقد ذكر النبي في التشهد وهذا أحسن ما يستدل به على المطلوب لكن بعد تسليم تخصيص البخل بترك الواجبات وهو ممنوع فإن أهل اللغة والشرع والعرف يطلقون اسم البخيل على من يشح بما ليس بواجب فلا يستفاد من الحديث الوجوب
واستدلوا أيضا بحديث عائشة عند الدارقطني والبيهقي بلفظ : ( لا صلاة إلا بطهور والصلاة علي ) وهو مع كونه في إسناده عمرو بن شمر وهو متروك وجابر الجعفي وهو ضعيف لا يدل على المطلوب لأن غايته إيجاب الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم من دون تقييد بالصلاة فأين دليل التقييد بها سلمنا فأين دليل تعيين وقتها بعد التشهد
ومثله حديث سهل بن سعد عند الدارقطني والبيهقي والحاكم بلفظ : ( لا صلاة لمن لم يصل على نبيه ) وهو مع كونه غير مفيد للمطلوب كما عرفت ضعيف الإسناد كما قال الحافظ في التلخيص
( من جملة أدلتهم ) ما أخرجه الدارقطني من حديث أبي مسعود بلفظ : ( من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه ) وهو لا يدل على المطلوب وغايته إيجاب الصلاة في مطلق الصلاة فأين دليل التقييد ببعد التشهد على أنه لا يصلح للاستدلال به فإن الدارقطني قال بعد إخراجه : الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين
( واستدلوا ) أيضا بحديث فضالة بن عبيد الآتي وغايته إيجاب الصلاة في مطلق الصلاة عند إرادة الدعاء فما الدليل على الوجوب بعد التشهد على أنه حجة عليهم لا لهم كما سيأتي للمصنف
( ومن جملة أدلتهم ) ما قاله المهدي في البحر أنه لا حتم في غير الصلاة إجماعا فتعين فيها للأمر والإجماع ممنوع فقد قال مالك : إنها تجب في العمر مرة وإليه ذهب أهل الظاهر . وقال الطحاوي : إنها تجب كلما ذكر واختاره الحليمي من الشافعية . قال ابن دقيق العيد : وقد كثر الاستدلال على الوجوب في الصلاة بين المتفقهة بأن الصلاة [ ص 323 ] عليه واجبة بالإجماع ولا تجب في غير الصلاة بالإجماع فتعين أن تجب في الصلاة وهو ضعيف جدا لأن قوله لا تجب في غير الصلاة بالإجماع إن أراد لا تجب في غير الصلاة عينا فهو صحيح لكنه لا يلزم منه أن تجب في الصلاة عينا لجواز أن يكون الواجب مطلق الصلاة فلا يجب واحد من المعينين أعني خارج الصلاة وداخل الصلاة وإن أراد أعم من ذلك وهو الوجوب المطلق فممنوع اه
( ومن جملة أدلتهم ) ما أخرجه البزار في مسنده من رواية إسماعيل بن أبان عن قيس عن سماك عن جابر بن سمرة قال : ( صعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فقال آمين آمين آمين فلما نزل سئل عن ذلك فقال أتاني جبريل ) الحديث . وفيه : ( ورغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل علي ) وإسماعيل بن أبان هو الغنوي كذبه يحيى بن معين وغيره نعم حديث كعب بن عجرة عند الطبراني : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج يوما إلى المنبر فقال حين ارتقى درجة آمين ثم رقى أخرى فقال آمين ) الحديث وفيه أن جبريل قال له عند الدرجة الثالثة ( بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك فقلت آمين ) ورجاله ثقات كما قال العراقي
وحديث جابر عند الطبراني بلفظ : ( شقي من ذكرت عنده فلم يصل علي ) يفيد أن الوجوب عند الذكر من غير فرق بين داخل الصلاة وخارجها والقائلون بالوجوب في الصلاة لا يقولون بالوجوب خارجها فما هو جوابهم عن الوجوب خارجها فهو جوابنا عن الوجوب داخلها على أن التقييد بقوله عنده مشعر بوقوع الذكر من غير من أضيف إليه والذكر الواقع حال الصلاة ليس من غير الذاكر وإلحاق ذكر الشخص بذكر غيره يمنع منه وجود الفارق وهو ما يشعر به السكوت عند سماع ذكره صلى الله عليه وآله وسلم من الغفلة وفرط القسوة بخلاف ما إذا جرى ذكره صلى الله عليه وآله وسلم من الشخص نفسه فكفى به عنوانا على الالتفات والرقة . ويؤيد هذا الحديث الصحيح : ( إن في الصلاة لشغلا )
( ومن أنهض ) ما يستدل به على الوجوب في الصلاة مقيدا بالمحل المخصوص أعني بعد التشهد ما أخرجه الحاكم والبيهقي من طريق يحيى بن السباق عن رجل من آل الحارث عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه و سلم بلفظ : ( إذا تشهد أحدكم في الصلاة فليقل ) الحديث لولا أن في إسناده رجلا مجهولا وهو هذا الحارثي
( والحاصل ) أنه لم يثبت عندي من الأدلة ما يدل على مطلوب القائلين بالوجوب وعلى فرض ثبوته فترك تعليم المسيء للصلاة لا سيما مع قوله صلى الله عليه و سلم ( فإذا فعلت [ ص 324 ] ذلك فقد تمت صلاتك ) قرينة صالحة لحمله على الندب
ويؤيد ذلك قوله لابن مسعود وبعد تعليمه التشهد ( إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد ) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والدارقطني وفيه كلام يأتي إن شاء الله في باب كون السلام فرضا . وبعد هذا فنحن لا ننكر أن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم من أجل الطاعات التي يتقرب بها الخلق إلى الخالق وإنما نازعنا في إثبات واجب من واجبات الصلاة بغير دليل يقتضيه مخافة من التقول على الله بما لم يقل ولكن تخصيص التشهد الأخير بها مما لم يدل عليه دليل صحيح ولا ضعيف وجميع هذه الأدلة التي استدل بها القائلون بالوجوب لا تختص بالأخير وغاية ما استدلوا به على تخصيص الأخير بها حديث : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يجلس في التشهد الأوسط كما يجلس على الرضف ) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وليس فيه إلا مشروعية التخفيف وهو يحصل بجعله أخف من مقابله أعني التشهد الأخير وأما أنه يستلزم ترك ما دل الدليل على مشروعيته فيه فلا ولا شك أن المصلي إذا اقتصر على أحد التشهدات وعلى أخصر ألفاظ الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم كان مسارعا غاية المسارعة باعتبار ما يقع من تطويل الأخير بالتعوذ من الأربع والأدعية المأمور بمطلقها ومقيدها فيه
إذا تقرر لك الكلام في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة فاعلم أنه قد اختلف في وجوبها على الآل بعد التشهد فذهب الهادي والقاسم والمؤيد بالله وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعي إلى الوجوب واستدلوا بالأوامر المذكورة في الأحاديث المشتملة على الآل . وذهب الشافعي في أحد قوليه وأبو حنيفة وأصحابه والناصر إلى أنها سنة فقط وقد تقدم ذكر الأدلة من الجانبين
( ومن جملة ) ما احتج به الآخرون هنا الإجماع الذي حكاه النووي على عدم الوجوب قالوا فيكون قرينة لحمل الأوامر على الندب قالوا ويؤيد ذلك عدم الأمر بالصلاة على الآل في القرآن والخلاف في تعيين الآل من هم وسيأتي في الباب الثاني . وشرح بقية ألفاظ حديث ابن مسعود يأتي في شرح ما بعده من أحاديث الباب

