روابط مصاحف م الكاب الاسلامي

روابط مصاحف م الكاب الاسلامي
 

الخميس، 2 يونيو 2022

مجلد 11.و12. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار محمد بن علي بن محمد الشوكاني

 

 مجلد 11. نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار محمد بن علي بن محمد الشوكاني

5 - وعن زرارة بن ربيعة عن أبيه عن عثمان " في أمرك بيدك القضاء ما قضت "
- رواه البخاري في تاريخه

6 - وعن علي " قال الخلية والبرية والبتة والبائن والحرام ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره "
- رواه الدارقطني

7 - وعن ابن عمر " أنه قال في الخلية والبرية ثلاثا ثلاثا "
- رواه الشافعي

8 - وعن يونس بن يزيد قال " سألت ابن شهاب عن رجل جعل أمر امرأته بيد أبيه قبل أن يدخل بها فقال أبوه هي طالق ثلاثا كيف السنة في ذلك فقال أخبرني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مولى بن عامر بن لؤي أن محمد بن اياس بن بكر الليثي وكان أبوه شهد بدرا أخبره أن أبا هريرة قال بانت عنه فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وأنه سأل ابن عباس عن ذلك فقال مثل قول أبي هريرة وسأل عبد الله بن عمرو بن العاص فقال مثل قولهما "
- رواه أبو بكر البرقاني في كتابه المخرج على الصحيحين

9 - وعن مجاهد قال " كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال أنه طلق امرأته ثلاثا فسكت حتى ظننت أنه رادها إليه ثم قال ينطلق أحدكم فيركب الحموقة ثم يقول يا ابن عباس يا ابن عباس وإن الله قال { ومن يتق الله يجعل له مخرجا } وإنك لم تتق الله فلم أجد لك مخرجا عصيت ربك فبانت منك امرأتك وإن الله قال { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن }
- رواه أبو داود

10 - وعن مجاهد عن ابن عباس " أنه سئل عن رجل طلق امرأته مائة قال عصيت ربك وفارقت امرأتك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا "

11 - وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس " أن رجلا طلق امرأته ألفا قال يكفيك من ذلك ثلاث وتدع تسعمائة وسبعا وتسعين "

12 - وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس " أنه سئل عن رجل طلق امرأته عدد النجوم فقال أخطأ السنة وحرمت عليه امرأته "
- رواهن الدارقطني

- وهذا كله يدل على إجماعهم على صحة وقوع الثلاث بالكلمة الواحدة
وقد روى طاوس عن ابن عباس قال " كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم "
- رواه أحمد ومسلم
وفي رواية عن طاوس " أن أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر واحدة قال قد كان ذلك فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم "
- رواه مسلم
وفي رواية " أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر قال ابن عباس بلى كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر فلما رأى الناس قد تتابعوا فيها قال أجيزوهن عليهم "
- رواه أبو داود

- حديث حماد بن زيد أخرجه أيضا النسائي . وحكى الترمذي عن البخاري أنه قال إنما هو عن أبي هريرة موقوفا ولم يعرف حديث أبي هريرة مرفوعا
وقال النسائي هذا حديث منكر وأما إنكار الشيخ أنه حدث بذلك فإن كان على طريقة الجزم كما وقع في رواية أبي داود بلفظ قال أيوب فقدم علينا كثير فسألته فقال ما حدثت بهذا قط فذكرته لقتادة فقال بلى ولكنه نسي انتهى . فلا شك أنه علة قادحة وإن لم تكن على طريقة الجزم بل عدم معرفة ذلك الحديث وعدم ذكر الجملة والتفصيل بدون تصريح بالإنكار كما في الرواية المذكورة في الباب فليس ذلك مما يعد قادحا في الحديث وقد بين هذا في علم اصطلاح الحديث وقد استدل بهذا الحديث على أن من قال لامرأته أمرك بيدك كان ذلك ثلاثا وقد اختلف في قول الرجل لزوجته أمرك بيدك وأمرك إليك هل هو تصريح تمليك للطلاق أو كناية فحكى في البحر عن الحنفية والشافعية ومالك أنه صريح فلا يقبل قول الزوج بعد ذلك أنه أراد التوكيل وذهب المؤيد بالله والهادوية إلى أنه كناية تمليك فيقبل قول الزوج أنه أراد التوكيل
قوله : " قال الخلية " الخ هذه الألفاظ من ألفاظ الطلاق الصريح وأما كونها بمنزلة إيقاع ثلاث تطليقات فقد تقدم في لفظ البتة ما يدل على أنه بمنزلة الطلاق الثلاث إلا أن يحلف الزوج أنه ما أراد به إلا واحدة فيمكن أن يكون علي رضي الله عنه ألحق به بقية الألفاظ المذكورة وأما لفظ الحرام فسيأتي الكلام عليه في باب من حرم زوجته أو أمته من كتاب الظهار قوله " فطلقوهن في قبل عدتهن " هذا الأثر إسناده صحيح كما قال صاحب الفتح وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس وذكر نحو الآثار التي عزاها المصنف إلى الدارقطني وقد أخرج عبد الرزاق عن عمر أنه رفع إليه رجل طلق امرأته ألفا فقال له عمر أطلقت امرأتك قال لا إنما كنت ألعب فعلاه عمر بالدرة وقال إنما يكفيك من ذلك ثلاث
وروى وكيع عن علي رضي الله عنه وعثمان نحو ذلك وأخرج عبد الرزاق والبيهقي عن ابن مسعود أنه قيل له إن رجلا طلق امرأته البارحة مائة قال قلتها مرة واحدة قال نعم قال تريدان تبيين منك امرأتك قال نعم قال هو كما قلت وأتاه آخر فقال رجل طلق امرأته عدد النجوم قال قلتها مرة واحدة قال نعم قال تريدان تبيين منك امرأتك قال نعم قال هو كما قلت والله لا تلبسون على أنفسكم وتتحمله عنكم
قوله : " أناة " في الصحاح أنه على وزن قناة وفي القاموس والأناة كقناة الحلم والوقار
قوله : " من هناتك " جمع هن كأخ وهو الشيء يقول هذا هنك أي شيئك هذا معنى ما في القاموس فكأن أبا الصهباء قال لابن عباس هات من الأشياء العلمية التي عندك
قوله : " تتابع الناس " بتاءين فوقيتين بعد الألف مثناة تحتية بعدها عين مهملة وهو الوقوع في الشر من غير تماسك ولا توقف واعلم أنه قد وقع الخلاف في الطلاق الثلاث إذا أوقعت في وقت واحد هل يقع جميعها ويتبع الطلاق الطلاق أم لا فذهب جمهور التابعين وكثير من الصحابة وأئمة المذاهب الأربعة وطائفة من أهل البيت منهم أمير المؤمنين علي رضي الله عنه والناصر والإمام يحيى حكى ذلك عنهم في البحر وحكاه أيضا عن بعض الامامية إلى أن الطلاق يتبع الطلاق وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الطلاق لا يتبع الطلاق بل يقع واحدة فقط
وقد حكى ذلك صاحب البحر عن أبي موسى ورواية عن علي عليه السلام وابن عباس وطاوس وعطاء وجابر بن زيد والهادي والقاسم والباقر والناصر وأحمد بن عيسى وعبد الله بن موسى بن عبد الله ورواية عن زيد بن علي وإليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم ابن تيمية وابن القيم وجماعة من المحققين وقد نقله ابن مغيث في كتاب الوثائق عن محمد بن وضاح ونقل الفتوى بذلك عن جماعة من مشايخ قرطبة كمحمد بن بقي ومحمد بن عبد السلام وغيرهما ونقله ابن المنذري عن أصحاب ابن عباس كعطاء وطاوس وعمرو بن دينار وحكاه ابن مغيث أيضا في ذلك الكتاب عن علي رضي الله عنه وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف والزبير وذهب بعض الامامية إلى أنه لا يقع بالطلاق المتتابع شيء لا واحدة ولا أكثر منها وقد حكى ذلك عن بعض التابعين
وروى عن ابن عليه وهشام ابن الحكم وبه قال أبو عبيدة وبعض أهل الظاهر وسائر من يقول أن الطلاق البدعي لا يقع لأن الثلاث بلفظ واحد أو ألفاظ متتابعة منه وعدم وقوع البدعي هو أيضا مذهب الباقر والصادق والناصر وذهب جماعة من أصحاب ابن عباس وإسحاق بن راهويه أن المطلقة إن كانت مدخولة وقعت الثلاث وإن لم تكن مدخولة فواحدة ( استدل القائلون ) بأن الطلاق يتبع الطلاق بأدلة منها قوله تعالى { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } وظاهرها جواز إرسال الثلاث أو الثنتين دفعة أو مفرقة ووقوعها قال الكرماني إن قوله { الطلاق مرتان } يدل على جواز جمع الثنتين وإذا جاز جمع الثنتين دفعة جاز جمع الثلاث وتعقبه الحافظ بأنه قياس مع الفارق لأن جمع الثنتين لا يستلزم البينونة الكبرى بخلاف الثلاث
وقال الكرماني إن التسريح بإحسان عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة وتعقب بأن التسريح في الآية إنما هو بعد إيقاع الثنتين فلا يتناول إيقاع الثلاث دفعة
وقد قيل إن هذه الآية من أدلة عدم التتابع لأن ظاهرها أن الطلاق المشروع لا يكون بالثلاث دفعة بل على الترتيب المذكور وهذا أظهر واستدلوا أيضا بظواهر سائر الآيات القرآنية نحو قوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } وقوله تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن } وقوله تعالى { ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } وقوله تعالى { وللمطلقات متاع بالمعروف }
ولم يفرق في هذه الآيات بين إيقاع الواحدة والثنتين والثلاث وأجيب بأن هذه عمومات مخصصة وإطلاقات مقيدة بما ثبت من الأدلة الدالة على المنع من وقوع فوق الواحدة واستدلوا أيضا بحديث سهل بن سعد المتقدم في قضية عويمر العجلاني وقد قدمنا الجواب عن ذلك واستدلوا أيضا بالحديث المذكور بعده فيما تقدم من رواية الحسن وقد تقدم أيضا الجواب عنه واستدلوا أيضا بما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن يحيى بن العلاء عن عبد الله بن الوليد الوصافي عن إبراهيم بن عبد الله بن عبادة بن الصامت قال " طلق جدي امرأة له ألف تطليقة فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر له ذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما اتقى الله جدك أما ثلاث فله وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم إن شاء عذبه وإن شاء غفر له " وفي رواية " إن أباك لم يتق الله ليجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه " وأجيب بأن يحيى بن العلاء ضعيف وعبيد الله بن الوليد هالك وإبراهيم بن عبيد الله مجهول فأي حجة في رواية ضعيف عن هالك عن مجهول ثم والد عبادة بن الصامت لم يدرك الإسلام فكيف بجده واستدلوا أيضا بما في حديث ركانة السابق أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم استحلفه أنه ما أراد إلا واحدة وذلك يدل على أنه لو أراد الثلاث لوقعت ويجاب بأن أثبت ما روي في قصة ركانة أنه طلقها البتة لا ثلاثا وأيضا قد تقدم في رواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لها أرجعها بعد أن قال له أنه طلقها ثلاثا . وأيضا قد تقدم فيه من المقال ما لا ينتهض معه للاستدلال
( واستدل القائلون ) بأنه لا يقع من المتعدد إلا واحدة بما وقع في حديث ابن عباس عن ركانة " أنه طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد فحزن عليها حزنا شديدا فسأله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف طلقتها فقال ثلاثا في مجلس واحد فقال له صلى الله عليه وآله وسلم إنما تلك واحدة فارتجعها " أخرجه أحمد وأبو يعلى وصححه وأجيب عن ذلك بأجوبة منها أن في إسناده محمد بن إسحاق ورد بأنهم قد احتجوا في غير واحد من الأحكام بمثل هذا الإسناد ومنها معارضته لفتوى ابن عباس المذكورة في الباب ورد بأن المعتبر روايته لا رأيه ومنها أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما تقدم ويمكن أن يكون من روى ثلاثا حمل البتة على معنى الثلاث وفيه مخالفة للظاهر والحديث نص في محل النزاع ( واستدلوا ) أيضا بحديث ابن عباس المذكور في الباب أن الطلاق كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى آخره وقد أجيب عنه بأجوبة منها ما نقله المصنف رحمه الله في هذا الكتاب بعد إخراجه له ولفظه وقد اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فذهب بعض التابعين إلى ظاهره في حق من لم يدخل بها كما دلت عليه رواية أبي داود وتأوله بعضهم على صورة تكرير لفظ الطلاق بأن يقول أنت طالق أنت طالق أنت طالق فإنه يلزمه واحدة إذا قصد التوكيد وثلاث إذا قصد تكرير الإيقاع فكان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبي بكر على صدقهم وسلامتهم وقصدهم في الغائب الفضيلة والاختيار ولم يظهر فيهم خب ولا خداع وكانوا يصدقون في إرادة التوكيد فلما رأى عمر في زمانه أمور ظهرت وأحوالا تغيرت وفشا إيقاع الثلاث جملة بلفظ لا يحتمل التأويل ألزمهم الثلاث في صورة التكرير إذ صار الغالب عليهم قصدها وقد أشار إليه بقوله أن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة
وقال أحمد بن حنبل كل أصحاب ابن عباس رووا عنه خلاف ما قال طاوس سعيد بن جبير ومجاهد ونافع عن ابن عباس بخلافه وقال أبو داود في سننه صار قول ابن عباس فيما حدثنا أحمد بن صالح قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن محمد بن اياس أن ابن عباس وأبا هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص سئلوا عن البكر يطلقها زوجها ثلاثا فكلهم قال لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره انتهى كلام المصنف . وقوله وتأوله بعضهم على صورة تكرير لفظ الطلاق الخ هذا البعض الذي أشار إليه هو ابن سريج وقد ارتضى هذا الجواب القرطبي وقال النووي أنه أصح الأجوبة ولا يخفى أن من جاء بلفظ يحتمل التأكيد وادعى أنه نواه يصدق في دعواه ولو في آخر الدهر فكيف بزمن خير القرون ومن يليهم وإن جاء بلفظ لا يحتمل التأكيد لم يصدق إذا ادعى التأكيد من غير فرق بين عصر وعصر ويجاب عن كلام أحمد المذكور بأن المخالفين لطاوس من أصحاب ابن عباس إنما نقلوا عن ابن عباس رأيه وطاوس نقل عنه روايته فلا مخالفة وأما ما قاله ابن المنذر من أنه لا يظن بابن عباس أن يحفظ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ويفتي بخلافه فيجاب عنه بأن الاحتمالات المسوغة لترك الرواية والعدول إلى الرأي كثيرة منها النسيان ومنها قيام دليل عند الراوي لم يبلغنا ونحن متعبدون بما بلغنا دون ما لم يبلغ . وبمثل هذا يجاب عن كلام أبي داود المذكور

- ( ومن الأجوبة ) من حديث ابن عباس المذكور ما نقله البيهقي عن الشافعي أنه قال يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ويجاب بأن النسخ إن كان بدليل من كتاب أو سنة فما هو وإن كان بالإجماع فأين هو على أنه يبعد أن يستمر الناس أيام أبي بكر وبعض أيام عمر على أمر منسوخ وإن كان الناسخ قول عمر المذكور فحاشاه أن ينسخ سنة ثابتة بمحض رأيه وحاشا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيبوه إلى ذلك . ومن الأجوبة دعوى الاضراب كما زعمه القرطبي في المفهم وهو زعم فاسد لا وجه له . ومنها ما قاله ابن العربي أن هذا حديث مختلف في صحته فكيف يقدم على الإجماع ويقال أين الإجماع الذي جعلته معارضا للسنة الصحيحة ومنها أنه ليس في سياق حديث ابن عباس أن ذلك كان يبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى يقرره والحجة إنما هي في ذلك وتعقب بأن قول الصحابة كنا نفعل كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حكم المرفوع على ما هو الراجح وقد علمتم بمثل هذا في كثير من المسائل الشرعية والحاصل أن القائلين بالتتابع قد استكثروا من الأجوبة على حديث ابن عباس وكلها غير خارجة عن دائرة التعسف والحق أحق بالإتباع فإن كانت تلك المحاماة لأجل مذاهب الأسلاف فهي أحقر وأقل من أن تؤثر على السنة المطهرة وإن كانت لأجل عمر بن الخطاب فأين يقع المسكين من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أي مسلم من المسلمين يستحسن عقله وعلمه ترجيح قول صحابي على قول المصطفى

- ( واحتج القائلون ) بأنه لا يقع شيء لا واحدة ولا أكثر منها بقوله تعالى { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } فشرط في وقوع الثالثة أن تكون في حال يصح من الزوج فيها الإمساك إذ من حق كل مخير بينهما أن يصح كل واحد منهما وإذا لم يصح الإمساك إلا بعد المراجعة لم تصح الثالثة إلا بعدها لذلك وإذا لزم في الثالثة لزم في الثانية كذا قيل وأجيب بمنع كون ذلك يدل على أنه لا يقع الطلاق إلا بعد الرجعة ومن الأدلة الدالة على عدم وقوع شيء الأدلة المتقدمة في الطلاق البدي واستدلوا أيضا بحديث " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " وهذا الطلاق ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأجيب بتخصيص هذا العموم بما سبق من أدلة القولين الأولين من الحكم بوقوع الطلاق المثلث لأنا وإن منعنا وقوع المجموع لم نمنع من وقوع الفرد والقائلون بالفرق بين المدخولة وغيرها أعظم حجة لهم حديث ابن عباس فإن لفظه عند أبي داود أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة الحديث ووجهوا ذلك بأن غير المدخول بها تبين إذا قال لها زوجها أنت طالق فإذا قال ثلاثا لغا العدد لوقوعه بعد البيتوتة ويجاب بأن التقييد يقبل الدخول لا ينافي صدق الرواية الأخرى الصحيحة على المطلقة بعد الدخول وغاية ما في هذه الرواية أنه وقع فيها التنصيص على بعض أفراد مدلول الرواية الصحيحة المذكورة في الباب وذلك لا يوجب الاختصاص بالبعض الذي وقع التنصيص عليه وأجاب القرطبي عن ذلك التوجيه بأن قوله أنت طالق ثلاثا كلام متصل غير منفصل فكيف يصح جعله كلمتين وتعطي كل كلمة حكما هذا حاصل ما في هذه المسألة من الكلام وقد جمعت في ذلك رسالة مختصرة

( باب ما جاء في كلام الهازل والمكره والسكران بالطلاق وغيره )

1 - عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة "
- رواه الخمسة إلا النسائي وقال الترمذي حديث حسن غريب

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه وأخرجه الدارقطني وفي إسناده عبد الرحمن بن حبيب بن أزدك وهو مختلف فيه قال النسائي منكر الحديث ووثقه غيره قال الحافظ فهو على هذا حسن ( وفي الباب ) عن فضالة بن عبيد عند الطبراني بلفظ " ثلاث لا يجوز فيهن اللعب الطلاق والنكاح والعتق " وفي إسناده ابن لهيعة وعن عبادة بن الصامت عند الحرث بن أبي أسامة في مسنده رفعه بلفظ " لا يجوز اللعب فيهن الطلاق والنكاح والعتاق فمن قالهن فقد وجبن " وإسناده منقطع . وعن أبي ذر عند عبد الرزاق رفعه " من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز " وفي إسناده انقطاع أيضا . وعن علي موقوفا عند عبد الرزاق أيضا وعن عمر موقوفا عنده أيضا

- ( والحديث ) يدل على أن من تلفظ هازلا بلفظ نكاح أو طلاق أو رجعة أو عتاق كما في الأحاديث التي ذكرناها وقع منه ذلك أما في الطلاق فقد قال بذلك الشافعية والحنفية وغيرهم وخالف في ذلك أحمد ومالك فقال إنه يفتقر اللفظ الصريح إلى النية وبه قال جماعة من الأئمة منهم الصادق والباقر والناصر واستدلوا بقوله تعالى { وإن عزموا الطلاق } فدلت على اعتبار العزم والهازل لا عزم منه وأجاب صاحب البحر بالجمع بين الآية والحديث فقال يعتبر العزم في غير الصريح لا في الصريح فلا يعتبر والاستدلال بالآية على تلك الدعوى غير صحيح من أصله فلا يحتاج إلى الجمع فإنها نزلت في حق المولى

2 - وعن عائشة قالت " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لا طلاق ولا عتاق في إغلاق "
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

3 - وفي حديث بريدة في قصة ماعز أنه فال " يا رسول الله طهرني قال مم أطهرك قال من الزنا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبه جنون فأخبر أنه ليس بمجنون فقال أشرب خمرا فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أزنيت قال نعم فأمر به فرجم "
- رواه مسلم والترمذي وصححه
وقال عثمان ليس لمجنون ولا لسكران طلاق
وقال ابن عباس طلاق السكران والمستكره ليس بجائز
وقال ابن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق فليس بشيء
وقال علي كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه
- ذكرهن البخاري في صحيحه

3 - وعن قدامة بن إبراهيم " أن رجلا على عهد عمر بن الخطاب تدلى يشتار عسلا فأقبلت امرأته فجلست على الحبل فقالت ليطلقها ثلاثا وإلا قطعت الحبل فذكرها الله والإسلام فأبت فطلقها ثلاثا ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له فقال ارجع إلى أهلك فليس هذا بطلاق "
- رواه سعيد بن منصور وأبو عبيد القاسم بن سلام

- حديث عائشة أخرجه أيضا أبو يعلى والحاكم والبيهقي وصححه الحاكم وفي إسناده محمد بن عبيد بن أبي صالح وقد ضعفه أبو حاتم الرازي ورواه البيهقي من طريق ليس هو فيها لكن لم يذكر عائشة وزاد أبو داود وغيره ولا عتاق
قوله : " في إغلاق " بكسر الهمزة وسكون الغين المعجمة وآخره قاف فسره علماء الغريب بالإكراه روى ذلك في التلخيص عن ابن قتيبة والخطابي وابن السيد وغيرهم وقيل الجنون واستبعده المطرزي وقيل الغضب وقع ذلك في سنن أبي داود وفي رواية ابن الأعرابي وكذا فسره أحمد ورده ابن السيد فقال لو كان كذلك لم يقع على أحد طلاق لأن أحدا لا يطلق حتى يغضب وقال أبو عبيدة الإغلاق التضييق وقد استدل بهذا الحديث من قال إنه لا يصح طلاق المكره وبه قال جماعة من أهل العلم حكى ذلك في البحر عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر والزبير والحسن البصري وعطاء ومجاهد وطاوس وشريح والأوزاعي والحسن بن صالح والقاسمية والناصر والمؤيد بالله ومالك والشافعي وحكى أيضا وقوع طلاق المكره عن النخعي وابن المسيب والثوري وعمر بن عبد العزيز وأبي حنيفة وأصحابه والظاهر ما ذهب إليه الأولون لما في الباب ويؤيد ذلك حديث " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " أخرجه ابن ماجه وابن حبان والدارقطني والطبراني والحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس وحسنه النووي وقد أطال الكلام عليه الحافظ في باب شروط الصلاة من التلخيص فليراجع
واحتج عطاء بقوله تعالى { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } وقال الشرك أعظم من الطلاق أخرجه سعيد بن منصور عنه بإسناد صحيح
قوله : " أبه جنون " لفظ البخاري " أبك جنون " وهذا طرف من حديث يأتي إن شاء الله تعالى في الحدود وفيه دليل على أن الإقرار من المجنون لا يصح وكذا سائر التصرفات والانشاآت ولا أحفظ في ذلك خلافا
قوله : " فقال أشرب خمرا " فيه دلي أيضا على أن إقرار السكران لا يصح وكأن المصنف رحمه الله تعالى قاس طلاق السكران على إقراره وقد اختلف أهل العلم في ذلك فأخرج ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عدم وقوع طلاق السكران عن أبي الشعثاء وعطاء وطاوس وعكرمة والقاسم بن محمد وعمر بن عبد العزيز
قال في الفتح وبه قال ربيعة والليث وإسحاق والمزني واختاره الطحاوي واحتج بأنهم أجمعوا على أن طلاق المعتوه لا يقع قال والسكران معتوه بسكره وقال بوقوعه طائفة من التابعين كسعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم والزهري والشعبي وبه قال الاوزاعي والثوري ومالك وأبو حنيفة وعن الشافعي قولان المصحح منهما وقوعه والخلاف عند الحنابلة وقد حكى القول بالوقوع في البحر عن علي وابن عباس وابن عمر ومجاهد والضحاك وسليمان بن يسار وزيد بن علي والهادي والمؤيد بالله وحكى القول بعدم الوقوع عن عثمان وجابر بن زيد ورواية عن ابن عباس والناصر وأبي طالب والبتي وداود ( احتج ) القائلون بالوقوع بقوله تعالى { ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى } ونهيهم حال السكر عن قربان الصلاة يقتضي عدم زوال التكليف وكل مكلف يصح منه الطلاق وغيره من العقود والانشاآت وأجيب بأن النهي في الآية المذكورة إنما هو من أصل السكر الذي يلزم منه قربان الصلاة كذلك
وقيل إنه نهي يشمل الذي يعقل الخطاب وأيضا قوله في آخر الآية { حتى تعلموا ما تقولون } دليل على أن السكران يقول ما لا يعلم ومن كان كذلك فكيف يكون مكلفا وهو غير فاهم شرط التكليف كما تقرر في الأصول
( واحتجوا ) ثانيا بأنه عاص بفعله فلا يزول عنه الخطاب بالسكر ولا الاثم لأنه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في السكر وأجاب الطحاوي بأنها لا تختلف أحكام فاقد العقل بين أن يكون ذهاب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره إذ لا فرق بيم من عجز عن القيام في الصلاة بسبب من قبل الله أو من قبل نفسه كمن كسر رجل نفسه فإنه يسقط عنه فرض القيام وتعقب بأن القيام انتقل إلى بدل وهو القعود فافترقا وأجاب ابن المنذر عن الاحتجاج بقضاء الصلوات بأن النائم يجب عليه قضاء الصلاة ولا يقع طلاقه لأنه غير مكلف حال نومه بلا نزاع واحتجوا ثالثا بأن ربط الأحكام بأسبابها أصل من الأصول المأنوسة في الشريعة والتطليق سبب للطلاق فينبغي ترتيبه عليه وربطه به وعدم الاعتداد بالسكر كما في الجنايات وأجيب بالاستفسار عن السبب للطلاق هل هو إيقاع لفظه مطلقا إن قلتم نعم لزمكم أن يقع من المجنون والنائم والسكران الذي لم يعص بسكره إذا وقع من أحدهم لفظ الطلاق وإن قلتم أنه إيقاع اللفظ من العاقل الذي يفهم ما يقول فالسكران غير عاقل ولا فاهم فلا يكون إيقاع لفظ الطلاق منه سببا ( واحتجوا ) رابعا بأن الصحابة رضي الله عنهم جعلوه كالصاحي ويجاب بأن ذلك محل خلاف بين الصحابة كما بينا ذلك في أول الكلام وكما ذكره المصنف عن عثمان وابن عباس فلا يكون قول بعضهم حجة علينا كما لا يكون حجة على بعضهم بعضا واحتجوا خامسا بأن عدم وقوع الطلاق من السكران مخالف للمقاصد الشرعية لأنه إذا فعل حراما واحدا لزمه حكمه فإذا تضاعف جرمه بالسكر وفعل الحرام الآخر سقط عنه الحكم مثلا لو أنه ارتد بغير سكر لزمه حكم الردة فإذا جمع بين السكر والردة لم يلزمه حكم الردة لأجل السكر ويجاب بأنا لم نسقط عنه حكم المعصية الواقعة منه حال السكر لنفس فعله للمحرم الآخر وهو السكر فإن ذلك مما لا يقول به عاقل وإنما أسقطنا عنه حكم المعصية لعدم مناط التكليف وهو العقل وبيان ذلك أنه لو شرب الخمر ولم يزل عقله كان حكمه حكم الصاحي فلم يكن فعله لمعصية الشرب هو المسقط . ومن الأدلة الدالة على عدم الوقوع ما في صحيح البخاري وغيره أن حمزة سكر وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما دخل عليه هو وعلي وهل أنتم إلا عبيد لأبي في قصة مشهورة فتركه صلى الله عليه وآله وسلم وخرج ولم يلزمه حكم تلك الكلمة مع أنه لو قالها غير سكران لكان كفرا كما قال ابن القيم وأجيب بأن الخمر كانت إذ ذاك مباحة والخلاف إنما هو بعد تحريمها . وحكى الحافظ في الفتح عن ابن بطال أنه قال الأصل في السكران العقل والسكر شيء طرأ على عقله فمهما وقع منه من كلام مفهوم فهو محمول على الأصل حتى يثبت فقدان عقله انتهى ( والحاصل ) أن السكران الذي لا يعقل لا حكم لطلاقه لعدم المناط الذي تدور عليه الأحكام وقد عين الشارع عقوبته فليس لنا أن نجاوزها برأينا ونقول يقع طلاقه عقوبة له فيجمع له بين غرمين ( لا يقال ) إن ألفاظ الطلاق ليست من الأحكام التكليفية بل من الأحكام الوضعية وأحكام الوضع لا يشترط فيها التكليف لأنا نقول الأحكام الوضعية تقيد بالشروط كما تقيد الأحكام التكليفية وأيضا السبب الوضعي هو طلاق العاقل لا مطلق الطلاق بالاتفاق وإلا لزم وقوع طلاق المجنون
قوله : وقال عثمان الخ علقه البخاري ووصله ابن أبي شيبة
قوله : وقال ابن عباس الخ وصله ابن أبي شيبة أيضا وسعيد بن منصور وأثر على وصله البغوي في الجعديات وسعيد بن منصور وقد ساق البخاري في صحيحه آثارا عن جماعة من الصحابة والتابعين . وأثر عمر بن الخطاب في قصة الرجل الذي تدلى ليشتار عسلا إسناده منقطع لأن الراوي له عن عمر عبد الملك بن قدامة بن محمد بن إبراهيم بن حاطب الجمحي عن أبيه قدامة وقدامة لم يدرك عمر وقد روي ما يعارضها أخرج العقيلي من حديث صفوان بن عمر أن الطائي " أن امرأة أخذت المدية ووضعتها على نحر زوجها وقالت إن لم تطلقني نحرتك بهذه فطلقها ثم استقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الطلاق فقال صلى الله عليه وآله وسلم لا قيلولة في الطلاق " وقد تفرد به صفوان وحمله بعضهم على من نوى الطلاق

( باب ما جاء في طلاق العبد )

1 - عن ابن عباس قال " أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل فقال يا رسول الله سيدي زوجني أمته وهو يريد أن يفرق بيني وبينها قال فصعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبر فقال يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما إنما الطلاق لمن أخذ بالساق "
- رواه ابن ماجه والدارقطني

2 - وعن عمر بن معتب " أن أبا حسن مولى بني نوفل أخبره أنه استفتى ابن عباس في مملوك تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم عتقا هل يصح له أن يخطبها قال نعم قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "
- رواه الخمسة إلا الترمذي
وفي رواية " بقيت لك واحدة قضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " . رواه أبو داود
وقال ابن المبارك ومعمر لقد تحمل أبو حسن هذا صخرة عظيمة وقال أحمد بن حنبل في رواية ابن منصور في عبد تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم عتقا يتزوجها ويكون على واحدة على حديث عمر بن معتب وقال في رواية أبي طالب في هذه المسألة يتزوجها ولا يبالي في العدة عتقا أو بعد العدة قال وهو قول ابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سلمة وقتادة

- حديث ابن عباس أخرجه أيضا الطبراني وابن عدي وفي إسناد ابن ماجه ابن لهيعة وكلام الأئمة فيه معروف وفي إسناد الطبراني يحيى الحماني وهو ضعيف وفي إسناد ابن عدي والدارقطني عصمة بن مالك كذا قيل وفي التقريب إنه صحابي وطرقه يقوي بعضها بعضا
وقال ابن القيم أن حديث ابن عباس وإن كان في إسناده ما فيه فالقرآن يعضده وعليه عمل الناس وأراد بقوله القرآن يعضده نحو قوله تعالى { إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن } وقوله تعالى { إذا طلقتم النساء } الآية . وحديث عمر بن معتب أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه وقد ذكر أبو الحسن المذكور بخير وصلاح ووثقه أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان غير أن الراوي عنه عمر بن معتب وقد قال علي بن المديني إنه منكر الحديث وسئل عنه أيضا فقال مجهول لم يرو عنه غير يحيى بن أبي كثير وقال النسائي ليس بالقوي وقال الأمير أبو نصر منكر الحديث وقال الذهبي لا يعرف . ومعتب بضم الميم وفتح العين المهملة وتشديد المثناة الفوقية وكسرها وبعدها باء موحدة
وقد استدل بحديث ابن عباس المذكور من قال إن طلاق امرأة العبد لا يصح إلا منه لا من سيده وروى ابن عباس أنه يقع طلاق السيد على عبده والحديث المروي من طريقه حجة عليه وابن لهيعة ليس بساقط الحديث فإنه إمام حافظ كبير ولهذا أورده الذهبي في تذكرة الحفاظ وقال أحمد بن حنبل من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه
وقال أحمد بن صالح كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلابا للعلم وقال يحيى بن القطان وجماعة إنه ضعيف
وقال ابن معين ليس بذاك القوي وهذا جرح مجمل لا يقبل عند بعض أئمة الجرح والتعديل
وقد قيل إن السبب في تضعيفه احتراق كتبه وأنه بعد ذلك حدث من حفظه فخلط وإن من حدث عنه قبل احتراق كتبه كابن المبارك وغيره حديثهم عنه قوي وبعضهم يصححه وهذا التفصيل هو الصواب وقال الذهبي إنها تؤدى أحاديثه في المتابعات ولا يحتج به
وأما يحيى الحماني فقال في التذكرة وثقه يحيى بن معين وقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به
وقال ابن حبان يكذب جهارا ويسرق الأحاديث واستدل أيضا بحديث ابن عباس الثاني أيضا أن العبد يملك من الطلاق ثلاثا كما يملك الحر وقال الشافعي إنه لا يملك من الطلاق إلا اثنتين حرة كانت زوجته أو أمة وقال أبو حنيفة والناصر إنه لا يملك في الأمة إلا اثنتين لا في الحرة فكالحر . واستدلوا بحديث ابن مسعود الطلاق بالرجال والعدة بالنساء عند الدارقطني والبيهقي وأجيب بأنه موقوف
قالوا أخرج الدارقطني والبيهقي أيضا عن ابن عباس نحوه وأجيب بأنه موقوف أيضا وكذلك روى نحوه أحمد من حديث علي وهو أيضا موقوف قالوا أخرج ابن ماجه والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعا " طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان " وأجيب بأن في إسناده عمر بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان
وقال الدارقطني والبيهقي الصحيح إنه موقوف قالوا في السنن نحوه من حديث عائشة وأجيب بأن في إسناده مظاهر بن أسلم قال الترمذي حديث عائشة هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو قول سفيان الثوري والشافعي وإسحاق انتهى . ( لا يقال ) هذه الطرق تقوى على تخصيص عموم الطلاق مرتان وغيرها من العمومات الشاملة للحر والعبد لأنا لا نقول قد دل على أن ذلك العموم مراد غير مخرج منه العبد حديث ابن عباس المذكور في الباب فهو معارض لما دل على أن طلاق العبد اثنتان

( باب من علق الطلاق قبل النكاح )

1 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا عتق له فيما لا يملك ولا طلاق له فيما لا يملك "
- رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب وأبو داود وقال فيه " ولا وفاء نذر إلا فيما يملك " ولابن ماجه منه " لا طلاق فيما لا يملك "

2 - وعن مسور بن مخرمة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا طلاق قبل نكاح ولا عتق قبل ملك "
- رواه ابن ماجه