2 - وعن كعب بن عجرة قال : ( قلنا يا رسول الله قد علمنا أو عرفنا كيف السلام عليك فكيف الصلاة قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل [ ص 325 ] إبراهيم إنك حميد مجيد )
- رواه الجماعة إلا أن الترمذي قال فيه على إبراهيم في الموضعين لم يذكر آله

- قوله ( قد علمنا ) الخ يعني بما تقدم في أحاديث التشهد وهو السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وهو يدل على تأخر مشروعية الصلاة عن التشهد
قوله ( فكيف الصلاة ) فيه أنه يندب لمن أشكل عليه كيفية ما فهم جملته أن يسأل عنه من له به علم
قوله ( قولوا ) استدل به القائلون بوجوب الصلاة في الصلاة وقد تقدم البحث عن ذلك . وقوله ( وعلى آل محمد ) في رواية لأبي داود وآل محمد بحذف على وسائر الروايات في هذا الحديث وغيره بإثباتها . وقد ذهب البعض إلى وجوب زيادتها
قوله ( كما صليت على آل إبراهيم ) هم إسماعيل وإسحاق وأولادهما وقد جمع الله لهم الرحمة والبركة بقوله { رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد } ولم يجمعا لغيرهم فسأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إعطاء ما تضمنته الآية واستشكل جماعة من العلماء التشبيه للصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم بالصلاة على إبراهيم كما في بعض الروايات أو على آل إبراهيم كما في البعض الآخر مع أن المشبه دون المشبه به في الغالب وهو صلى الله عليه وآله وسلم أفضل من إبراهيم وآله وأجيب عن ذلك بأجوبة :
منها أن المشبه مجموع الصلاة على محمد وآله بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء فالمشبه به أقوى من هذه الحيثية . ومنها أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر . ومنها أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو خلاف الظاهر . ومنها أن الصلاة عليه صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار تكررها من كل فرد تصير باعتبار مجموع الأفراد أعظم وأوفر وإن كانت باعتبار الفرد مساوية أو ناقصة وفيه أن التشبيه حاصل في صلاة كل فرد فالصلاة من المجموع مأخوذ فيها ذلك فلا يتحقق كونها أعظم وأوفر
ومنها أن الصلاة عليه كانت ثابتة له والسؤال إنما هو باعتبار الزائد على القدر الثابت وبانضمام ذلك الزائد المساوي أو الناقص إلى ما قد ثبت تصير أعظم قدرا . ومنها أن التشبيه غير منظور فيه إلى جانب زيادة أو نقص وإنما المقصود أن لهذه الصلاة نوع تعظيم وإجلال كما فعل في حق إبراهيم وتقرر واشتهر من تعظيمه وتشريفه وهو خلاف الظاهر . ومنها أن الغرض من التشبيه قد يكون لبيان حال المشبه من غير نظر إلى قوة المشبه به وهو قليل لا يحمل عليه إلا لقرينة . ومنها أن التشبيه لا يقتضي أن يكون [ ص 326 ] المشبه دون المشبه به على جهة اللزوم كما صرح بذلك جماعة من علماء البيان وفيه أنه وإن لم يقتض ذلك نادرا فلا شك أنه غالب . ومنها إنه كان ذلك منه صلى الله عليه و سلم قبل أن يعلمه أنه أفضل من إبراهيم . ومنها أن مراده صلى الله عليه و سلم أن يتم النعمة عليه كما أتمها على إبراهيم وآله . ومنها أن مراده صلى الله عليه و سلم أن يبقي له لسان صدق في الآخرين كإبراهيم . ومنها أنه سأل أن يتخذه الله خليلا كإبراهيم . ومنها أنه صلى الله عليه و سلم من جملة آل إبراهيم . وكذلك آله فالمشبه هو الصلاة عليه وعلى آله بالصلاة على إبراهيم وآله الذي هو من جملتهم فلا ضير في ذلك
قوله ( إنك حميد ) أي محمود الأفعال مستحق لجميع المحامد لما في الصيغة من المبالغة وهو تعليل لطلب الصلاة منه والمجيد المتصف بالمجد وهو كمال الشرف والكرم والصفات المحمودة
قوله ( اللهم بارك ) البركة هي الثبوت والدوام من قولهم برك البعير إذا ثبت ودام أي أدم شرفه وكرامته وتعظيمه

3 - وعن فضالة بن عبيد قال : ( سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال النبي صلى الله عليه و سلم : عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه و سلم ثم ليدع بعد ما شاء )
- رواه الترمذي وصححه

- الحديث أخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم
قوله ( عجل هذا ) أي بدعائه قبل تقديم الصلاة وفيه دليل على مشروعية تقديم الصلاة قبل الدعاء ليكون وسيلة للإجابة لأن من حق السائل أن يتلطف في نيل ما أراده
وقد روى الحديث غير المصنف بلفظ : ( سمع رجلا يدعو في صلاته لم يمجد الله ولم يصل على النبي )
قوله ( والثناء عليه ) هو من عطف العام على الخاص . قوله ( ما شاء ) في أكثر الروايات بما شاء يعني من خير الدنيا والآخرة وفيه الأذن في الصلاة بمطلق الدعاء من غير تقييد بمحل مخصوص قيل هذا الحديث موافق في المعنى لحديث ابن مسعود وغيره في التشهد فإن ذلك متضمن للتمجيد والثناء وهذا مجمل وذلك مبين للمراد وهو لا يتم إلا بعد تسليم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع الرجل يدعو في قعدة التشهد
( وقد استدل ) بالحديث القائلون بوجوب الصلاة في الصلاة وقد تقدم الجواب عن ذلك
قال المصنف رحمه الله تعالى : وفيه حجة [ ص 327 ] لمن لا يرى الصلاة عليه فرضا حيث لم يأمر تاركها بالإعادة . ويعضده قوله في خبر ابن مسعود بعد ذكر التشهد : ( ثم يتخير من المسألة ما شاء ) اه

باب ما يستدل به على تفسير آله المصلى عليهم

1 - عن أبي حميد الساعدي : ( أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد )
- متفق عليه

- الحديث احتج به طائفة من العلماء على أن الآل هم الأزواج والذرية ووجهه أنه أقام الأزواج والذرية مقام آل محمد في سائر الروايات المتقدمة . واستدلوا على ذلك بقوله تعالى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } لأن ما قبل الآية وبعدها في الزوجات فأشعر ذلك بإرادتهن وأشعر تذكير المخاطبين بها بإرادة غيرهن . وبين هذا الحديث وحديث أبي هريرة الآتي من هم المرادون بالآية وبسائر الأحاديث التي أجمل فيها الآل ولكنه يشكل على هذا امتناعه صلى الله عليه وآله وسلم من إدخال أم سلمة تحت الكساء بعد سؤالها ذلك وقوله صلى الله عليه وآله وسلم عند نزول هذه الآية مشيرا إلى علي وفاطمة والحسن والحسين ( اللهم إن هؤلاء أهل بيتي ) بعد أن جللهم بالكساء . وقيل إن الآل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وهم بنو هاشم
ومن أهل هذا القول الإمام يحيى واستدل القائل بذلك بأن زيد بن أرقم فسر الآل بهم وبين أنهم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس كما في صحيح مسلم والصحابي أعرف بمراده صلى الله عليه و سلم فيكون تفسيره قرينة على التعيين
وقيل إنهم بنو هاشم وبنو المطلب وإلى ذلك ذهب الشافعي وقيل فاطمة وعلي والحسنان وأولادهم . وإلى ذلك ذهب جمهور أهل البيت واستدلوا بحديث الكساء الثابت في صحيح مسلم وغيره وقوله صلى الله عليه و سلم فيه : ( اللهم إن هؤلاء أهل بيتي ) مشيرا إليهم ولكنه يقال إن كان هذا التركيب يدل على الحصر باعتبار المقام أو غيره فغاية ما فيه إخراج من عداهم بمفهومه والأحاديث الدالة على أنهم أعم منهم كما ورد في بني هاشم وفي الزوجات مخصصة بمنطوقها لعموم هذا المفهوم . واقتصاره صلى الله عليه و سلم على تعيين البعض عند نزول الآية لا ينافي إخباره بعد ذلك بالزيادة لأن الاقتصار [ ص 328 ] ربما كان لمزية للبعض أو قبل العلم بأن الآل أعم من المعنيين ثم يقال إذا كانت هذه الصيغة تقتضي الحصر فما الدليل على دخول أولاد المجللين بالكساء في الآل مع أن مفهوم هذا الحصر يخرجهم فإن كان إدخالهم بمخصص وهو التفسير بالذرية وذريته صلى الله عليه و سلم هم أولاد فاطمة فما الفرق بين مخصص ومخصص . وقيل إن الآل هم القرابة من غير تقييد وإلى ذلك ذهب جماعة من أهل العلم . وقيل هم الأمة جميعا . قال النووي في شرح مسلم : وهو أظهرها قال : وهو اختيار الأزهري وغيره من المحققين اه وإليه ذهب نشوان الحميري إمام اللغة ومن شعره في ذلك :
آل النبي هم أتباع ملته ... من الأعاجم والسودان والعرب
لو لم يكن آله إلا قرابته ... صلى المصلي على الطاغي أبي لهب
ويدل على ذلك أيضا قول عبد المطلب من أبيات :
وانصر على آل الصلي ... ب وعابديه اليوم آلك
والمراد بالصليب أتباعه
( ومن الأدلة ) على ذلك قول الله تعالى { أدخلوا آل فرعون أشد العذاب } لأن المراد بآله أتباعه واحتج لهذا القول بما أخرجه الطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن الآل قال : ( آل محمد كل تقي ) وروي هذا من حديث علي ومن حديث أنس وفي أسانيدها مقال
ويؤيد ذلك معنى الآل لغة فإنهم كما قال في القاموس أهل الرجل وأتباعه ولا ينافي هذا اقتصاره صلى الله عليه وآله وسلم على البعض منهم في بعض الحالات كما تقدم وكما في حديث مسلم في الأضحية ( اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد ) فإنه لا شك أن القرابة أخص الآل فتخصيصهم بالذكر ربما كان لمزايا لا يشاركهم فيها غيرهم كما عرفت وتسميتهم بالأمة لا ينافي تسميتهم بالآل وعطف التفسير شائع ذائع كتابا وسنة ولغة على أن حديث أبي هريرة المذكور آخر هذا الباب فيه عطف أهل بيته على ذريته فإذا كان مجرد العطف يدل على التغاير مطلقا لزم أن تكون ذريته خارجة عن أهل بيته والجواب الجواب . ولكن ههنا مانع من حمل الآل على جميع الأمة وهو حديث : ( إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله وعترتي ) الحديث وهو في صحيح مسلم وغيره فإنه لو كان الآل جميع الأمة لكان المأمور بالتمسك والأمر المتمسك به شيئا واحدا وهو باطل