- حديث عمرو بن شعيب أخرجه بقية أهل السنن والبزاز والبيهقي وقال هو أصح شيء في هذا الباب وأشهر . وحديث المسور حسنه الحافظ في التلخيص ولكنه اختلف فيه على الزهري فروى عنه عن عروة عن المسور وروى عنه عن عروة عن عائشة وفي الباب عن أبي بكر الصديق وأبي هريرة وأبي موسى الأشعري وأبي سعيد الخدري وعمران بن حصين وغيرهم ذكر ذلك البيهقي في الخلافيات ( وفي الباب ) أيضا عن جابر مرفوعا بلفظ " لا طلاق إلا بعد نكاح ولا عتق إلا بعد ملك " أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه وقال وأنا متعجب من الشخين كيف أهملاه وقد صح على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر انتهى
وحديث ابن عمر أخرجه أيضا ابن عدي ووثق إسناده الحافظ وقال ابن صاعد غريب لا أعرف له علة . وحديث عائشة قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه حديث منكر . وحديث ابن عباس في إسناده عند الحاكم من لا يعرف وله طريق أخرى عند الدارقطني وفي إسناده ضعيف . وحديث معاذ أعل بالإرسال وله طريق أخرى عند الدارقطني وفيها انقطاع وفي إسناده أيضا يزيد بن عياض وهو متروك . وحديث جابر صحح الدارقطني إرساله وأعله ابن معين وغيره وفي الباب أيضا عن علي عند البيهقي وغيره ومداره على جوبير وهو متروك ورواه ابن الجوزي من طريق أخرى عنه وفيها عبد الله بن زياد بن سمعان وهو متروك وله طريق أخرى في الطبراني وقال ابن معين لا يصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " لا طلاق قبل نكاح " وأصح شيء فيه حديث ابن المنكدر عمن سمع طاوسا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا
وقال ابن عبد البر في الاستذكار روي من وجوه إلا أنها عند أهل العلم بالحديث معلولة انتهى
ولا يخفى عليك أن مثل هذه الروايات التي سقناها في الباب من طريق أولئك الجماعة من الصحابة مما لا يشك منصف أنها صالحة بمجموعها للاحتجاج وقد وقع الإجماع على أنه لا يقع الطلاق الناجز على الأجنبية وأما التعليق نحو أن يقول إن تزوجت فلانة فهي طالق فذهب جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى أنه لا يقع . وحكى عن أبي حنيفة وأصحابه والمؤيد بالله في أحد قوليه إنه لا يصح التعليق مطلقا وذهب مالك في المشهور عنه وربيعة والثوري والليث والأوزاعي وابن أبي ليلى إلى التفصيل وهو أنه إن جاء بحاصر نحو أن يقول كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو بلد كذا فهي طالق صح الطلاق ووقع وإن عمم لم يقع شيء وهذا التفصيل لا وجه له إلا مجرد الاستحسان كما أنه لا وجه للقول بإطلاق الصحة والحق أنه لا يصح الطلاق قبل النكاح مطلقا للأحاديث المذكورة في الباب وكذا العتق قبل الملك والنذر بغير الملك

( باب الطلاق بالكنايات إذا نواه بها وغير ذلك )

1 - عن عائشة قالت " خيرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاخترناه فلم يعدها شيئا "
- رواه الجماعة
وفي رواية " قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال إني ذاكر لك أمرأ فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمر أبويك قالت وقد علم أن أبوي لم يكونا ليأمراني بفراقه قالت ثم قال إن الله عز و جل قال لي يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا الآية وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة الآية قالت فقلت في هذا أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثل ما فعلت " . رواه الجماعة إلا أبو داود

- قوله " خيرنا " في لفظ لمسلم " خير نساءه " قوله " فلم يعدها شيئا " بتشديد الدال المهملة وضم العين من العدد
وفي رواية " فلم يعدد " بفك الإدغام وفي أخرى " فلم يعتد " بسكون العين وفتح المثناة وتشديد الدال من الاعتداد
وفي رواية لمسلم " فلم يعده طلاقا " وفي رواية للبخاري أفكان طلاقا على طريقة الاستفهام الإنكاري
وفي رواية لأحمد فهل كان طلاقا وكذا للنسائي
وقد استدل بهذا من قال إنه لا يقع بالتخيير شيء إذا اختارت الزوج وبه قال جمهور الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار لكن اختلفوا فيما إذا اختارت نفسها هل يقع طلقة واحدة رجعية أو بائنة أو يقع ثلاثا فحكى الترمذي عن علي عليه السلام أنها إذا اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية وعن زيد بن ثابت إن اختارت نفسها فثلاث وإن اختارت زوجها فواحدة بائنة . وعن عمرو بن مسعود إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وعنهما رجعية وإن اختارت زوجها فلا شيء ويؤيد قول الجمهور من حيث المعنى أن التخيير ترديد بين شيئين فلو كان اختيارها لزوجها طلاقا لاتحدا فدل على أن اختيارها لنفسها بمعنى الفراق واختيارها لزوجها بمعنى البقاء في العصمة وقد أخرج ابن أبي شيبة من طريق زاذان قال " كنا جلوسا عند علي عليه السلام فسئل عن الخيار فقال سألني عنه عمر فقلت إن اختارت نفسها فواحدة رجعية قال ليس كما قلت إن اختارت نفسها فواحدة بائنة وإن اختارت زوجها فواحدة رجعية قال ليس كما قلت إن اختارت زوجها فلا شيء قال فلم أجد بدا من متابعته فلما وليت رجعت إلى ما كنت أعرف قال علي وأرسل عمر إلى زيد بن ثابت قال فذكر مثل ما حكاه عنه الترمذي وأخرج ابن أبي شيبة من طريق علي نظير ما حكاه عنه زاذان من اختياره وأخذ مالك بقول زيد بن ثابت واحتج بعض أتباعه لكونها اختارت نفسها يقع ثلاثا بأن معنى الخيار بث أحد الأمرين إما الأخذ أو الترك فلو قلنا إذا اختارت نفسها يكون طلقة رجعية لم يعمل بمقتضى اللفظ لأنها تكون بعد في أسر الزوج وتكون كمن خير بين شيئين فاختار غيرهما وأخذ أبو حنيفة بقول عمر وابن مسعود فيما إذا اختارت نفسها فواحدة بائنة وقال الشافعي التخيير كناية فإذا خير الزوج امرأته وأراد بذلك تخييرها بين أن تطلق منه وبين أتستمر في عصمته فاختارت نفسها وأرادت بذلك الطلاق طلقت فلو قالت لم أرد باختيار نفسي الطلاق صدقت
وقال الخطابي يؤخذ من قول عائشة فاخترناه فلم يكن ذلك طلاقا أنها لو اختارت نفسها لكان ذلك طلاقا ووافقه القرطبي في المفهم فقال في الحديث إن المخيرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الاختيار يكون طلاقا من غير احتياج إلى نطق بلفظ يدل على الطلاق قال وهو مقتبس من مفهوم قول عائشة المذكور قال الحافظ لكن الظاهر من الآية أن ذلك بمجرده لا يكون طلاقا بل لا بد من انشاء الزوج الطلاق لأن فيها { فتعالين أمتعكن وأسرحكن } أي بعد الاختيار ودلالة المنطوق مقدمة على دلالة المفهوم واختلفوا في التخيير هل هو بمعنى التمليك أو بمعنى التوكيل وللشافعي فيه قولان المصحح عند أصحابه أنه تمليك وهو قول المالكية بشرط المبادرة منها حتى لو تراخت بمقدار ما ينقطع القبول عن الإيجاب ثم طلقت لم يقع وفي وجه لا يضر التأخير ما دام المجلس وبه جزم ابن القاص وهو الذي رجحته المالكية والحنفية والهاودية وهو قول الثوري والليث والاوزاعي وقال ابن المنذر الراجح أنه لا يشترط فيه الفور بل متى طلقت نفذ وهو قول الحسن والزهري وبه قال أبو عبيدة ومحمد بن نصر من الشافعية والطحاوي من الحنفية واحتجوا بما في حديث الباب من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك وذلك يقتضي عدم اشتراط الفور في جواب التخيير
قال الحافظ ويمكن أن يقال يشترط الفور إلا أن يقع التصريح من الزوج بالفسحة لأمر يقتضي ذلك فيتراخي كما وقع في قصة عائشة ولا يلزم من ذلك أن يكون كل خيار كذلك

2 - وعن عائشة " أن ابنة الجون لما أدخلت على عهد رسول صلى الله عليه وآله وسلم ودنا منها قالت أعوذ بالله منك فقال لها لقد عذت بعظيم الحقي بأهلك "
- رواه البخاري وابن ماجه والنسائي وقال الكلابية بدل ابنة الجون
وقد تمسك به من يرى لفظة الخيار والحقي بأهلك واحدة لا ثلاثا لأن جمع الثلاث يكره فالظاهر أنه عليه السلام لا يفعله

3 - وفي حديث تخلف كعب بن مالك قال " لما مضت أربعون من الخمسين واستلبث الوحي وإذا رسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتيني فقال إن رسول الله يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال بل اعتزلها فلا تقربنها قال فقلت لامرأتي الحقي بأهلك "
- متفق عليه
ويذكر فيمن قال لزوجته أنت طالق هكذا وأشار بأصابعه

4 - ما روي عن ابن عمر قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشهر هكذا وهكذا يعني ثلاثين ثم قال وهكذا وهكذا وهكذا يعني تسعا وعشرين يقول مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين "
- متفق عليه

5 - ويذكر في مسألة من قال لغير مدخول بها أنت طالق وطالق أو طالق ثم طالق ما روى حذيفة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان وقولوا ما شاء الله ثم شاء فلان "
- رواه أحمد وأبو داود . ولابن ماجه معناه

6 - وعن قتيلة بنت صيفي قالت " أتى حبر من الأخبار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا محمد نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله ندا قال سبحان الله وما ذاك قال تقولون ما شاء الله وشئت قال فأمهل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ثم قال إنه قد قال فمن قال ما شاء الله فليفصل بينهما ثم شئت "
- رواه أحمد

7 - وعن عدي بن حاتم " إن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بئس الخطيب أنت قل ومن يعص الله ورسوله "
- رواه أحمد ومسلم والنسائي

8 - ويذكر فيمن طلق بقلبه ما روى أبو هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به "
- متفق عليه

- حديث حذيفة أخرجه أيضا النسائي وابن أبي شيبة والطبراني والبيهقي وقد ساقه الحازمي في الاعتبار بإسناده وذكر فيه قصة وهي " إن رجلا من المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلا من أهل الكتاب فقال نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون قال تقولون ما شاء الله وشاء محمد فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم والله إن كنت لأعرفها لكم قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد " وأخرج أيضا بإسناده إلى الطفيل بن سخيرة أخي عائشة لأمها " أنه قال رأيت فيما يرى النائم كأني أتيت على رهط من اليهود فقلت من أنتم فقالوا نحن اليهود فقلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير بن الله قالوا وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد ثم أتيت على رهط من النصارى فقلت من أنتم فقالوا نحن النصارى فقلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح بن الله فقالوا وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد فلما أصبح أخبر بها من أخبر ثم أخبر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال هل أخبرت بها أحدا قال نعم فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم وأنكم لتقولون الكلمة يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد " وأخرج أيضا بإسناده المتصل بابن عباس قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا حلف أحدكم فلا يقول ما شاء الله وشئت ولكن ليقل ما شاء الله ثم شئت " وأخرج أيضا بإسناده إلى عائشة أنها قالت " قالت اليهود نعم القوم قوم محمد لولا أنهم يقولون ما شاء الله وشاء محمد فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده " قوله " إن ابنة الجون " قيل هي الكلابية واختلف في اسمها فقال ابن سعد اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان وروى عن الكلبي أنها عالية بنت ظبيان بن عمرو وحكى ابن سعد أيضا إلى أنها واحدة اختلف في اسمها
قال الحافظ والصحيح أن التي استعاذت منه هي الجونية واسمها أميمة بنت النعمان بن شراحيل وذكر ابن سعد أنها لم تستعذ منه امرأة غيرها
قال ابن عبد البر أجمعوا على أن التي تزوجها هي الجونية واختلفوا في سبب فراقه لها فقال قتادة لما دخل عليها دعاها فقالت تعال أنت فطلقها وقيل كان بها وضح وزعم بعضهم إنها قالت أعوذ بالله منك فقال قد عذت بمعاذ وقد أعاذك الله مني فطلقها قال وهذا باطل إنما قال له هذا امرأة من بني العنبر وكانت جميلة فخاف نساؤه أن تغلبهن عليه فقلن لها إنه يعجبه أن يقال له نعوذ بالله منك ففعلت فطلقها قال الحافظ وما أدري لم حكم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات الواردة فيه وثبوته في حديث عائشة في صحيح البخاري
قوله " الحقي بأهلك " بكسر الهمزة من الحقي وفتح الحاء وفيه دليل على أن من قال لامرأته الحقي بأهلك وأراد الطلاق طلقت فإن لم يرد الطلاق لم تطلق كما وقع في حديث تخلف كعب المذكور فيكون هذا اللفظ من كنايات الطلاق لأن الصريح لا يفتقر إلى النية على ما ذهب إليه الشافعية والحنفية وأكثر العترة . وذهب الباقر والصادق والناصر ومالك إلى أنه يفتقر إلى نية . وحديث ابن عمر في إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بعدد الشهر قد تقدم في باب ما جاء في يوم الغيم والشك من كتاب الصيام وتقدم شرحه هنالك . وإنما أورده المصنف ههنا للاستدلال به على صحة العدد بالإشارة بالأصابع واعتباره من دون تلفظ باللسان . فإذا قال الرجل لزوجته أنت طالق هكذا وأشار بثلاث من أصابعه كان ذلك ثلاثا عند من يقول إن الطلاق يتبع الطلاق
وأورد حديث حذيفة وحديث قتيلة للاستدلال بهما على أن من قال لزوجته التي لم يدخل بها أنت طالق وطالق كان كالطلقة الواحدة لأن المحل لا يقبل غيرها فتكون الثانية لغوا بخلاف ما لو قال أنت طالق ثم طالق وقعت عليها الطلقة الأولى في الحال ووقعت عليها الثانية بعد أن تصير قابلة لها وذلك لأن الواو لمطلق الجمع فكأنه إذا جاء بها موقع لمجموع الطلاقين عليها في حالة واحدة بخلاف ثم فإنها للترتيب مع تراخ فيصير الزوج في حكم الموقع لطلاق بعده طلاق متراخ عنه . ولهذا قال الشافعي في سبب نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن قول الرجل ما شاء الله وشئت وأذنه له بأن يقول ما شاء الله ثم شاء فلان أن المشيئة إرادة الله تعالى قال الله عز و جل { وما تشاؤون إلا أن يشاء الله } قال فأعلم الله خلقه أن المشيئة له دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله فيقال لرسوله ما شاء الله ثم شئت ولا يقال ما شاء الله وشئت انتهى . ولكنه يعارض هذا الاستنباط حديث عدي بن حاتم الذي ذكره المصنف في الرجل الذي خطب بحضرته صلى الله عليه وآله وسلم فإنه أنكر عليه الجمع بين الضميرين وأرشده إلى أن يقول ومن يعص الله ورسوله فدل على أن توسيط الواو بين الله ورسوله له حكم غير حكم قوله ومن يعصهما ولو كانت الواو لمطلق الجمع لم يكن بين العبارتين فرق
وقد قدمنا الكلام على علة هذا النهي عند الكلام على حديث ابن مسعود في باب اشتمال الخطبة على حمد الله من أبواب الجمعة هذا ما ظهر في بيان وجه استدلال المصنف بحديثي المشيئة وحديث الخطبة ويمكن أن يكون مراد المصنف بإيراد الأحاديث المذكورة مجرد التنظير لا الاستدلال وقد قدمنا أن الطلاق المتعدد سواء كان بلفظ واحد أو ألفاظ من غير فرق بين أن يكون العطف بثم أو بالواو أو بغيرهما يكون طلقة واحدة سواء كانت الزوجة مدخولة أو غير مدخولة وأورد حديث أبي هريرة للاستدلال به على أن من طلق زوجته بقلبه ولم يلفظ بلسانه لم يكن لذلك حكم الطلاق لأن خطرات القلب مغفورة للعباد إذا كانت فيما فيه ذنب فكذلك لا يلزم حكمها في الأمور المباحة فلا يكون حكم خطور الطلاق بالقلب أو إرادته حكم التلفظ به وهكذا سائر الانشاآت قال الترمذي بعد إخراج هذا الحديث ما لفظه : والعمل على هذا عند أهل العلم أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به انتهى . وحكى في البحر عن عكرمة أنه يقع بمجرد النية

( كتاب الخلع )

1 - عن ابن عباس قال " جاءت امرأة ثابت بن قيس بن شماس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله إني ما أعتب عليه في خلق ولا دين ولكني أكره الكفر في الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أتردين عليه حديقته قالت نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اقبل الحديقة وطلقها تطليقة "
- رواه البخاري والنسائي

2 - وعن ابن عباس " أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق ولكني أكره الكفر في الإسلام لا أطيقه بغضا فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتردين عليه حديقته قالت نعم فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد "
- رواه ابن ماجه

3 - وعن الربيع بنت معوذ " أن ثابت بن قيس بن شماس ضرب امرأته فكسر يدها وهي جميلة بنت عبد الله بن أبي فإني أخوها يشتكيه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ثابت فقال له خذ الذي لها عليك وخل سبيلها قال نعم فأمرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها "
- رواه النسائي

4 - وعن ابن عباس " أن امرأة ثابت ابن قيس اختلعت من زوجها فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تعتد بحيضة "
- رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن غريب

5 - وعن الربيع بنت معوذ " أنها اختلعت على عهد رسول الله فأمرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو أمرت أن تعتد بحيضة "
- رواه الترمذي وقال حديث الربيع الصحيح أنها أمرت أن تعتد بحيضة

6 - وعن أبي الزبير " أن ثابت بن قيس بن شماس كانت عنده عبد الله بن أبي بن سلول وكان أصدقها حديقة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتردين عليه حديقته التي أعطاك قالت نعم وزيادة فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أما الزيادة فلا ولكن حديقته قالت نعم فأخذها له وخلى سبيلها فلما بلغ ذلك ثابت بن قيس قال قد قبلت قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "
- رواه الدارقطني بإسناد صحيح وقال سمعه أبو الزبير من غير واحد

- حديث ابن عباس الثاني رواه ابن ماجه من طريق أزهر بن مروان وهو صدوق مستقيم الحديث وبقية إسناده من رجال الصحيح
وقد أخرجه النسائي وأخرجه البيهقي . وحديث الربيع بنت معوذ الأول إسناده في سنن النسائي هكذا حدثنا أبو علي محمد بن يحيى المروزي أخبرني شاذان بن عثمان أخو عبدان حدثنا أبي حدثنا علي بن المبارك عن يحيى عن أبي كثير أخبرني محمد بن عبد الرحمن أن الربيع بن معوذ بن عفراء أخبرته أن ثابت بن قيس الحديث ومحمد بن يحيى ثقة وشاذان هو عبد العزيز بن عثمان بن جبلة وهو من رجال الصحيح هو وأبوه وكذلك علي بن المبارك ويحيى بن أبي كثير
وأما محمد بن عبد الرحمن فقد روى النسائي عن جماعة من التابعين اسمهم محمد بن عبد الرحمن وكلهم ثقات . فالحديث على هذا صحيح وقد أخرجه أيضا الطبراني . وحديث ابن عباس الثالث قد ذكر أنه مرسل ورواه الترمذي مسندا . وحديث الربيع الثاني أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت عن الربيع بنت معوذ قال اختلعت من زوجي فذكرت قصة وفيها أن عثمان أمرها أن تعتد حيضة قال وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في امرأة ثابت بن قيس

- وحديث أبي الزبير أخرجه أيضا البيهقي وإسناده قوي مع كونه مرسلا
قوله : كتاب الخلع بضم الحاء المعجمة وسكون اللام هو في اللغة فراق الزوجة على مال مأخوذ من خلع الثوب لأن المرأة لباس الرجل معنى وأجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر بن عبد الله المزني التاجي فإنه قال لا يحل للزوج أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئا لقوله تعالى { فلا تأخذوا منه شيئا } وأورد عليه { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } فادعى نسخها بآية النساء روى ذلك ابن أبي شيبة وتعقب بقوله تعالى { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه } وبقوله { فلا جناح عليهما أن يصالحا } الآية ( وبأحاديث الباب ) وكأنها لم تبلغه وقد انعقد الإجماع بعده على اعتباره . وأن آية النساء مخصوصة بآية البقرة وبآيتي النساء الآخرتين وهو في الشرع فراق الرجل زوجته ببدل يحصل له
قوله : " امرأة ثابت بن قيس " وقع في رواية ابن عباس والربيع أن اسمها جميلة ووقع في رواية لأبي الزبير أن اسمها زينب والرواية الأولى أصح لإسنادها وثبوتها من طريقين . وبذلك جزم الدمياطي
وأما ما وقع في حديث ابن عباس المذكور أنها بنت سلول وفي حديث الربيع وأبي الزبير المذكورين أنها بنت عبد الله بن أبي بن سلول ووقع في رواية للبخاري أنها بنت أبي فقيل إنها أخت عبد الله كما صرح به ابن الأثير وتبعه النووي وجزما بأن قول من قال إنها بنت عبد الله وهم وجمع بعضهم باتحاد اسم المرأة وعمتها وأن ثابتا خالع الثنتين واحدة بعد الأخرى
قال الحافظ ولا يخفى بعده ولاسيما مع اتحاد المخرج وقد كثرت نسبة الشخص إلى جده إذا كان مشهورا والأصل عدم التعدد حتى يثبت صريحا . ووقع في حديث الربيع عند النسائي وابن ماجه أن اسمها مريم وإسناده جيد
قال البيهقي اضطرب الحديث في تسمية امرأة ثابت ويمكن أن يكون الخلع تعدد من ثابت انتهى
وروى مالك في الموطأ عن حبيبة بنت سهل أنها تحت ثابت بن قيس بن شماس وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج إلى صلاة الصبح فوجدها عند بابه فقال من هذه قالت أنا حبيبة بنت سهل قال ما شأنك قالت لا أنا ولا ثابت بن قيس الحديث أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان من هذا الوجه وأخرجه أبو داود من حديث عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت
وأخرج البزار من حديث ابن عمر نحوه قال ابن عبد البر اختلف في امرأة ثابت بن قيس فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي وذكر المدنيون أنها حبيبة بنت سهل قال الحافظ الذي يظهر لي أنهما قصتان وقعتا لامرأتين لشهرة الخبرين وصحة الطريقين واختلاف السياقين بخلاف ما وقع في الاختلاف في تسمية جميلة ونسبتها فإن سياق قصتها متقارب فأمكن رد الاختلاف فيه إلى الوفاق انتهى . ووهم ابن الجوزي فقال إنها سهلة بنت حبيب وإنما هي حبيبة بنت سهل ولكنه انقلب عليه ذلك
قوله : " إني ما عتب عليه " بضم الفوقية ويجوز كسرها والعتب هو الخطاب بالادلال
قوله : " في خلق " بضم الخاء المعجمة واللام ويجوز اسكانها أي لا أريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه
قوله : " ولكني أكره الكفر في الإسلام " أي كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له ويمكن أن يكون مرادها أن شدة كراهتها له قد يحملها على إظهار الكفر لينفسخ نكاحها منه ووقع في الرواية الثانية لا أطيقه بغضا له وظاهر هذا مع قولها ما أعتب عليه في خلق ولا دين أنه لم يضع بها شيئا يقتضي الشكوى منه ويعارضه ما وقع في حديث الربيع المذكور أنه ضربها فكسر يدها وأجيب بأنها لم تشكه لذلك بل لسبب آخر وهو البغض أو قبح الخلقة كما وقع عند ابن ماجه من حديث عمر وابن شعيب عن أبيه عن جده وعند عبد الرزاق من حديث ابن عباس قوله " حديقته قوله " الحديقة البستان قوله " أقبل الحديقة " قال في الفتح هو أمر ارشاد واصلاح لا إيجاب ولم يذكر ما يدل على صرف الأمر عن حقيقته وفي ذلك دليل على أنه يجوز للرجل أخذ العوض من المرأة إذا كرهت البقاء معه
وقال أبو قلابة ومحمد بن سيرين أنه لا يجوز له أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلا روى ذلك عنهما ابن أبي شيبة واستدلا بقوله تعالى { ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } مع قوله تعالى { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } وتعقب بأن آية البقرة فسرت المراد بالفاحشة وأحاديث الباب الصحيحة من أعظم الأدلة على ذلك ولعلها لم تبلغهما وحمل الحافظ كلامهما على ما إذا كانت الكراهة من قبل الرجل فقط ولا يخالف ذلك أحاديث الباب لأن الكراهة فيها من قبل المرأة وظاهر أحاديث الباب أن مجرد وجود الشقاق من قبل المرأة كاف في جواز الخلع واختار ابن المنذر أنه لا يجوز حتى يقع الشقاق وتمسك بظاهر الآية وبذلك طاوس والشعبي وجماعة من التابعين وأجاب على ذلك جماعة منهم الطبري لأن المراد أنها إذا لم تقم بحقوق الزوج كان ذلك مقتضيا لبغض الزوج لها فنسبت المخالفة إليهما بذلك ويؤيد عدم اعتبار ذلك من جهة الزوج أنه صلى الله عليه وآله وسلم يستفسر ثابتا عن كراهته لها عند اعلامها بالكراهة له
قوله : " تتربص حيضة " استدل بذلك من قال إن الخلع فسخ لإطلاق
وقد حكى ذلك في البحر عن ابن عباس وعكرمة والناصر في أحد قوليه وأحمد بن حنبل وطاوس وإسحاق وأبي ثور وأحد قولي الشافعي وابن المنذر وحكاه غيره أيضا عن الصادق والباقر وداود والإمام يحيى بن حمزة وحكى في البحر أيضا عن علي عليه السلام وعمر وعثمان وابن مسعود وزيد بن علي والقاسمية وأبي حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وأحد قولي الشافعي أنه طلاق بائن ووجه الاستدلال بحديث ابن عباس وحديث الربيع أن الخلع لو كان طلاقا لم يقتصر صلى الله عليه وآله وسلم على الأمر بحيضة وأيضا لم يقع فيهما الأمر بالطلاق بل بتخلية السبيل
قال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير إنه بحث عن رجال الحديثين معا فوجدهم ثقات واحتجوا أيضا لكونه فسخا بقوله تعالى { الطلاق مرتان } ثم ذكر الافتداء ثم عقبه بقول تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره } قالوا كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له فيه إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع . وبحديث حبيبة بنت سهل عند مالك في الموطأ أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يا رسول الله كل ما أعطاني عندي فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لثابت خذ منه فأخذ وجلست في أهلها ولم يذكر فيه الطلاق ولا زاد على الفرقة وأيضا لا يصح جعل الخلع طلاقا بائنا ولا رجعيا أما الأول فلأنه خلاف الظاهر لأنها تطليقة واحدة وأما الثاني فلأنه إهدار لمال المرأة الذي دفعته لحصول الفرقة ( واحتج القائلون ) بأنه طلاق بما وقع في حديث ابن عباس المذكور من أمره صلى الله عليه وآله وسلم لثابت بالطلاق وأجيب بأنه ثبت من حديث المرأة صاحبة القصة عند أبي داود والنسائي ومالك في الموطأ بلفظ " خل سبيلها " وصاحب القصة أعرف بها وأيضا ثبت بلفظ الأمر بتخلية السبيل من حديث الربيع وأبي الزبير كما ذكره المصنف ومن حديث عائشة عند أبي داود بلفظ " وفارقها " وثبت أيضا من حديث الربيع أيضا عند النسائي بلفظ " وتلحق بأهلها "
ورواية الجماعة أرجح من رواية الواحد وأيضا قد روي عن ابن عباس هذا الحديث بدون ذكر الطلاق من طريقين كما في الباب وأيضا ابن عباس من جملة القائلين بأنه فسخ ويبعد منه أن يذهب إلى خلاف ما يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد حكي ذلك عن ابن عباس ابن عبد البر ولكنه ادعى شذوذ ذلك عنه قال إذ لا يعرف أحد نقل عنه أنه فسخ وليس بطلاق إلا طاوس
قال في الفتح وفيه نظر لأن طاوسا ثقة حافظ فقيه فلا يضر تفرده وقد تلقى العلماء ذلك بالقبول ولا أعلم من ذكر الاختلاف في المسألة إلا وجزم أن ابن عباس كان يراه فسخا انتهى
وقال الخطابي في معالم السنن أنه احتج ابن عباس على أنه ليس بطلاق يقول الله تعالى { الطلاق مرتان } انتهى
وأما الاحتجاج بقول الله تعالى { والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء } فيجاب عنه أولا بمنع اندراج الخلع تحت العموم لما قررناه من كونه ليس بطلاق وثانيا بأنا لو سلمنا إنه طلاق لكان ذلك العموم مخصصا بما ذكرنا من الأحاديث فيكون بعد ذلك التسليم طلاقا عدته حيضة واحتجوا أيضا على كونه طلاقا بأنه قول أكثر أهل العلم كما حكى ذلك الترمذي فقال قال أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيرهم أن عدة المختلعة عدة المطلقة انتهى . ويجاب بأن ذلك مما لا يكون حجة في مقام النزاع بالإجماع لما تقرر أن الأدلة الشرعية إما الكتاب أو السنة أو القياس أو الإجماع على خلاف في الأخيرين . وأيضا قد عارض حكاية الترمذي حكاية ابن القيم فإنه لا يصح عن صحابي أنه طلاق البتة قال ابن القيم أيضا والذي يدل على أنه ليس بطلاق أنه تعالى رتب على الطلاق بعد الدخول ثلاثة أحكام كلها منتفية عن الخلع أحدها أن الزوج أحق بالرجعة فيه . الثاني أنه محسوب من الثلاث فلا تحل بعد استيفاء العدد إلا بعد دخول زوج واصابة . الثالث أن العدة ثلاثة قروء وقد ثبت بالنص والاجماع أنه لا رجعة في الخلع انتهى
قال الحافظ محمد بن إبراهيم الوزير في بحث له وقد استدل أصحابنا يعني الزيدية على أنه طلاق بثلاثة أحاديث ثم ذكرها وأجاب عنها بوجوه حاصلها أنها مقطوعة الأسانيد وأنها معارضة بما هو أرجح وأن أهل الصحاح لم يذكروها وإذا تكرر لك رجحان كونه فسخا . فاعلم أن القائلين به لا يشترطون فيه أن يكون للسنة فيجوز عندهم أن يكون في حال الحيض ويقول بوقوعه منهم من لم يقل بوقوع الطلاق البدعي لأنه لا يعد من جملة الطلاق الثلاث التي جعله الله للأزواج . والدليل على عدم الاشتراط عدم استفصاله صلى الله عليه وآله وسلم كما في أحاديث الباب وغيرها ويمكن أن يقال إن ترك الاستفصال لسبق العلم به
وقد اشترط في الخلع نشوز الزوجة الهاودية
وقال داود والجمهور ليس بشرط وهو الظاهر لأن المرأة اشترت الطلاق بمالها فلذلك لم تحل فيه الرجعة على القول بأنه طلاق قال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير أن الأمر اشترط فيه أن لا يقيما حدود الله هو طيب المال للزوج لا الخلع وهو الظاهر من السياق في قوله تعالى { فإن خفتم أن لا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به } قوله " أما الزيادة فلا " استدل بذلك من قال أن العوض من الزوجة لا يكون إلا بمقدار ما دفع إليها الزوج لا بأكثر منه ويؤيد ذلك ما عند ابن ماجه والبيهقي من حديث ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره أن يأخذ منها ولا يزداد " وفي رواية عبد الوهاب عن سعيد قال أيوب لا أحفظ فيه ولا يزداد
وفي رواية النووي وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى ذكر ذلك كله البيهقي قال ووصله الوليد بن مسلم عن ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما
وقال أبو الشيخ هو غير محفوظ يعني الصواب إرساله وبما ذكرناه يعتضد مرسل أبي الزبير ولاسيما وقد قال الدارقطني أنه سمعه أبو الزبير من غير واحد كما ذكره المصنف قال الحافظ فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح وإلا فيعتضد بما ورد في معناه وأخرج عبد الرزاق عن علي أنه قال لا يأخذ منها فوق ما أعطاها وعن طاوس وعطاء والزهري مثله وهو قول أبي حنيفة وأحمد وإسحاق والهادوية وعن ميمون بن مهران من أخذ أكثر مما أعطي لم يسرح بإحسان وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن سعيد بن المسيب
قال ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها ليدع لها شيئا . وذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يخالع المرأة بأكثر مما أعطاها
قال مالك لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك لكنه ليس من مكارم الأخلاق
وأخرج ابن سعد عن الربيع قالت كان بيني وبين ابن عمي كلام وكان زوجها قالت فقلت له لك كل شيء وفارقني قال قد فعلت فأخذ والله كل فراشي فجئت عثمان وهو محصور فقال الشرط أملك خذ كل شيء حتى عقاص رأسها
وفي البخاري عن عثمان أنه أجاز الخلع دون عقاص رأسها
وروى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لها أتردين حديقته قالت وأزيده فخلعها فردت عليه حديقته وزادته وهذا مع كون إسناده ضعيفا ليس فيه حجة لأنه ليس فيه أنه قررها صلى الله عليه وآله وسلم على دفع الزيادة في أمرها برد الحديقة فقط ويمكن أن يقال أن سكوته بعد قولها وأزيده تقرير . ويؤيد الجواز قوله تعالى { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } فإنه عام للقليل والكثير ولكنه لا يخفى أن الروايات المتضمنة للنهي عن الزيادة مخصصة لهذا العموم ومرجحة علىتلك الرواية المتضمنة للتقرير لكثرة طرقها وكونها مقتضية للحصر وهو أرجح من الإباحة عند التعارض على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول ( وأحاديث الباب ) قاضية بأنه يجوز الخلع إذا كان ثم سبب يقتضيه فيجمع بينها وبين الأحاديث القاضية بالتحريم بحملها على ما إذا لم يكن ثم سبب يقتضيه
وقد أخرج أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان من حديث ثوبان " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق فحرام عليها رائحة الجنة " وفي بعض طرقه من غير ما بأس وقد تقدم الحديث وأخرج أحمد والنسائي من حديث أبي هريرة " المختلعات هن المنافقات " وهو من رواية الحسن عنه وفي سماعه منه نظر

( كتاب الرجعة والإباحة للزوج الأول )

1 - عن ابن عباس " في قوله تعالى { والمطلقات يتربص بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } الآية وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك الطلاق مرتان " الآية
- رواه أبو داود والنسائي

2 - وعن عروة عن عائشة قالت " كان الناس والرجل يطلق امرأته ما شاء أن يطلقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدة وإن طلقها مائة مرة أو أكثر حتى قال رجل لأمرأته والله لا أطلقك فتبينيمني ولا أويك أبدا قالت وكيف ذلك قال أطلقك فكلما همت عدتك أن تنقضي راجعتك فذهبت المرأة حتى دخلت على عائشة فأخبرتها فسكتت عائشة حتى جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فسكت النب صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل القرآن { الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } قالت عائشة فاستأنف الناس الطلاق مستقبلا من طلق ومن لم يكن طلق "
- رواه الترمذي ورواه أيضا عن عروة مرسلا وذكر أنه أصح

- حديث ابن عباس في اسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال . وحديث عائشة المرفوع من طريق قتيبة عن يعلى بن شبيب عن هشام بن عروة عن أبيه عنها والموقوف من طريق أبي كريب عن عبد الله بن ادريس عن هشام بن عروة عن أبيه ولم يذكر فيه عائشة
قال الترمذي وهذا أصح من حديث يعلى بن شبيب
قوله : تعالى " { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } " فسره مجاهد بالحيض والحمل
وأخرج الطبري عن طائفة أن المراد به الحيض وعن ابن جرير الحمل والمقصود من الآية أن أمر العدة لما دار على الحيض والطهر والاطلاع على ذلك يقع من جهة النساء غالبا جعلت المرأة مؤتمنة على ذلك
وقال إسماعيل القاضي ذلت الآية أن المرأة المعتدة مؤتمنة على رحمها من الحمل والحيض إلا أن تأتي من ذلك بما يعرف به كذبها فيه والمنسوخ من هذه الآية هو قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن } فإن ظاهره أن للرجل مراجعة المرأة مطلقا سواء طلقها ثلاثا أو أكثر أو أقل فنسخ من ذلك مراجعة من طلقها زوجها ثلاثا فأكثر فإنه لا يحل له مراجعتها بعد ذلك وأما إذا طلقها واحدة رجعية أو اثنتين كذلك فهو أحق برجعتها
قال في الفتح وقد أجمعوا على أن الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو أحق برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك فإن لم يراجع حتى انقضت العدة فتصير أجنبية فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف ( واختلف السلف ) فيما يكون به الرجل مراجعا فقال الأوزاعي إذا جامعها فقد راجعها . ومثله أيضا روى عن بعض التابعين وبه قال مالك وإسحاق بشرط أن ينوي به الرجعة وقال الكوفيون كالأوزاعي وزادوا ولو لمسها لشهوة أو نظر إلى فرجها لشهوة
وقال الشافعي لا تكون الرجعة إلا بالكلام وحجة الشافعي أن الطلاق يزيل النكاح وإلى ذلك ذهب الامام يحيى والظاهر ما ذهب إليه الأولون لأن العدة مدة خيار والاختيار يصح بالقول والفعل وأيضا قوله تعالى { وبعولتهن أحق بردهن } وقوله صلى الله عليه وآله وسلم " مره فليراجعها " أنها تجوز الرجعة بالفعل لأنه لم يخص قولا من فعل ومن ادعى الاختصاص فعليه الدليل وقد حكى في البحر عن العترة ومالك أن الرجعة بالوطء ومقدماته محظورة وإن صحت ثم قال قلت إن لم ينو به الرجعة فنعم لعزمه على قبيح وإلا فلا لما مر
وقال أحمد بن حنبل بل مباح لقوله تعالى { إلا على أزواجهم } والرجعية زوجة بدليل صحة الإيلاء انتهى . وحديث عائشة فيه دليل على تحريم الضرار في الرجعة لأنه منهي عنه بعموم قوله تعالى { ولا تضاروهن } والمنهي عنه فاسد فسادا يرادف البطلان ويدل على ذلك أيضا قوله تعالى { إن أرادوا اصلاحا } فكل رجعة لا يراد بها الاصلاح ليست برجعة شرعية
وقد دل الحديثان المذكوران في الباب على أن الرجل كان يملك من الطلاق لزوجته في صدر الاسلام الثلاث وما فوقها إلى ما لا نهاية ثم نسخ الله الزيادة على الثلاث بالآية المذكورة
قوله : " من كان طلق " أي لم يعتد من ذلك الوقت بما قد وقع منه من الطلاق بل حكمه حكم من لم يطلق أصلا فيملك ثلاثا كما يملكها من لم يقع منه شيء من الطلاق