2 - وعن أبي هريرة : ( عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : من سره أن [ ص 329 ] يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد )
- رواه أبو داود

- الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وهو من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي عن المجمر عن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم وقد اختلف فيه على أبي جعفر . وأخرجه النسائي في مسند علي من طريق عمرو بن عاصم عن حبان بن يسار الكلابي عن عبد الرحمن بن طلحة الخزاعي عن أبي جعفر عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ حديث أبي هريرة
وقد اختلف فيه على أبي جعفر وعلى حبان بن يسار
( الحديث ) استدل به القائلون بأن الزوجات من الآل والقائلون إن الذرية من الآل وهو أدل على ذلك من الحديث الأول لذكر الآل وفيه مجملا ومبينا
قوله ( بالمكيال ) بكسر الميم وهو ما يكال به . وفيه دليل على أن هذه الصلاة أعظم أجرا من غيرها وأوفر ثوابا
قوله ( أهل البيت ) الأشهر فيه النصب على الاختصاص ويجوز إبداله من ضمير علينا
قوله ( فليقل اللهم صل على محمد ) قال الأسنوي : قد اشتهر زيادة سيدنا قبل محمد عند أكثر المصلين وفي كون ذلك أفضل نظر اه وقد روي عن ابن عبد السلام أنه جعله من باب سلوك الأدب وهو مبني على أن سلوك طريق الأدب أحب من الامتثال . ويؤيده حديث أبي بكر حين أمره صلى الله عليه وآله وسلم أن يثبت مكانه فلم يمتثل وقال ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك امتناع علي عن محو اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الصحيفة في صلح الحديبية بعد أن أمره بذلك وقال لا أمحو اسمك أبدا وكلا الحديثين في الصحيح فتقريره صلى الله عليه وآله وسلم لهما على الامتناع من امتثال الأمر تأدبا مشعر بأولويته

باب ما يدعو به في آخر الصلاة

1 - عن أبي هريرة قال : ( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعوذ بالله من أربع من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر المسيح الدجال )
- رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي

2 - [ ص 330 ] وعن عائشة : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو في الصلاة اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم )
- رواه الجماعة إلا ابن ماجه

- قوله ( إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير ) فيه تعيين محل هذه الاستعاذة بعد التشهد الأخير وهو مقيد وحديث عائشة مطلق فيحمل عليه وهو يرد ما ذهب إليه ابن حزم من وجوبها في التشهد الأول وما ورد من الأذن للمصلي بالدعاء بما شاء بعد التشهد يكون بعد هذه الاستعاذة لقوله إذا فرغ
قوله ( فليتعوذ ) استدل بهذا الأمر على وجوب الاستعاذة وقد ذهب إلى ذلك بعض الظاهرية وروي عن طاوس وقد ادعى بعضهم الإجماع على الندب وهو لا يتم مع مخالفة من تقدم والحق الوجوب إن علم تأخر هذا الأمر عن حديث المسيء لما عرفناك في شرحه
قوله ( من أربع ) ينبغي أن يزاد على هذه الأربع التعوذ من المغرم والمأثم المذكورين في حديث عائشة
قوله ( ومن عذاب القبر ) فيه رد على المنكرين لذلك من المعتزلة والأحاديث في هذا الباب متواترة
قوله ( ومن فتنة المحيا والممات ) قال ابن دقيق العيد : فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا والشهوات والجهالات وأعظمها والعياذ بالله أمر الخاتمة عند الموت وفتنة الممات يجوز أن يراد بها الفتنة عند الموت أضيفت إليه لقربها منه ويكون المراد على هذا بفتنة المحيا ما قبل ذلك ويجوز أن يراد بها فتنة القبر وقد صح أنهم يفتنون في قبورهم . وقيل أراد بفتنة المحيا الابتلاء مع زوال الصبر وبفتنة الممات السؤال في القبر مع الحيرة كذا في الفتح
قوله ( ومن شر المسيح الدجال ) قال أبو داود في السنن : المسيح مثقل الدجال ومخفف عيسى ونقل الفربري عن خلف بن عامر أن المسيح بالتشديد والتخفيف واحد ويقال للدجال ويقال لعيسى وأنه لا فرق بينهما . قال الجوهري في الصحاح : من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض ومن قاله بالتشديد فلكونه ممسوح العين . قال الحافظ : وحكي عن بعضهم بالخاء المعجمة في الدجال ونسب قائله إلى التصحيف . قال في القاموس والمسيح عيسى ابن مريم صلوات الله عليه لبركته قال وذكرت في اشتقاقه خمسين قولا في شرحي لمشارق الأنوار وغيره والدجال لشؤمه اه
قوله ( من المغرم والمأثم ) في البخاري بتقديم المأثم على المغرم . والمغرم الدين يقال غرم بكسر الراء أي أدان قيل المراد به ما يستدل فيما لا يجوز أو فيما يجوز ثم يعجز عن أدائه ويحتمل أن يراد به ما هو أعم من ذلك وقد استعاذ صلى الله عليه [ ص 331 ] وسلم من غلبة الدين . وفي البخاري : ( أنه قال له صلى الله عليه وآله وسلم قائل : ما أكثر ما تستعيذ من المغرم فقال : إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف )

باب جامع أدعية منصوص عليها في الصلاة

1 - عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه : ( أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال : قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم )
- متفق عليه