3 - وعن عمران بن حصين " أنه سئل عن الرجل يطلق امرأته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجعتها فقال طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة أشهد على طلاقها وعلى رجعتها ولا تعد "
- رواه أبو داود وابن ماجه ولم يقل ولا تعد

- الأثر أخرجه أيضا البيهقي والطبرني وزاد " واستغفر الله " قال الحافظ في بلوغ المرام وسنده صحيح وقد استدل به من قال بوجوب الاشهاد على الرجعة وقد ذهب إلى عدم رجوع الإشهاد في الرجعة أبو حنيفة وأصحابه والقاسمية والشافعي في أحد قوليه . واستدل لهم في البحر بحديث ابن عمر السالف فإن فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم " مره فليراجعها " ولم يذكر الاشهاد وقال مالك والشافعي والناصر أنه يجب الاشهاد في الرجعة واحتج في نهاية المجتهد للقائلين بعدم الوجوب بالقياس على الأمور التي ينشئها الانسان لنفسه فإنه لا يجب فيها الاشهاد . ومن الأدلة على عدم الوجوب أنه قد وقع الاجماع على عدم وجوب الاشهاد في الطلاق كما حكاه الموزعي في تيسير البيان والرجعة قرينته فلا يجب فيها كما لا يجب فيه والاحتجاج بالأثر المذكور في الباب لا يصلح للاحتجاج لأنه قول صحابي في أمر من مسارح الاجتهاد وما كان كذلك فليس بحجة لولا ما وقع من قوله طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة
وأما قوله تعالى { وأشهدوا ذوي عدل منكم } فهو وارد عقب قوله { فأمسكوهن بمعروف } الآية وقد عرفت الاجماع على عدم وجوب الاشهاد على الطلاق والقائلون بعدم الوجوب يقولون بالاستحباب

4 - وعن عائشة قالت " جاءت امرأة رفاعة الفرظي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدية الثوب فقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك "
- رواه الجماعة . لكن لأبي داود معناه من غير تسمية الزوجين

5 - وعن عائشة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال العسيلة هي الجماع "
- رواه أحمد والنسائي

6 - وعن ابن عمر قال " سئل نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا ويتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل أن يدخل بها هل تحل للأول قال لا حتى يذوق العسيلة "
- رواه أحمد والنسائي وقال " قال لا تحل للأول حتى يجامعها الآخر

- حديث عائشة الثاني أخرجه أيضا أبو نعيم في الحلية قال الهيثمي فيه أبو عبد الملك لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح . وحديث ابن عمر هو من رواية سفيان الثوري عن علقمة بن مرئد عن رزين بن سليمان الأحمري عن ابن عمر وروى أيضا من طريق شعبة عن علقمة بن مرئد عن سالم بن رزين سلم بن عبد الله عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر
قال النسائي والطريق الأولى أولى بالصواب الحافظ وإنما قال ذلك لأن الثوري أتقن وأحفظ من شعبة وروايته أولى بالصواب من وجهين أحدهما أن شيخ علقمة هو رزين بن سليمان كما قال الثوري لا سالم بن رزين كما قال شعبة فقد رواه جماعة عن شعبة كذلك منهم غيلان بن جامع أحد الثقات ثانيهما أن الحديث لو كان عند سعيد بن المسيب عن ابن عمر مرفوعا لم يخالفه سعيد ويقول بغيره كما سيأتي ( وفي الباب ) عن عائشة غير حديث الباب عند أبي داود بنحو حديث ابن عمر وعن ابن عباس نحوه عند النسائي . وعن أبي هريرة عند الطبراني وابن أبي شيبة بنحوه . وعن أنس عند الطبراني أيضا والبيهقي بنحوه أيضا . وعن عائشة أيضا حديث آخر عند الطبراني بإسناد رجاله ثقات " أن عمرو بن حزم طلق العميصاء فنكحها رجل فطلقها قبل أن يمسها فسألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لا حتى يذوق الآخر عسيلتها وتذوق عسيلته " قوله " امرأة رفاعة القرظي " قيل اسمها تميمة وقيل سهيمة وقيل أميمة . والقرظي بضم القاف وفتح الراء والظاء المعجمة نسبة إلى بني قريظة
قوله : عبد الرحمن بن الزبير بفتح الزاي من الزبير
قوله : " هدية الثوب " بفتح الهاء وسكون المهملة بعدها باء موحدة مفتوحة هي طرف الثوب الذي لم ينسج مأخوذ من هدب العين وهو شعر الجفن هكذا في الفتح
وفي القاموس الهدب باضم وبضمتين شعر أشفار العين وخمل الثوب واحدتهما بهاء وكذا في مجمع البحار نقلا عن النووي أنها بضم هاء وسكون دال وأرادت أن ذكره يشبه الهدية في الاسترخاء وعدم الانتشار واستدل به على أن وطء الزوج الثاني لا يكون محللا ارتجاع الزوج الأول للمرأة إلا إذا كان حال وطئه منتشرا فلو لم يكن كذلك أو كان عنينا أو طفلا لم يكف على الاصح من قولي أهل العلم
قوله : " حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك " العسيلة مصغرة في الموضعين واختلف في توجيهه فقيل هو تصغير العسل لأن العسل مؤنث جزم بذلك القزاز
قال وأحسب التذكير لغة وقال الازهري يذكر ويؤنث وقيل لأن العرب إذا حقرت الشيء أدخلت فيه هاء التأنيث
وقيل المراد قطعة من العسل والتصغير للتقليل اشارة إلى أن القدر القليل كاف في تحصيل ذلك بأن يقع تغييب الحشفة في الفرج وقيل معنى العسيلة النطفة وهذا يوافق قول الحسن البصري وقال جمهور العلماء ذوق العسيلة كناية عن الجماع وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة . وحديث عائشة المذكور في الباب يدل على ذلك وزاد الحسن البصري حصول الإنزال
قال ابن بطال شذ الحسن في هذا وخالف سائر الفقهاء وقالوا يكفي ما يوجب الحد ويحصن الشخص ويوجب كمال الصداق ويفسد الحج والصوم
وقال أبو عبيدة العسيلة لذة الجماع والعرب تسمي كل شيء تستلذه عسلا

- ( وأحاديث ) الباب تدل على أنه لا بد قيمن طلقها زوجها ثلاثا ثم تزوجها زوج آخر من الوطء فلا تحل للأول إلا بعده
قال ابن المنذر أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن المسيب ثم ساق سنهد الصحيح عنه ما يدل على ذلك قال ابن المنذر وهذا القول لا نعلم أحذا وافقه عليه إلا طائفة من الخوارج ولعله لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن
وقد نقل أبو جعفر النحاس في معاني القرآن وعبد الوهاب المالكي في شرح الرسالة عن سعيد بن جبيرمثل قول سعيد بن المسيب وكذلك حكى ابن الجوزي عن داود أنه وافق في ذلك قال القرطبي ويستفاد من الحديث على قول الجمهور أن الحكم يتعلق بأقل ما ينطلق عليه الاسم خلافا لمن قال لا بد من حصول جميعه واستدل بإطلاق الذوق لهما على اشتراط علم الزوجين به حتى لو وطئها نائمة أو مغمى عليها لم يكف ذلك ولو أنزل هو . وبالغ ابن المنذر فنقله عن جميع الفقهاء ( واستدل ) بأحاديث الباب على جواز رجوعها إلى زوجها الأول إذا حصل الجماع من الثاني ويعقبه الطلاق منه لكن شرط المالكية ونقل عن عثمان وزيد بن ثابت أن لا يكون في ذلك مخادعة من الزوج الثاني ولا إرادة تحليلها للأول وقال الأكثر إن شرط ذلك في العقد فسد وإلا فلا وقد قدمنا الكلام على التحليل ومما يستدل بأحاديث الباب عليه أنه لا حق للمرأة في الجماع لأن هذه المرأة شكت أن زوجها لا يطؤها وأن ذكره لا ينتشر وأنه ليس معه ما يغني عنها ولم يفسخ النبي صلى الله عليه وآله وسلم نكاحها وفي ذلك خلاف معروف

( كتاب الإيلاء )

1 - عن الشعبي عن مسروق عن عائشة " قالت آلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من نسائه وحرم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين الكفارة "
- رواه ابن ماجه والترمذي وذكر أنه قد روي عن الشعبي مرسلا وأنه أصح

2 - وعن ابن عمر قال " إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق يعني المولي "
- أخرجه البخاري وقال ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم
وقال أحمد بن حنبل في رواية أبي طالب قال عمر وعثمان وعلي وابن عمر يوقف المولي بعد الأربعة فإما أن يفيء وإما أن يطلق

3 - وعن سليمان بن يسار قال " أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يقفون للمولى "
- رواه الشافعي والدارقطني

4 - وعن سهيل بن أبي صالح عن أبيه " أنه قال سألت اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل يولي قالوا ليس عليه شيء حتى تمضي أربعة أشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق "
- رواه الدارقطني

- حديث الشعبي قال الحافظ في الفتح رجاله موثقون ولكنه رجح الترمذي إرساله على وصله . وأثر عمر ذكره البخاري موصولا عن طريق إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر بن حميد بن أبي أويس . وأثر عثمان وصله الشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق بلفظ " يوقف المولي فإما أن يقيء وإما أن يطلق " وهو من رواية طاوس عنه وفي سماعه منه نظر لكن أحرجه الإسماعيلي من وجه آخر منقطع عنه أنه كان لا يرى الإيلاء شيئا وإن مضت أربعة أشهر حتى يوقف
وأخرج عبد الرزاق والدارقطني عنه خلاف ذلك ولفظه قال عثمان إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة وقد رجح أحمد رواية طاوس عنه . وأثر علي وصله الشافعي وابن أبي شيبة وسنده صحيح وكذلك روى عنه مالك أنه إذا مضت الأربعة أشهر لم يقع عليه طلاق حتى يوقف فإما أن يطلق وإما أن يفيء وهو منقطع لأنه من رواية جعفر بن محمد عن أبيه عنه
وأخرج نحوه عن سعيد بن منصور باسناد صحيح . وأثر أبي الدرداء وصله ابن أبي شيبة ولفظه أن أبا الدرداء قال يوقف في الإيلاء عند انقضاء الأربعة فإما أن يطلق وإما أن يفيء واسناده صحيح . وأثر عائشة وصله عبد الرزاق مثل قول أبي الدرداء وهو منقطع لأنه من رواية قتادة عنها ولكنه أخرج عنها سعيد بن منصور أنها كانت لا ترى الإيلاء شيئا حتى يةقف واسناده صحيح
وأخرج الشافعي عنها نحوه باسناد صحيح أيضا
وأما الآثار الواردة عن اثني عشر رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخرجها البخاري في التاريخ موصولة . وأثر سليمان بن يسار أخرجه أيضا إسماعيل القاضي من طريق يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالوا الإيلاء لا يكون طلاقا حتى يوقف . وأثر سهيل بن أبي صالح اسناده في سنن الدارقطني هكذا أخبرنا أبو بكر النيسابوري أخبرنا أحمد بن منصور أخبرنا ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أبي أيوب عن عبيد الله ابن عمر عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه فذكره ويشهد له ما تقدم وأخرج إسماعيل القاضي عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا ما مضت الأربعة ( وفي الباب ) من المرفوع عن أنس عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم آلى على نسائه الحديث . وعن أم سلمة عند البخاري بنحوه وعن ابن عباس عنه أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقسم أن لا يدخل عليهن شهرا . وعن جابر عند مسلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم اعتزل نساءه شهرا
قوله : " آلى " الإيلاء في اللغة الحلف وفي الشرع الحلف الواقع من الزوج أن لا يطأ زوجته ومن أهل العلم من قال الإيلاء الحلف على ترك كلامها أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك ونقل عن الزهري أنه لا يكون الإيلاء ايلاء إلا أن يلف المرء بالله فيما يريد أن يضار به امرأته من اعتزالها فإذا لم يقصد الاضرار لم يكن ايلاء وروي عن علي وابن عباس والحسن وطائفة أنه لا ايلاء إلا في غضب فأما من حلف أن لا يطأها بسبب الخوف على الولد الذي يرضع منها من الغيلة فلا يكون ايلاء
وروي عن القاسم بن محمد وسالم فيمن قال لامرأته إن كلمتك سنة فأنت طالق قالا إن مضت أربعة أشهر ولم يكلمها طلقت وإن كلمها قبل سنة فهي طالق
وروي عن يزيد بن الأصم أن ابن عباس قال له ما فعلت امرأتك فعهدي بها سيئة الخلق فقال لقد خرجت وما أكلمها قال أدركها قبل أن تمضي أربعة أشهر فإن مضت فهي تطليقة
قوله : " وحرم " في الصحيحين أن الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه هو العسل وقيل تحريم مارية وسيأتي
وروى ابن مردويه من طريق عائشة ما يفيد الجمع بين الروايتين وهكذا الخلاف في تفسير قوله تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } الآية
ومدة ايلائه صلى الله عليه وآله وسلم من نسائه شهر كما ثبت في صحيح البخاري . واختلف في سبب الإيلاء فقيل سببه الحديث الذي أفشته حفصة كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس واختلف أيضا في ذلك الحديث الذي أفشته وقد وردت في بيانه روايات مختلفة وقد اختلف في مقدار مدة الإيلاء فذهب الجمهور إلى أنها أربعة أشهر فصاعدا قالوا فإن حلف على أنقص منها لم يكن موليا
وقال إسحاق إن حلف أن لا يطأها يوما فصاعدا ثم لم يطأها حتى مضت أربعة أشهر فصاعدا كان ايلاء وجاء عن بعض التابعين مثله . وحكى صاحب البحر عن ابن مسعود وابن سيرين وابن أبي ليلى وقتادة والحسن البصري والنخعي وحماد بن عيينة أنهينعقد بدون أربعة أشهر لأن القصد مضارة الزوجة وهي حاصلة في دونها ( واحتج الأولون ) بقوله تعالى { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } وأجاب الأخرون عنها بأن المراد بها المدة التي تضرب للمولي فإن فاء بعدها وإلا طلق حتما لا أنه لا يصح الإيلاء بدون هذه المدة . ويؤيد ما قالوه ما تقدم من ايلائه صلى الله عليه وآله وسلم من نسائه شهرا فإنه لو كان ما في القرآن بيانا لمقدار المدة التي لا يجوز الإيلاء بدونها لم يقم منه صلى الله عليه وآله وسلم ذلك . وأيضا الاصل أن من حلف على شيء لزمه حكم اليمين فالحالف من وطء زوجته يوما أو يومين موال
وأخرج عبد الرزاق عن عطاء أن الرجل إذا حلف أن لا يقرب امرأته سمى أجلا أو لم يسمه فإن مضت أربعة أشهر ألزم حكم الإيلاء وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن البصري أنه إذا قال لامرأته والله لا أقربها الليلة فتركها أربعة أشهر من أجل يمينه تلك فهو ايلاء
وأخرج الطبراني والبيهقي من حديث ابن عباس قال كان ايلاء الجاهلية السنة والسنتين فوقت الله لهم أربعة أشهر فمن كان ايلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بايلاء
قوله : " فإما أن يفيء " الفيء الرجوع قاله أبو عبيدة وإبراهيم النخعي في رواية الطبري عنه قال الفيء الرجوع باللسان . ومثله عن أبي قلابة وعن سعيد بن المسيب والحسن وعكرمة الفيء الرجوع بالقلب لمن به مانع عن الجماع وفي غيره بالجماع . وحكى ذلك في البحر عن العترة والفريقين . وحكاه صاحب الفتح عن أصحاب ابن مسعود . وعن ابن عباس الفيء الجماع . وحكي مثله عن مسروق وسعيد بن جبير والشعبي
قال الطبري اختلافهم في هذا من اختلافهم في تعريف الإيلاء فمن خصه بترك الجماع قال لا يفيء إلا بفعل الجماع ومن قال الإيلاء الحلف على ترك كلام المرأة أو على أن يغيظها أو يسوءها أو نحو ذلك لم يشترط في الفيء الجماع بل رجوعه بفعل ما حلف أنه لا يفعله
قال في البحر فرع ولفظ الفيء ندمت على يميني ولو قدرت الآن لفعلت أو رجعت عن يميني ونحوه انتهى
وقد ذهب الجمهور إلى أن الزوج لا يطالب بالفيء قبل مضي الأربعة أشهر
وقال ابن مسعود " زيد ابن ثابت وابن أبي ليلى والثوري وأبو حنيفة إنه يطالب فيها لقراءة ابن مسعود { فإن فاؤوا فيها } قالوا وإذا جاز الفيء جاز الطلب إذ هو تابع ويجاب بمنع الملازمة وبنص { للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر } فإن الله سبحانه شرع التربص هذه فلا يجوز مطالبة الزوج قبلها واختياره للفيء قبلها إبطال لحقه من جهة نفسه فلا يبطل بابطال غيره . وذهب الجمهور إلى أن الطلاق الواقع من الزوج في الإيلاء يكون رجعيا وهكذا عند من قال إن مضي المدة يكون طلاقا وإن لم يطلق
وقد أخرج الطبري عن علي وابن مسعود وزيد بن ثابت أنها إذا مضت أربعة أشهر ولم يفيء طلقت طلقة بائنة
وأخرج أيضا عن جماعة من التابعين من الكوفيين وغيرهم كابن الحنفية وقبيصة بن ذؤئب وعطاء والحسن وابن سيرين مثله
وأخرج أيضا من طريق سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وربيعة ومكحول والزهري والاوزاعي أنها تطلق طلقة رجعية
وأخرج سعيد بن منصور عن جابر بن زيد أنها تطلق بائنا
وروى إسماعيل القاضي في أحكام القرآن بسند صحيح عن ابن عباس مثله وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله

( كتاب الظهار )

1 - عن سلمة بن صخر قال " كنت امرأ قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقا من أن أصيب في ليلتي شيئا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار وأنا لا أقدر أن أنزع فبينا هي تخدمني من الليل إذ تكشف إلي منها شيء فوثبت عليها فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري وقلت لهم انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بأمري فقالوا والله لا نفعل نتخوف أن ينزل فينا قرآن أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالة يبقى علينا عارها ولكن اذهب أنت واصنع ما بدا لك فخرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته خبري فقال لي أنت بذاك فقلت أنا بذاك فقال أنت بذاك قلت أنا بذاك فقال أنت بذاك قلت نعم ها أنا ذا فأمض في حكم الله عز و جل فأنا صابر له قال أعتق رقبة فضربت صفحة رقبتي بيدي وقلت لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها قال فصم شهرين متتابعين قال قلت يا رسول الله وهل أصابني ما أصابني إلا في الصوم قال فتصدق قال قلت والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا وحشا ما لنا عشاء قال اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق فقل له فليدعها إليك فأطعم عنك منها وسقا من تمر ستين مسكينا ثم استعن بسائره عليك وعلى عيالك قال فرجعت إلى قومي فقلت وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السعة والبركة وقد أمر لي بصدقتكم فادفعوها إلي قال فدفعوها إلي "
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن

- الحديث أخرجه أيضا الحاكم وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وقد أعله عبد الحق بالانقطاع وأن سليمان بن يسار لم يدرك سلمة
وقد حكى ذلك الترمذي عن البخاري وفي إسناده أيضا محمد بن إسحاق
قوله : " ظاهرت من امرأتي " الظهار بكسر الظاء المعجمة اشتقاقه من الظهر وهو قول الرجل لامرأته أنت علي كظهر أمي
قال في الفتح وإنما خص الظهر بذلك دون سائر الأعضاء لأنه محل الركوب غالبا ولذلك سمي المركوب ظهرا فشبهت الزوجة بذلك لأنها مركوب الرجل
وقد ذهب الجمهور إلى أن الظهار يختص بالأم كما ورد في القرآن
وفي حديث خولة التي ظاهر منها أوس فلو قال كظهر أختي لم يكن ظهارا وكذا لو قال كظهر أبي وفي رواية عن أحمد أنه ظهار وطرده في كل من يحرم عليه وطؤه حتى في البهيمة . وحكي في البحر عن أبي حنيفة وأصحابه والاوزاعي والثوري والحسن بن صالح وزيد بن علي والناصر والإمام يحيى والشافعي في أحد قوليه إنه يقاس المحارم على الأم ولو من رضاع إذ العلة التحريم المؤبد . وعن ابن القاسم من أصحاب الشافعي ولو من الرجال . وعن مالك وأحمد والبتي وغير المؤبد فيصح بالأجنبيات
قوله : " فرقا " بفتح الفاء والراء
قوله : " فأتتابع " بتاءين فوقيتين وبعد الألف ياء وهو الوقوع في الشر
قوله : " فقال لي أنت بذاك " لعل هذا التكرير للمبالغة في الزجر لا إنه شرط في إقرار المظاهر ومن ههنا يلوح أن مجرد الفعل لا يصح الاستدلالبه على الشرطية كما سيأتي في الإقرار بالزنا
قوله : " أعتق رقبة " ظاهره عدم اعتبار كونها مؤمنة وبه قال عطاء والنخعي وزيد بن علي وأبو حنيفة وأبو يوسف وقال مالك والشافعي وأكثر العترة لا يجوز ولا يجزئ اعتاق الكافر لأن هذا مطلق مقيد بما في كفارة القتل من اشتراط الإيمان . وأجيب بأن تقييد حكم بما في حكم آخر مخالف له لا يصح وتحقيق الحق في ذلك محرر في الأصول ولكنه يؤيد اعتبار الاسلام حديث معاوية بن الحكم السلمي فإنه لما سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن اعتاق جاريته عن الرقبة التي عليه قال لها أين الله فقالت في السماء فقال من أنا فقالت رسول الله قال فأعتقها فإنها مؤمنة ولك يستفصله عن الرقبة التي عليه وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل بمنزلة العموم في المقال وظاهر إطلاق الرقبة أنها تجزئ المعيبة وقد حكاه في البحر عن أكثر العترة وداود وحكى عن المرتضى والفريقين ومالك أنها لا تجزي . قوله " فصم شهرين " ظاهره أن حكم العبد حكم الحر في ذلك وقد نقل ابن بطال الاجماع على أن العبد إذا ظاهر لزمه وأن كفارته بالصيام شهران كالحر واختلفوا في الاطعام والعتق فقال الكوفيون والشافعي والهادوية لا يجزيه إلا الصيام فقط وقال ابن القاسم عن مالك إذا أطعم بإذن مولاه أجزأه قال وما ادعاه ابن بطال من الاجماع مردود فقد نقل الشيخ الموفق في المغني عن بعضهم أنه لا يصح ظهار العبد لأن الله تعالى قال فتحرير رقبة والعبد لا يملك الرقاب وتعقب بأن تحرير الرقبة إنما هو على من يجدها كالمعسر ففرضه الصيام
وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن إبراهيم أنه لو صام العبد شهرا أجزأ عنه
قوله : " وحشا " لفظ أبي داود وحشين قال في النهاية يقال رجل وحش بالسكون إذا كان جائعا لا طعام له وقد أوحش إذا جاع
قوله : " بني زريق " بتقديم الزاي على الراء قوله " ستين مسكينا " فيه دليل على أنه يجزى من لم يجد رقبة ولم يقدر على الصيام لعلة أن يطعم ستين مسكينا وقد حكى صاحب البحر الاجماع على ذلك وحكى أيضا الاجماع على أن الكفارة في الظهار واجبة على الترتيب وظاهر الحديث أنه لا بد من اطعام ستين مسكينا ولا يجزي اطعام دونهم وإليه ذهب الشافعي ومالك والهادوية وقال زيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه والناصر أنه يجزى اطعام واحد ستين يوما
قوله : " فأطعم عنك منها وسقا " في رواية " فأطعم عرقا من تمر ستين مسكينا " وسيأتي الاختلاف في العرق في حديث خولة
وقد أخذ بظاهر حديث الباب الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والهادوية والمؤيد بالله فقالوا الواجب لكل مسكين صاع من تمر أو ذرة أو شعير أو زبيب أو نصف صاع من بر وقال الشافعي وهو مروي عن أبي حنيفة أيضا أن الواجب لكل مسكين مد وقد تمسكوا بالروايات التي فيها ذكر العرق وتقديره بخمسة عشر صاعا وسيأتي واختلفت الرواية عن مالك وظاهر الحديث أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن جميع أنواعها لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعانه بما يكفر به بعد أن أخبره أنه لا يجد رقبة ولا يتمكن من اطعام ولا يطيق الصوم وإليه ذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه وذهب قوم إلى السقوط وذهب آخرون إلى التفصيل فقالوا تسقط كفارة صوم رمضان لا غيرها من الكفارات

2 - وعن سلمة بن صخر " عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المظاهر يواقع قبل أن يكفر قال كفارة واحدة "
- رواه ابن ماجه والترمذي

3 - وعن أبي سلمة عن سلمة بن صخر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه أعطاه مكتلا فيه خمسة عشر صاعا فقال أطعمه ستين مسكينا وذلك لكل مسكين مد "
- رواه الدارقطني والترمذي معناه

4 - وعن عكرمة عن ابن عباس " أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر فقال ما حملك على ذلك يرحمك الله قالت رأيت خلخالها في ضوء القمر قال فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله "
- رواه الخمسة لإلا أحمد وصححه الترمذي وهو حجة في تحريم الوطء قبل التكفير بالاطعام وغيره . ورواه أيضا النسائي عن عكرمة مرسلا وقال فيه " فاعتزلها حتى تقضي ما عليك " وهو حجة في ثبوت كفارة الظهار في الذمة

- حديث سلمة الأول حسنه الترمذي . وحديث الثاني أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن أن سلمة بن صخر البياضي الحديث . وحديث ابن عباس أخرجه أيضا الحاكم وصححه قال الحافظ ورجاله ثقات لكن أعله أبو حاتم والنسائي بالإرسال
وقال ابن حزم رواته ثقات ولا يضره إرسال من أرسله وأخرج البزار شاهدا له من طريق خصيف عن عطاء عن ابن عباس " أن رجلا قال يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فرأيت ساقها في القمر فواقعتها قبل أن أكفر فقال كفر ولا تعد " وقد بالغ أبو بكر بن العربي فقال ليس في الظهار حديث صحيح . قوله " قال كفارة واحدة " قال الترمذي والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وقال بعضهم إذا واقعها قبل أن يكفر فعليه كفارتان وهو قول عبد الرحمن بن مهدي
قوله : " فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله " فيه دليل على أنه يحرم على الزوج الوطء قبل التكفير وهو الإجماع وأن الكفارة واجبة عليه لا تسقط بالوطء قبل إخراجها
وروى سعيد بن منصور عن الحسن وإبراهيم أنه يجب على من وطئ قبل التكفير ثلاث كفارات وذهب الزهري وسعيد بن جبير وأبو سف إلى سقوط الكفارة بالوطء وروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه يجب عليه كفارتان وهو قول عبد الرحمن بن مهدي كما سلف وذهب الجمهور إلى أن الواجب كفارة واحدة مطلقا وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم كما تقدم ( واختلف ) في مقدمات الوطء هل تحرم مثل الوطء إذا أراد أن يفعل شيئا منها قبل التكفير أم لا فذهب الثوري والشافعي في أحد قوليه إلى أن المحرم هو الوطء وحده لا المقدمات وذهب الجمهور إلى أنها تحرم كما يحرم الوطء واستدلوا بقوله تعالى { من قبل أن يتماسا } وهو يصدق على الوطء ومقدماته وأجاب من قال بأن حكم المقدمات مخالف لحكم الوطء بأن المسيس كناية عن الجماع وقد قدمنا الكلام على ذلك في أبواب الوضوء واعلم أنها تجب الكفارة بعد العود إجماعا لقوله تعالى { ثم يعودون لما قالوا } واختلفوا هل العدة في وجوبها العود أو الظهار فذهب إلى الأول ابن عباس وقتادة والحسن وأبو حنيفة وأصحابه والعترة وذهب إلى الثاني مجاهد والثوري وقال الزهري وطاوس ومالك وأحمد بن حنبل وداود والشافعي بل العلة مجموعهما وقال الإمام يحيى إن العود شرط كالإحصان مع الزنا واختلفوا في العود ما هو فقال قتادة وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وأصحابه والعترة إنه أراد المس لما حرم بالظهار لأنه إذا أراد فقد عاد عن عزم الترك إلى عزم الفعل سواء فعل أم لا وقال الشافعي بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الطلاق ولم يطلق إذ تشبيهها بالأم يقتضي إبانتها وإمساكها نقيضه وقال مالك وأحمد بل هو العزم على الوطء فقط وإن لم يطأ وقال الحسن البصري وطاوس والزهري بل هو الوطء نفسه وقال داود وشعبة با إعادة لفظ الظهار

5 - وعن خولة بنت مالك بن ثعلبة " قالت ظاهر مني أوس بن الصامت فجئت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشكو إليه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يجادلني فيه ويقول اتقي الله فلإنه ابن عمك فما برح حتى نزل القرآن قد سمع الله التي تجادلك في زوجها إلى الفرض فقال يعتق رقبة قالت لا يجد قال فيصوم شهرين متتابعين قالت قالت يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام قال فليطعم ستين مسكينا قالت ما عنده من شيء يتصدق به قال فأتي ساعئذ بعرق من تمر قالت يا رسول فإني سأعينه بعرق آخر قال قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينا وارجعي إلى ابن عمك والعرق ستون صاعا "
- رواه أبو داود ولأحمد معناه لكنه لم يذكر قدر العرق وقال فيه فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر " ولأبي داود في رواية أخرى " والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا " وقال هذا أصح . وله عن عطاء عن أوس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطاه خمسة عشر صاعا من شعير اطعام ستين مسكينا " وهذا مرسل قال أبو داود عطاء لم يدرك أوسا

- حديث خولة سكت عنه أبو داود والمنذري وفي اسناده محمد بن إسحاق وسيأتي تمام الكلام على الاسناد
وأخرج ابن ماجه والحاكم نحوه من حديث عائشة " قالت تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفى علي بعضه وهي تشتكي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فذكرت الحديث وأصله في البخاري من هذا الوجه لإلا أنه لم يسمها
وأخرج أيضا أبو داود والحاكم عن عائشة من وجه آخر قالت كانت جميلة امرأة أوس بن الصامت وكان امرأ به لمم فإذا اشتد لممه ظاهر من امرأته . وحديث أوس أعله أبو داود بالإرسال كما ذكر المصنف
قوله : " خولة بنت مالك " وقع في تفسير أبي حاتم خولة بنت الصامت قال الحافظ وهو وهم والصواب زوج ابن الصامت ورجح غير واحد أنها خولة بنت الصامت بن ثعلبة وروى الطبراني في الكبير والبيهقي من حديث ابن عباس أن المرأة خولة بنت خويلد وفي اسناده أبو حمزة اليماني وهو ضعيف وقال يوسف بن عبد الله بن سلام أنها خويلد وروى أنها بنت دليح كذا في الكاشف
وفي رواية عائشة المتقدمة أنها جميلة
قوله : " والعرق ستون صاعا " هذه الرواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة قال الذهبي لا يعرف ووثقه ابن حبان وفيها أيضا محمد بن إسحاق وقد عنعن والمشهور عرفا أن العرق يسع خمسة عشر صاعا كما روى ذلك الترمذي باسناد صحيح من حديث سلمة نفسه والكلام على ما يتعلق بحديث خولة من الفقه قد تقدم

( باب من حرم زوجته أو أمته )

1 - عن ابن عباس قال " إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها وقال لقد لكم في رسول الله أسوة حسنة "
- متفق عليه
وفي لفظ " أنه أتاه رجل فقال إني جعلت امرأتي علي حراما فقال كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك عليك أغلظ الكفارة عتق رقبة " . رواه النسائي

2 - وعن ثابت عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت له أمة يطؤهافلم تزل به وعائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه فأنزل الله عز و جل يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك " إلى آخر الآية
- رواه النسائي