- قوله ( ظلمت نفسي ) قال في الفتح : أي بملابسة ما يوجب العقوبة أو ينقص الحظ وفيه أن الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صديقا
قوله ( كثيرا ) روي بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة . قال النووي : ينبغي أن يجمع بينهما فيقول كثيرا كبيرا . قال الشيخ عز الدين بن جماعة : ينبغي أن يجمع بين الروايتين فيأتي مرة بالمثلثة ومرة بالموحدة فإذا أتى بالدعاء مرتين فقد نطق بما نطق به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيقين وإذا أتى بما ذكره النووي لم يكن آتيا بالسنة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينطق به كذلك اه
قوله ( ولا يغفر الذنوب إلا أنت ) قال الحافظ : فيه إقرار بالوحدانية واستجلاب للمغفرة وهو كقوله { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله } فأثنى على المستغفرين وفي ضمن ثنائه بالاستغفار لوح بالأمرية كما قبل إن كل شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به وكل شيء ذم فاعله فهو ناه عنه
قوله ( مغفرة من عندك ) قال الطيبي : ذكر التنكير يدل على أن المطلوب غفران عظيم لا يدرك كنهه ووصفه بكونه من عنده سبحانه وتعالى مريدا بذلك التعظيم لأن الذي يكون من عند الله لا يحيط به وصف
وقال ابن دقيق العيد : يحتمل وجهين أحدهما الإشارة إلى التوحيد المذكور كأنه قال لا يفعل هذا إلا أنت فافعله أنت والثاني وهو أحسن أنه أشار إلى طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره وبهذا الثاني جزم ابن الجوزي
قوله ( إنك أنت الغفور الرحيم ) قال الحافظ : هما صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة المقابلة لما تقدم فالغفور مقابل لقوله ( اغفر لي ) والرحيم مقابل لقوله ( ارحمني ) وهي مقابلة مرتبة
( والحديث ) يدل [ ص 332 ] على مشروعية هذا الدعاء في الصلاة ولم يصرح بمحله
قال ابن دقيق العيد : ولعل الأولى أن يكون في أحد موطنين السجود أو التشهد لأنه أمر فيهما بالدعاء وقد أشار البخاري إلى محله فأورده في باب الدعاء قبل السلام . قال في الفتح : وفي الحديث من الفوائد استحباب طلب التعليم من العالم خصوصا ما في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم

2 - وعن عبيد بن القعقاع قال : ( رمق رجل رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو يصلي فجعل يقول في صلاته اللهم اغفر لي ذنبي ووسع علي في ذاتي وبارك لي فيما رزقتني )
- رواه أحمد

- عبيد بن القعقاع ويقال حميد بن القعقاع لا يعرف حاله والراوي عنه أبو مسعود الجريري لا يعرف حاله وقد اختلف فيه على شعبة . قال ابن حجر في المنفعة : وله شاهد من حديث أبي موسى في الدعاء للطبراني وأبو مسعود الجريري هو سعيد ابن إياس ثقة أخرج له الجماعة فلا وجه لقول من قال لا يعرف حاله
( والحديث ) فيه مشروعية الدعاء بهذه الكلمات في مطلق الصلاة من غير تقييد بمحل منها مخصوص وجهالة الراوي عنه صلى الله عليه و سلم لا تضر لأن جهالة الصحابي مغتفرة كما ذهب إلى ذلك الجمهور ودلت عليه الأدلة وقد ذكرت الأدلة على ذلك في الرسالة التي سميتها القول المقبول في رد رواية المجهول من غير صحابة الرسول
قوله ( رمق رجل ) الرمق اللحظ الخفيف كما في القاموس

3 - وعن شداد بن أوس : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في صلاته اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك وأسألك قلبا سليما ولسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم )
- رواه النسائي

- الحديث رجال إسناده ثقات وقد ذكره في الجامع عند أدعية الاستخارة بلفظ : ( عن رجل من بني حنظلة قال : صحبت شداد بن أوس فقال : ألا أعلمك ما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعلمنا نقول إذا روينا فذكره وزاد إنك أنت علام الغيوب ) أخرجه الترمذي وزاد في حديث آخر بمعناه ( إذا أوى إلى فراشه ) ولم يذكر فيه إذا روينا أمرا . وقد أخرجه النسائي في اليوم والليلة ولم يذكر في الصلاة . وأما صاحب التيسير فساقه باللفظ الذي ذكره المصنف
قوله ( كان يقول في صلاته ) هذا الدعاء ورد مطلقا في الصلاة غير مقيد بمكان مخصوص
قوله ( الثبات في الأمر ) سؤال الثبات في الأمر من جوامع الكلم النبوية [ ص 333 ] لأن من ثبته الله في أموره عصم عن الوقوع في الموبقات ولم يصدر منه أمر على خلاف ما يرضاه الله
قوله ( والعزيمة على الرشد ) هي تكون بمعنى إرادة الفعل وبمعنى الجد في طلبه والمناسب هنا هو الثاني
قوله ( قلبا سليما ) أي غير عليل بكدر المعصية ولا مريض بالاشتمال على الغل والانطواء على الإحن
قوله ( من خير ما تعلم ) هو سؤال لخير الأمور على الإطلاق لأن علمه جل جلاله محيط بجميع الأشياء وكذلك التعوذ من شر ما يعلم والاستغفار لما يعلم فكأنه قال أسألك من خير كل شيء وأعوذ بك من شر كل شيء وأستغفرك لكل ذنب

4 - وعن أبي هريرة : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول في سجوده اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره )
- رواه مسلم وأبو داود

- قوله ( ذنبي كله ) استدل به على جواز نسبة الذنب إليه صلى الله عليه وآله وسلم وقد اختلف الناس في ذلك على أقوال مذكورة في الأصول
أحدها أن الأنبياء كلهم معصومون من الكبائر والصغائر وهذا هو اللائق بشرفهم لولا مخالفته لصرائح القرآن والسنة المشعرة بأن لهم ذنوبا
قوله ( دقه وجله ) بكسر أولهما أي قليله وكثيره . قوله ( وأوله وآخره ) هو من عطف الخاص على العام . قوله ( وعلانيته وسره ) هو كذلك . قال النووي : فيه تكثير ألفاظ الدعاء وتوكيده وإن أغنى بعضها عن بعض

5 - وعن عمار بن ياسر : ( أنه صلى صلاة فأوجز فيها فأنكروا ذلك فقال : ألم أتم الركوع والسجود فقالوا : بلى قال : أما أني دعوت فيها بدعاء كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو به اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحييني ما علمت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك وأعوذ بك من ضراء مضرة ومن فتنة مضلة اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين )
- رواه أحمد والنسائي

- الحديث رجال إسناده ثقات وساقه بإسناد آخر بنحو هذا اللفظ وإسناده في سنن النسائي هكذا أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي قال حدثنا حماد قال حدثنا عطاء بن السائب عن أبيه قال صلى عمار فذكره وفي إسناده عطاء بن السائب وقد اختلط وأخرج له البخاري مقرونا بآخر وبقية رجاله ثقات ووالد عطاء هو السائب بن مالك الكوفي وثقه العجلي
قوله ( فأوجز فيها ) لعله لم يصاحب هذا الإيجاز تمام الصلاة [ ص 334 ] على الصفة التي عهدوا عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلا لم يكن للإنكار عليه وجه فقد ثبت من حديث أنس في مسلم وغيره أنه قال ما صليت خلف أحد أوجز صلاة من رسول الله صلى الله عليه و سلم في تمام
قوله ( فأنكروا ذلك عليه ) فيه جواز الإنكار على من أخف الصلاة من دون استكمال
قوله ( ألم أتم الركوع والسجود ) فيه إشعار بأنه لم يتم غيرهما ولذلك أنكروا عليه
قوله ( كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدعو به ) يحتمل أنه كان يدعو به في الصلاة ويكون فعل عمار قرينة على ذلك ويحتمل أنه كان يدعو به من غير تقييد بحال الصلاة كما هو الظاهر من الكلام
قوله ( بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق ) فيه دليل على جواز التوسل إليه تعالى بصفات كماله وخصال جلاله
قوله ( أحييني ) إلى قوله ( خيرا لي ) هذا ثابت في الصحيحين من حديث أنس بلفظ : ( اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي ) وهو يدل على جواز الدعاء بهذا لكن عند نزول الضرر كما وقع التقييد بذلك في حديث أنس المذكور المتفق عليه ولفظه : ( قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحيني ) إلى آخره
قوله ( خشيتك في الغيب والشهادة ) أي في مغيب الناس وحضورهم لأن الخشية بين الناس فقط ليست من الخشية لله بل من خشية الناس
قوله ( وكلمة الحق في الغضب والرضا ) إنما جمع بين الحالتين لأن الغضب ربما حال بين الإنسان وبين الصدع بالحق وكذلك الرضا ربما قاد في بعض الحالات إلى المداهنة وكتم كلمة الحق
قوله ( والقصد في الفقر والغنى ) القصد في كتب اللغة بمعنى استقامة الطريق والاعتدال وبمعنى ضد الإفراط وهو المناسب هنا لأن بطر الغنى ربما جر إلى الإفراط . وعدم الصبر على الفقر ربما أوقع في التفريط فالقصد فيهما هو الطريقة القويمة
قوله ( ولذة النظر إلى وجهك ) فيه متمسك للأشعرية ومن قال بقولهم والمسألة طويلة الذيل ومحلها علم الكلام . وقد أفردتها برسالة مطولة سميتها البغية في الرؤية
قوله ( والشوق إلى لقائك ) إنما سأله صلى الله عليه وآله وسلم لأنه من موجبات محبة الله للقاء عبده لحديث ( من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ) ومحبة الله تعالى لذلك من أسباب المغفرة
قوله ( مضرة ) إنما قيد صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لأن الضراء ربما كانت نافعة آجلا أو عاجلا فلا يليق الاستعاذة منها
قوله ( مضلة ) وصفها صلى الله عليه وآله وسلم بذلك لأن من الفتن ما يكون من أسباب الهداية وهذا بهذا الاعتبار مما لا يستعاذ منه . قال أهل اللغة : الفتنة الامتحان والاختبار

6 - [ ص 335 ] وعن معاذ بن جبل قال : ( لقيني النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : إني أوصيك بكلمات تقولهن في كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك )
- رواه أحمد والنسائي وأبو داود

- الحديث قال الحافظ : سنده قوي . وذكره المصنف في هذا الباب المشتمل على أدعية الصلاة بناء على أن لفظ الحديث في كل صلاة كما في الكتاب وقد رواه غيره بلفظ : ( دبر كل صلاة ) وهو عند أبي داود بلفظ : ( في دبر كل صلاة ) وكذلك رويته من طريق مشايخي مسلسلا بالمحبة فلا يكون باعتبار هذه الزيادة من أدعية الصلاة لأن دبر الصلاة بعدها على الأقرب كما سيأتي ويحتمل دبر الصلاة آخرها قبل الخروج منها لأن دبر الحيوان منه وعليه بعض أئمة الحديث فلعل المصنف أراد ذلك ولكنه يشكل عليه إيراده لأدعية مقيدة بذلك في باب الذكر بعد الصلاة كحديث ابن الزبير وحديث المغيرة الآتيين
قوله ( إني أوصيك بكلمات تقولهن ) في رواية أبي داود لا تدعهن والنهي أصله التحريم فيدل على وجوب الدعاء بهذه الكلمات . وقيل إنه نهي إرشاد وهو محتاج إلى قرينة . ووجه تخصيص الوصية بهذه الكلمات أنها مشتملة على جميع خير الدنيا والآخرة

7 - وعن عائشة : ( أنها فقدت النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مضجعها فلمسته بيدها فوقعت عليه وهو ساجد وهو يقول رب أعط نفسي تقواها زكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها )
- رواه أحمد

- الحديث أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عائشة بلفظ : ( فقدت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فلمست المسجد فإذا هو ساجد وقدماه منصوبتان وهو يقول إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) فيمكن أن يكون اللفظ الذي ذكره أحمد من أحد روايات هذا الحديث . ويمكن أن يكون حديثا مستقلا ويحمل ذلك على تعدد الواقعة
قوله ( أعط نفسي تقواها ) أي اجعلها متقية سامعة مطيعة
قوله ( زكها ) أي اجعلها زاكية بما تفضلت به عليها من التقوى وخصال الخير
قوله ( أنت وليها ) أي متولي أمورها ( ومولاها ) أي مالكها
( والحديث ) يدل على مشروعية الدعاء في السجود وقد تقدم الكلام على ذلك