- الرواية الثانية من حديث ابن عباس أخرجها ابن مردويه من طريق سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عنه . وحديث أنس قال الحافظ سنده صحيح وهو أصح طرق سبب نزول الآية وله شاهد مرسل عند الطبراني بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي المشهور قال أصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أم إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه فقالت يا رسول الله في بيتي وعلى فراشي فجعلها عليه حراما فقالت يا رسول الله كيف تحرم على نفسك الحلال فحلف لها بالله لا يصيبها فنزلت يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ( وفي الباب ) عن عائشة عند الترمذي وابن ماجه بسند رجاله ثقات قالت آلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحرم فجعل الحرام حلالا وجعل في اليمين كفارة وقد تقدم في كتاب الإيلاء . وعن ابن عباس غير حديث الباب عند البيهقي بسند صحيح عن يوسف بن ماهك أن أعرابيا أتى ابن عباس فقال إني جعلت امرأتي حراما قال ليست عليك بحرام قال أرايت قول الله تعالى كل الطعام كان حلا لبني اسرائيل إلا ما حرم اسرائيل على نفسه الآية فقال ابن عباس أن اسرائيل كان به عرق الانسي فجعل على نفسه إن شفاه الله أن لا يأكل العروق من كل شيء وليست بحرام يعني على هذه الأمة ( وقد اختلف ) العلماء فيمن حرم على نفسه شيئا فإن كان الزوجة فقد اختلف فيه أيضا على أقوال بلغها القرطبي المفسر إلى ثمانية عشر قولا
قال الحافظ وزاد غيره عليها وفي مذهب مالك فيها تفاصيل يطول استيفاؤها قال القرطبي قال بعض علمائنا سبب الاختلاف أنه لم يقع في القرآن صريحا ولا في السنة نص ظاهر صحيح يعتمد عليه في حكم هذه المسألة فتجاذبها العلماء فمن تمسك بالبراءة قال لا يلزمه شيء ومن قال إنها يمين أخذ بظاهر قوله تعالى { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } بعد قوله { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } ومن قال تجب الكفارة وليست بيمين بناء على أن معناه معنى اليمين فوقعت الكفارة على المعنى ومن قال يقع به طلقة رجعية حمل اللفظ على أقل وجوهه الظاهرة وأقل ما تحرم به المرأة طلقة ما لم يرتجعها ومن قال بائنة فلاستمرار التحريم بها ما لم يجدد العقد ومن قال ثلاثا حمل اللفظ على منتهى وجوهه ومن قال ظهار نظر إلى معنى التحريم وقطع النظر عن الطلاق فانحصر الأمر عنده في الظهار انتهى . ومن المطولين للبحث في هذه المسألة الحافظ ابن القيم فإنه تكلم عليها في الهدى كلاما طويلا وذكر ثلاثة عشر مذهبا أصولا تفرعت لإلى عشرين مذهبا وذكر في كتابه المعروف باعلام الموقعين خمسة عشر مذهبا وسنذكر ذلك على طريق الاختصار ونزيد عليه فوائد . المذهب الأول أن قول القائل لامرأته أنت علي حرام لغو وباطل لا يترتب عليه شيء وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس وبه قال مسروق وأبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي وداود وجميع أهل الظاهر وأكثر أصحاب الحديث وهو أحد قولي المالكية واختار أصبغ بن الفرج منهم واستدلوا بقوله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } وبقوله تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } وسبب نزول هذه الآية ما تقدم وبالحديث الصحيح وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " وقد تقدم في كتاب الصلاة . القول الثاني أنها ثلاث تطليقات وهو قول أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وزيد بن ثابت وابن عمر والحسن البصري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى وحكاه في البحر عن أبي هريرة واعترض ابن القيم الرواية عن زيد بن ثابت وابن عمر وقال الثابت عنهما مارواه ابن حزم أنهما قالا عليه كفارة يمين ولم يصح عنهما خلاف ذلك
وروى ابن حزم عن علي عليه السلام الوقف في ذلك . وعن الحسن أنه قال إنه يمين واحتج أهل هذا القول بأنها لا تحرم عليه إلا بالثلاث فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حراما . الثالث أنها بهذا القول حرام عليه قال ابن حزم وابن القيم في اعلام الموقعين صح عن أبي هريرة والحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد وقتادة قال لم يذكر هؤلاء طلاقا بل أسروه باجتنابها فقط قال وصح أيضا عن علي عليه السلام فإما أن يكون عنه روايتان أو يكون أراد تحريم الثلاث وحجة هذا القول أن لفظه إنما اقتضى التحريم ولم يتعرض لعدد الطلاق فحرمت عليه بمقتضى تحريمه . الرابع الوقف فيها قال ابن القيم صح ذلك عن علي عليه السلام وهو قول الشعبي وحجة هذا القول أن التحريم ليس بطلاق والزوج لا يملك تحريم الحلال إنما يملك السبب الذي تحرم به وهو الطلاق وهذا ليس بصريح في الطلاق ولا هو مما له عرف الشرع في تحريم الزوجة فاشتبه الأمر فيه . الخامس إن نوى به الطلاق فهو طلاق وإن لم ينوه كان يمينا وهو قول طاوس والزهري والشافعي ورواية عن الحسن وحكاه أيضا في الفتح عن النخعي وإسحاق وابن مسعود وابن عمر وحجة هذا القول أنه كناية في الطلاق فإن نواه كان طلاقا وإن لم ينوه كان يمينا لقوله تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } إلى قوله { تحلة أيمانكم } . السادس أنه إن نوى الثلاث فثلاث وإن نوى واحدة فواحدة بائنة وإن نوى يمينا فهو يمين وإن لم ينو شيئا فهو كذبة لا شيء فيها قاله سفيان وحكاه النخعي عن أصحابه وحجة هذا القول أن اللفظ محتمل لما نواه من ذلك فتتبع نيته . السابع مثل هذا إلا أنه إذا لم ينو شيئا فهو يمين يكفرها وهو قول الاوزاعي وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى { قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم } فإذا نوى به الطلاق لم يكن يمينا فإذا أطلق ولم ينو شيئا كان يمينا
الثامن مثل هذا أيضا إلا أنه إن لم ينو شيئا فواحدة بائنا إعمالا للفظ التحريم هكذا في اعلام الموقعين ولم يحكه عن أحد وقد حكاه ابن حزم عن إبراهيم النخعي . التاسع إن فيه كفارة ظهار قال ابن القيم صح عن ابن عباس وأبي قلابة وسعيد بن جبير ووهب بن منبه وعثمان البتي وهو إحدى الروايات عن أحمد . وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل التشبيه بمن تحرم عليه ظهارا فالتصريح منه بالتحريم أولى قال ابن القيم وهذا أقيس الأقوال ويؤيده أن الله تعالى لم يجعل للمكلف التحليل والتحريم وإنما ذلك إليه تعالى وإنما جعل له مباشرة الأقوال والأفعال التي يترتب عليها التحريم فإذا قال أنت علي كظهر أمي أو أنت علي حرام فقد قال المنكر من القول والزور وكذب على الله تعالى فإنه لم يجعلها عليه كظهر أمه ولا جعلها عليه حراما فقد أوجب بهذا القول المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفارة الظهار . العاشر أنها تطليقة واحدة وهو إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم بالثلاث بل يصدق بأقله والواحدة متيقنة فحمل اللفظ عليها . الحادي عشر أنه ينوي ما أراد من ذلك في إرادة أهل الطلاق وعدده وإن نوى تحريما بغير طلاق فيمين مكفرة
قال ابن القيم وهو قول الشافعي وحجة هذا القول أن اللفظ مباح لذلك كله فلا يتعين واحدة منها إلا بالنية وقد تقدم أن مذهب الشافعي هو القول الخامس وهو الذي حكاه عنه في فتح الباري بل حكاه عنه ابن القيم نفسه . الثاني عشر إنه ينوي أيضا ما شاء من عدد الطلاق إلا أنه إذا نوى واحدة كانت بائنة وإن لم ينو شيئا فإيلاء وإن نوى الكذب فليس بشيء وهو قول أبي حنيفة وأصحابه هكذا قال ابن القيم
وفي الفتح عن الحنفية أنه إذا نوى اثنتين فهي واحدة بائنة وإن لم ينو طلاقا فهو يمين ويصير موليا وفي رواية عن أبي حنيفة أنه إذا نوى الكذب دين ولم يقبل في الحكم ولا يكون مظاهرا عنده نواه أو لم ينوه ولو صرح به فقال أعني به الظهار لم يكن مظاهرا وحجة هذا القول اختمال اللفظ . الثالث عشر إنه يمين يكفره ما يكفر اليمين على كل حال قال ابن القيم صح ذلك عن أبي بكر وعمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وزيد بن ثابت وابن مسعود وعبد الله بن عمر وعكرمة وعطاء وقتادة والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وسعيد بن جبير ونافع والأوزاعي وأبي ثور وخلق سواهم وحجة هذا القول ظاهر القرآن فإن الله ذكر فرض تحلة الأيمان عقب تحريم الحلال فلابد أن يتناوله يقينا الرابع عشر إنه يمين مغلظة يتعين بها عتق رقبة قال ابن القيم صح أيضا عن ابن عباس وأبي بكر وعمر وابن مسعود وجماعة من التابعين وحجة هذا القول إنه لما كان يمينا مغلظة غلظت كفارتها . الخامس عشر أنه طلاق ثم إنها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة فما فوقها وإن كانت مدخولا بها فهو ثلاث وإن نوى أقل منها وهو إحدى الروايتين عن مالك ورواه في نهاية المجتهد عن علي وزيد بن ثابت وحجة هذا القول أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يترتب عليه حكمه وغير المدخول بها تحريم بواحدة والمدخول بها لا تحرم إلا بالثلاث ( واعلم ) أنه قد رجح المذهب الأول من هذه المذاهب جماعة من العلماء المتأخرين وهذا المذهب هو الراجح عندي إذا أراد تحريم العين وأما إذا أراد به الطلاق فليس في الأدلة ما يدل على امتناع وقوعه به أما قوله تعالى { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام } وكذلك قوله تعالى { يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك } فنحن نقول بموجب ذلك فمن أراد تحريم عين زوجته لم تحرم وأما من أراد طلاقها بذلك اللفظ فليس في الأدلة ما يدل على اختصاص الطلاق بألفاظ مخصوصة وعدم جوازه بما سواها وليس في قوله تعالى { فإن طلقها فلا تحل له من بعد } ما يقضي بانحصار الفرقة في لفظ الطلاق وقد ورد الأدن بما عداه من ألفاظ الفرقة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم لابنة الجون " الحقي بأهلك " قال ابن القيم وقد أوقع الصحابة الطلاق بأنت حرام وأمرك بيدك واختاري ووهبتك لأهلك وأنت خلية وقد خلوت مني وأنت برية وقد أبرأتك وأنت مبرأة وحبلك على غاربك انتهى . وأيضا قال الله تعالى { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } وظاهره أنه لو قال سرحتك لكفى في إفادة معنى الطلاق وقد ذهب أهل العلم إلى جواز التجوز لعلاقة مع قرينة في جميع الألفاظ إلا ما خص فما الدليل على امتناعه في باب الطلاق وأما إذا حرم الرجل على نفسه شيئا غير زوجته كالطعام والشراب فظاهر الأدلة أنه لا يحرم عليه شيء من ذلك لأن الله لم يجعل إليه تحريما ولا تحليلا فيكون التحريم الواقع منه لغوا وقد ذهب إلى مثل هذا الشافعي وروى عن أحمد أن عليه كفارة يمين

( كتاب اللعان )

1 - عن نافع عن ابن عمر " أن رجلا لاعن امرأته وانتفى من ولدها ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما وألحق الولد بالمرأة "
- رواه الجماعة

2 - وعن سعيد بن جبير " أنه قال لعبد الله بن عمر يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرق بينهما قال سبحان الله إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان قال يا رسول الله أرايت لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع إن تكلم كلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك قال فسكت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يجبه فلما كان بعد ذلك أتاه فقال إن الذي سألتك عنه ابتليت به فأنزل الله عز و جل هؤلاء الآيات في سورة النور والذين يرمون أزواجهم ولم يكن شهداء فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها ثم دعاها فوعظها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم فرق بينهما "

2 - وعن ابن عمر قال " فرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين أخوي عجلان وقال الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما من تائب ثلاثا "
- متفق عليه

3 - وعن سهل بن سعد أن عويمر العجلاني أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله أرايت رجلا وجد مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم ماذا يفعل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد نزل فيك وفي صاحبتك فاذهب فأت بها قال سهل فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما فرغ قال عويمر كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ابن شهاب فكانت سنة المتلاعنين "
- رواه الجماعة إلا الترمذي
وفي رواية متفق عليها " فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذاكم التفريق بين كل متلاعنين " وفي لفظ لأحمد ومسلم " وكان فراقه إياها سنة في المتلاعنين "

- قوله " لاعن امرأته " قال في الفتح اللعان مأخوذ من اللعن لأن الملاعن يقول في الخامسة لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين واختير لفظ اللعن دون الغضب في التسمية لأنه قول الرجل وهو الذي بدئ به في الآية وهو أيضا يبدأ به وقيل سمى لعانا لأن اللعن الطرد والإبعاد وهو مشترك بينهما وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها ثم قال وأجمعوا على أن اللعان مشروع وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقق واختلف في وجوبه على الزوج وظاهر أحاديث الباب أن اللعان إنما يشرع بين الزوجين وكذلك قوله تعالى { والذين يرمون أزواجهم } الآية فلو قال أجنبي لأجنبية يا زانية وجب عليه حد القذف قوله " ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما " استدل به من قال إن الفرقة بين المتلاعنين لا تقع بنفس اللعان حتى يوقعها الحاكم وأجاب من قال إن الفرقة تقع بنفس اللعان إن ذلك بيان حكم لا إيقاع فرقة واحتجوا بما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم في رواية بلفظ " لا سبيل لك عليها " وتعقب بأن الذي وقع جواب لسؤال الرجل عن ماله الذي أخذته منه وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ وهو نكرة في سياق النفي فيشمل المال والبدن ويقتضي نفي تسلطه عليها بوجه من الوجوه ووقع في حديث لأبي داود عن ابن عباس " وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق ولا متوفى عنها " وهو ظاهر في أن الفرقة وقعت بينهما بنفس اللعان وسيأتي تمام الكلام في الفرقة في الباب الذي بعد هذا
قوله : " وألحق الولد بالمرأة " قال الدارقطني تفرد مالك بهذه الزيادة وقال ابن عبد البر ذكروا أن مالكا تفرد بهذه اللفظة وقد جاءت من أوجه أخر وقد جاءت في حديث سهل بن سعد عند أبي داود بلفظ " فكان الولد ينسب إلى أمه " ومن رواية أخرى " وكان الولد يدعى إلى أمه " ومعنى قوله ألحق الولد بأمه أي صيره لها وحدها ونفاه عن الزوج فلا توارث بينهما وأما الأم فترث منه ما فرض الله لها
وقد وقع في رواية من حديث سهل بن سعد بلفظ " وكان ابنها يدعى لأمه " ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترثه ويرث منها ما فرض الله لهما وقيل معنى إلحاقه بأمه أنه صيرها له أبا وأما فترث جميع ماله إذا لم يكن له وارث آخر من ولد ونحوه وهو قول ابن مسعود ومائلة ؟ وطائفة ورواية عن أحمد وروى أيضا عن ابن القاسم وقيل إن عصبة أمه تصير عصبة له وهو قول علي وابن عمر وهو المشهور عن أحمد وبه قالت الهادوية وقيل ترثه أمه وأخته منها بالفرض والرد وهو قول أبي عبيد ومحمد بن الحسن ورواية عن أحمد قال فإن لم يرثه ذو فرض بحال فعصبته عصبة أمه واستدل بحديث ابن عمر المذكور على مشروعية اللعان لنفي الولد
وعن أحمد ينتفي الولد بمجرد اللعان وإن لم يتعرض الرجل لذكره في اللعان
قال الحافظ وفيه نظر لأنه لو استلحقه لحقه وإنما يؤثر اللعان دفع حد القذف عنه وثبوت زنا المرأة
وقال الشافعي إن نفى الولد في الملاعنة انتفى وإن لم يتعرض له فله أن يعيد اللعان لانتفائه ولا إعادة على المرأة وإن أمكنه الرفع إلى الحاكم فأخر بغير عذر وحتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في الشفعة واستدل به أيضا على أنه لا يشترط في نفي الولد التصريح بأنها ولدته من زنا ولا بأنه استبرأها بحيضة وعن المالكية يشترط ذلك
قوله : " أرايت لو وجد أحدنا " أي أخبرني عن حكم من وقع له ذلك
قوله : " على فاحشة " اختلف العلماء فيمن وجد مع امرأته رجلا وتحقق وجود الفاحشة منهما فقتله هل يقتل به أم لا فمنع الجمهور الإقدام وقالوا يقتص منه إلا أن يأتي ببينة الزنا أو يعترف المقتول بذلك بشرط أن يكون محصنا وقيل بل يقتل به لأنه ليس له أن يقيم الحد بغير أذن الإمام وقال بعض السلف لا يقتل أصلا ويعذر فيما فعله إذا ظهرت أمارات صدقه وشرط أحمد وإسحاق ومن تبعهما أن يأتي بشاهدين أنه قتله بسبب ذلك ووافقهم ابن القاسم وابن حبيب من المالكية لكن زاد أن يكون المقتول قد أحصن وعند الهادوية أنه يجوز للرجل أن يقتل من وجده مع زوجته وأمته وولده حال الفعل وأما بعده فيقاد به إن كان بكرا
قوله : " ووعظه وذكره " فيه دليل على أنه يشرع للإمام موعظة المتلاعنين قبل اللعان تحذيرا لهما من الوقوع في المعصية
قوله : " فبدأ بالرجل " فيه دليل على أنه يبدأ الإمام في اللعان بالرجل وقد حكى الإمام المهدي في البحر الإجماع على أن السنة تقديم الزوج واختلف في الوجوب فذهب الشافعي ومن تبعه وأشهب من المالكية ورجحه ابن العربي إلى أنه واجب وهو قول المؤيد بالله وأبي طالب وأبي العباس والإمام يحيى . وذهبت الحنفية ومالك وابن القاسم إلى أنه لو وقع الابتداء بالمرأة صح واعتد به واحتجوا بأن الله تعالى عطف في القرآن بالواو وهو لا يقتضي الترتيب ( واحتج الأولون ) أيضا بأن اللعان يشرع لدفع الحد عن الرجل ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم لهلال " البينة وإلا حد في ظهرك " وسيأتي فلو بدأ بالمرأة لكان دفعا لأمر لم يثبت
قوله : " بين أخوي بني عجلان " بفتح العين المهملة وسكون الجيم وهو ابن حارثة بن ضبعة من بني بكر ابن عمرو والمراد بقوله أخوي الرجل وامرأته واسم الرجل عويمر كما في الرواية المذكورة واسم المرأة خولة بنت عاصم بن عدي العجلاني قاله ابن منده في كتاب الصحابة وأبو نعيم وحكى القرطبي عن مقاتل بن سليمان أنها خولة بنت قيس وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم المذكور والرجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شريك بن سحماء بن عم عويمر وفي صحيح مسلم من حديث أنس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا البراء بن مالك لأمه وسيأتي وكان أول رجل لاعن في الإسلام
قال النووي في شرح مسلم السبب في نزول آية اللعان قصة عويمر العجلاني واستدل على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم له " قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك قرآنا " وقال الجمهور السبب قصة هلال بن أمية لما تقدم من أنه كان أول من لاعن في الإسلام وقد حكى أيضا الماوردي عن الأكثر من أن قصة هلال أسبق نت قصة عويمر
وقال الخطيب والنووي وتبعهما الحافظ يحتمل أن يكون هلال سأل أولا ثم سأل عويمر فنزلت في شأنهما معا
وقال ابن الصباغ في الشامل قصة هلال بن أمية نزلت فيها الآية وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم لعويمر " إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك " فمعناه ما نزل في قصة هلال لأن ذلك حكم عام لجميع الناس واختلف في الوقت الذي وقع فيه اللعان فجزم الطبري وأبو حاتم وابن حبان أنه كان في شهر شعبان سنة تسع وقيل كان في السنة التي توفي فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما وقع في البخاري عن سهل بن سعد أنه شهد قصة المتلاعنين وهو ابن خمس عشرة سنة وقد ثبت عنه أنه قال توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ابن خمس عشرة سنة وقيل كانت القصة في سنة عشر ووفاته صلى الله عليه وآله وسلم في سنة إحدى عشرة قوله " فطلقها ثلاثا " وفي رواية أنه قال " فهي الطلاق فهي الطلاق فهي الطلاق " وقد استدل بذلك من قال إن الفرقة بين المتلاعنين تتوقف على تطليق الرجل كما تقدم نقله عن عثمان البتي
وأجيب بما في حديث سهل نفسه من تفريقه صلى الله عليه وآله وسلم بينهما . وبما في حديث ابن عمر كما ذكر ذلك المصنف فإن ظاهرهما أن الفرقة وقعت بتفريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما طلقها عويمر لظنه أن اللعان لا يحرمها عليه فأراد تحريمها بالطلاق فقال هي طالق ثلاثا فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا سبيل لك عليها أي لا ملك لك عليها فلا يقع طلاقك
قال الحافظ وقد توهم أن قوله لا سبيل لك عليها وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم عقب قول الملاعن هي طالق . وإنه موجود في كذلك في حديث سهل . وإنما وقع في حديث ابن عمر عقب قول الله يعلم أن أحدكم كاذب لا سبيل لك عليها انتهى
وقد قدمنا في باب ما جاء في طلاق البتة الجواب عن الاستدلال بهذا الحديث على أن الطلاق المتتابع يقع
قوله : " فكانت سنة المتلاعنين " زاد أبو داود عن القعنبي عن مالك فكانت تلك وهي اشارة إلى الفرقة وفي الرواية الأخرى المذكورة ذاكم التفريق بين كل متلاعنين وقال مسلم إن قوله وكان فراقه إياها سنة بين المتلاعنين مدرج . وكذا ذكر الدارقطني في غريب مالك اختلاف الرواة على ابن شهاب ثم على مالك في تعيين من قال فكان فراقهما سنةهل هو من قول سهل أو من قول ابن شهاب . وذكر ذلك الشافعي وأشار إلى نسبته إلى ابن شهاب لا تمنع نسبته إلى سهل . ويؤيد ذلك ما وقع في رواية لأبي داود عن سهل قال فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان ما صنع عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة وسيأتي قريبا
وفي نسخة الصغاني قال أبو عبد الله قوله ذلك تفريق بين المتلاعنين من قول الزهري وليس من الحديث

( باب لا يجتمع المتلاعنان أبدا )

1 - عن ابن عمر " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للمتلاعنين حسابكما على الله أحدكما كاذب لا سبيل لك عليها قال يا رسول الله مالي قال لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها "
- متفق عليه وهو حجة في أن كل فرقة بعد الدخول لا تؤثر في اسقاط المهر

2 - وعن سهل بن سعد في خبر المتلاعنين قال " فطلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان ما صنع عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة قال سهل حضرت هذا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبدا "
- رواه أبو داود

3 - وعن سهل بن سعد في قصة المتلاعنين " ففرق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما وقال لا يجتمعان أبدا "

4 - وعن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدا

5 - وعن علي وابن مسعود " قالا مضنت السنة أن لا يجتمع المتلاعنان "
- رواهن الدارقطني

- حديث سهل بن سعد الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الصحيح . وحديث الثاني في اسناده عياض بن عبد الله قال في التقريب فيه لين ولكنه قد أخرج له مسلم . وحديث ابن عباس أخرج نحوه أبو داود في قصة طويلة في اسنادها عباد بن منصور وفيه مقال . وحديث علي وابن مسعود أخرجهما أيضا عبد الرزاق وابن أبي شيبة ( وفي الباب ) عن عمر نحو حديثهما أخرجه أيضا عبد الرزاق وابن أبي شيبة
قوله : " أحدكما كاذب " قال عياض إنه قال هذا الكلام بعد فراغهما من اللعان فيؤخذ منه عرض التوبة على المذنب بطريق الإجمال وأنه يلزم من كذب التوبة من ذلك
وقال الداودي قال ذلك قبل اللعان تحذيرا لهما منه قال الحافظ والأول أظهر وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك
قوله : " لا سبيل لك عليها " فيه دليل على أن المرأة تستحق ما صار إليها من المهر بما استحق الزوج من فرجها وقد تقدم أن هذه الصيغة تقتضي العموم لأنها نكرة في سياق النفي وأراد بقوله مالي الصداق الذي سلمه إليها يريد أن يرجع به عليها فأجابه صلى الله عليه وآله وسلم بأنها قد استحقته بذلك السبب وأوضح لها استحقاقها له بذلك التقسيم على فرض صدقه وعلى فرض كذبه لأنه مع الصدق قد استوفى منها ما يوجب استحقاقها له وعلى فرض كذبه مع كونه قد ظلمها برميها بما رماها به وهذا مجمع عليه في المدخولة
وأما في غيرها فذهب الجمهور إلى أنها تستحق النصف كغيرها من المطلقات قبل الدخول وقال حماد والحكم وأبو زناد أنها تستحقه جميعه
وقال الزهري ومالك لا شيء لها
قوله : " فطلقها " قد تقدم الكلام عليه
قوله : " لا يجتمعان أبدا " فيه دليل على تأبيد الفرقة . وإليه ذهب الجمهور وروى عن أبي حنيفة ومحمد أن اللعان لا يقتضي التحريم المؤبد لأنه طلاق زوجة مدخولة بغير عوض لم ينو به التثليث فيكون كالرجعي . ولكن المروي عن أبي حنيفة أنها إنما تحل له إذا أكذب نفسه لا إذا لم يكذب نفسه فإنه يوافق الجمهور كما ذكره صاحب الهدى عنه . وعن محمد وسعيد بن المسيب والأدلة الصحيحة الصريحة قاضية بالتحريم المؤبد وكذلك أقوال الصحابة وهو الذي يقتضيه حكم اللعان ولا يقتضي سواه فإن لعنة الله وغضبه قد حلت بأحدهما لا محالة وقد وقع الخلاف هل اللعان فسخ أو طلاق فذهب الجمهور إلى أنه فسخ وذهب أبو حنيفة ورواية عن محمد إلى أنه طلاق

( باب إيجاب الحد بقذف الزوج وأن اللعان يسقطه )

1 - عن ابن عباس " أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم البينة أو حد في ظهرك فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجل ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول البينة وإلا حد في ظهرك فقال هلال والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنول جبريل وأنزل عليه { والذين يرمون أزواجهم } فقرأ حتى بلغ { إن كان من الصادقين } فانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهدوا عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب ثم قامت فشهدت فلما كان عند الخامسة وقفوها فقالوا إنها موجبة فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم انظروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الاليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن "
- رواه الجماعة إلا مسلما والنسائي

- قوله " البينة أو حد في ظهرك " فيه دليل على أن الزوج إذا قذف امرأته بالزنا وعجز عن إقامة البينة وجب عليه حد القاذف وإذا وقع اللعان سقط وهو قول الجمهور . وذهب أبيو حنيفة وأصحابه إلى أن اللزم بقذف الزوج إنما هو اللعان فقط ولا يلزمه الحد والحديث وما في معناه حجة عليه
قوله : " فنزل جبريل . " الخ فيه التصريح بأن الآية نزلت في شأن هلال وقد تقدم الخلاف في ذلك
قوله : " إن الله يعلم " الخ فيه مشروعية تقديم الوعظ للزوجين قبل اللعان كما يدل على ذلك قوله " ثم قامت " فإن ترتيب القيام على ذلك مشعر بما ذكرنا وقد تقدم الاشارة إلى الخلاف
قوله : " وقفوها " أي أشاروا عليها بأن ترجع وأمروها بالوقف عن تمام اللعان حتى ينظروا في أمرها فتلكأت وكادت أن تعترف ولكنها لم ترض بفضيحة قومها فاقتحمت وأقدمت على الأمر المخوف الموجب للعذاب الآجل مخافة من العار لأنه يلزم قومها من إقرارها العار بزناها ولم يردعها عن ذلك العذاب العاجل وهو حد الزنا
وفي هذا دليل على أن مجرد التلكيء من أحد الزوجين والتكلم بما يدل على صدق الآخر دلالة ظنية لا يعمل به بل المعتبر هو التصريح من أحدهما بصدق الآخر والاعتراف المحقق بالكذب إن كان الزوج أو الوقوع في المعصية إن كانت المرأة
قوله : " انظروها فإن جاءت به " الخ فيه دليل على أن المرأة كانت حاملا وقت اللعان
وقد وقع في البخاري التصريح بذلك وسيأتي التصريح به أيضا في باب ما جاء في اللعان على الحمل
قوله : " أكحل العينين " الأكحل الذي منابت أجفانه سود كأن فيها كحلا
قوله : " سابغ الاليتين " بالسين المهملة وبعد الألف باء موحدة ثم غين معجمة أي عظيمهما
قوله : " خدلج الساقين " بفتح الخاء والدال المهملة وتشديد اللام أي ممتلئ الساقين والذراعين
قوله : " فجاءت به كذلك " في رواية للبخاري فجاءت به على الوجه الكروه وفي أخرى " فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وفي ذلك روايات ستأتي
قوله : " لولا ما مضى من كتاب الله " وفي رواية للبخاري " من حكم الله " والمراد أن اللعان يدفع الحد عن المرأة ولولا ذلك لأقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليها الحد من أجل ذلك الشبه الظاهر الذي رميت به ويستفاد منه أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يحكم بالاجتهاد فيما لم ينزل عليه فيه وحي خاص فإذا نزل الوحي بالحكم في تلك المسألة قطع النظر وعمل بما نزل وأجرى الأمر على الظاهر ولو قامت قرينة تقتضي خلاف الظاهر

( باب من قذف زوجته برجل سماه )

1 - عن أنس " أن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن سحماء وكان أخا لبراء بن مالك لأمه وكان أول رجل لاعن في الاسلام قال فلاعنها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبصروها فإن جاءت به أبيض سبطا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية وإن جاءت به أكحل جعد أحمش الساقين فهو لشريك بن سحماء قال فأنبئت أنها جاءت به أكحل جعد أحمش الساقين "
- رواه أحمد ومسلم والنسائي
وفي رواية أن أول لعان كان في الاسلام أن هلال بن أمية قذف شريك بن السحماء بامرأته فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة شهداء وإلا فحد في ظهرك يردد عليه ذلك مرارا فقال له هلال والله يا رسول الله إن الله عز و جل ليعلم أني لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرئ ظهري من الحد فبينما هم كذلك إذ نزلت عليه آية اللعان { والذين يرمون أزواجهم } إلى آخر الآية وذكر الحديث
- رواه النسائي

- الرواية الأخرى من هذا الحديث رجالها رجال الصحيح ويشهد لصحتها حديث ابن عباس المتقدم في الباب الذي قبل هذا فإن سياقه وسياق هذا الحديث متقاربان
قوله : " وكان أول رجل لاعن في الاسلام " قد تقدم الكلام على هذا
قوله : " سبطا " بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة بعدها طاء مهملة وهو المسترسل من الشعر وتام الخلق من الرجال
قوله : " قضيء العينين " بفتح القاف وكسر الضاد المعجمة بعدها همزة على وزن حذر وهو فاسد العينين والاكحل قد تقدم الكلام عليه . والجعد بفتح الجيم وسكون المهملة بعدها دال مهملة أيضا : قال في القاموس الجعد من الشعر خلاف السبط أو القصير منه
قوله : " حمش الساقين " بالحاء المهملة ثم معجمة وهو لغة في أحمش : قال في القاموس حمش الرجل حمشا وحمشا صار دقيق الساقين فهو أحمش الساقين وحمشهما ببالفتح وسوق حماش وقد حمشت الساق كضرب وكرم حموشة انتهى
قوله : " إن أول لعان كان في الاسلام " قد تقدم الكلام على ذلك وظاهر الحديث أن حد القذف يسقط باللعان ولو كان قذف الزوجة برجل معين

( باب في أن اللعان يمين )

1 - عن ابن عباس قال " جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فذكر حديث تلاعنهما إلى أن قال ففرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما وقال إن جاءت به أصيهب أربسح حمش الساقين فهو لهلال وإن جاء به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين فهو الذي رميت به فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الاليتين فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لولا الإيمان لكان لي ولها شأن "
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث أورده أبو داود مطولا وفي اسناده عباد بن منصور وقد تكلم فيه غير واحد
وقد قيل إنه كان قدريا داعية
قوله : " أصيهب " تصغير الأصهب وهو من الرجال الأشقر ومن الإبل الذي يخالط بياضه حمرة
قوله : " أريسح " تصغير الأرسح بالسين والحاء المهملتين وروي بالصاد المهملة بدلا من السين ويقال الأرصع بالصاد والعين المهملتين وهو خفيف لحم الفخذين والاليتين
وقد تقدم تفسير حمش الساقين والجعد وخدلج الساقين وسابغ الاليتين
قوله : " أورق " هو الأسمر
قوله : " جماليا " بضم الجيم وتشديد الميم هو العظيم الخلق كأنه الجمل
قوله : " لولا الإيمان " استدل به من قال إن اللعان يمين وإليه ذهبت العترة والشافعي والجمهور وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك والامام يحيى والشافعي في قول إنه شهادة
واحتجوا بقوله تعالى { فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله } وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن عباس السابق في الباب الأول " فجاء هلال فشهد ثم قامت فشهدت " وقيل إن اللعان شهادة فيها شائبة يمين وقيل بالعكس
وقال بعض العلماء ليس بيمين ولا شهادة حكى هذه الثلاثة المذاهب صاحب الفتح
وقال الذي تحرر لي إنها من حيث الجزم بنفي الكذب وإثبات الصدق يمين لكن أطلق عليها شهادة لاشتراط أن لا يكتفى في ذلك بالظن بل لا بد من وجود علم كل منهما بالأمرين علما يصح معه أن يشهد

( باب ما جاء في اللعان على الحمل والاعتراف به )

1 - عن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لاعن على الحمل "
- رواه أحمد
وفي حديث سهل " وكانت حاملا وكان ابنها ينسب إلى أمه " وقد ذكرناه
وفي حديث ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لاعن بين هلال بن أمية وامرأته وفرق بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمي ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد
قال عكرمة فكان بعد ذلك أميرا على مصر . وما يدعى لأب " . رواه أحمد وأبو داود
وقد أسلفنا في حديث أن تلاعنهما قبل الوضع

2 - وعن قبيصة بن ذؤيب قال " قضى عمر بن الخطاب في رجل أنكر ولد أمرأته وهو في بطنها ثم اعترف به وهو في بطنها حتى إذا ولد أنكره فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها ثم ألحق به ولدها "
- رواه الدارقطني

- حديث ابن عباس الأول هو بمعناه في الصحيحين من حديثه بلفظ " لاعن بين هلال بن أمية وزوجته وكانت حاملا ونفى الحمل " . وحديث سهل هو في البخاري كما قدمنا ولم يذكره المصنف فيما سلف صريحا . وحديث ابن عباس الثاني هو من حديثه الطويل الذي ساقه أبو داود وفي اسناده عباد بن منصور كما تقدم وأثر عمر أخرجه أيضا البيهقي وحسن الحافظ اسناده . ( وقد استدل بأحاديث ) الباب من قال إنه يصح اللعان قبل الوضع مطلقا ونفي الحمل
وقد حكاه في الهدى عن الجمهور وهو الحق للأدلة المذكورة وذهبت الهادوية وأبو يوسف ومحمد إلى أنه لا يصح قبل الوضع مطلقا لاحتمال أن يكون الحمل ريحا . ورد بأن هذا احتمال بعيد لأن للحمل قرائن قوية يظن معها وجوده ظناقويا وذلك كاف في اللعان كما جاز العمل بها في إثبات عدة الحامل وترك قسمة الميراث ولا يدفع الأمر المظنون بالاحتمال البعيد . وذهب أبو حنيفة والمزني وأبو طالب إلى أنه لا يصح اللعان والنفي قبل الوضع إلا مع الشرط لعدم اليقين ورد بأنه مشروط إن لم يتلفظ به . وأثر عمر المذكور استدل به من قال أنه لا يصح نفي الولد بعد الإقرار به وهم العترة وأبو حنيفة وأصحابه ويؤيده أنه لو صح الرجوع بعده لصح عن كل إقرار فلا يتقرر حق من الحقوق والتالي باطل بالاجماع فالمقدم مثله

( باب الملاعنة بعد الوضع لقذف قبله وإن شهد الشبه لأحدهما )

1 - عن ابن عباس " أنه ذكر التلاعن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال عاصم بن عدي في ذلك قولا ثم انصرف فأتاه رجل من قومه يشكو إليه أنه وجد مع أهله رجلا فقال عاصم ما بتليت بهذا إلا لقولي فيه فذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بالذي وجد عليه امرأته وكان ذلك الرجل مصفرا قليل اللحم سبط الشعر وكان الذي ادعى عليه أنه وجد عند أهله خدلا آدم كثير اللحم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اللهم بين فوضعت شبيها بالذي ذكر زوجها أنه وجده عندها فلاعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهما فقال رجل لابن عباس في المجلس أهي التي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو رجمت أحدا بغير بينة رجمت هذه فقال ابن عباس لا تلك امرأة كانت تظهر الاسلام السوء "
- متفق عليه

- قوله " فقال عاصم في ذلك قولا " أي كلاما لا يليق به كالمبالغة في الغيرة وعدم الرجوع إلى إرادة الله وقدرته
وقال الحافظ إن المراد بالقول المذكور هو ما وقع في حديث سهل بن سعد أنه سأل عن الحكم الذي أمره عويمر أن يسأل عنه
قوله : " فأتاه رجل من قومه " قال في الفتح هو عويمر ولا يمكن تفسيره بهلال بن أمية لأنه لا قرابة بينه وبين عاصم
قوله : " ما ابتليت بهذا إلا لقولي " أي بسؤالي عما لم يقع فكأنه عرف أنه عوقب بذلك وإنما جعله ابتلاء لأن امرأة عويمر هي بنت عاصم المذكور واسمها خولة بنت عاصم كما ذكره الكلبي وذكر ابن مردويه أنها بنت أخي عاصم
وروى ابن أبي حاتم في التفسير عن مقاتل بن حبان أن الزوج وزوجته والرجل الذي رمي بها ثلاثتهم بنو عم عاصم
قوله : " مصفرا " بضم أوله وسكون الصاد المهملة وفتح الفاء وتشديد الراء أي قوي الصفرة وهذا لا يخالف ما في حديث سهل أنه كان أحمر أو أشقر لأن ذلك لونه الأصلي والصفرة عارضة والمراد بقليل اللحم نحيف الجسم والسبط قد تقدم تفسيره قوله " خدلا " بالخاء المعجمة والدال المهملة قال في القاموس الخدل الممتلئ وساق خدلة بينة الخدل محركة ثم قال والخدلة المرأة الغليظة الساق وممتلئة الأعضاء لحما في رقة عظام انتهى
وقال في الفتح خدلا بفتح المعجمة وتشديد اللام أي ممتلئ الساقين
وقال أبو الحسن بن فارس ممتلئ الأعضاء وقال الطبري لا يكون إلا مع غلظ العظم مع اللحم
قوله : " آدم " بالمد أي لونه قريب من السواد
قوله : " كثير اللحم " أي في جميع جسده
قال في الفتح يحتمل أن يكون صفة شارحة لقوله خدلا بناء على أن الخدل الممتلئ البدن
قوله : " اللهم بين " قال ابن العربي ليس معنى هذا الدعاء طلب ثبوت صدق أحدهما فقط بل معناه أن تلد ليظهر الشبه ولا يمتنع ولادتها بموت الولد مثلا فلا يظهر البيان والحكمة في البيان المذكور ردع من شاهد ذلك عن التلبس بمثل ما وقع لما يترتب عليه من القبح قوله " فلاعن " الخ ظاهره أن الملاعنة تأخرت إلى وضع المرأة وعلى ذلك بوب المصنف وقد تقدم في حديث سهل أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع . ورواية ابن عباس هذه هي القصة التي في حديث سهل كما تقدم فعلى هذا تكون الفاء في قوله فلاعن لعطف لاعن على فأخبره بالذي وجد عليه امرأته ويكون ما بينهما اعتراضا
قوله : " فقال رجل لابن عباس " هو عبد الله بن شداد بن الهاد وهو ابن خالة ابن عباس سماه أبو الزناد كما ذكره البخاري في الحدود قوله " كانت تظهر في الاسلام السوء " أي كانت تعلن بالفاحشة ولكنه لم يثبت ذلك عليها ببينة ولا اعتراف قال الداودي فيه جواز من يسلك مسالك السوء وتعقب بأنه لم يسمها فإن أراد اظهار الغيبة على طريق الابهام فمسلم

( باب ما جاء في قذف الملاعنة وسقوط نفقتها )

1 - عن ابن عباس في قصة الملاعنة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن لا قوت لها ولا سكنى من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها "
- رواه أحمد وأبو داود

2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " قال قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ولد المتلاعنين أنه يرث أمه وترثه أمه ومن رماها به جلد ثمانين ومن دعاه ولد زنا جلد ثمانين "
- رواه أحمد

- حديث ابن عباس هو طرف من حديثه الطويل الذي ساقه أبو داود وفي اسناده عباد بن منصور وفيه مقال كما تقدم . وحديث عمرو بن شعيب أشار إليه في التلخيص ولم يتكلم عليه وقد قدمنا الاختلاف في حديثه
وقال في مجنع الزوائد في اسناده ابن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله ثقات
قوله : " أن لا قوت ولا سكنى " فيه دليل على أن المرأة المفسوخة باللعان لا تستحق في مدة العدة نفقة ولا سكنى لأن النفقة إنما تستحق في عدة الطلاق لا في عدة الفسخ وكذلك السكنى ولاسيما إذا كان الفسخ بحكم الملاعنة ومن قال إن اللعان طلاق كأبي حنيفة وإحدى الروايتين عن محمد فلعله يقول بوجوب النفقة والسكنى والحديث حجة عليه
قوله : " إنه يرث أمه وترثه " فيه دليل على أن قرابة الولد المنفى قرابة أمه وقد قدمنا الكلام على ذلك في أول كتاب اللعان
قوله : " ومن رماها به جلد ثمانين " فيه دليل على أنه يجب الحد على من رمى المرأة التي لاعنها زوجها بالرجل الذي اتهمها به وكذلك يجب على من قال لولدها إنه ولد زنا وذلك لأنه لم يتبين صدق ما قاله الزوج والأصل عدم الوقوع في المحرم ومجرد وقوع اللعان لا يخرجها عن العفاف والأعراض محمية عن الثلب ما لم يحصل اليقين

( باب النهي أن يقذف زوجته لأن ولدت ما يخالف لونهما )

1 - عن أبي هريرة قال " جاء رجل من بني فزازة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت ولدت امرأتي غلاما أسود وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل لك من إبل قال نعم قال فال فما ألوانها قال حمر قال هل فيها من أورق قال إن فيها لورقا قال فأنى أتاها ذلك قال عسى أن يكون نزعه عرق قال فهذا عسى أن يكون نزعه عرق ولم يرخص له في الانتفاء منه "
- رواه الجماعة . ولأبي داود في رواية " إن امرأتي ولدت غلاما أسود وإني أنكره "

- قوله " جاء رجل " اسمه ضمضم بن قتادة
قوله : " يعرض أن ينفيه " وجه التعريض أنه قال غلام أسود أي وأنا أبيض فكيف يكون مني وفيه دليل على أن التعريض بالقذف لا يكون قذفا وإليه ذهب الجمهور . وعن المالكية يجب به الحد إذا كانوا يفهمونها وكذلك قالت الهادوية إلا أنهم اشترطوا أن يقر بأن قصده القذف وأجابوا عن حديث الباب بأنه لا حجة فيه لأن الرجل لم يرد قذفا بل جاء سائلا مستفتيا عن الحكم بما وقع له من الريبة فلما ضرب له المثل أذعن
وقال المهلب إذا كان على سبيل السؤال لا حد فيه وإنما يجب الحد في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة
وقال ابن المنير الفرق بين الزوج والأجنبي في التعريض أن الأجنبي يقصد الأذية المحضة والزوج يعذر بالنسبة إلى صيانة النسب
قوله : " من أورق " هو الذي يميل إلى الغبرة ومنه قيل للحمامة ورقاء قوله " فأنى ذلك " بفتح النون الثقيلة أي من أين أتاها اللون الذي خالفها هل هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها أو لأمر آخر
قوله : " نزعه عرق " المراد بالعرق الأصل من النسب تشبيها بعرق الشجرة ومنه قولهم فلان عريق في الأصالة أي أن أصله متناسب وكذا معرق في الكرم وهو ضرب مثل لتعريف السائل وتوضيح البيان بتشبيه المجهول بالمعلوم وهو من قياس التشبيه كما قال الخطابي
قال ابن العربي فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير وتوقف فيه ابن دقيق العيد فقال هو تشبيه في أمر وجودي والنزاع امنا هو في التشبيه في الاحكام الشرعية من طريق واحدة قوية ( وفي الحديث ) دليل على أنه لا يجوز للأب أن ينفي ولده بمجرد كونه مخالفا له في اللون وقد حكى القرطبي وابن رشد الاجماع على ذلك وتعقبهما الحافظ بأن الخلاف في ذلك ثابت عند الشافعية فقالوا إن لم ينضم إلى المخالفة في اللون قرينة زنا لم يجز النفي فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به جاز النفي على الصحيح عندهم وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقا

( باب أن الولد للفراش دون الزاني )

1 - عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الولد للفراش وللعاهر الحجر "
- رواه الجماعة إلا أبا داود
وفي لفظ للبخاري " لصاحب الفراش "

2 - وعن عائشة قالت " اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال سعد يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلى شبهه وقال عبد بن زمعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى شبهه فرأى شبها بينا بعتبة فقال هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة قال فلم ير سودة قط "
- رواه الجماعة إلا الترمذي
وفي رواية أبي داود ورواية للبخاري " هو أخوك يا عبد "

3 - وعن ابن عمر " أن عمر قال ما بال رجال يطؤن ولائدهم ثم يعتزلونهن لا يأتين وليدة يعترف سيدها أن قد ألم بها إلا ألحقت به ولدها فاعزلوا بعد ذلك أو اتركوا "
- رواه الشافعي

- حديث " الولد للفراش " مروي من طريق بضعة وعشرين نفسا من الصحابة كما أشار إليه الحافظ
قوله : " الولد للفراش " اختلف في معنى الفراش فذهب الأكثر إلى أنه اسم للمرأة وقد يعبر به عن حالة الافتراش وقيل إنه اسم للزوج روي ذلك عن أبي حنيفة وأنشد ابن الاعرابي مستدلا على هذا المعنى قول جرير ... بانت تعانقه وبات فراشها ... وفي القاموس أن الفراش زوجة الرجل قيل ومنه { فرش مرفوعة } والجارية يفترشها الرجل انتهى . قوله " وللعاهر الحجر " العاهر الزاني يقال عهر أي زنى قيل ويختص ذلك بالليل قال في القاموس عهر المرأة كمنع عهرا ويكسر ويحرك وععهارة بالفتح وعهورا وعهورة وعاهرها عهارا أتاها ليلا للفجور أو نهارا انتهى . ومعنى له الحجر اخيبة أي لا شيء له في الولد والعرب تقول له الحجر وبفيه الترب يريدون ليس له إلا الخيبة
وقيل المراد بالحجر أنه يرجم بالحجارة إذا زنى ولكنه لا يرجم بالحجارة كل زان بل المحصن فقط . وظاهر الحديث أن الولد إنما يلحق بالأب بعد ثبوت الفراش وهو لا يثبت إلا بعد إمكان الوطء في النكاح الصحيح أو الفاسد وإلى ذلك ذهب الجمهور وروي عن أبي حنيفة أنه يثبت بمجرد العقد واستدل له بأن مجرد المظنة كافية ورد بمنع حصولها بمجرد العقد بل لا بد من إمكان الوطء ولا شك أن اعتبار مجرد العقدفي ثبوت الفراش جمود ظاهر فإنه قد حكى ابن القيم عن أبي حنيفة أنه يقول بأن نفس العقد وإن علم أنه لم يجتمع بها بل لو طلقها عقبه في المجلس تصير به الزوجة فراشا وهذا يدل على أنه لا يلاحظ المظنة أصلا ويؤيد ذلك أنه روى عنه في الغيث أنه يقول بثبوت الفراش ولحوق الولد وإن علم أنه ما وطىء بأن يكون بينه وبين الزوجة مسافة طويلة لا يمكن وصوله إليها في مقدار مدة الحمل وذهب ابن تيمية إلى أنه لا بد من معرفة الدخول المحقق وذكر أنه أشار إليه أحمد ورجحه ابن القيم وقال وهل يعد أهل اللغة والعرف المرأة فراشا قبل البناء بها وكيف تأني الشريعة بإلحاق نسب من لم يبن بإمرأته ولا دخل بها ولا اجتمع بها بمجرد إمكان ذلك وهذا الامكان قد قطع بانتفائه عادة فلا تصير المرأة فراشا إلا بدخول محقق انتهى . وأجيب بأن معرفة الوطء المحقق متعسرة فاعتبارها يؤدي إلى بطلان كثير من الأنساب وهو يحتاط فيها واعتبار مجرد الامكان يناسب ذلك الاحتياط ولا بد في ثبوت نسب الولد أن تأتي المرأة به بعد مضي أقل مدة الحمل من وقت إمكان الوطء عند الجمهور أو العقد عند أبي حنيفة أو معرفة الوطء المحقق عند ابن تيمية وهذا مجمع عليه فلو ولدت قبل مضيها حصل القطع بأن الولد من قبل فلا يلحق . وظاهر الحديث أيضا أن فراش الأمة كفراش الحرة لأنه يدخل تحت عموم الفراش وحديث عائشة المذكور نص في ذلك فإن النزاع بين عبد بن زمعة وسعد بن أبي وقاصفي ابن وليدةزمعة وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يعتبر في ثبوت فراش الأمة الدعوة وروي عن أبي حنيفة والثوري وهو مذهب الهادوية أن الأمة لا يثبت فراشها إلا بدعوة الولد ولا يكفي الإقرار بالوطء فإن لم يدعه كان ملكا له وأجيب بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ألحق ولد زمعة به ولم يستفصل هل ادعاه زمعة أم لا بل جعل العلة في الإلحاق أنه صاحب الفراش وأما قولهم أنه لم يلحقه بعبد بن زمعة على أنه أخ له وإنما جعله مملوكا له كما في قوله هو لك يا عبد بن زمعة واللام للتمليك ويؤيد ذلك ما في آخر الحديث من أمره صلى الله عليه وآله وسلم لسودة بالاحتجاب منه ولو كان أخا لها لم تؤمر بالاحتجاب منه وما وقع في رواية احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك فقد أجيب عنه بأن اللام في قوله صلى الله عليه وآله وسلم هو لك للاختصاص لا للتمليك ويؤيد ذلك ما في الرواية الأخرى المذكورة بلفظ هو أخوك يا عبد وبأن أمره لسودة بالاحتجاب على سبيل الاحتياط والورع والصيانة لأمهات المؤمنين لما رآه من الشبه بعتبة بن أبي وقاص كما في حديث كيف وقد قيل
قال ابن القيم بعد ذكر هذا الجواب أو يكون مراعاة للشيئين وإعمالا للدليلين فإن الفراش دليل لحوق النسب والشبه بغير صاحبه دليل نفيه فأعمل أمر الفراش بالنسبة إلى المدعي وأعمل الشبه بعتبة بالنسبة إلى ثبوت المحرمية بينه وبين سودة وهذا من أحسن الأحكام وأبينها وأوضحها ولا يمنع ثبوت النسب من وجه دون وجه انتهى
وأما الرواية التي فيها احتجبي منه فإنه ليس بأخ لك فقد طعن البيهقي في اسنادها وقال فيها جرير وقد نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ وفيها يوسف مولى آل الزبير وهو غير معروف
قوله : اختصم سعد وعبد بن زمعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكر ما وقع فيه الاختصام ولعل هذا اللفظ أحد الألفاظ التي روي بها هذا الحديث وفي بقية الألفاظ في الصحيحين وغيرهما التصريح بأن الاختصام وقع في غلام
قوله " وقال عبد بن زمعة " الخ فيه دليل على أنه يجوز لغير الأب أن يستلحق الولد مثل استلحاق عبد بن زمعة للأخ وكذلك للوصي الاستلحاق لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم ينكر على سعد الدعوى المذكورة وقد أجمع العلماء على أن للأب أن يستلحق واختلفوا في الجد
قوله : " فرأى شبها بينا بعتبة " سيأتي الكلام على العمل بالشبه والقافة قريبا
قوله : " يعترف سيدها أن قد ألهبها " فيه تقوية لمذهب الجمهور من أنه لا يشترط في فراش الأمة الدعوة بل يكفي مجرد ثبون الفراش

( باب الشركاء يطؤن الأمة في طهر واحد )

1 - عن زيد بن أرقم قال " أتى أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وهو باليمن في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد فسأل اثنين فقال أتقران لهذا بالولد قالا لا ثم سأل اثنين أتقران لهذا بالولد قالا لا فجعل كلما سأل اثنين أتقران لهذا بالولد قالا لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي أصابته القرعة وجعل عليه ثلثي الدية فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فضحك حتى بدت نواجذه "
- رواه الخمسة إلا الترمذي . ورواه النسائي وأبو داود موقوفا على علي باسناد أجود من اسناد المرفوع . وكذلك رواه الحميدي في مسنده وقال فيه " فأغرمه ثلثي قيمة الجارية لصاحبيه "

- الحديث في إسناده يحيى بن عبد الله الكندي المعروف بالاجلج
قال المنذري لا يحتج بحديثه وقال في الخلاصة وثقه يحيى بن معين والعجلي
وقال ابن عدي يعد في الشيعة مستقيم الحديث وضعفه النسائي قال المنذري ورواه بعضهم مرسلا وقال النسائي هذا صواب وقال الخطابي وقد تكلم في اسناد حديث زيد بن أرقم انتهى
وقد رواه أبو داود من طريقين الأولى من طريق عبد الله بن الخليل عن زيد بن أرقم عنه والثانية من طريق عبد خير من زيد عنه قال المنذري أما حديث عبد خير فرجال اسناده ثقات غير أن الصواب فيه الإرسال انتهى . وعلى هذا لم تخل كل واحدة من الطريقين من علة فالأولى فيها الاجلج والثانية معلولة بالإرسال والمراد بالإرسال ههنا الوقف كما عبر عن ذلك المصنف لا ما هو الشائع في الاصطلاح من أنه قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والحديث يدل على أن الابن لا يلحق بأكثر من أب واحد قاله الخطابي وقال أيضا وفيه إثبات القرعة في إلحاق الولد انتهى
وقد أخذ بالقرعة مطلقا مالك والشافعي وأحمد والجمهور حكى ذلك عنهم ابن رسلان في كتاب العتق من سنن أبي داود وقد ورد العمل بها في مواضع منها في الرجل الذي أعتق ستة أعبد فجزأهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم كما في حديث عمر أن بن حصين عند مسلم وأبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه . ومنها في تعيين المرأة من نسائه التي يريد أن يسافر بها كما في حديث عائشة عند البخاري ومسلم وهكذا ثبت اعتبار القرعة في الشيء الذي وقع فيه التاعي إذا تساوت البنتان وفي قسمة المواريث مع الالتباس لأجل إفراز الحصص بها وفي مواضع أخرفمن العلماء من اعتبر القرعة في جميعها ومنهم من اعتبرها في بعضها وممن قال بظاهر حديث الباب إسحاق بن راهويه وقال هذه السنة في دعوى الولد حكى ذلك عنه الخطابي وقال أنه كان الشافعي يقول به في القديم وقيل لأحمد في حديث زيد بن أرقم هذا فقال حديث القافة أحب إلي وسيأتي قريبا ويأتي الكلام على الجمع بينهما وقد قال بعضهم إن حديث القرعة منسوخ وقال المقبلي في الأبحاث أن حديث الإلحاق بالقرعة إنما يكون بعد انسداد الطرق الشرعية انتهى . ومن المخالفين في اعتبار القرعة الحنفية . وكذلك الهادوية وقالوا إذا وطئ الشركاء الأمة المشتركة في طهر واحد وجاءت بولد وادعوه جميعا ولا مرجح للالحاق بأحدهم كان الولد ابنا لهم جميعا يرث كل واحد منهم ميراث ابن كامل ومجموعهم أب يرثونه ميراث أب واحد

( باب الحجة في العمل بالقافة )

1 - عن عائشة قالت " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخل إلي مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال ألم ترى أن مجززا نظر أنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض "
- رواه الجماعة
وفي لفظ أبي داود وابن ماجه ورواية لمسلم والنسائي والترمذي " ألم ترى أن مجززا المدلجي رأى زيدا وأسامة قد غطيا رؤوسهما بقطيفة وبدت أقدمهما فقال إن هذه الأقدام بعضهما من بعض "
وفي لفظ " قالت دخل قائف والنبي صلى الله عليه وآله وسلم شاهد وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة مضطجعان فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض فسر بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعجبه وأخبر به عائشة " . متفق عليه قال أبو داود " كان أسامة أسود وكان زيد أبيض "

- قوله " تبرق أسارير " الأسارير جمع سرر أو سرارة بفتح أولهما ويضمان وهما في الأصل خطوط الكف كما في القاموس أطلق على ما يظهر على وجهه من سره أمر من الإضاءة والبريق
قوله : " أن مجززا " هو بضم الميم وفتح الجيم الزاي الأولى اسم فاعل من الجز لأنه جز نواصي قوم هكذا قيده جماعة من الأئمة وذكر الدارقطني وعبد الغني عن ابن جريج أنه محرز بالحاء المهملة بعدها راء ثم زاي على صيغة اسم الفاعل
قال الخطابي في هذا الحديث دليل على ثبوت العمل بالقافة وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يظهر السرور إلا بما هو حق عنده وكان الناس قد ارتابوا في زيد بن حارثة وابنه أسامة وكان زيد أبيض وأسامة أسود كما وقع في الرواية المذكورة فتمارى الناس في ذلك وتكلموا بقول كان يسوء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما سمع قول المدلجي فرح به وسرى عنه وقد أثبت الحكم بالقافة عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وذهبت العترة والحنفية إلى أنه لا يعمل بقول القائف بل يحكم بالولد الذي ادعاه اثنان لهما
واحتج لهم صاحب البحر بحديث الولد للفراش وقد تقدم . ووجه الاستدلال به أن تعريف المسند إليه واللام الداخلة على المسند للاختصاص يفيد أن الحصر ويجاب بأن حديث الباب بعد تسليم الحصر المدعى مخصص لعمومه فيثبت به النسب في مثل الأمة المشتركة إذا وطئها المالكون لها وروي عن الإمام يحيى أن حديث القافة منسوخ ويجاب بأن الأصل عدم النسخ ومجرد دعواه بلا برهان كما لا ينفع المدعي لا يضر خصمه
وأما ما قيل من أن حديث مجزز لا حجة فيه لأنه إنما يعرف القائف بزعمه أن هذا الشخص من ماء ذاك لا أنه طريق شرعي فلا يعرف إلا بالشرع فيجاب بأن في استبشاره صلى الله عليه وآله وسلم من التقرير ما لا يخالف فيه مخالف ولو كان مثل ذلك لا يجوز في الشرع لقال له إن ذلك لا يجوز ( لا يقال ) إن أسامة قد ثبت فراش أبيه شرعاوإنما لما وقعت القافة بسبب اختلاف اللون وكان قول المدلجي المذكور دافعا لها لاعتقادهم فيه الإصابة وصدق المعرفة استبشر صلى الله عليه وآله وسلمبذلك فلا يصح التعلق بمثل هذا التقرير على إثبات أصل النسب لأنا نقول لو كانت القافة لا يجوز العمل بها إلا في مثل هذه المنفعة مع مثل أولئك الذين قالوا مقالة السوء لما قرره صلى الله عليه وآله وسلم على قوله " هذه الأقدام بعضها من بعض " وهو في قوله هذا ابن هذا فإن ظاهره أنه تقرير للالحاق بالقافة مطلقا لا إلزام للخصم بما يعتقده . ولاسيما والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ينقل عنه انكار كونها طريقا يثبت بها النسب حتى يكون تقريره لذلك من باب التقرير على مضي كافر إلى كنيسة ونحوه مما عرف منه صلى الله عليه وآله وسلم انكاره قبل السكوت عنه ومن الأدلة المقوية للعمل بالقافة حديث الملاعنة المتقدم حيث أخبر صلى الله عليه وآله وسلم بأنها إن جاءت به على كذا فهو لفلان وإن جاءت به على كذا فهو لفلان فإن ذلك يدل على اعتبار المشابهة لا يقال لو كان ذلك معتبرا لما لاعن بعد أن جاءت بالولد مشابها لأحد الرجال وتبين له صلى الله عليه وآله وسلم ذلك حتى قال لولا الأيمان لكان لي ولها شأن لأنا نقول أن النسب كان ثابتا بالفراش وهو أقوى ما يثبت به فلا تعارضه القافة لأنها إنما تعتبر مع الاحتمال فقط ولاسيما بعد وجود الأيمان التي شرعها الله تعالى بين المتلاعنين ولم يشرع في اللعان غيرها ولهذا جعلها صلى الله عليه وآله وسلم مانعة من العمل بالقافة وفي ذلك اشعار بأنه يعمل بقول القائف مع عدمها
ومن المؤيدات للعمل بالقافة ما تقدم من جوابه صلى الله عليه وآله وسلم على أم سليم حيث قالت أو تحتلم المرأة فقال " فيم يكون الشبه " وقال " إن ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له " الحديث المتقدم لا يقال أن بيان سبب الشبه لا يدل على اعتباره في الالحاق لأنا نقول أن إخباره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك يستلزم له مناط شرعي وإلا لما كان للأخبار فائدة يعتد بها وأما عدم تمكينه صلى الله عليه وآله وسلم لمن ذكر له أن ولده أسود من اللعان كما تقدم فلمخالفته لما يقتضيه الفراش الذي لا يعارضه العمل بالشبه إذا تقرر هذا فاعلم أنه لا معارضة بين حديث العمل بالقافة وحديث العمل بالقرعة الذي تقدم لأن كل واحد منهما دل على أن ما اشتمل عليه طريق شرعي فإيهما حصل وقع به الالحاق فإن حصلا معا فمع الاتفاق لا إشكال ومع الاختلاف الظاهر أن الاعتبار بالأول منهما لأنه طريق شرعي يثبت به الحكم ولا ينقضه طريق آخر يحصل بعده . قوله " دخل قائف " قال في القاموس والقائف من يعرف الآثار الجمع قافة وقاف أثره تبعه كقفاه واقتفاه انتهى

( باب حد القذف )

1 - عن عائشة " قالت لما أنزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا أحدهم "
- رواه الخمسة إلا النسائي

2 - وعن أبي هريرة قال " سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وآله وسلم يقول من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال "
- متفق عليه

3 - وعن أبي الزناد " أنه قال جلد عمر بن عبد العزيز عبدا في فرية ثمانين قال أبو الزناد فسألت عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ذلك فقال أدركت عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والخلفاء هلم جرا فما رأيت أحدا جلد عبدا في فرية أكثر من أربعين "
- رواه مالك في الموطأ عنه

- حديث عائشة حسنه الترمذي وقال لا يعرف إلا من ححديث محمد بن إسحاق قال المنذري وقد أسنده ابن إسحاق مرة وأرسله أخرى وانتهى
وقد عنعن ههنا وقد قدمنا أنه لا يحتج بعنعنته لتدليسه
وقد أشار إلى الحديث البخاري في صحيحه . والأثر الذي رواه أبو الزناد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أخرجه أيضا البيهقي ورواه أيضا الثوري في جامعه
قوله : " لما أنزل عذري " أي براءتي مما نسب أهل الإفك . والمراد قوله تعالى { إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة } إلى قوله { رزق كريم } هكذا رواه ابن أبي حاتم والحاكم من مرسل سعيد بن المسيب
وفي البخاري إلى قوله تعالى { والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وعن الزهري إلى قوله تعالى { والله غفور رحيم } قوله " أمر برجلين وامرأة " الرجلان حسان بن ثابت ومسطح والمرأة حمنة بنت جحش
وأخرج الحاكم في الإكليل أن من جملة من حده النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة الإفك عبد الله بن أبي رأس المنافقين ( والحديث ) يرد على الماوردي حيث قال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يحد قذفة عائشة ولا مستند له إلا توهم أن الحد إنما يثبت بالبينة أو الإقرار وغفل عن النص القرآني المصرح بكذبهم وصحة الكذب تستلزم ثبوت الحد . ( وقد أجمع العلماء ) على ثبوت حد القذف وأجمعوا أيضا على أن حده ثمانون جلدة لنص القرآن الكريم بذلك . واختلفوا هل ينصف الحد للعبد أم لا فذهب الأكثر إلى الأول . وذهب ابن مسعود والليث والزهري والأوزاعي وعمر بن عبد العزيز وابن حزم إلى أنه لا ينصف لعموم الآية . وأجاب الأولون بأن العبد مخصص منذلك العموم بالقياس على حد الزنا ويؤيده فعل أكابر الصحابة رضي الله عنهم وقد تعقب القياس المذكور بأن حد الزنا إنما نصف ففي العبد لعدم أهليته للعفة وحيلولة الملك بينه وبين التحصن بخلاف الحر وبأن القذف حق لآدمي وهو أغلظ واعلم أنه لا فرق بين قاذف الرجل والمرأة في وجوب حد القذف عليه . ولا يعرف في ذلك خلاف بين أهل العلم وقد نازع الجلال في وجوبه على قاذف الرجل واستدل على عدم الوجوب بما تقدم عنه صلى الله عليه وآله وسلم في اللعان أنه لم يحد هلال بن أمية لقذفه شريك بن سحماء ولم يحد أهل الإفك إلا لعائشة فقط لا لصفوان بن المعطل ولو كان يجب على قاذف الرجل لحد أهل الإفك حدين
وقد أطال الكلام على ذلك في ضوء النهار والبسط ههنا يقود إلى تطويل يخرج عن المقصود
قوله : " يقام عليه الحد يوم القيامة " فيه دليل على أنه لا يحد من قذف عبده لأن تعليق ايقاع الحد عليه بيوم القيامة مشعر بذلك
وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يحد قاذف العبد مطلقا . وحكى صاحب البحر عن داود أنه يحد . وأجاب عليه بأنه مخالف للإجماع وذهب الجمهور أيضا إلى أنه لا يحد قاذف أم الولد إلحاقا لها بالقن
وقال مالك يحد مطلقا
وقال محمد يحد إن كان معها ولد . ولعل مالكا يجعل المحصنات المذكورات في الآية هن العفائف لا الحرائر

( باب من أقر بالزنا بامرأة لا يكون قاذفا لها )

1 - عن نعيم بن هزال قال " كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي فأصاب جارية من الحي فقال له أبي ائت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك فأتاه فقال يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله فأعرض عنه فعاد فقال يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله فأعرض عنه ثم أتاه الثالثة فقال يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله ثم أتاه الرابعة فقال يا رسول الله إني زنيت فأقم علي كتاب الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنك قد قلتها أربع مرات فيمن قال بفلانة قال ضاجعتها قال نعم قال جامعتها قال نعم فأمر به أن يرجم فخرج به إلى الحرة فلما رجم فوجد مس الحجارة جزع فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد أعجز أصحابه فنزع بوظيف بعير فرماه به فقتله ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له فقال هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه "
- رواه أحمد وأبو داود

- الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وحسنه الحافظ وفي صحبة نعيم بن هزال خلاف
وروى أبو داود من طريق محمد بن إسحاق قال ذكرت لعاصم بن قتادة قصة ماعز بن مالك فقال لي حدثني حسن بن محمد بن علي بن أبي طالب قال حدثني ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فهلا تركتموه من شئتم من رجال أسلم ممن لا أتهم قال ولا أعرف الحديث قال ففجئت جابر بن عبد الله فقلت إن رجالا من أسلم يحدثون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لهم حين ذكروا له جزع ماعز من الحجارة حين أصابته ألا تركتموه وما أعرف الحديث قال يا ابن أخي أنا أعلم الناس بهذا الحديث كنت فيمن رجم الرجل إنا لما خرجنا به فرجمناه فوجد مس الحجارة صرخ بنا يا قوم ردوني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن قومي قتلوني وغروني من نفسي وأخبروني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غير قاتلي فلم ننزع عنه حتى قتلناه فلما رجعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخبرناه قال فهلا تركتموه وجثتموني به ليستثبت رسول الله منه فأما لترك حد فلا قال فعرفت وجه الحديث " وأخرجه النسائي وفي اسناده محمد بن إسحاق وقد اتفق الشيخان على طرف من هذا الحديث وسيأتي الكلام على حديث ماعز هذا في أبواب حد الزاني إن شاء الله تعالى وإنما أورده المصنف ههنا للاستدلال به على أنه لا يلزم من أقر بالزنا حد القذف إذا قال زنيت بفلانة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب منه تعيين من زنى بها فعينها ثم لم يحد للقذف وإلى ذلك ذهبت الشافعية والحنفية والهادوية وقال مالك يحد والحديث يرد عليه وسيأتي تمام الكلام وتحقيق ما هو الحق في باب من أقر أنه زنى بامرأة فجحدت من أبواب الحدود
قوله : " بوظيف " بفتح الواو وكسر الظاء المعجمة ثم ياء تحتية ساكنة بعدها فاء وهو دقيق الساق من الجمال والخيل وفي النهاية خف الجمل هو الوظيف وسيأتي في باب ما يذكر في الرجوع عن الإقرار من حديث أبي هريرة بلفظ " فر يشتد حتى مر برجل مععه لحي جمل فضربه به وضربه الناس حتى مات "

( كتاب العدد )

( باب أن عدة الحامل بوضع الحمل )

1 - عن أم سلمة أن امرأة من أسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفي عنها وهي حبلى فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت أن تنكحه فقال والله ما يصلح أن تنكحي حتى تعتدي آخر الأجلين فمكث قريبا من عشر ليال ثم نفست ثم جاءت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أنكحي
- رواه الجماعة إلا أبو داود وابن ماجه . وللجماعة إلا الترمذي معناه من رواية سبيعة وقالت فيه ( فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج إن بدا لي )

2 - وعن ابن مسعود في المتوفى عنها زوجها وهي حامل قال ( أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون عليها الرخصة أنزلت سورة النساء القصرى بعد الطولى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ) رواه البخاري والنسائي

3 - وعن أبي بن كعب قال ( قلت يا رسول الله وأولات الأحمال أن يضعن حملهن للمطلقة ثلاثا وللمتوفى عنها فقال هي للمطلقة ثلاث وللمتوفى عنها )
- رواه أحمد والدارقطني
وعن الزبير بن العوام ( أنها كانت عنده أم كلثوم بنت عقبة فقالت له وهي حامل طيب نفسي بتطليقة فطلقها تطليقة ثم خرج إلى الصلاة فرجع وقد وضعت فقال ما لها خدعتني خدعها الله ثم أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال سبق الكتاب أجله اخطبها إلى نفسها ) . رواه ابن ماجه

- حديث أبي بن كعب أخرجه أيضا أبو يعلى والضياء في المختارة وابن مروديه وقال في مجمع الزوائد في اسناده المثنى بن الصباح وثقه ابن معين وضعفه الجمهور انتهى
وأخرج نحوه عنه من وجه آخر ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مروديه والدارقطني . وحديث الزبير اسناده في سنن ابن ماجه هكذا حدثنا محمد بن عمر بن هياج حدثنا قبيصة بن عقبة حدثنا سقيان عن عمرو بن ميمون عن أبيه عن الزبير فذكره وكلهم من رجال الصحيح إلا محمد بن عمر بن هياج وهو صدوق لا بأس به وفيه انقطاع لأن ميمونا هو بن مهران ولم يسمع من الزبير قوله " العدد " جمع العدة قال في الفتح العدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه لها إما بالولادة أو بالاقراء أو الأشهر
قوله : " سبيعة " بضم السين المهملة تصغير سبع وقد ذكرها ابن سعد في المهاجرات وهي بنت أبي برزة الأسلمي
قوله : " كانت تحت زوجها " هو سعد بن خولة العامري من بني عامر بن لؤي وقيل إنه من حلفائهم
قوله : " فتوفى عنها " نقل ابن عبد البر الاتفاق أنه توفي في جحة الوداع وقد قيل أنه قتل في ذلك وهي رواية شاذة
قوله : " أبو السنابل " بمهملة ونون ثم موحدة جمع سنبلة وقد اختلف في اسمه فقيل عمرو وقيل عامر حبة بمهملة ثم موحدة وقيل أصرم وقيل عبد الله وبعكك بموحدة فمهملة فكافين بوزن بوزن جعفر وهو ابن الحرث وقيل ابن الحجاج من بني عبد الدار
قوله : " فقال والله ما يصلح أن تنكحي " الخ
قال سعياض والحديث مبتور نقص منه قولها " فنفست بعد ليال فخطبت " الخ
قال الحافظ وقد ثبت المحذوف في رواية ابن ملحان عن يحيى بن بكير شيخ البخاري ولفظه " فمكثت قريبا من عشرين ليلة ثم نفست " وقد وقع للبخاري اختصار المتن في طريق بأخصر من هذه الطريق ووقع له في تفسير سورة الطلاق مطولا بلفظ " أن سبيعة بنت الحرث أخبرته أنها كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل فلم تنشب أن وضعت حملها فلم تعلت من نفاسها تجملت للخطاب فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك رجل من بني عبد الدار فقال مالي أراك تجملت للخطاب فإنك والله ما أنت بناكح حتى تمرعليك أربعة أشهر وعشر قالت سبيعة فلما قال لي ذلك جمعت علي ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسألته عن ذلك فافتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي وأمرني بالتزويج " وظاهر هذا يخالف ما في حديث الباب حيث قال فمكثت قريبا من عشر ليال ثم جاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فان قولها قال لي ذلك جمعت على ثيابي حين أمسيت يدل علي أنها توجهت الي النبي صلي الله عليه وآله وسلم في مساء ذلك اليوم الذي قال لها فيه أبو السنابل ما قال ويمكن الجمع بينهما بحمل قولها حين أمسيت علي إرادة وقت توجهها ولا يلزم منه أن يكون ذلك اليوم الذي قال لها فيه ماقال
قوله : " ثم نفست " بضم النون وكسر الفاء أي ولدت قوله " قريبا من عشر ليال " وفي رواية لأحمد " فلم أمكث إلا شهرين حتى وضعت " وفي رواية للبخاري " فوضعت بعد موته بأربعين ليلة " وفي أخرى للنسائي " بعشرين ليلة أو خمس عشرة " وفي رواية للترمذي والنسائي " فوضعت بعد بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوما " ولابن ماجه " بضع وعشرين " وفي ذلك روايات أخر مختلفة
قال في الفتح بعد أن ساقها والجمع بين هذه الروايات متعذر لاتحاد القصة ولعل هذا هو السر في ابهام من أبهم المدة إذ محل الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر وهنا كذلك فأقل ما قيل في هذه الروايات نصف شهر وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاري عشر ليال وفي رواية للطبراني ثمان أو سبع فهو في مدة إقامتها بعد الوضع إلى أن استفتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مدة بقية الحمل وأكثر ما قيل فيه بالتصريح شهران وبغيره دون أربعة أشهر
وقد ذهب جمهور أهل العلم من السلف وأئمة الفتوى في الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تنقضي عدتها بوضع الحمل
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد بن علي بسند صحيح أنها تعتد بآخر الأجلين . ومعناه أنها إن وضعت قبل مضي أربعة أشهر وعشر تربصت إلى انقضائها وإن انقضت المدة قبل الوضع تربصت إلى الوضع وبه قال ابن عباس وروي عنه أنه رجع وروي عن ابن أبي ليلى أنه أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدتها بالوضع وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك وقد ثبت عن ابن مسعود من عدة طرق أنه كان يوافق الجمهور حتى كان يقول من شاء لاعنته على ذلك
وقد حكى صاحب البحر عن الشعبي والقاسمية والمؤيد بالله والناصر موافقة علي على اعتبار آخر الأجلين وأما أبو السنابل فهو وإن كان في حديث الباب ما يدل على أنه يذهب اعتبار آخر الأجلين لكنه قد روي عنه الرجوع عن ذلك وقد نقل المازري وغيره عن سحنون من المالكية أنه يقول يقول علي قال الحافظ وهو مردود لأنه احداث خلاف بعد استقرار الإجماع والسببب الذي حمل القائلين باعتبار آخر الأجلين الحرص على العمل بالآيتين أعني قوله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا } فإن ظاهر ذلك أنه عام في كل من مات عنها زوجها سواء كانت حاملا أو غير حامل . وقوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } عام يشمل المطلقة والمتوفى عنها فجمعوا بين العمومين بقصر الآية الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالآيسة الصغيرة قبلها ولم يهملوا ما تناولته من العموم فعملوا بها وبالتي قبلها في حق المتوفى عنها
قال القرطبي هذا نظر حسن فإن الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول لكن حديث سبيعة وسائر الأحاديث المذكورة في الباب نص بأنها تنقضي عدة المتوفى عنها بوضع الحملوفي ذلك أحاديث أخر . منها ما أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال " كنت أنا وابن عباس وأبو هريرة فجاء رجل فقال أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة فقال ابين عباس تعتد آخر الأجلين وقلت أنا { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } قال ابن عباس ذلك في الطلاق
وقال أبو سلمة أرأيت لو أن امرأة أخرت حملها سنة فما عدتها قال ابن عباس آخر الأجلين قال أبو هريرة أنا مع ابن أخي يعني أبا سلمة فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك سنة فذكرت أن سبيعة الأسلمية وضعت بعد موت زوجها بأربعين ليلة فخطبت فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه من حديث أبي السنابل أن سبيعة وضعت بعد موت زوجها بثلاثة وعشرين يوما فقال صلى الله عليه وآله وسلم قد حل أجلها وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من حديث سبيعة نحوه
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد من حديث المسور بن مخرمة نحو ذلك وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود والنسائي وابن ماجه عن ابن مسعود أنه بلغه أن عليا يقول تعتد آخر الأجلين فقال من شاء لاعنته أن الآية التي في سورة النساء القصرى نزلت بعد سورة البقرة بكذا وكذا شهرا
وأخرج عبد بن حميد عنه أنها نسخت ما في البقرة
وأخرج ابن مردويه عنه أنها نسخت سورة النساء الصغرى كل عدة
وأخرج ابن مردويهعن أبي سعيد الخدري قال نزلت سورة النساء بعد التي في البقرة بسبع سنين
( وهذه الأحاديث ) والآثار مصرحة بأن قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } عامة في جميع العدد وإن عموم آية البقرة مخصص بها ( والحاصل ) أن الأحاديث الصحيحة الصريحة حجة لا يمكن التخلص عنها بوجه من الوجوه على فرض عدم اتضاح الأمر باعتبار ما في الكتاب العزيز وأن الآيتين من باب تعارض العمومين مع أنه قد تقرر في الأصول أن الجموع المنكرة لا عموم فيها فلا تكون آية البقرة عامة لأن قوله ويذرون أزواجا من هذا القبيل فلا إشكال . وحديث أبي بن كعب والزبير بن العوام يدلان على أنها تنقضي عدة المطلقة بالوضع للحمل من الزوج وهو مجمع عليه حكى ذلك في البحر لدخولها تحت عموم قوله تعالى { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن } وإنما تعتد بوضعه حيث لحق وإلا فلا عند الشافعي والهادي وقال أبو حنيفة بل تعتد بوضعه ولو كان من زنا لعموم الآية