8 - وعن ابن عباس : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى فجعل يقول في [ ص 336 ] صلاته أو في سجوده اللهم اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعل لي نورا أو قال واجعلني نورا )
- مختصر من مسلم

- الحديث ذكره مسلم في صحيحه مطولا ومختصرا بطرق متعددة وألفاظ مختلفة وجميع الروايات مقيدة بصلاة الليل
قوله ( في صلاته أو في سجوده ) هذا الشك وقع في رواية محمد بن بشار عن محمد بن جعفر عن شعبة عن سلمة بن كهيل عن كريب عن ابن عباس . وفي رواية في مسلم : ( فخرج إلى الصلاة وهو يقول ) الحديث . وفي رواية له : ( وكان في دعائه اللهم اجعل ) الخ من غير تقييد بحال الصلاة ولا بحال الخروج
قوله ( اجعل في قلبي نورا ) إلى آخر الحديث قال النووي : قال العلماء سأل النور في أعضائه وجهاته والمراد بيان الحق وضياؤه والهداية إليه فسأل النور في جميع أعضائه وجسمه وتصرفاته وتقلباته وحالاته وجملته وفي جهاته الست حتى لا يزيغ شيء فيها عنه

باب الخروج من الصلاة بالسلام

1 - عن ابن مسعود : ( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يسلم عن يمينه وعن يساره السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله حتى يرى بياض خده )
- رواه الخمسة وصححه الترمذي

2 - وعن عامر بن سعد عن أبيه قال : ( كنت أرى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسلم عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده )
- رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه

- الحديث الأول أخرجه أيضا الدارقطني وابن حبان وله ألفاظ وأصله في صحيح مسلم . قال العقيلي : والأسانيد صحاح ثابتة في حديث ابن مسعود في تسليمتين ولا يصح في تسليمة واحدة شيء
والحديث الثاني أخرجه أيضا البزار والدارقطني وابن حبان قال البزار : روي عن سعد من غير وجه
( وفي الباب ) أحاديث فيها ذكر التسليمتين . منها عن عمار عند ابن ماجه والدارقطني . وعن البراء عند ابن أبي شيبة في مصنفه والدارقطني أيضا . وعن سهل بن سعد عند أحمد وفيه ابن لهيعة . وعن حذيفة عند ابن ماجه . وعن عدي بن عميرة عند ابن ماجه أيضا وإسناده حسن . وعن طلق بن علي عند أحمد والطبراني [ ص 337 ] وفيه ملازم بن عمرو . وعن المغيرة عند المعمري في اليوم والليلة والطبراني قال الحافظ : وفي إسناده نظر . وعن واثلة ابن الأسقع عند الشافعي وإسناده ضعيف . وعن وائل بن حجر عند أبي داود والطبراني من طريق ابنه عبد الجبار ولم يسمع منه . وعن يعقوب بن الحصين عند أبي نعيم في المعرفة وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو متروك وعن أبي رمثة عند الطبراني وابن منده قال الحافظ : وفي إسناده نظر . وعن أبي موسى عند أحمد وابن ماجه . وعن سمرة وسيأتي . وعن جابر بن سمرة وسيأتي أيضا
( وهذه الأحاديث ) تدل على مشروعية التسليمتين وقد حكاه ابن المنذر عن أبي بكر الصديق وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر ونافع بن عبد الحارث من الصحابة . وعن عطاء بن أبي رباح وعلقمة والشعبي وأبي عبد الرحمن السلمي من التابعين . وعن أحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي . قال ابن المنذر : وبه أقول وحكاه في البحر عن الهادي والقاسم وزيد بن علي والمؤيد بالله من أهل البيت . وإليه ذهب الشافعي كما قال النووي . وذهب إلى أن المشروع تسليمة واحدة ابن عمر وأنس وسلمة بن الأكوع وعائشة من الصحابة والحسن وابن سيرين وعمر بن عبد العزيز من التابعين ومالك والأوزاعي والإمامية وأحد قولي الشافعي وغيرهم . وذهب عبد الله بن موسى بن جعفر من أهل البيت إلى أن الواجب ثلاث يمينا وشمالا وتلقاء وجهه
واختلف القائلون بمشروعية التسليمتين هل الثانية واجبة أم لا فذهب الجمهور إلى استحبابها . قال ابن المنذر : أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة . وقال النووي في شرح مسلم : أجمع العلماء الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة واحدة . وحكى الطحاوي وغيره عن الحسن بن صالح أنه أوجب التسليمتين جميعا وهي رواية عن أحمد وبها قال بعض أصحاب مالك ونقله ابن عبد البر عن بعض أصحاب الظاهر وإلى ذلك ذهبت الهادوية وسيأتي الكلام على وجوب التسليمة أو التسليمتين أو عدم ذلك في باب كون السلام فرضا وسنتكلم هاهنا في مجرد المشروعية من غير نظر إلى الوجوب . فنقول :
( احتج القائلون ) بمشروعية التسليمتين بالأحاديث المتقدمة . واحتج القائلون بمشروعية الواحدة فقط بالأحاديث التي سيأتي ذكرها في باب من اجتزأ بتسليمة . واحتج القائل بمشروعية ثلاث بأن في ذلك جمعا بين الروايات والحق ما ذهب إليه الأولون لكثرة الأحاديث الواردة بالتسليمتين وصحة بعضها وحسن بعضها واشتمالها على الزيادة وكونها مثبتة بخلاف الأحاديث [ ص 338 ] الواردة بالتسليمة الواحدة فإنها مع قلتها ضعيفة لا تنتهض للاحتجاج كما ستعرف ذلك ولو سلم انتهاضها لم تصلح لمعارضة أحاديث التسليمتين لما عرفت من اشتمالها على الزيادة
وأما القول بمشروعية ثلاث فلعل القائل به ظن أن التسليمة الواحدة الواردة في الباب الذي سيأتي غير التسليمتين المذكورتين في هذا الباب فجمع بين الأحاديث بمشروعية الثلاث وهو فاسد . وأفسد منه ما رواه في البحر عن البعض من أن المشروع واحدة في المسجد الصغير وثنتان في المسجد الكبير
قوله ( عن يمينه وعن يساره ) فيه مشروعية أن يكون التسليم إلى جهة اليمين ثم إلى جهة اليسار . قال النووي : ولو سلم التسليمتين عن يمينه أو عن يساره أو تلقاء وجهه أو الأولى عن يساره والثانية عن يمينه صحت صلاته وحصلت التسليمتان ولكن فاتته الفضيلة في كيفيتهما
قوله ( السلام عليكم ورحمة الله ) زاد أبو داود من حديث وائل ( وبركاته ) . وأخرجها أيضا ابن حبان في صحيحه من حديث ابن مسعود وكذلك ابن ماجه من حديثه قال الحافظ في التلخيص : فيتعجب من ابن الصلاح حيث يقول إن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث إلا في رواية وائل بن حجر وقد ذكر لها الحافظ طرقا كثيرة في تلقيح الأفكار وتخريج الأذكار لما قال النووي : إن زيادة وبركاته رواية فردة . ثم قال الحافظ بعد أن ساق تلك الطرق : فهذه عدة طرق تثبت بها وبركاته بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ إنها رواية فردة انتهى . وقد صحح أيضا في بلوغ المرام حديث وائل المشتمل على تلك الزيادة
قوله ( حتى يرى بياض خده ) بضم الياء المثناة من تحت من قوله يرى مبنيا للمجهول كذا قال ابن رسلان وبياض بالرفع على النيابة . وفيه دليل على المبالغة في الالتفات إلى جهة اليمين وإلى جهة اليسار وزاد النسائي فقال : ( عن يمينه حتى يرى بياض خده الأيمن وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر ) وفي رواية له : ( حتى يرى بياض خده من ههنا وبياض خده من ههنا )

3 - وعن جابر بن سمرة قال : ( إذا كنا صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قلنا السلام عليكم ورحمة الله السلام عليكم ورحمة الله وأشار بيده إلى الجانبين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : علام تومون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه يسلم على أخيه من على يمينه وشماله )
- رواه أحمد ومسلم . وفي رواية : ( كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : ما بال هؤلاء [ ص 339 ] يسلمون بأيديهم كأنها أذناب خيل شمس إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يقول السلام عليكم السلام عليكم ) رواه النسائي

- الحديث أخرجه أيضا أبو داود . قوله ( علام تومون ) في رواية أبي داود بلفظ : ( ما بال أحدكم يرمي بيده ) بالراء قال ابن الأثير : إن صحت الرواية بالراء ولم يكن تصحيفا للواو فقد جعل الرمي باليد موضع الإيماء بها لجواز ذلك في اللغة يقول رميت ببصري إليك أي مددته ورميت إليك بيدي أي أشرت بها
قال : والرواية المشهورة رواية مسلم ( علام تومؤن ) بهمزة مضمومة بعد الميم والإيماء الإشارة أو ما يومئ إيماء وهم يومؤن مهموزا ولا تقل أوميت بياء ساكنة قاله الجوهري . قال ابن الأثير : وقد جاء في رواية الشافعي يومون بضم الميم بلا همزة فإن صحت الرواية فيكون قد أبدل من الهمزة ياء فلما قلبت الهمزة ياء صارت يومي فلما لحقه ضمير الجماعة كان القياس يوميون فثقلت الياء وقلبها كسرة فحذفت ونقلت ضمتها إلى الميم فقيل يومون
قوله ( أذناب خيل شمس ) بإسكان الميم وضمها مع ضم الشين المعجمة جمع شموس بفتح الشين وهو من الدواب النفور الذي يمتنع على راكبه ومن الرجال صعب الخلق
قوله ( من على يمينه وشماله ) في رواية أبي داود : ( من عن يمينه ومن عن شماله ) وهو من الأدلة على مشروعية التسليمتين وقد قدمنا الكلام على ذلك
قوله ( ثم يقول السلام عليكم ) قال المصنف رحمه الله : وهو دليل على أنه إذا لم يقل ورحمة الله أجزأه انتهى
والأحاديث المتقدمة مشتملة على زيادة ورحمة الله وبركاته فلا يتم الإتيان بالمشروع إلا بذلك . وأما الإجزاء وعدمه فينبني على القول بالوجوب وعدمه وسيأتي ذلك

4 - وعن سمرة بن جندب : ( قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسلم على أئمتنا وأن يسلم بعضنا على بعض )
- رواه أحمد وأبو داود ولفظه : ( أمرنا أن نرد على الإمام وأن نتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض )

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم والبزار وزاد : ( في الصلاة ) قال الحافظ : وإسناده حسن انتهى . ولكنه رواية الحسن عن سمرة وقد اختلف في سماعه منه على أربعة مذاهب : سمع منه مطلقا . لم يسمع منه مطلقا . سمع منه حديث العقيقة . سمع منه ثلاثة أحاديث . وقد قدمنا بسط ذلك . وقد أخرج هذا الحديث أبو داود من طريق أخرى عن سمرة بلفظ : ( ثم سلموا على قارئكم وعلى أنفسكم ) قال الحافظ : لكنه ضعيف لما فيه من المجاهيل
قوله [ ص 340 ] ( أن نسلم على أئمتنا ) أي نرد السلام عليهم كما في الرواية الثانية . قال أصحاب الشافعي : إن كان المأموم عن يمين الإمام فينوي الرد عليه بالثانية وإن كان على يساره فينوي الرد عليه بالأولى وإن حاذاه فبما شاء وهو في الأولى أحب
قوله ( وأن يسلم بعضنا على بعض ) ظاهره شامل للصلاة وغيرها ولكنه قيده البزار بالصلاة كما تقدم ويدخل في ذلك سلام الإمام على المأمومين والمأمومين على الإمام وسلام المقتدين بعضهم على بعض . و