( باب الاعتداد بالإقراء وتفسيرها )

1 - عن الأسود عن عائشة قالت " أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض "
- رواه ابن ماجه

2 - وعن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير بريرة فاختارت نفسها وأمرها أن تعتد عدة الحرة "
- رواه الدارقطني
وقد أسلفنا قوله صلى الله عليه وآله وسلم في المستحاضة تجلس أيام إقرائها

3 - وروى عن عائشة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال طلاق الأمة تطليقان وعدتها حيضتان "
- رواه الترمذي وأبو داود
وفي لفظ " طلاق العبد اثنتان وقرء الأمة حيضتان " ورواه الدارقطني

4 - وروى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قال طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضان "
- رواه ابن ماجه والدارقطني واسناد الحديث ضعيف والصحيح عن ابن عمر قوله " عدة الحرة حيض وعدة الأمة حيضتان "

- حديث عائشة الأول قال الحافظ في بلوغ المرام رواته ثقات لكنه معلول . وحديث ابن عباس أخرجه أيضا الطبراني في الأوسط
قال في مجمع الزوائد ورجال أحمد رجال الصحيح ويشهد له ما أخرجه أحمد من حديث بريرة بنحوه والحديث الذي أشار إليه المصنف في المستحاضة تقدم في أبواب الحيض وتقدم في معناه أحاديث . وحديث عائشة الثاني أخرجه أيضا البيهقي قال أبو داود هو حديث مجهول وقال الترمذي حديث غريب ولا نعرفه مرفوعا إلا من حديث مظاهر بن أسلم ومظاهر لا يعرف له في العلم غير هذا الحديث اه . وحديث ابن عمر أخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي وفي اسناده عمرو بن شبيب وعطية العوفي وهما ضعيفان وصحح الدارقطني الموقوف
وقد ذكر المصنف هذه الأحاديث للاستدلال بها على أن عدة المطلقة ثلاثة أقراء وعلى أن الأقراء هي الحيض أما الأول فهو صريح قوله تعالى { والمطلقات يتربضن بأنفسهن ثلاثة قروء } وإنما وقع الخلاف في الأقراء المذكورة في الآية هل هي الأطهار أو الحيض فظاهر قوله صلى الله عليه وآله وسلم تعتد بثلاث حيض . وقوله تجلس أقرائها وقوله وعدتها حيضتان أن الأقراء هي الحيض وقراءة الجمهور قروء بالهمز . وعن نافع بتشديد الواو بغير همز قال الأخفش أقرأت المرأة إذا صارت ذات حيض . وعن أبي عبيد أن القرء يكون بمعنى الطهر وبمعنى الضم والجمع وجزم به ابن بطال وفي القاموس القرء ويضم الحيض والطهر انتهى . وزعم كثير أن القرء مشترك بين الحيض والطهر وقد أنكر صاحب الكشاف إطلاقه على الطهر
وقال ابن القيم أن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع إلا للحيض ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر فحمله في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى بل يتعين فإنه قد قال للمستحاضة دعي الصلاة أيام أقرائك وهو صلى الله عليه وآله وسلم المعبر عن الله وبلغة قومه نزل القرآن فإذا أورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجب حمله في سائر كلامه عليه إذا لم يثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتة ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها وإن كان له معنى آخر في كلام غيره وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم أن هذا لغته فيتعين حمله عليها في كلامه ويدل على ذلك ما في سياق الآية من قوله تعالى { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } وهذا هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين والمخلوق في الرحم إنما هو الحيض الوجودي وبهذا قال السلف والخلف ولم يقل أحد أنه الطهر وأيضا فقد قال سبحانه { واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن } فجعل كل شهر بإزاء حيضة وعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر والحيض وقد أطال الكلام ابن القيم وأطاب فليراجع . وحكى في البحر عن العترة أن القرء بفتح القاف وضمها حقيقة في الحيض مجاز في الطهر . وعن بعض أصحاب الشافعي عكس ذلك . وعن الأكثر أنه مشترك وعن الأخفش الصغير أنه اسم لانقضاء الحيض ثم قال في البحر ولا خلاف أن المراد بالآية أحدهما لا مجموعهما
قال فعن أمير المؤمنين علي وابن مسعود وأبي موسى والعترة والحسن البصري والأوزاعي والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابه المراد به في الآية الحيض . وعن ابن عمر وزيد بن ثابت وعائشة والصادق والباقر والإمامية والزهري وربيعة ومالك والشافعي وفقهاء المدينة ورواية عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه الأطهار ثم رجح القول الأول واستدل له وقد أخذ بظاهر حديث عائشة وابن عمر المذكورين في الباب الشافعي فقال لا يملك العبد من الطلاق إلا اثنتين حرة كانت زوجته أو أمة
وقال الناصر وأبو نيفة إلا اثنتان في الأمة لا في الحرة فكالحر وقالوا كلهم عدة الحرة منه ثلاثة قروء وعدة الأمة قرءان . وذهبت الهادوية وغيرهم أن العبد يملك من الطلاق ما يملكه الحر والعدة منه كالعدة من الحر مطلقا . وتمسكوا بعموم الأدلة الواردة في ذلك فإنها شاملة للحر والعبد ويجاب بأن ما في الباب مخصص لذلك العموم ويؤيده ما أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن مسعود وابن عباس مرفوعا الطلاق بالرجال والعدة بالنساء والإعلال بالوقف غير قادح لأن الرفع زيادة . وأيضا قد روى أحمد عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه نحو ذلك

( باب إحداد المعتدة )

1 - عن أم سلمة " أن امرأة توفي زوجها فخشوا على عينها فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستأذنوه في الكحل فقال لا تكتحل كانت إحداكن تمكث في شر أحلاسها أو شر بيتها فإذا كان حول فمر كلب رمت ببعرة فلا حتى تمضي أربعة أشهر وعشر "
- متفق عليه

2 - وعن حميد بن نافع عن زينب بنت أم سلمة " أنها أخبرته بهذه الأحاديث الثلاثة قالت دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان فدعت أم حبيبة بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب ثم دخلت على زينب بنت جحش حين توفي أخوها فدعتت بطيب فمست منه ثم قالت والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا قالت زينب وسمعت أمي أم سلمة تقول جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفتكحلها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا مرتين أو ثلاثا كل ذلك يقول لا ثم قال إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول قال حميد فقلت لزينب وما ترمي بالبعرة على رأس الحول فقالت زينب كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشا ولبست شر ثيابها ولم تمس طيبا ولا شيئا حتى تمر بها سنة ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طير فنقتض به فقلما تفتض بشيء إلا مات ثم تخرج فتعطى بعرة فتلامي بها ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره "
- أخرجاه

3 - وعن أم سلمة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يحل لامرأة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرا "
- أخرجاه
واحتج به من لم ير الإحداد على المطلقة " )

- قوله " أن امرأة " هي عاتكة بنت نعيم بن عبد الله كما أخرجه ابن وهب عن أم سلمة والطبراني أيضا
قوله : " لا تكتحل " فيه دليل على تحريم الاكتحال على المرأة في أيام عدتها من موت زوجها سواء احتاجت إلى ذلك أم لا وجاء في حديث أم سلمة في الموطأ وغيره اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار . ولفظ أبي داود ( فتكتحلين بالليل وتغسلينه بالنهار " قال في الفتتح ووجه الجمع بينهما أنها إذا لم تحتج إليه لا يحل وإذا احتاجت لم يجز بالنهار ويجوز بالليل مع أن الأولى تركه فإذا فعلت مسحته بالنهار وتأول بعضهم حديث الباب على أنه لم يتحقق الخوف على عينها وتعقب بأن في حديث الباب المذكور فخشوا على عينها
وفي رواية لابن منده وقد خشيت على بصرها
وفي رواية لابن حزم إني أخشى أن تنفقئ عينها قال لا وإن انفقأت
قال الحافظ وسنده صحيح ولهذا قال مالك في رواية عنه بمنعه مطلقا وعنه يجوز إذا خافت على عينها بما لا طيب فيه وبه قالت الشافعية مقيدا بالليل وأجابوا عن قصة المرأة باحتمال أنه كان يحصل لها البرء بغير الكحل كالتضميد بالصبر ومنهم من تأول النهي على كحل مخصوص وهو ما يقتضي التزين به لأن التداوي قد يحصل بما لا زينة فيه فلم ينحصر فيما فيه زينة وقالت طائفة من العلماء يجوز ذلك ولو كان فيه طيب وحملوا النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة
قوله : " في شر أحلاسها " المراد بالأحلاس الثياب وهي بمهملتين جمع حلس بكسر ثم سكون وهو الثوب أو الكساء الرقيق يكون تحت البرذعة
قوله : " أو شر بيتها " هو أضعف موضع فيه كالأمكنة المظلمة فيه ونحوها والشك من الراوي
قوله : " فمر كلب رمت ببعرة " البعرة بفتح الباء الموحدة وسكون العين المهملة ويجوز فتحها
وفي رواية مطرف وابن ماجشون عن مالك " ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل " فترمى بها أمامها فيكون ذلك إحلالا لها . وظاهر رواية الباب أن رميها بالبعرة يتوقف على مرور الكلب سواء طال زمن انتظار مروره أم قصر وبه جزم بعض الشراح
وقيل ترمى بها من عرض من كلب أو غيره ترى من حضرها أن مقامها حولا أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبا أو غيره . واختلف في المراد برمي البعرة فقيل هو اشارة على أنها رمت العدة رمي البعرة
وقيل اشارة إلى أن الفعل الذي فعلته من التربص والصبر على البلاء الذي كانت فيه كان بمنزلة البعرة التي رمتها استحقارا له وتعظيما لحق زوجها
وقيل بل ترميها على سبيل التفاؤل لعدم عودها إلى مثل ذلك
قوله : " حتى تمضي أربعة أشهر وعشر " قيل الحكمة في ذلك أنها تكمل خلقة الولد وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوما وهي زيادة على أربعة أشهر لنقصان الأهلة فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط وذكر العشر مؤنثا لإرادة الليالي والمراد مع أيامها عند الجمهور فلا تحل حتى تدخل الليلة الحادية عشرة . وعن الأوزاعي وبعض السلف تنقضي بمضي الليالي العشر بعد الأشهر وتحل في أول اليوم العاشر واستثنيت الحامل كما تقدم شرح حالها ويعارض أحاديث الباب ما أخرجه أحمد وابن حبان وصححه من حديث أسماء بنت عميس قال دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب فقال لا تحدي بعد يومك هذا وسيأتي
قال العراقي في شرح الترمذي ظاهره أنه لا يجب الإحداد على المتوفى عنها بعد اليوم الثالث لأن أسماء بنت عميس كانت زوج جعفر بالاتفاق وهي والدة أولاده
قال بل ظاهر النهي أن الإحداد لا يجوز وأجاب بأن هذا الحديث شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة وقد أجمعوا على خلافه . وأجاب الطحاوي بأنه منسوخ وأن الإحداد كان على المعتدة في بعض عدتها في وقت ثم وقع الأمر بالإحداد أربعة أشهر وعشرا واستدل على النسخ بأحاديث الباب وليس فيها ما يدل على ذلك وقيل المراد بالإحداد للقيد بالثلاث قدر زائد على الإحداد المعروف فعلته أسماء مبالغة في حزنها فنهاها عن ذلك بعد الثلاث ويحتمل أنها كانت حاملا فوضعت بعد ثلاث فانقضت عدتها و يحتمل أنه أبانها بالطلاق قبل استشهاده فلم يكن عليها إحداد و قد أعل البيهقي الحديث بالانقطاع فقال لم يثبت سماع عبد الله بن شداد من أسماء و تعقب بأنه قد صححه أحمد و قد ورد معنى حديث أسماء من حديث ابن عمر بلفظ " لا إحداد فوق ثلاث " قال أحمد هذا منكر و المعروف عن ابن عمر من رأيه ويحتمل أن يكون هذا لغير المرأة المعتدة فلا نكارة فيه بخلاف حديث أسماء : قوله " لا يحل " استدل بذلك علي غير الزوج وهو ظاهر وعلى وجوب الإحداد على المرأة التي مات زوجها وتعقب بأن الاستثناء وقع بعد النفي وهو يدل على مجرد الجواز لا الوجوب ورد بأن الوجوب استفيد من دليل آخر كالإجماع وتعقب بأن المنقول عن الحسن البصري أن الإحداد لا يجب كما أخرجه عنه ابن أبي شيبة وروي أيضا عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد وقيل إن السياق دال على الوجوب قوله " لامرأة " تمسك بمفهومه الحنفية فقالوا لا يجب الإحداد على الصغيرة وخالفهم الجمهور فأوجبوه عليها كالعدة وأجابوا عن التقييد بالمرأة بأنه خرج مخرج الغالب وظاهر الحديث عدم الفرق بين المدخولة وغيرها والحرة والأمة
قوله : " تؤمن بالله واليوم الآخر " استدل به الحنفية وبعض المالكية على عدم وجوب الإحداد على الذمية وخالفهم الجمهور وأجابوا بأنه ذكر للمبالغة في الزجر فلا مفهوم له وقال النووي التقييد بوصف الإيمان لأن المتصف به هو الذي ينقاد للشرع ورجح ابن دقيق العيد الأول وقد أجاب ابن القيم في الهدى عن هذا التقييد بما فيه كفاية فراجعه
قوله : " تحد " بضم أوله وكسر ثانيه من الرباعي ويجوز بفتح أوله وضم ثانيه من الثلاثي قال أهل اللغة أصل الإحداد المنع ومنه تسمية البواب حدادا لمنعه الداخل وتسمية حدا لأنها تردع عن المعصية قال ابن درستويه معنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة وبدنها الطيب ومنع الخطاب خطبتها
وحكى الخطابي أنه يروى بالجيم والحاء والحاء أشهر وهو بالجيم مأخوذ من جددت الشيء إذا قطعته فكأن المرأة انقطعت عن الزينة : قوله " على ميت " استدل به من قال إنه لا إحداد على امرأة المفقود لعدم تحقق وفاته خلافا للمالكية وظاهره أنه لا إحداد على المطلقة فأما الرجعية فإجماع وأما البائنة فلا إحداد عليها عند الجمهور وقال أبو حنيفة وأبو عبيد وأبو ثور وبعض المالكية والشافعية وحكاه أيضا في البحر عن أمير المؤمنين علي وزيد بن علي والمنصور بالله والثوري والحسن بن صالح أنه يلزمها الإحداد وألحق الاقتصار على مورد النص عملا بالبراءة الأصلية فيما عداه فمن ادعى وجوب الإحداد على غير المتوفى عنها فعليه الدليل وأما المطلقة قبل الدخول فقال في الفتح إنه لا إحداد عليها اتفاقا
قوله : " فوق ثلاث " فيه دليل على جواز الإحداد على غير الزوج من قريب ونحوه ثلاث ليال فما دونها وتحريمه فيما زاد عليها وكأن هذا القدر أبيح لأجل حظ النفس ومراعاتها وغلبة الطباع البشرية وأما ما أخرجه أو داود في المراسيل من حديث عمر وابن شعيب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رحص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام وعلى من سواه ثلاثة أيام فلو صح لكان مخصصا للأب من هذا العموم لكنه مرسل وأيضا عمرو بن شعيب ليس من التابعين حتى يدخل حديثه في المرسل وقال الحافظ يحتمل أن أبا داود لا يخص المرسل برواية التابعين
قوله : " والله ما لي بالطيب من حاجة " اشارة إلى أن آثار الحزن باقية عندها لكنها لم يسعها إلا امتثال الأمر
قوله : " وقد اشتكت عينها " قال ابن دقيق العيد يجوز فيه وجهان ضم النون على الفاعلية على أن تكون العين هي المشتكية وفتحها على أن يكون في اشتكت ضمير الفاعل ويرجح الأول أنه وقع في مسلم عيناها وعليها اقتصر النووي
قوله : " أفنكحلها " بضم الحاء
قوله : " حفشا " بكسر الحاء المهملة وسكون الفاء بعدها معجمة فسره أبو داود في روايته من طريق مالك أنه البيت الصغير
قوله : " فتقتض به " بفاء ثن مثناة من فوق ثم قاف ثم مثناة فوقية ثم ضاد معجمة فسره مالك بأنها تمسح بها جلدها وفي النهاية فرجها وأصل القض الكسر أي تكسر ما كانت فيه وتخرج منه بما فعلت بالدابة وفي رواية للنسائي تقبض بعد القاف باء موحدة ثم صاد مهملة والقبض الأخذ بأطراف الأنامل قال الأصبهاني وابن الأثير هو كناية عن الاسراع أي تذهب بسرعة إلى منزل أبويها لكثرة جفائها بقبح منظرها أو لشدة شوقها إلى الأزواج لبعد عهدها قال ابن قتيبة سألت الحجازيين عن الاقتضاض فذكروا أن المعتدة كانت لا تمس ماء ولا تقلم ظفرا ولا تزيل شعرا ثم تخرج بعد الحول بأقبح منظر ثم تقتض أي تكسر ما كانت فيه من العدة بطائر تمسح به قبلها فلا يكاد يعيش ما تقتض به
قال الحافظ وهذا لا يخالف تفسير مالك لكنه أخص منه لأنه أطلق الجلد فتبين أن المراد به جلد القبل والافتضاض بالفاء الاغتسال بالماء العذب لازالة الوسخ حتى تصير بيضاء نقية كالفضة

( باب ما تجتنب الحادة وما رخص لها فيه )

1 - عن أم عطية قالت " كنا ننهي إن نحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا ولا نكتحل ولا نتطيب ولا نلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب وقد رخص لنا عند الطهر إذا اغتسلت إحدانا من محيضها في نبذة من كست أظافرها "
- أخرجاه
وفي رواية قالت " قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحد فوق ثلاث إلا على زوج فإنها لا تكتحل ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار " متفق عليه
وقال فيه أحمد ومسلم " لا تحد على ميت فوق ثلاث إلا المرأة فإنها تحد أربعة أشهر وعشرا "

2 - وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " المتوفي عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب ولا تكتحل "
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي

3 - وعن أم سلمة " قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين توفى أبو سلمة وقد جعلت على صبرا فقال ما هذا يا أم سلمة فقلت إنما هو صبر يا رسول الله ليس فيه طيب فقال إنه يشيب الوجه فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعينه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء فإنه خضاب قالت قلت بأي شيء أمتشط يا رسول الله قال بالسدر تغلفين به رأسك "
- رواه أبو داود والنسائي

4 - وعن جابر قال " طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجد نخلا لها فلقيها رجل فنهاها فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له فقال اخرجي فجدي نخلك لعلك إن تصدقي منه أو تفعلي خيرا "
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود وابن ماجه والنسائي

5 - وعن أسماء بنت عميس قالت " لما أصيب جعفر أتانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال تسلبي ثلاثا ثم اصنعي ما شئت " وفي رواية " قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اليوم الثالث من قتل جعفر فقال لا تحد بعد يومك هذا "
- رواهما أحمد وهو متأول على المبالغة في الإحداد والجلوس للتعزية

- حديث أم سلمة الأول قال البيهقي روى موقوفا والمرفوع من رواية إبراهيم بن طهمان وهو موثوق من رجال الصحيحين وقد ضعفه ابن حزم ولا يلتفت إلى ذلك فإن الدار قطني قد جزم بأن تضعيف من ضعفه إنما هو من قبل الإرجاء
وقد قيل انه رجع عن ذلك . وحديثها الثاني أخرجه الشافعي وفي إسناده المغيرة بن الضحاك عن أم حكيم بنت أسيد عن أمها عن مولى لها عن أم سلمة وقد أعله عبد الحق والمنذري بجهالة حال المغيرة ومن فوقه قال الحافظ وأعل بما في الصحيحين عن زينب بنت أم سلمة سمعت أم سلمة تقول " جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت يا رسول الله إن ابنتي توفى عنها زوجها وقد اشتكت عينها " الحديث وقد تقدم وحسن إسناده وحديثها المذكور في الباب الحافظ في بلوغ المرام . وحديث أسماء بنت عميس أخرجه ابن جبان وصححه وقد تقدم الكلام عليه في الباب الذي قبل هذا
قوله : " ننهي " بضم أوله
قوله : " ولا نكتحل " قد تقدم الكلام عليه
قوله : " ولا نتطيب " فيه تحريم الطيب على المعتدة وهو كل ما يسما طيبا ولا خلاف في ذلك وقد استثنى صاحب البحر اللينوفر والبنفسج والعرار وعلل ذلك بأنها ليست بطيب ثم قال أما البنفسج ففيه نظر
قوله : " ولا تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب " بمهملتين مفتوحتين ثم ساكنة ثم موحدة وهو بالإضافة برود اليمن يعب غزلها أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبا فيخرج موشي لبقاء ما عصب منه أبيض لم ينصبغ وإنما ينصبغ السدى دون اللحمة
وقال السهيلي إن العصب نبات لا ينبت إلا باليمن وهو غريب وأغرب منه قول الداودي إن المراد بالثوب العصب الخضرة وهي الحبرة
قال ابن المنذر أجمع العلماء أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب المعصفرة ولا المصبغة إلا ما صبغ بسواد فرخص فيه مالك والشافعي لكونه لا يتخذ للزينة بل هو من لباس الحزن
وقال الإمام يحيى لها لبس البياض والسواد وإلا كهب وما بلى صبغه والخاتم والزقر والودع . وكره عروة العصب أيضا وكره مالك غليظه قال النووي الأصح عند أصحابنا تحريمه مطلقا والحديث حجة عليهم
قال النووي ورخص أصحابنا ما لا يتزين به ولو كان مصبوغا وأختلف في الحرير فالأصح عند الشافعية منعه مطلقا مصبوغا أو غير مصبوغ لأنه من ثياب الزينة وهي ممنوعة منها قال في البحر مسألة ويحرم من اللباس المصبوغ للزينة ولو بالمغرة والحرير وما في منزلته لحسن صنعته والمطرز والمنقوش بالصبغ والحلي جميعا
قال في الفتح وفي التحلي بالذهب والفضة واللؤلؤ ونحوه وجهان الأصح جوازه وفيه نظر لأنه من الزينة ويصدق عليه أيضا اسم الحلي المنهى عنه في حديث أم سلمة المذكور
قوله : " في نبذة " بضم النون وسكون الموحدة بعدها معجمه وهي القطعة من الشيء وتطلق على الشيء اليسير قوله " من كست أظفار " بضم الكاف وسكون المهملة وبعدها مثناة فوقية وفي رواية من قسط بقاف مضمومة كما في الرواية الأخرى المذكورة وهو بالإضافة إلى أظفار وفي الرواية الأخرى من قسط أو أظفار وهو أصوب وخطأ القاضي عياض رواية الإضافة
قال النووي القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور وليسا من مقصود الطيب رخص فيه للمغتسلة من الحيض لإزالة الرائحة الكريهة تتبع به أثر الدم لا للتطيب وقال البخاري القسط والكست مثل الكافور والقافور انتهى وروي كسط بالطاء بإبدال الكاف من القاف
قال في النهاية وقد تبدل الكاف من القاف وقد استدل بهذا على أنه يجوز للمرأة استعمال ما فيه منفعة من جنس ما منعت منه
قوله : " ولا الممشقة " أي المصبوغة بالمشق وهو المغرة
قوله : " يشيب الوجه " بفتح أوله وضم الشين المعجمة أي يجمله . وظاهر حديث أم سلمة هذا أنه يجوز للمرأة المعتدة عن موت إن تجعل على وجهها الصبر بالليل وتنزعه بالنهار لأنه يحسن الوجه فلا يجوز فعله في الوقت الذي تظهر فيه الزينة وهو النهار ويجوز فعله بالليل لأنها لا تظهر فيه
قوله " ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء " فيه دليل على أنه لا يجوز للمرأة إن تمتشط بشيء من الطيب أو بما فيه زينة كالحناء ولكنها تمتشط بالسدر
قوله : " تغلفين به رأسك " الغلاف في الأصل الغشاوة وتغليف الرأس إن يجعل عليه من الطيب أو السدر ما يشبه الغلاف
قال في القاموس تغلف الرجل واغتلف حصل له غلاف
قوله : " تحد " بفتح أوله وضم الجيم بعدها دال مهملة أي تقطع نخلا لها وظاهر أذنه صلى الله عليه وآله وسلم لها بالخروج لجد النخيل يدل على أنه يجوز لها الخروج لتلك الحاجة أو ما يشابهها بالقياس
وقد بوب النووي لهذا الحديث فقال باب جواز خروج المعتدة البائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك ولا يجوز لغير حاجة وقد ذهب إلى ذلك على رضي الله عنه وأبو حنيفة والقاسم والمنصور بالله ويدل على اعتبار الغرض الديني أو الدنيوي تعليله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك بالصدقة أو فعل الخير ولا معارضة بين هذا الحديث وقوله تعالى { لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن } الآية بل الحديث مخصص لذلك العموم المشعور به من النهي فلا يجوز الخروج إلا للحاجة لغرض من الأغراض . وذهب الثورى والليث ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنه يجوز لها الخروج في النهار مطلقا وتمسكوا بظاهر الحديث وليس فيه ما يدل على اعتبار الحاجة وغايته اعتبار إن يكون الخروج لقربه من القرب كما يدل على ذلك آخر الحديث ومما يؤيد مطلق الجواز في النهار القياس على المتوفي عنها كما سيأتي
قوله : " تسلبي " بفتح أوله وبعده سين مهملة مفتوحة وتشديد اللام أي البسي السلاب وهو ثوب الإحداد وقيل هو ثوب أسود تغطي به رأسها وقد قدمنا الكلام على حديث أسماء هذا وكيفية الجمع بينه وبين الأحاديث القاضية بوجوب الإحداد

( باب أين تعتد المتوفي عنها )

1 - عن فريعة بنت مالك قالت " خرج زوجي في طلب اعلاج له فأدركهم في طرف القدوم فقتلوه فأتاني نعيه وأنا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت ذلك له إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن له فلو تحولت إلي أهلي واخوتي لكان أرفق لي في بعض شأني قال تحولي فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني أو أمر بي فدعيت فقال امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرا قالت وأرسل إلى عثمان فأخبرته فأخذ به "
- رواه الخمسة وصححه الترمذي ولم يذكر النسائي وابن ماجه إرسال عثمان

2 - وعن عكرمة عن ابن عباس " في قوله تعالى { والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج } نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله لها من الربع والثمن ونسخ أجل الحول إن جعل أجلها أربعة أشهر "
- رواه النسائي وأبو داود

- حديث فريعة أخرجه أيضا مالك في الموطأ والشافعي والطبراني وابن حبان والحاكم وصححاه وأعله ين حزم وعبد الحق بجهالة حال زينب بنت كعب بن عجرة الرواية له عن الفريعة وأجيب بأن زينب المذكورة وثقها الترمذي وذكرها ابن فتحون وغيره في الصحابة وأما ما روي عن علي بن المديني بأنه لم يروعنها غير سعد بن أسحق فمردود بما في مسند أحمد من رواية سليمان بن محمد بن كعب ابن عجرة عن عمته زينب في فضل الإمام علي رضي الله عنه وقد أعل الحديث أيضا بأن في إسناده سعد بن إسحاق وبعقبه ابن القطان بأنه قد وثقه النسائي وابن حيان انتهى . ووثقه أيضا يحيى بن معين والدارقطني وقال أبو حاتم صالح الحديث وروى عنه جماعة من أكابر الأئمة ولم يتكلم فيه بجرح وغاية ما قاله فيه ابن حزم وعبد الحق أنه غير مشهور وهذه دعوى باطلة فإن من يروي عنه مثل سفيان الثوري وحماد بن زيد ومالك بن أنس ويحيى بن سعيد والدراوردى وابن جريح والزهري مع كونه أكبر منه وغير هؤلاء الأئمة كيف يكون غير مشهور . وحديث ابن عباس سكت عنه أبو داود وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال ولكنه قد رواه النسائي من غير طريقه
قوله : " عن فريعة " بضم الفاء وفتح الراء وبعدها تحتية ساكنة ثم عين مهملة ويقال لها الفارعة وهي بنت مالك بن سنان أخت آبى سعيد الخدري وشهدت بيعة الرضوان وقد استدل بحديثها هذا علي إن المتوفي عنها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه ولا تخرج منه إلى غيره وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وقد أخرج ذلك عبد الرزاق عن عمر وعثمان وابن عمر وأخرجه أيضا سعيد بن منصور عن أكثر أصحاب ابن مسعود والقاسم بن محمد وسالم بن عند الله وسعيد بن المسيب وعطاء وأخرجه حماد عن ابن سيرين وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم والأوزاعي وإسحاق وأبو عبيد قال ابن عبد البر وقد قال بحديث الفريعة جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر ولم يطعن فيه أحد منهم وقد روي جواز خروج المتوفي عنها للعذر عن جماعة منهم عمر أخرج عنه ابن أبي شيبة أنه رخص للمتوفى عنها إن تأتي أهلها بياض يومها . وان زيد بن ثابت رخص لها في بياض يومها وأخرج عبد الرزاق عن ابن عمر أنه كان له ابنة تعتد من وفاة زوجها فكانت تأتيهم بالنهار فتحدث إليهم فإذا كان الليل أمرها إن ترجع إلى بيتها
وأخرج أيضا عن ابن مسعود في نساء نعى إليهن أزواجهن وتشكين الوحشة فقال ابن مسعود يجتمعن بالنهار ثم ترجع كل امرأة منهن إلى بيتها بالليل
وأخرج سعيد بن منصور عن علي رضي الله عنه انه جوز للمسافرة الانتقال
وروى الحجاج بن منهال إن امرأة سألت أم سلمة بأن أباها مريض وأنها في عدة وفاة فأذنت لها في وسط النهار
وأخرج الشافعي وعند الرزاق عن مجاهد مرسلا إن رجالا استشهدوا بأحد فقال نساؤهم يا رسول الله إنا نستوحش في بيوتنا أفنبيت عند إحدانا فأذن لهن أن يتحدثن عند إحداهن فإذا كان وقت النوم تأوي كل واحدة إلى بيتها وحكى في البحر عن علي رضي الله عنه وابن عباس وعائشة وجابر والقاسمية أنه يجوز لها الخروج من موضع عدتها لقوله ( يتربصن ) ولم يخص مكانا والبيان لا يؤخر عن الحاجة . وعن زيد بن على والشافعية والحنفية أنه لا يجوز ثم قال فرع ولها الخروج نهارا ولا تبيت إلا في منزلها إجماعا انتهى . وحكاية الإجماع راجعة إلى مبيتها في منزلها لا إلى الخروج نهارا فإنه محل الخلاف كما عرفت . وحديث فريعة لم يأت من يخالفه بما ينتهض لمعارضته فالتمسك به متعين ولا حجة في أقوال أفراد الصحابة ومرسل مجاهد لا يصلح للاحتجاج به على فرض انفراده عند من لم يقبل المراسيل مطلقا وأما إذا عارضه مرفوع أصح منه كما في مسألة النزاع فلا يحل التمسك به بإجماع من يعتد به من أهل العلم وقد استدل بحديث ابن عباس المذكور في الباب من قال إن المتوفي عنها لا تستحق السكنى والنفقة والكسوة قال الشافعي حفظت عمن أرضي به من أهل العلم إن نفقة المتوفي عنها زوجها وكسوتها حولا منسوختان بآية الميراث ولم أعلم مخالفا في نسخ نفقة المتوفي عنها وكسوتها سنة أو أقل من سنة ثم قال ما معناه أنه يحتمل إن يكون حكم السكنى حكمهما لكونها مذكورة معهما ويحتمل أنها تجب لها السكنى وقال الشافعي أيضا في كتاب العدد الاختيار لورثة الميت إن يسكنوها لان قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حديث فريعة امكثي في بيتك وقد ذكرت أنه لا بيت لزوجها يدل على وجوب سكناها في بيت زوجها إذا كان له بيت بالطريق الأولى وأجيب الاستدلال بحديث ابن عباس بأن نسخ بعض المدة إنما يستلزم نسخ نفقة المنسوخ وكسوته وسكناه دون ما لم ينسخ وهو أربعة أشهر وعشر وأجيب عن الاستدلال بحديث فريعة بأنه مخلف للقياس لأنها قالت وليس المسكن له ولم يدع نفقة ولا مالا فأمرها بالوقوف فيما لا يملكه زوجها وملك الغير لا يستحق غيره الوقوف فيه فيكون ذلك قضية عين موقوفة
وقد حكى في البحر القول بوجوب نفقة المتوفي عنها عن ابن عمر والهادي والقاسم والناصر والحسن بن صالح وعدم الوجوب عند الشافعية والحنفية ومالك والوجوب للحامل لا الحائل عن مولانا علي رضى الله عنه وابن مسعود وأبي هريرة وشريح وابن أبي ليلى . وحكي أيضا القول بوجوب السكني عن ابن عمر وأم سلمة ومالك والإمام يحيى والشافعي وعدمه عن مولانا علي رضي الله عنه وعمر وابن مسعود وعثمان وعائشة وأبي حنيفة وأصحابه
وقد أخرج أحمد والنسائي من حديث فاطمة بنت قيس إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة " وفي لفظ آخر " وإنما النفقة والسكني للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة فإذا لم يكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكني " وسيأتي هذا الحديث في باب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية وهو نص في محل النزاع والقرآن والسنة وإنما دلا على انه يجب على المتوفي عنها لزومها لبيتها وذلك تكليف لها . وحديث الفريعة إنما دل على هذا فهو واضح في إن السكنى والنفقة ليستا من تكليف الزوج ويؤيد هذا إن الذي في القرآن في سورة الطلاق هو إيجاب النفقة لذات الحمل لا غير وفي البقرة إيجابها للمطلقات وقد خرج من عمومهن البائنة بحديث فاطمة بنت قيس إلا إن تكون حاملا لذكر ذلك في حديثها كما سيأتي وخرجت أيضا المطلقة قبل الدخول بآية الأحزاب فخرجت المتوفي عنها من ذلك وكذلك لا سكنى لها لأن قوله تعالى { لا تخرجوهن من بيوتهن } وقوله { أسكنوهن من حيث سكنتم } في الرجعيات لظاهر السياق كما سيأتي تحقيق ذلك إذا تقرر هذا علمت أنه لم يكن في القرآن ما يدل على وجوب النفقة والسكنى للمتوفى عنها كما علمت إن السنة قاضية بعدم الوجوب
وأما حديث الفريعة وحديث ابن عباس فقد استدل بهما من قال بعدم الوجوب كما استدل بهما من قال بالوجوب لما فيهما من الاحتمال والمحتمل لا تقوم به الحجة وقد أطال صاحب الهدي الكلام في هذه المسألة وحرر فيها المذاهب تحريرا نفسيا فمن رام الوقوف على تفاصيلها فليراجعه

( باب ما جاء في نفقة المبتوتة وسكناها )

1 - عن الشعبي عن فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المطلقة ثلاثا قال " ليس لها سكني ولا نفقة "
- رواه أحمد ومسلم
وفي رواية عنها قالت " طلقني زوجي ثلاثا فلم يجعل لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سكنى ولا نفقة " . رواه الجماعة إلا البخاري
وفي رواية عنها أيضا قالت " طلقني زوجي ثلاثا فآذن لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن أعتد في أهلي " . رواه مسلم

2 - وعن عروة ابن الزبير أنه قال لعائشة " ألم تري إلى فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت فقالت بئسما صنعت فقال ألم تسمعي إلى قول فاطمة فقالت أما أنه لا خير لها في ذلك "
- متفق عليه
وفي رواية " إن عائشة عابت ذلك أشد العيب وقالت إن فاطمة كانت في مكان وحش فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " . رواه البخاري وابن داود وابن ماجه

3 - عن فاطمة بنت قيس قالت " قلت يا رسول الله زوجي طلقني ثلاثا وأخاف إن يقتحم على فأمرها فتحولت "
- رواه مسلم والنسائي

4 - وعن الشعبي انه حدث بحديث فاطمة بنت قيس " إن رسول الله عليه وآله وسلم لم يجعل لها سكني ولا نفقة فأخذ الأسود بن يزيد كفا من حصى فحصبه به وقال ويلك تحدث بمثل هذا قال عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت "
- رواه مسلم

5 - وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال " أرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة فسألها فأخبرته أنها كانت عند أبي حفص بن المغيرة وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الأمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه على بعض اليمن فخرج معه زوجها فبعث إليها بتطليقة كانت بقيت لها وأمر عياش ابن أبي ربيعة والحرث بن هشام إن ينفقا عليها فقالا والله لا تكون لها نفقة إلا إن تكون حاملا فاتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لا نفقة لك إلا إن تكوني حاملا واستأذنته في الانتقال فأذن لها فقالت أين أنتقل يا رسول الله فقال عند أم مكتوم وكان أعمى تضع ثيابها عنده ولا يبصرها فلم تزل هناك حتى مضت عدتها فأنكحها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسامة فرجع قبيصة إلى مروان فأخبره ذلك فقال مروان لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها فقالت فاطمة حين بلغها ذلك بيني وبينكم كتاب الله قال الله فطلقوهن لعدتهن حتى قال لا ندري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فأي أمر يحدث بعد ثلاث "
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي ومسلم بمعناه

- قوله " ألم ترى إلى فلانة بنت الحكم " اسمها عمرة بنت عبد الرحمن بن الحكم فهي بنت أخي مروان بن الحكم ونسبها عروة في هذه الرواية إلى جدها قوله " بئسما صنعت " في رواية أخرى " بئسما صنع " أي زوجها في تمكينها من ذلك أو أبوها في موافقتها
قوله : " أما أنه لا خير لها في ذلك " كأنها تشير إلى إن سبب الإذن في انتقال فاطمة ما في الرواية الثانية المذكورة من أنها كانت في مكان وحش أو إلي ما وقع في رواية لأبي داود إنما كان ذلك من سوء الخلق
قوله : " وحش " بفتح الواو وسكون المهملة بعدها معجمة أي مكان لا أنيس به ( وقد استدل ) بأحاديث الباب من قال إن المطلقة بائنا لا تستحق على زوجها شيئا من النفقة والسكنى وقد ذهب إلى ذلك أحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وأتباعهم وحكاه في البحر عن ابن عباس والحسن البصري وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى والأوزاعي والأمامية والقاسم وذهب الجمهور كما حكى ذلك صاحب الفتح عنهم إلى أنه لا نفقة لها ولها السكنى واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } ولإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى { وان كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن } فإن مفهومه إن غير الحامل لا نفقة لها وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر فائدة . وذهب عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز والثوري وأهل الكوفة من الحنفية وغيرهم والناصر والإمام يحيى إلى وجوب النفقة والسكنى واستدلوا بقوله تعالى { يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن } فإن آخر الآية وهو النهي عن إخراجهن يدل على وجوب النفقة والسكنى ويؤيده قوله تعالى { أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم } الآية وذهب الهادي والمؤيد بالله وحكاه في البحر عن أحمد بن حنبل إلى أنها تستحق النفقة دون السكنى واستدلوا على وجوب النفقة بقوله تعالى { وللمطلقات متاع بالمعروف } الآية وبقوله تعالى { لا تضاروهن } وبأن الزوجة المطلقة بائنا محبوسة بسبب الزوج واستدلوا على عدم وجوب السكنى بقوله تعالى { اسكنوهن من حيث سكنتم } فأنه أوجب إن تكون حيث الزوج وذلك لا يكون في البائنة وأرجح هذه القوال الأول لما في الباب القول الصحيح الصريح وأما ما قيل أنه مخالف القرآن فوهم فإن الذي فهمه من قوله تعالى { لا تخرجوهن من بيوتهن } هو ما فهمته فاطمة من كونه في الرجعية لقوله في آخر الآية { لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا } لأن الأمر الذي يرجى أحداثه هو الرجعة لا سواه وهو الذي حكاه الطبري عن قتادة والحسن والسدى والضحاك ولم يحك عن غيرهم خلافه قال في الفتح وحكى غيره إن المراد بالأمر ما يات من قبل الله تعالى من نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك فلم ينحصر انتهى . ولو سلم العموم في الآية لكان حديث فاطمة المذكور مخصصا له وبذلك يظهر إن العمل به ليس يترك للكتاب العزيز كما قال عمر فيما أخرجه عنه مسلم لما أخبر بقول فاطمة المذكور لانترك كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أم نسيت ( فإن قلت ) إن قوله وسنة نبينا يدل على أنه قد حفظ في ذلك شيئا من السنة يخالف قول فاطمة لما تقرر إن قول الصحابي من السنة كذا له حكم الرفع قلت صرح الأمة بانه لم يثبت شيء من السنة يخالف قول فاطمة وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها السكنى والنفقة " فقد قال الأمام أحمد لا يصح ذلك عن عمر وقال الدار قطني السنة بيد فاطمة قطعا وأيضا تلك الروية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد عمر بسنتين قال العلامة ابن القيم ونحن نشهد بالله شهادة نسئل عنها إذا لقيناه إن هذا كذب على عمر وكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وينبغي إن لا يحمل الانسان فرط الانتصار للمذاهب والتعصب على معارضتة السنن النبوية الصريحة الصحيحة بالكذب البحت فلو يكون هذا عند عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لخرست فاطة وذووها ولم ينبزوا بكلمة ولا دعت فاطة إلى المناظرة انتهى ( فان قلت ) إن ذلك القول من عمر يتضمن الطعن على رواية فاطمة لقوله لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت قلت هذا مطعن باطل باجماع المسلمين للقطع بانه لم ينقل عن أحد من العلماء أنه رد خبر المرأة لكونها امرأة فكم من سنة قد تلقتها الأمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة وهذا لا ينكره من له أدنى نصيب من علم السنة ولم ينقل أيضا عن أحد من المسلمين أنه يرد الخبر بمجرد تجويز نسيان ناقله ولو كان ذلك مما يقدح به لم يبقى حديث من الحاديث النبوية إلا وكان مقدوحا فيه لان تجويز النسيان لا يسلم منه أحد فيكون ذلك مفضيا إلى تعطيل السنن بأسرها مع كون فاطمة المذكورة من المشهورات بالحفظ كما يدل على ذلك حيثها الطويل في شأن الدجال ولم تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا مرة واحدة يخطب به على المنبر فوعته جميعه فكيف يظن بها إن تحفظ مثل هذا وتنسى أمرا متعلقا بها مقترنا بفراق زوجها وخروجها من بيته
واحتمال النسيان امر مشترك بينها وبين من أعترض عليها فإن عمر قد نسي تيمم الجنب وذكره عمارة فلم يذكر ونسى قوله تعالى { وأتيتم إحداهن قنطارا حتى ذكرته امرأة ونسى أنك ميت وأنهم ميتون } حتى سمع أبا بكر يتلوها وهكذا يقال في انكار عائشة وهكذا قول مروان سنأخذ بالعصمة وهكذا انكار الأسود بن يزيد على الشعبى لما سمعه يحدث بذلك ولم يقل أحد منه إن فاطمة كذبت في خبرها وأما دعوى إن سبب خروجها كان لفحش في لسانها كما قال مروان لما حدث بحديثها إن كان بكم شر فحسبكم ما بين هذين من الشر يعني إن خروج فاطمة كان لشر في لسانها فمع كون مروان ليس من أهل الانتقاد على أجلاء الصحابة والطعن فيهم فقد أعاذ الله فاطمة عن ذلك الفحش الذي رماها به فلها من خيرة نساء الصحابة فضلا وعلما ومن المهاجرات الأولات ولهذا ارتضاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحبه وابن حبه أسامة وممن لا سحملها رقة الدين على فحش اللسان الموجب لاخراجها من دارها ولوصح شيء من ذلك لكان أحق الناس بإنكار ذلك عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
قوله : " لانفقة لك إلا إن تكونى حاملا " فيه دليل على وجوب النفقة للمطلقة بائنا إذا كانت حاملا ويدل بمفهومه على أنها لا تجب لغيرها ممن كان على صفتها في البينونة فلا يرد ما قيل انه يدخل تحت هذا المفهوم المطلقة الرجعية إذا تكن حاملا ولو سلم الدخول لكان الاجماع علي وجوب نفقة الرجعية مطلقا مخصصا لعموم ذلك المفهوم
قوله : " واستأذنته في الانتقال فاذن لها " فيه دليل على انه يجوز للمطلقة بائنا الانتقال من المنزل الذي وقع عليها الطلاق البائن وهى فيه فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى ( ولا يخرجن ) كما خصص ذلك حديث جابر المتقدم في باب ما تجتنب الحادة ولا يعارض هذا حديث الفريعة المتقدم لانه في عدة الوفاة وقد قدمنا الخلاف في جواز الخروج وعدمه للمطلقة بائنا

( باب النفقة والسكنى للمعتدة الرجعية )

1 - عن فاطمة بنت قيس قالت " أتيت النبى صلى الله عليه وآله وسلم فقلت إن زوجي فلانا أرسل إلى بطلاق وأنى سألت أهله النفقة والسكنى فابوا على قالوا يا رسول الله انه أرسل اليها بثلاث تطليقات قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة "
- رواه أحمد والنسائى وفي لفظ " إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة فإذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة ولاسكنى "
- رواه أحمد

- الحديث تفرد برفعه مجالد بن سعيد وهو ضعيف كما بينه الخطيب في المدرج وقد تابعه في رفعه الرواة قال في الفتح ولكنه أضعف من مجالد وهو في أكثر الروايات موقوف عليها والرفع زيادة يتعين قبولها كما بيناه في غير موضع ورواية الضعيف مع الضعيف توجب الارتفاع عن درجة السقوط إلى درجة الاعتبار ( والحديث ) يدل بمنطوقه علي وجوب النفقة والسكنى على الزوج للمطلقة رجعيا وهو مجمع عليه بمفهومه علي عدم وجوبهما لمن عداها إلا إذا كانت حاملا لما تقدم في الباب الأول وقد قدمنا تحقيق ذلك فلا نعيده

( باب استبراء الأمة إذا ملكت )

1 - عن أبى سعيد " إن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال في سبي أوطاس لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة "
- رواه أحمد وأبو داود

2 - وعن أبى الدرداء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " انه أتى على امرأة مجح على باب فسطاط فقال لعله يريد إن يلم بها فقالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقد هممت إن العنه لعنة تدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له كيف يستخدمه وهو لا يحل له "
- رواه أحمد ومسلم وأبو داودو ورواه أبو داود الطيالسي وقال " كيف يورثه وهو لا يحل له وكيف يسترقه وهو لا يحل له " والمجح هي المرأة الحامل المقرب

- حديث أبي سعيد أخرجه أيضا الحاكم وصححه واسناده حسن وهو عند الدارقطني من حديث ابن عباس وأعل بالإرسال . وعند الطبراني من حديث أبي هريرة باسناد ضعيف
وأخرج الترمذي من حديث العرباض بن سارية " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن " وأخرجه أيضا ابن شيبة من حديث علي بلفظ " نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " وفى إسناده ضعف وانقطاع
قوله : " أوطاس " هو واد في ديار هوازن قال القاضى عياض وهو موضع الحرب بحنين وبه قال بعض أهل السير
قال الجاحظ والراجح إن وادي أوطاس غير وادي حنين وهو ظاهر كلام ابن إسحاق في السيرة
قوله : " مجح " بضم الميم ثم جيم مكسورة ثم حاء مهملة وهى الحامل التى قد قاربت الولادة على ما فسره المصنف ( والحديثان ) يدلان على أنه يحرم على الرجل إن يطأ الأمة المسبية إذا كانت حاملا حتى تضع حملها . والحديث الأول منهما يدل أيضا على أنه يحرم على الرجل إن يطأ الامة المسبية إذا كانت حائلا حتى تستبرأ بحيضة وقد ذهب الي ذلك العترة والشافعية والحنفية والثوري والنخعى ومالك . وظاهر قوله ولا غيرحامل انه يجب الستبراء للبكر ويؤيده القياس على العدة فانها تجب مع العم ببراءة الرحم . وذهب جماعة منأهل العلم إلى إن الاستبراء إنما يجب في حق من لم تعلم براءة رحمها وأما من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقها وقد روى عند الرزاق عن ابن عمر انه قال إذا كانت الامة عذراء لم يستبرئها إن شاء وهو في صحيح البخاري عنه وسيأتي ويؤيد هذا حديث الآتي فإن قوله فيه فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض يرشد الي ذلك ويؤيده أيضا حديث على الآتى قريبا فيكون هذا مخصصا لعموم قوله ولا غير حامل أو مقيدا له
وقد روى ذلك عن مالك قال المازرى من المالكية القول الجامع في ذلك إن كل أمة أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء وكل من غلب على الظن أنها حامل أو شك في حملها أو تردد فيه فالاستبراء لازم فيها وكل من غلب على الظن براءة رحمها لكنه يجوز حصوله فإن المذهب فيه على وجهين في ثبوت الاستبراء وسقوطه ومن القائلين بان الاستبراء إنما هو للعلم ببراءة الرحم فحيث تعلم البراءة لا يجب وحيث لا يعلم ولا يظن يجب أبو العباس بن سريج وأبو العباس بن تيمية وابن القيم ورجحه جماعة من المتأخرين منهم الجلال والمقبلى والمغربي والامير وهو الحق لان العلة معقولة فإذا لم توجد المئنة كالحمل ولا المظنة كالمرأة المزوجة فلا وجه لإيجاب الاستبراء والقول بان الاستبراء تعبدى وانه يجب في حق الصغيرة وكذا في حق البكر والآيسة ليس علنه دليل

3 - وعن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره "
- رواه أحمد

2 - وعن رويفع بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقى ماءه ولد غيره "
- رواه احمد والترمذى وأبو داود وزاد " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقع على امرأة من السبى حتى يستبرئها "
وفي لفظ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض "
- رواه أحمد ومفهومه إن البكر لا تستبرأ
وقال ابن عمر إذا وهبت الوليدة التى توطأ أو بيعت أو أعتقت فلتستبرأ بحيضة ولا تستبرأ العذراء حكاه البخاري في صحيحه وقد جاء في حديث عن على رضى الله عنه ما الظاهر حمله على مثل ذلك فروى بريدة قال بعث " رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا إلى خالد يعني إلى اليمن ليقبض الخمس فاصطفى على منه سبية فأصبح وقد اغتسل فقلت لخالد ألا ترى إلى هذا وكنت أبغض عليا فلما على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرت له ذلك فقال يا بريدة أتبغض عليا فقلت نعم فقال لا تبغضه فإن له في الخمس أكثرمن ذلك
- رواه أحمد والبخاري
وفي رواة قال أبغضت عليا بغضا لم أبغضه
وأحببت رجلا من قريش لم أحببه إلا على بغضه عليا قال فبعث ذلك الرجل على خيل فصحبته فاصبنا سبايا قال فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابعث الينا من يخمسه قال فبعث الينا عليا وفي السبي وصيفة هي من أفضل السبى قال فخمس وقسم فخرج ورأسه يقطر فقلنا يا أبا الحسن ما هذا قال ألم تروا إلى الوصفة التى كانت في السبى فانى قسمت وخمست فصارت في الخمس ثم صارت في أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم صارت في آل علي ووقعت بها قال فكتب الرجل إلى نبى الله صلي الله علية وآله وسلم فقلت ابعثني مصدقا فجعلت أقرأ الكتاب وأقول فامسك يدي والكتاب وقال أتبغض عليا قلت نعم قال فلا تبغضه وان كنت تحبه فازدد له حبا فوالذى نفس محمد بيده لتصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة قال فما كان من الناس أحد بعد قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحب الي من علي " رواه أحمد وفيه بيان إن بعض الشركاء يصح توكيله في قسمة مال الشركة والمراد بآل على علي رضى الله عنه نفسه

- حديث أبي هريرة أخرجه أيضا الطبراني واسناده ضعيف كما تقدمت الاشارة إلى ذلك
قال في مجمع الزوائد في اسناده بقية والحجاج بن ارطأة وكلاهما مدلس ولكنه يشهد لصحته حديث رويفع المذكور بعده والأحاديث المذكورة قبله . وحديث رويفع أخرجه أيضا ابن أبي شيبة والدارمى والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وابن حبان وصححه والبزار وحسنه واللفظ الآخر أخرجه أيضا الطحاوى ( وفى الباب ) عن ابن عباس عند الحاكم " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى قال لا تسق ماءك زرع غيرك " وأصله في النسائى . وعن رجل من الانصار عند أبى داود قال تزوجت امرأة بكرا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى فذكر الحديث قال ففرق النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما وقد استدل من قال بوجوب الاستبراء للمسبية إذا كانت حاملا أو حائلا يجوز عليها الحمل فقط لا مع عدم التجويز كالبكر والصغيرة بحديث أبي هريرة ورويفع المذكورين وقد تقدم الكلام على ذلك واستدل بالاثر المذكور عن ابن عمر من قال بوجوب الاستبراء على واهب الامة وبائعها وقد حكى ذلك عى البحر عن الهادي والناصر والنخعى والثوري ومالك ولم يفرقوا بين إن يكون البائع أو الواهب رجلا أو امرأة وبين كون المبيعة بكرا أو ثيبا صغيرة أو كبيرة وقال الشافعي والمؤيد بالله وزيد بن على والامام يحيى لا يجب وقال أبو حنيفة يستحب فقط : استدل القائلون بالوجوب بالقياس على عدة الزوجة بجامع ملك الوطء فلا يملكه غيره إلا بعد الأسبراء وأجيب بالفرق بين الأصل والفرع بوجوه أحدها إن العدة إنما تكون بعد الطلاق وهذا الأستبراء قبل البيع ومنها تنافي أحكام الملك والنكاح والألزام لا يصح الجمع بين الأختين في الملك قياسا على عدم صحة الملك . ومنها إن العدة تجب على المرأة لا على الزوج
ومنها إن العدة تجب على المرأة بعد الدخول أو الخلوة ويجب الأستبراء عندهم في الأمة مطلقا فالحق إن مثل هذا القياس المبني على غير أساس لا يصلح لإثبات تكليف شرعي على جميع الناس وكما أنه لا وجه للأيجاب لاوجه للأستحباب لأن كل واحد منها حكم شرعي والبراءة الأصلية مستصحبة حتى ينقل عنها ناقل صحيح وليس في كلام ابن عمر المذكور ما يدل على إن الأستبراء على البائع ونحوه بل ظاهره أنه على المشتري ولو سلم فليس في كلامه حجه على أحد واختلف في وجوب الأستبراء على المشتري والمهب ونحوهما فذهب الجمهور إلى الوجوب وأحتجبوا بالقياس على المسبية بجامع تجدد الملك في الأصل والفرع وذهب داود والبتى إلى أنه لا يجب الأستبراء في غير السبي اما داود فلأنه لا يقول بثبوت الحكم الشرعي بمجرد القياس واما البتي فلأنه جعل تجدد الملك بالشراء والهبه كابتداء النكاح وهو لا يجب على من تزوج امرأة إن يستبرأها بعد العقد ورد بالفرق بين النكاح والملك فإن النكاح لا يقتضي ملك الرقبة كذا في البحر ولا يخفي إن ملك الرقبة مما لادخل له في محل النزاع فلا يقدح به في القياس واستدل في البحر للجمهور بقول علي رضي الله عنه من اشترى جارية فلا يقربها حتى تستبرأ بحيضة قال ولم يظهر خلافه وقد عرفناك غير مرة إن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يدل على الموافقة لعدم وجوب الانكار فيها على المخالف والأولى التعويل في الاستدلال للموجبين علي عموم حديث رويفع وأبي هريرة فإن ظاهرهما شامل للمسبية والمستبرأة ونحوهما والتصريح في آخر الحديث بقوله فلا ينكحن ثيبا من السبايا ليس من باب التقييد للمطلق أو التخصيص للعام بل من التنصيص على بعض افراد العام ويمكن إن يقال إن قوله في الحديث من السبايا مفهوم صفة فلا يكون من التنصيص المذكور إلا عند من لم يعمل به وأوضح من ذلك حديث أبي سعيد المتقدم فإن قوله لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة يشمل المستبرأة ونحوها وكون السبب في ذلك سبايا أوطاس لا يدل على قصر اللفظ العام عليهن لما تقرران العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فيكون ذلك عاما لكل من لم تجوز خلو رحمها لا من كان رحمها خاليا بيقين كالصغيرة والبكر كما تقدم تحقيق ذلك حديث رويفع وما قبله انه لا فرق بين الحامل من زنا وغيرها فيجب استبراء الامة التى كانت قبل ثبوت الملك عليها تزنى إن كانت حاملا فبالوضع وان كانت غير حامل فبحيضة
ويؤيد هذا حديث الرجل من الانصار الذى ذكرناه في أول الباب
قوله : " فاصطفى على منه سبية " الخ يمكن حمل هذا على إن السبية التى أصابها كانت بكرا أو صغيرة أو كان قد مضى عليها من بعد السبى مقدار مدة الاستبراء لانها قد دخلت في ملك المسلمين من وقت السبى والمصير الي مثل هذا متعين للجمع بينه وبين الاحاديث المذكورة في الباب وظاهر هذا الحديث وسائر أحاديث الباب انه لا يشترط في جواز وطء المسبية الاسلام ولو كان شرطا لبينه صلى الله عليه وآله وسلم ولم يبينه ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وذلك وقتها ولا سيما وفي المسلمين في يوم حنين وغيره من هو حديث عهد بالاسلام يخفى عليهم مثل هذا الحكم وتجويز حصول الاسلام من جميع السبايا وهي في غاية الكثرة بعيد جدا فإن اسلام مثل عدد المسبيات في أوطاس دفعة واحدة من غير اكراه لا يقول بانه يصح تجويزه عاقل ومن اعظم المؤيدات لبقاء المسبيات على دينهن ما ثبت من رده صلى الله عليه وآله وسلم لهن بعد إن جاء إليه جماعة من هوازن وسألوه إن يرد أليهم ما أخذ عليهم من الغنيمة فرد أليهم السب فقطوقد ذهب إلى جواز وطء المسبيات الكافرات بعد الاستبراء المشروع جماعة منهم طاوس وهو الظاهر لما سلف وفي الحديث الآخر منقبة ظاهرة لعلي رضي الله عنه ومنقبة لبريدة لمصير على أحب الناس إليه وقد صح أنه لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق كما في صحيح مسلم وغيره

كتاب الرضاع

باب عدد الرضعات المحرمة

1 - عن عائشة " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تحرم المصة ولا المصتان "
- رواه الجماعة إلا البخاري

2 - وعن أم الفضل " إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتحرم المصة فقال لا تحرم الرضعة والرضعتان والمصة والمصتان "
وفي رواية " قالت دخل اعرابي على نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في بيتي فقال يا نبي الله اني كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها ارضعت امراتي الحدثى رضعة أو رضعتين فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تحرم الإملاجة أو الإملاجتان "
- رواهما أحمد ومسلم

3 - وعن عبد الله بن الزبير " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تحرم من الرضاعة المصة والمصتان "
- رواه أحمد والنسائي والترمذي

- حديث عبد الله بن الزبير أخرجه أيضا ابن حبان وقال الترمذي الصحيح عن أهل الحديث من رواية ابن الزبير عن عائشة كما في الحديث الأول وأعله ابن جرير الطبري بالاضطراب فانه روى عن ابن الزبير عن أبيه وجمع ابن حبان بينهما بامكان إن يكونابن الزبير سمعه من كل منهم وفي الجمع بعد كما قال الحافظ . ورواه النسائي من حديث أبو هريرة وقال ابن عبد البر لا يصح مرفوعا
قوله : " الرضعة " هي المرة من الرضاع كضربة وجلسة وأكلة فمتى التقم الصبى الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره لغير عارض كان ذلك رضعة وفى القاموس رضع أمه كسمع وضرب رضعا ويحرك ورضاعا ورضاعة ويكسران ورضعا ككتف فهو راضع الي إن قال امتص ثديها ثم قال في مادة مصصته أنه بمعنى شربته شربا رفيقا وفى الضياء إن المصة الواحدة من المص وهى أخذ اليسير من الشيء
قوله : " الإملاجة ولا الإملاجتان " الإملاجة الإرضاعة الواحدة مثل المصة وفى القاموس ملج الصبي أمه كنصر وسمع تناول ثديها بادني فمه وامتلج اللبن امتصه وأملجه أرضعه والمليج الرضيع انتهى والاحاديث المذكورة تدل على إن الرضعة الواحدة والرضعتين والمصة الواحدة والمصتين والإملاجة والإملاجتين لا يثبت بها حكم الرضاع الموجب للتحريم وتدل هذه الاحاديث بمفهومها على إن الثلاث من الرضعات أو المصات تقتضي التحريم وقد حكى صاحب البحر هذا المذهب عن زيد بن ثابت وأبي ثور وابن المنذر انتهى . وحكاه في البدر التمام عن أبي عبيدة وداود الظاهرى واحمد في رواية ولكنه يعارض هذا المفهوم القاضي بان ما فوق الاثنتين يقتضي التحريم ما سيأتي من إن الرضاع المقتضي للتحريم هو الخمس الرضعات وسيأتي تحقيق ذلك وذكرمن قال به نعم هذه الاحاديث دافعة لقول من قال إن الرضاع المقتضي للتحريم هو الواصل إلى الجوف ولا شك إن المصة الواحدة تصل إلى الجوف فكيف ما فوقها وسيأتي ذكر ما تمسكوا به

4 - وعن عائشة " أنها قالت كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن " ثم نسخن بخمس معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن
- رواه مسلم وأبو داود والنسائي
وفي لفظ قالت " وهي تذكر من الرضاعة نزل في القرآن عشر رضعات معلومات ثم نزل أيضا خمس معلومات " رواه مسلم
وفي لفظ " أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات فنسخ من ذلك خمس رضعات إلى خمس رضعات معلومات فتوفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأمر على ذلك " رواه الترمذي
وفي لفظ " كان فيما أنزل الله عز و جل من القرآن ثم سقط لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس معلومات " رواه ابن ماجه

5 - " وعن عائشة إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر امرأة أبي حذيفة فأرضعت سالما خمس رضعات وكان يدخل عليها بتلك الرضاعة "
- رواه أحمد
وفي رواية " إن أبي حذيفة تبنى سالما وهو مولى لامرأة من الأنصار كما تبنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم زيدا وكان من تبنى رجلا في الجاهلية دعاه الناس ابنه وورث ميراثه حتى أنزل الله عز و جل ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فاخوانهم في الدين ومواليكم فرد والى آبائهم فمن لم يعلم له أب فمولى وأخ في الدين فجاءت سهلة فقالت يا رسول الله كنا نرى سالما ولدا يأوي معي ومع أبى حذيفة ويراني فضلى وقد أنزل الله عز و جل ما قد علمت فقال ارضعيه خمس رضعات فكان بمنزلة ولده من الرضاعة " رواه مالك في الموطأ وأحمد

- حديث عائشة في قصة سالم أخرج الرواية الأولى منه النسائي عن جعفر بن ربيعة عن الزهري كتابة عن عروة عنها ورواه الشافعي في الام عن مالك عن الزهرى عن عروة مرسلا ورواه أيضا عبد الرزاق
وأخرج الرواية الثانية عنها أبو داود وأخرجها أيضا البخاري في المغازي من صحيحه من طريق عقيل عن الزهري عن عروة عنها إلى قوله فجائت سهلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فذكر الحديث ولم يسق بقيته وساقها البيهقي في سننه من هذا الوجه كرواية أبي داودو رواها أيضا البخاري من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عنها وساق منها إلى قوله وقد أنزل الله فيه ما قد علمت
قوله : معلومات فيه اشارة إلى أنه لا يثبت حكم الرضاع إلا بعد العلم بعدد الرضعات وانه لا يكف الظن بل يرجع معه ومع الشك إلى الأصل وهو العدم
قوله : وهن فيما يقرأ بضم الياء وفيه أشارة إلى أنه تأخر إنزال الخمس رضعات فتوفى صلى الله عليه وآله وسلم وهن قرآن يقرأ
قوله : فضلى بضم الفاء والضاد المعجمة قال الخطابى أي مبتذلة في ثياب مهنتها انتهى والفضل من الرجال والنساء الذي عليه ثوب واحد بغيرإزار
وقال ابن وهب أي مكشوف الرأس وقد استدل بأحاديث الباب من قال انه لا يقتضي التحريم من الرضاع الاخمس رضعات معلومات وقد تقدم تحقيق الرضعة والى ذلك ذهب ابن مسعود وعائشة وعبد الله بن الزبير وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير وعروة ابن الزبير والليث بن سعد والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه وإسحاق وابن حزم وجماعة من أهل العلم
وقد روى هذا المذهب من الامام علي بن أبي طالب رضى الله عنه . وذهب الجمهور إلى إن الرضاع الواصل إلى الجوف يقتضى التحريم وان قل وقد حكاه صاحب البحر عن الامام علي رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر والثوري والعترة وأبى حنيفة وأصحابه ومالك وزيد بن أوس انتهى
وروى أيضا عن سعيد بن المسيب والحسن والزهري وقتاده والحكم وحماد والاوزاعي
قال المغربي في البدر وزعم الليث بن سعد إن المسلمين أجمعوا على إن قليل الرضاع وكثيره يحرم منه ما يفطر الصائم وهو رواية عن الامام أحمد انتهى . حكى ابن القيم عن الليث انه لا يحرم إلا خمس رضعات كما قدمنا ذلك فينظر في المروى عنه من حكاية الاجماع فانه يبعد كل البعد إن يحكي العالم الاجماع في مسألة ويخالفها وقد اجاب اهل القول الثاني عن أحاديث الباب التي استدل بها أهل القول الأول بأجوبة منها انها متضمنة لكون الخمس الرضعات قرآن والقرآن شرطه التواتر ولم يتواتر محل النزاع وأجيب بان كون التواتر شرط ممنوع والسند ما أسلفنا عن أئمة القراآت كالجزرى وغيره في باب الحجة في الصلاة بقراءة ابن مسعود وأبي من أبواب صفة الصلاة فانه نقل هو وجماعة من أئمة القراآت الاجماع على ما يخالف هذه الدعوى ولم يعارض نقله ما يصلح لمعارضته كما بينا ذلك هنالك وأيضا اشتراط التواتر فيما نسخ لفظه على رآي المشترطين ممنوع وأيضا انتفاء قرآنيته لا يستلزم انتفاء حجيته على فرض شرطية التواتر لان الحجة ثبتت بالظن ويجب عنده العمل وقد عمل الائمة بقراءة الآحاد في مسائل كثيرة منها قراءة ابن مسعود فصيام ثلاثة أيام متتابعات وقراءة أبي وله أخ أو أخت من أم ووقع الاجماع على ذلك ولا مستند له غيرها وأجابوا أيضا بان ذلك لو كان قرآنا لحفظ لقوله تعالى { انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون } وأجيب بان كونه غير محفوظ ممنوع بل قد حفظه الله برواية عائشة له وأيضا المعتبر حفظ الحكم ولو سلم انتفاء قرآنيته على جميع التقادير لكان سنة لكون الصحابي راويا له عنه صلى الله عليه وآله وسلم لوصفه له بالقرآنية وهو يستلزم صدوره عن لسانه وذلك كاف في الحجية لما تقرر في الأصول من إن المروى آحاد إذا انتقى عنه وصف القرآنية لم ينتف وجوب العمل به كما سلف واحتجوا أيضا بقوله تعالى { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم } وإطلاق الرضاع يشعر بأنه يقع بالقليل والكثير ومثل ذلك حديث يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ويجاب بأنه مطلق مقيد بما سلف واحتجوا بما ثبت في الصحيحين عن عقبة بن الحرث إنه تزوج أم يحيى بنت أبي اهاب الذى سيأتي في باب شهادة المرأة الواحدة بالرضاع فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يستفصل عن الكيفية ولا سأل عن العدد ويجاب أيضا بأن أحاديث الباب اشتملت على زيادة على ذلك المطلق المشعور به من ترك الاستفصال فيتعين الأخذ بها على أنه يمكن إن يكون ترك الاستفصال لسبق البيان منه صلى الله عليه وآله وسلم للقدر الذي يثبت به التحرير ( فإن قلت ) فحديث لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الامعاء يدل على عدم اعتبار الخمس لأن الفتق يحصل بدونها
قلت سيأتي الجواب عن ذلك في شرح الحديث فالظاهر ما ذهب إليه القائلون باعتبار الخمس وأما حديث لا تحرم الرضعة أو الرضعتان وكذلك سائر الأحاديث المتقدمة في الباب الأول وقد سبق ذكر من ذهب إلى العمل بها فمفهومها يقتضي إنما زاد عليها يوجب التحريم كما إن مفهوم أحاديث الخمس إن ما دونها لا يقتضي التحريم فيتعارض المفهومان ويرجع إلى الترجيح ولكنه ثبت عند ابن ماجه بلفظ لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس كما ذكره المصنف وهذا مفهوم حصر وهو أولى من مفهوم العدد وأيضا قد ذهب بعض علماء البيان كالزمخشرى إلى إن الأخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر والاخبار عن الخمس الرضعات بلفظ يحرمن كذلك ولو سلم استواء المفهومين وعدم انتهاض أحدهما كان المتوجه تساقطهما وحمل ذلك المطلق على الخمس لا على ما دونها إلا إن يدل عليه دليل ولا دليل يقتضي إن ما دون الخمس يحرم إلا مفهوم قوله لا تحرم الرضعة والرضعتان والمفروض أنه قد سقط نعم لابد من تقبيد الخمس الرضعات بكونها في زمن المجاعة لحديث عائشة الآتي في الباب الذي بعد هذا
وأما حديث ابن مسعود عند أبي داود مرفوعا " لا رضاع إلا ما أنشر العضم وأنبت اللحم " فيجاب بأن الإنبات والإنشار إن كانا يحصلان بدون الخمس ففي حديث الخمس زيادة يجب قبولها والعمل بها وان كانا لا يحصلان إلا بزيادة عليها فيكون حديث الخمس مقيد بهذا الحديث لولا انه من طريق أبي موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود وقد قال أبو حاتم إن ابوموسى واباه مجهولان وقد اخرجه البيهقي من حديث أبي حصين عن أبي عطية قال جاء رجل إلى أبي موسى فذكره بمعناه وهذا على فرض انه يفيد ارتفاع الجهالة عن أبي موسى لا يفيد ارتفاعها عن أبيه فلا ينتهض الحديث لتقييد احاديث الخمس بانشار العظم وانبات اللحم وفي حديث عائشة المذكور في قصة سالم على إن إرضاع الكبير يقتضي التحريم وسيأتي تحقيق ذلك

باب ما جاء في رضاعة الكبير

1 - عن زينب بنت أم سلمة قالت " قالت أم سلمة لعائشة انه يدخل عليك الغلام الأيفع الذي ما أحب إن يدخل علي فقالت عائشة أمالك في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة حسنة وقالت إن امرأة أبي حذيفة قالت يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرضعيه حتي يدخل عليك "
- رواه أحمد ومسلم
وفي رواية عن زينب عن امها أم سلمة " انها قالت أبي سائر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم إن يدخلن عليهن أحدا بتلك الرضاعة وقلن لعائشة ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا "
- رواه أحمد ومسلم والنسائى وابن ماجه

- هذا الحديث قد رواه من الصحابة أمهات المؤمنين وسهلة بنت بنت سهيل وهي من المهاجرات وزينب بنت أم سلمة وهي ربيبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورواه من التابعين القاسم بن محمد وعروة بن الزبير وحميد بن نافع ورواه عن هؤلاء الزهرى وابن مليكة وعبد الرحمن ويحيى بن سعيد الانصاري وربيعة ثم رواه عن هؤلاء أيوب السختياني وسفيان الثوري وسفيان بن عنة وشعبة ومالك وابن جريح وشعيب ويونس وجعفر بن ربيعة ومعمر وسليمان بن بلال وغيرهم وهؤلاء هم أئمة الحديث المرجوع اليهم في أعصارهم ثم رواه عنهم الجم الغفير والعدد الكثير وقد قال بعض أهل العلم إن هذه السنة بلغت طرقها نصاب التواتر وقد استدل بذلك من قال إن إرضاع الكبير يثبت به التحريم وهو مذهب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضى الله عنه كما حكاه عنه ابن حزم وأما ابن عبد البر فانكر الرواية عنه في ذلك وقال لا يصح واليه ذهبت عائشة وعروة بن الزبير وعطاء بن أبي رباح والليث بن سعد وابن علية وحكاه النووي عن داود الظاهري واليه ذهب ابن حزم ويؤيد ذلك الإطلاقات القرآنية كقوله تعالى { وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم واخواتكم من الرضاعة } وذهب الجمهور إلى إن حكم الرضاع إنما يثبت في الصغير وأجابوا عن قصة سالم بانها خاصة به كما وقع من أمهات المؤمنين لما قالت لهن عائشة بذلك محتجة به وأجيب بان دعوى الاختصاص تحتاج إلى دليل وقد اعترفن بصحة الحجة التى جاءت بها عائشة ولا حجة في ابائهن لها كما انه لا حجة في أقوالهن ولهذا سكتت أم سلمة لما قالت لها عائشة أمالك في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اسوة حسنة ولو كانت هذه السنة مختصة بسالم لبينها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما بين اختصاص أبي بردة بالتضحية بالخدع من المعز واختصاص خزيمة بان شهادته كشهادة رجلين وأجيب أيضا بدعوى نسخ قصة سالم المذكورة واستدل على ذلك بانها كانت في أول الهجرة عند نزول قوله تعالى { ادعوهم لآبائهم } وقد ثبت اعتبار الصغر من حديث ابن عباس ولم يقدم المدينة إلا قبل الفتح ومن حديث أبي هريرة ولم يسلم إلا في فتح خيبر بانهما لم يصرحا بالسماع من النبي وأيضا حديث ابن عباس مما لا تثبت به الحجة كما سيجئ ولو كان النسخ صحيحا لما ترك التشبث به أمهات المؤمنين ومن أجوبتهم أيضا حديث لا رضاع إلا ما فتق الامعاء وكان قبل الفطام وحديث إنما الرضاعة من المجاعة وسيأتي الجواب عن ذلك كما سيأتي الجواب عن حديث إلا ما كان في الحولين وقد اختلفوا في تقدير المدة التي يقتصي الرضاع فيها التحريم على أقوال الأول انه لا يحرم منه إلا ما كان في الحولين وقد حكاه في البحر عن عمر وابن عباس وابن مسعود والعترة والشافعي وأبي حنيفة والثوري والحسن بن صالح ومالك وزفر ومحمد اه وروى عن أبي هريرة وابن عمروأحمد وأبي يوسف وسعيد بن المسيب والشعبي وابن شبرمة وإسحاق وأبي عبيد وابن المنذر . القول الثاني إن الرضاع المقتضى للتحريم ما كان قبل الفطام واليه ذهبت أم سلمة
وروى عن على ولم يصح عنه
وروى عن ابن عباس وبه قال الحسن والزهرى والاوزاعى وعكرمة وقتادة . القول الثالث إن الرضاع في حال الصغر يقتضي التحريم ولم يحده القائل بحد وروى ذلك عن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما خلا عائشة . وعن ابن عمر وسعيد بن المسيب . والقول الرابع ثلاثون سهرا وهو رواية عن أبي حنيفة وزفر . القول الخامس في الحولين وما قاربهما روى ذلك عن مالك وروى عنه إن الرضاع بعد الحولين لا يحرم قليقله ولا كثيره كما في الموطأ . القول السادس ثلاث سنين وهو مروي عن جماعة من أهل الكوفة وعن الحسن بن صالح . القول السابع سبع سنين روي ذلك عن عمر بن عبد العزيز . القوا الثامن حولان واثنا عشر يوما روى عن ربيعة . القول التاسع إن الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة كرضاع الكبير الذى لا يستغني عن دخوله على المرأة وبشق احتجابها منه واليه ذهب شيخ الاسلام ابن تيمية وهذا هو الراجح عندى وبه يحصل الجمع بين الاحاديث وذلك بان تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم إنما الرضاع من المجاعة ولا رضاع الافي الحولين ولا رضاع إلا ما فتق الامعاء وكان قبل الفطام ولا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم وهذه طريق متوسطة بين طريقة من استدل بهذه الاحاديث على انه لاحكم لرضاع الكبير مطلقا وبين من جعل رضاع الكبير كرضاع الصغير مطلقا لما لا يخلو عنه كل واحدة من هاتين الطريقتين من التعسف كما سيأتي بيانه ويؤيد هذا إن سؤال سهلة امرأة أبى حذيفة كان بعد نزول آية الحجاب وهى مصرحة بعدم جواز ابداء الزينة لغير من في الآية فلا يخص منها غير من استثناه الله تعالى إلا بدليل كقضية سالم وما كان مماثلا لها في العلة التى هي الحاجة إلى رفع الحجاب من غير أني يقيد ذلك بحاجة مخصوصة من الحاجات المقاضية لرفع الحجاب ولا بشخص من الاشخاص وبمقدار من عمر الرضيع معلوم
وقد ثبت في حديث سهلة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم " إن سالما ذو لحية فقال أرضعيه " وينبغي إن يكون الرضاع خمس رضعات لما تقدم في الباب الأول
قوله : " الغلام إلا يفع " هو من راهق عشرين سنة على على ما في القاموس

2 - وعن أم سلمة قالت " قال صلى الله عليه وآله وسلم لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي وكان قبل الفطام "
- رواه الترمذي وصححه

3 - وعن ابن عيبنة عن عمر بن دينار عن ابن عباس قال " قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم لا رضاع إلا ما كان في الحولين "
- رواه الدار قطني وقال لم يسنده عن ابن عيبنة غير الهيثم بن جميل وهو ثقة حافظ "

4 - وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام "
- رواه أبو داود الطيالسي في مسنده

5 - وعن عائشة قالت " دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعندي رجل فقال من هذا قلت أخي من الرضاعة قال يا عائشة انظرن من أخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة "
- رواه الجماعة إلا الترمذي

- حديث أم سلمة أخرجه أيضا الحاكم وصححه وأعل بالانقطاع لأنه من رواية فاطمة بنت المنذر بن الزبير الأسدية عن أم سلمة وولم تسمع منها شيء لصغرسنها إذ ذاك . وحديث ابن عباس رواه أيضا سعيد بن منصور والبيهقي وابن عدي وقال يعرف بالهيثم وغيره وكان يغلط وصحح البيهقي وقفه ورجح ابن عدي الموقوف ووقال ابن كثير في الأرشاد رواه مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد عن ابن عباس موقوفا وهو أصح وكذا رواه غير ثور عن ابن عباس . وحديث جابر قد قدمنا في باب علامات البلوغ في كتاب التفليس عند الكلام على حديث علي رضي الله عنه بلفظ حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا يتم بعد احتلام " الحديث إن المنذري قال وقد روى هذا الحديث يعني حديث علي من رواية جابر بن عبد الله وأنس بن مالك وليس فيها شيء يثبت اه وهو يشير برواية جابر بن عبد الله إلى حديثه هذا ولا يخفي إن حديث ابن عباس المذكور ههنا يشهد له وكذلك يشهد له حديث عي المتقدم هناك
قوله : " إلا ما فتق الأمعاء " أي سلك فيها والفتق الشق والأمعاء جمع المعا بفتح الميم وكسرها
قوله : " في الثدي " أي في زمن الثدي وهو لغة معروفة فإن العرب تقول مات فلان في الثدي أي زمن الرضاع قبل الفطام كما وقع التصريح بذلك في آخر الحديث
قوله :
انظرن من أخوانكن
هو أمر التأمل فيما وقع من الرضاع هل هو رضاع صحيح مستجمع للشروط المعتبرة قال المهلب المعني انظرن ما سبب هذه الاخوة فان حرمة الرضاع إنما هي في الصغر حيث تسد الرضاعة المجاعة وقال أبو عبيد معناه أن الذي إذا جاع كان طعامه الذي يشبعه من الرضاع هو الصبي لا حيث يكون الغذاء بغير الرضاع
قوله : " فإنما الرضاعة من المجاعة " هو تعليل للباعث على امعان النظر والتفكر بأن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة هي حيث تكون الرضيع طفلا يسد اللبن جوعه وأما من كان يأكل ويشرب فرضاعه لا عن مجاعة لان في الطعام والشراب ما يسد جوعته بخلاف الطفل الذي لا يأكل الطعام . ومثل هذا المعنى حديث " لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم " فإن انشار العظم وانبات اللحم إنما يكون لمن كان غذاؤه اللبن وقد احتج بهذه الاحاديث من قال ان رضاع الكبير لا يقتضي التحريم مطلقا وهم من تقدم ذكره عن هذه الاحاديث فقالوا أما حديث " لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الامعاء " فأجابوا عنه بأنه منقطع كما تقدم ولا يخفى أن تصحيح الترمذي والحاكم لهذا الحديث يدفع علة الانقطاع فانهما لا يصححان ما كان منقطعا إلا وقد صح لهما اتصاله لما تقررفي علم الاصطلاح أن المقطع من قسم الضعيف . وأجابوا عن حديث " لا رضاع إلا ما كان في الحولين " بأنه موقوف كما تقدم ولا حجة في الموقوف وبما تقدم من اشتهار الهيثم بن جميل بالغلط وهو المنفرد برفعه ولا يخفى أن الرفع زيادة يجب المصير اليها على ما ذهب إليه أئمة الأصول وبعض أئمة الحديث إذا كانت ثابتة من طريق ثقة والهيثم ثفة كما قاله الدارقطنى مع كونه مؤيدا بحديث جابر المذكور . وأجابوا عن حديث " فإنما الرضاعة من المجاعة بأن شرب الكبير يؤثر في دفع مجاعته قطعا كما يؤثر في دفع مجاعة الصغير أو قريبا منه وأورد عليهم أن الامر إذا كان كما ذكرتم من استواء الكبير والصغير فما الفائدة في الحديث وتخلصوا عن ذلك بأن فائدته ابطال تعلق التحريم بالقطرة من اللبن والمصة التي لا تغني من جوع ولا يخفي ما في هذا من التعسف ولا ريب أن سد الجوعة باللبن الكائن في ضرع المرضعة أنما يكون لمن لم يجد طعاما ولا شرابا غيره وأما من كان يأكل ويشرب فهو لا تسد جوعته عند الحاجة بغير الطعام والشراب وكون الرضاع مما يمكن أن يسد به جوعة الكبير أمر خارج عن محل النزاع فانه ليس النزاع فيمن يمكن أن تسد جوعته به أنما النزاع فيمن لا تسد جوعته إلا به وهكذا أجابوا عن الاحتجاج بحديث " لا رضاع إلا ما أنشر العظم وأنبت اللحم " فقالوا إنه يمكن أن الرضاع كذلك في حق الكبير ما لم يبلغ أرذل العمر ولا يخفي ما فيه من التعسف والحق ما قدمنا من أن قضية سالم مختصة بمن حصل له ضرورة بالحجاب لكثرة الملابسة فتكون هذه الأحاديث مخصصة بذلك النوع فتجتمع حينئذ الاحاديث يندفع التعسف من الجانبين وقد أحتج القائلون باشتراط الصغر بقوله تعالى { والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة } قالوا وذلك بيان للمدة التي تثبت فيها أحكام الرضاع ويجاب بان هذه الآية مخصصة بحديث قصة سالم الصحيح

باب يحرم الرضاعة ما يحرم من النسب

1 - عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أريد على ابنة حمزة فقال انها لا تحل لي انها ابنة أخي من الرضاعة ويحرم من الرضاعة ما يحرم من الرحم " وفي لفظ " من النسب "
- متفق عليه

2 - وعن عائشة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة "
- رواه الجماعة ولفظ ابن ماجه من النسب

3 - وعن عائشة " ان أفلح أخا أبى القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد أن نزل الحجاب قالت فأبيت أن آذن له فلما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبرته بالذي صنعت فأمرني أن آذن له "
- رواه الجماعة

4 - وعن الامام علي رضي الله عنه قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ان الله حرم من الرضاع ما حرم من النسب "
- رواه أحمد والترمذي

- قوله " اريد " بضم الهمزة الذي أراد من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يتزوجها هو علي رضي الله عنه كما في صحيح مسلم وقد اختلف في اسم ابنة حمزة على أقوال . أمامة وسلمى وفاطمة عائشة وأمة الله وعمارة ويعلى وأنما كانت ابنة أخي النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه صلى الله عليه وآله وسلم رضع من ثويبة وقد كانت أرضعت حمزة
قوله : " أفلح " بالفاء والحاء المهملة وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقيل مولى أم سلمة والقيس بضم القاف وبعين وسين مهملتين مصغرا ( وقد استدل ) بأحاديث الباب على انه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وذلك بالنظر إلى أقارب المرضع لانهم أقارب للرضيع وأما أقارب الرضيع فلا قرابة بينهم وبين المرضع والمحرمات من الرضاع سبع الأم والأخت بنص القرآن والبنت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت لأن هؤلاء الخمس يحرمن من النسب وقد وقع الخلاف هل يحرم بالرضاع ما يحرم من الصهار وابن القيم قد حقق ذلك في الهدى بما فيه كفاية فليرجع إليه
وقد ذهب الأئمة الأربعة إلى أنه يحرم نظير المصاهرة بالرضاع فيحرم عليه أم امرأته من الرضاعة وامرأة أبيه من الرضاعة ويحرم الجمع بين الأختين من الرضاعة وبين المرأة وعمتها وبنتها وبين خالتها من الرضاعة وقد نازعهم في ذلك ابن تيمية كما حكاه صاحب الهدى وحديث عائشة في دخول أفلح عليها فيه دليل على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه كالمرضعة وقد ذهب جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين وسائر العلماء وقد وقع التصريح بالمطلوب في رواية لأبي داود بلفظ قالت عائشة " دخل علي أفلح فاستترت منه فقال أتستترين مني وأنا عمك قلت من أين قال أرضعتك امرأة أخي قلت إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحدثته فقال إنه عمك فليلج عليك " وروي عن عائشة وابن عمر وابن الزبير ورافع بن خديج وزينب بنت أم سلمة وسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد وسالم وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار والشعبي والنخعي وأبي قلابة واياس بن معاوية القاضي أنه لا يثبت حكم الرضاع للزوج حكي ذلك عنهم ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور وعبد الرزاق وابن المنذر وروى أيضا هذا القول عن ابن سيرين وابن علية والظاهرية وابن بنت الشافعي وقد روى ما يدل على أنه قول جمهور الصحابة فأخرج الشافعي عن زينب بنت أبي سلمة انها قالت كان يدخل علي وأنا امتشط أرى انه أبي وان ولده أخوتي لان امرأته أسماء أرضعتني فلما كان بعد الحرة ارسل إلى عبد الله بن الزبير يخطب ابنتي أم كلثوم على أخيه حمزة بن الزبير وكان للكلبية فقلت وهل تحل له فقال انه ليس لك بأخ إنما اخوتك من ولدت أسماء دون من ولد الزبير من غيرها قالت فأرسلت فسألت والصحابة متوافرون وأمهات المؤمنين فقالوا ان الرضاع لا يحرم شيئا من قبل الرجل فانكحتها اياه وأجيب بان الاجتهاد من بعض الصحابة والتابعين لا يعارض النص ولا يصح دعوى الإجماع لسكوت الباقين لأنا نقول نحن نمنع أولا أن هذه الواقعة بلغت كل المجتهدين منهم وثانيا أن السكوت في المسائل الاجتهادية لا يكون دليلا على الرضى وأما عمل عائشة بخلاف ما روت فالحجة روايتها لا رأيها وقد تقرر في الأصول أن مخالفة الصحابي لما رواه لا تقدح في الرواية وقد يصح عن على القول بثبوت حكم الرضاع للرجل وثبت أيضا عن ابن عباس كما في البخاري

باب شهادة المرأة الواحدة بالرضاع

1 - عن عقبة بن الحرث " أنه تزوج أم يحيى بنت أبي اهاب فجاءت أمة سوداء فقالت قد أرضعتكما قال فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأعرض عني قال قتنحيت فذكرت ذلك له فقال وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما فنهاه عنها "
- رواه أحمد والبخاري وفي رواية " دعها عنك " رواه الجماعة إلا مسلما وابن ماجه

- في رواية للبخاري " فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كيف وقد قيل ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره " قوله " أم يحيى " اسمها غنية بفتح الغين المعجمة وكسر النون بعدها تحتية مشددة
وقيل اسمها زينب وأهاب بكسر الهمزة وآخره باء موحدة وقد استدل بالحديث على قبول شهادة المرضعة ووجوب العمل بها وحدها وهو مروى عن عثمان وابن عباس والزهري والحسن والاوزاعي وأحمد بن حنبل وأبي عبيد ولكنه قال يجب العمل على الرجل بشهادتها فيفارق زوجته ولا يجب الحكم على الحاكم وروى عن مالك وفي رواية عنه انه لا يقبل في الرضاع إلا شهادة امرأتين وبه قال جماعة من أصحابه
وقال جماعة منهم بالأول وذهبت العترة والحنفية إلى أنه لا بد من رجلين أو رجل وأمرأتين كسائر المور ولا تكفي شهادة المرضعة وحدها بل لا تقبل عند الهادوية لان فيها تقريرا لفعل المرضعة ولا تقبل عندهم الشهادة إذا كانت كذلك مطلقا ولكنه حكى في البحر عن الهادوية والشافعية والحنفية انه يجب العمل بالظن الغالب في النكاح تحريما ويجب على الزوج الطلاق ان لم تكمل الشهادة واستدل لهم على ذلك بهذا الحديث
وقال الإمام يحيى الخبر محمول على الاستحباب ولا يخفى ان النهي حقيقة في التحريم كما تقرر في الأصول فلا يخرج عن معناه الحقيقي إلا لقرينة صارفة والاستدلال على عدم قبول المرأة المرضعة بقوله تعالى { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } لا يفيد شيئا لأن الواجب بناء العام على الخاص ولا شك أن الحديث أخص مطلقا وأما ما أجاب به عن الحديث صاحب ضوء النهار من أنه مخالف للأصول فيجاب عنه بالاستفسار عن الأصول فان أراد القاضية باعتبار شهادة عدلين أو رجل وأمرأتين فلا مخالفة لان هذا خاص وهي عامة وان أراد غيرها فما هو
وأما ما رواه أبو عبيد عن علي وابن عباس والمغيرة أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك فقد تقرر ان أقوال بعض الصحابة ليست بحجة على فرض عدم معارضتها لما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف إذا عارضت ما هو كذلك وأما ما قيل من أمره صلى الله عليه وآله وسلم له من باب الاحتياط فلا يخفى مخالفته لما هو الظاهر ولا سيما بعد أن قرر السؤال أربع مرات كما في بعض الروايات والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له في جميعها كيف وقد قيل وفي بعضها دعها عنك كما في حديث الباب وفي بعضها لاخير لك فيها مع أنه لم يثبت في رواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالطلاق ولو كان ذلك من باب الاحتياط لأمره به فالحق وجوب العمل بقول المرأة المرضعة كانت أو أمة حصل الظن بقولها أو لم يحصل لما ثبت في رواية أن السائل قال وأظنها كاذبة فيكون هذا الحديث الصحيح هادما لتلك القاعدة المبنية على غير أساس أعني قولهم أنها لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد ومخصصا لمعلومات الادلة كما خصصها دليل كفاية العدلة في عورات النساء عند أكثر المخالفين

باب ما يستحب أن تعطى المرضعة عند الفطام

1 - عن حجاج بن حجاج رجل من أسلم قال " قلت يا رسول الله ما يذهب عني مذمة الرضاع قال غرة عبد أو أمة "
- رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه ابن الترمذي

- الحديث سكت عنه أبو داود وقال المنذري إنه الحجاج بن الحجاج بن مالك الأسلمي سكن المدينة
وقيل كان ينزل العرج ذكره أبو القاسم البغوي وقال لا أعلم للحجاج بن مالك غير هذا الحديث وقال أبو عمر النمري له حديث واحد وقال الترمذي بعد إخراجه هذا حديث حسن صحيح هكذا رواه يحيى بن سعيد القطان وحاتم بن إسماعيل وغير واحد عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وراه سفيان بن عيينة عن هشام بن عروة عن أبيه عن حجاج بن حجاج عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وحديث ابن عيينة غير محفوظ والصحيح ما رواه هؤلاء عن هشام بن عروة وهشام بن عروة يكنى أبا المنذر وقد أدرك جابر بن عبدالله وابن عمر وفاطمة بنت المنذر بن الزبير بن العوام هي أم هشام بن عروة انتهى كلامه
وقد بوب أبو داود على هذا الحديث باب في الرضخ عند الفصال وبوب عليه الترمذي باب ما يذهب مذمة الرضاع وقد استدل الحديث على استحباب العطية للمرضعة عند الفطام وأن يكون عبدا أو أمة والمراد بقوله ما يذهب عني مذمة الرضاع أي ما يذهب عني الحق الذي تعلق بي للمرضعة لأجل إحسانها لي بالرضاع فأني إن لم أكافئها على ذلك صرت مذموما عند الناس بسبب عدم المكافأة والله أعلم

كتاب النفقات

باب نفقة الزوجة وتقديمها على نفقة الأقارب

1 - عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك "
- رواه أحمد ومسلم

2 - وعن جابر " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لرجل أبدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء لأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذى قرابتك فإن فضل عن ذي قرابتك شيء فهكذا وهكذا "
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي

3 - وعن أبي هريرة قال " رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تصدقوا قال رجل عندي دينار قال تصدق به على نفسك قال عندي دينار آخر قال تصدق به على زوجتك قال عندي دينار آخر قال تصدق به على ولدك قال عندي دينار آخر قال تصدق به إلى خادمك قال عندي دينار آخر قال أنت أبصر به "
- رواه أحمد والنسائي ورواه أبو داود لكنه قدم الولد على الزوجة واحتج به أبو عبيد في تحديد الغني بخمسة دنانير ذهبا تقوية بحديث ابن مسعود في الخمسين درهما

- حديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضا ابن حبان والحاكم قال ابن حزم اختلف يحيى القطان والثوري فقدم يحيى الزوجة على الولد وقدم سفيان الولد على الزوجة فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر بل يكونان سواء لأنه قد صح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا تكلم تكلم ثلاث فيحتمل أن يكون في إعادته إياه مرة قدم الولد ومرة قدم الزوجة فصارا سواء ولكنه يمكن ترجيح تقدم الزوجة على الولد بما وقع من تقديمها في حديث جابر المذكور في الباب وهكذا قال الحافظ في التلخيص . وحديث أبي هريره الأول فيه دليل على أن الإنفاق على أهل الرجل أفضل من الإنفاق في سبيل الله ومن الإنفاق في الرقاب ومن التصدق على المساكين . وحديث جابر فيه دليل على أنه لا يجب على الرجل أن يؤثر زوجته وسائر قرابته بما يحتاج إليه في نفقة نفسه ثم إذا فضل عن حاجة نفسه شيء فعليه إنفاقه على زوجته وقد انعقد الإجماع على وجوب نفقة الزوجة ثم إذا فضل عن ذلك شئ فعلى ذوي قرابته ثم إذا فضل عن ذلك شئ فيستحب له التصدق بالفاضل والمراد بقوله هكذا وهكذا أي يمينا وشمالا كناية عن التصدق واعلم أنه قد وقع الإجماع على أنه يجب على الولد الموسر مؤنة الأبوين المعسرين كما حكى ذلك في البحر واستدل له بقوله تعالى { وبالوالدين إحسانا } ثم قال ولو كانا كافرين لقوله تعالى { وإن جاهداك } " وأنت ومالك لأبيك " ثم حكى بعد حكاية الإجماع المتقدم عن العنرة والفريقين أن الأم المعسرة كالأب في وجوب نفقتها ( واستدل ) بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " أمك ثم أمك " الخبر وحكي عن مالك الخلاف في ذلك لعدم الدليل وأجاب عليه بأن هذا الخبر دليل وعلى فرض عدم الدليل فبالقياس على الأب ثم قال وكذا الخلاف في الجد أب الأب ثم حكي عن عمرو بن أبو ليلى والحسن بن صالح والعترة وأحمد بن حنبل وأبي ثور أنها تجب النفقة لكل معسر على كل موسر إذا كانت ملتهما واحدة وكانا يتوارثان واستدل لذلك بقوله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } اللام للجنس . وحكي عن أبي حنيفة وأصحابه أنها إنما تلزم للرح المحرم فقط . وعن الشافعي وأصحابه لا تجب إلا للأصول والفصول فقط . وعن مالك لا تجب إلا للولد والوالد فقط وقد أجيب عن الاستدلال بالآية المذكورة بمنع دلالتها على المطلوب ودعوى أن الإشارة بقوله ذلك إلى عدم المضارة وعلى التسليم فالمراد وارث الأب بعد موته والأولى أن يقال لفظ الوارث فيه احتمالات . أحدها أن يراد المولود له المذكور في صدر الآية وهو المولود وقد قال بهذا قبيصة بن ذؤيب . الثاني أن يراد وارث المولود وبه قال الجمهور من السلف وأحمد وإسحاق وأبو ثور . الثالث أن يراد به الباقي من الآبوين بعد الآخر وبه قال سفيان وغيره فحينئذ لفظ الوارث مجمل لا يحل حمله على أحد هذه المعاني إلا بدليل مع أنه لا يصح الاستدلال بالآية على وجوب نفقة كل معسر على من يرثه من قرابته الموسرين لأن الكلام في الآية في رزق الزوجات وكسوتهن ولكنه يدل على المطلوب عموم فلذي قرابتك
قوله : " تصدق به إلى ولدك فيه دليل على انه يلزم الأب نفقة ولده المعسر فإن كان الولد صغيرا فذلك اجماع كما حكاه صاحب البحر وإن كان كبيرا فقيل نفقته على الأب وحده دون الأم وقيل عليهما حسب الأرث ويأتي بقية الكلام على نفقة الاقارب في باب النفقة على الاقارب
قوله : " تصدق به على خادمك " فيه دليل على وجوب نفقة الخادم وسيأتي الكلام على ذلك في باب نفقة الرقيق
قوله : " بخمسة دنانير ذهبا " وقد قدمنا الكلام على هذا في الزكاة

باب اعتبار حال الزوج في النفقة

1 - عن معاوية القشيري قال " أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال فقلت ما تقول في نسائنا قال أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن "
- أبو داود

- الحديث أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححاه وعلق البخاري طرفا منه وصححه الدار قطني في العلل وقد ساقه أبو داود في سننه من ثلاث طرق في كل واحدة منها بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وهو معاوية القشيري المذكور قال المنذري وقد أختلف الأئمة في الأحتجاج بهذه النسخة يعني نسخة بهز بن حكيم عن أبيه عن جده فمنهم من احتج بها ومنهم من أبى ذلك وخرج الترمذي منها شيئا وصححه ( وفي الحديث ) دليل على أنه يجب على الزوج أن يطعم أمرأته مما يأكل ويكسوها مما يكتسي وأنه لا يجوز له ضربها ولا بقبيحها وقد تقدم الحديث وشرحه في باب إحسان العشرة وقد استدل المصنف بهذا الحديث على أن العبرة بحال الزوج في النفقة ويؤيد ذلك أيضا قوله تعالى { لينفق ذو سعة من سعته } وإلى ذلك ذهبت العترة الشافعية وبعض الحنفية وذهب أكثر الحنفية ومالك إلى أن الاعتبار بحال الزوجة واستدلوا بقصة هند امرأة سفيان الآتية وأجيب عن ذلك بأنه أمرها بالأخذ بالمعروف ولم يطلق لها الأخذ على مقدار الحاجة

باب المرأة تنفق من مال الزوج بغير علمه إذا منعها الكفاية

1 - عن عائشة " أن هند قالت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني أنا وولدي ألا ما أخذت منه وهو لا يعلم فقال خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف "
- رواه الجماعة إلا الترمذي

- قوله " ان هندا " هي بنت بن ربيعة والرواية بالصرف ووقع في رواية للبخاري بالمنع وأبو سفيان اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف
قوله : " شحيح " أي بخيل صريص وهو أعم من البخل لأن البخل مختص بمنع المال والشح يعم منع كل شيء في جميع الاحوال كذا في الفتح
قوله : " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " قال القرطي هذا إباحة بدليل ما وقع في رواية للبخاري بلفظ " لا حرج " والمراد بالمعروف الذي عرف بالعادة أنه الكفاية قال هذه الإباحة وإن كانت مطلقة لفظا فهي مقيدة كأنه قال إن صح ما ذكرت ( والحديث ) فيه دليل على وجوب نفقة الزوجة وهو مجمع عليه كما سلف وعلى وجوب نفقة الولد على الأب وانه يجوز لمن وجبت له النفقة شرعا على شخص أن يأخذ من ماله ما يكفيه إذا لم يقع منه الامتثال وأصر على التمرد وظاهره أنه لا فرق في وجوب نفقة الأولاد على أبيهم بين الصغير والكبير لعدم الاستفصال وهو ينزل منلة العموم وأيضا قد كان في أولادها في ذلك الوقت من هو مكلف كمعاوية رضي الله عنه فانه أسلم عام الفتح وهو ثمان وعشرين سنة فعلى هذا يكون مكلفا من قبل هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وسؤال هند كان في عام الفتح وذهبت الشافعية إلى اشتراط الصغر أو الزمانة وحكاه ابن المنذر عن الجمهور والحديث يرد عليهم ولم يصب من أجاب عن الاستدلال بهذا الحديث على وجوب نفقة الأولاد بأنه واقعة عين لا عموم لها لأن خطابالواحد كخطاب الجماعة كما تقرر في الأصول
وفي رواية متفق عليها " ما يكفيك ويكفي وليدك " وقد أجيب عن الحديث أيضا بأنه من باب الفتيا لا من القضاء وهو فاسد لأنه صلى الله عليه وآله وسلم لا يفتي إلا بحق . واستدل بالحديث أيضا من نفقة الزوجة بالكفاية وبه قالالجمهور وقال الشافعي أنها تقدر بالأمداد فعلى الموسر كل يوم مدان والمتوسط مد ونصف والمعسر مد
وروى نحو ذلك عن مالك والحديث حجة عليهم كما أعترف بذلك التووي وللحديث فوائد لا يتعلق غالبها بالمقام وقد استوفاها في فتح الباري واستوفى طرق الحديث واختلاف ألفاظه

باب إثبات الفرقة للمرأة إذا تعذرت النفقة بإعسار ونحوه

1 - عن ابن هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قال خير الصدقة ما كان منها عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول . فقيل من أعول يا رسول الله قال امرأتك ممن تعول تقول أطعمني وإلا فارقني جاريتك تقول اطعمني وأستعملني . ولدك يقول الي من تتركني "
- رواه أحمد والدارقطني باسناد صحيح وأخرجه الشيخان في الصحيحين وأحمد من طريق آخر وجعلوا الزيادة للفسرة فيه من قول أبي هريرة

2 - وعن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال يفرق بينهما "
- رواه الدارقطني

- حديث أبي هريرة الأول حسن اسناده الحافظ وهو من رواية عاصم عن أبي صالح عن أبي هريرة وفي حفظ عاصم مقال . ولفظ الحديث الذي أشار إليه الصنف في البخاري عن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد السفلى وابدأ بمن تعول تقول المرأة إما أن تطعمني وأما أن تطلقني . ويقول العبد اطعمني واستعملني . ويقول الابن أطعمني وإلى من تدعني
قالوا يا أبا هريرة سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لاهذا من كيس أبي هريرة . وحديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضا البيهقي من طريق عاصم القاري عن أبي صالح عن أبي هريرة وأعله أبو حاتم
وفي الباب عن سعيد بن المسيب عند سعيد بن منصور والشافعي وعبد الرزاق في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله قال يفرق بينهما قال أبو الزناد قلت لسعيد سنة قال سنة وهذا مرسل قوي . وعن عمر عند الشافعي وعبد الرزاق وابن المنذر انه كتب إلى أمراء الاجناد في رجال غابوا عن نسائهم أما أن ينفقوا وإما أن يطلقوا ويبعثوا نفقة ما حبسوا
قوله : " ما كان عن ظهر غنى " فيه دليل على أن صدقة من كان غير محتاج لنفسه إلى ما تصدق به بل مستغنيا عنه أفضل من صدقة المحتاج إلى ما تصدق به ويعارضه حديث أبو هريرة عند أبو داود والحاكم يرفعه أفضل الصدقة جهد من مقل
وقد فسره في النهاية بقدر ما يحتمله حال قليل المال . وحديث أبو هريرة أيضا عند النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال على شرط مسلم قال " قال رسول الله الله صلى الله عليه وآله وسلم سبق درهم مائة ألف درهم فقال رجل وكيف ذاك يا رسول الله قال رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق بها فهذا تصدق بنصف ماله " الحديث ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ويؤيد الأول قوله تعالى { ولا تجعل يدك مغلولة إلى غنقك ولا تبسطها كل البسط } ويمكن الجمع بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس إذا تصدق بجميع ماله أن يتصدق عن ظهر غنى والأفضل من يصبر على الفاقة أن يكون متصدقا بما يبلغ إليه جهده وإن لم يكن مستغنيا عنه ويمكن أن يكون المراد بالغنى غنى النفس كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما " ليس الغني عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس "
قوله : اليد العليا هي يد المتصدق واليد السفلى يد المتصدق عليه هكذا في النهاية . وسيأتي في باب النفقة على الأقارب ما يدل على هذا التفسير
قوله : " وأبدأ بمن تعول " أي بمن تجب عليك نفقته
قال في الفتح يقال عال الرجل أهله إذا مانهم أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة
وفيه دليل على وجوب نفقة الأولاد مطلقا
وقد تقدم الخلاف في ذلك على وجوب نفقة الأرقاء وسيأتي
قوله : " تقول أطعمني وإلا فارقني " . استدل به وبحديث أبي هريرة الآخر على أن الزوج إذا أعسر عن نفقة امرأته واختارت فراقه فرق بينهما . وإليه ذهب جمهور العلماء كما حكاه في فتح الباري وحكاه صاحب البحر عن الإمام علي رضي الله عنه وعمر وأبي هريرة والحسن البصري وسعيد بن المسيب وحماد وربيعة ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي والإمام يحيى
وحكى صاحب الفتح عن الكوفيين أنه يلزم المرأة الصبر وتتعلق النفقة بذمة الزوج . وحكاه في البحر عن عطاء والزهري والثوري والقاسمية وأبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي ومن جملة ما احتج به الأولون قوله تعالى { ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا } وأجاب الآخرون عن الأحاديث المذكورة بما سلف من إعلالها وأما ما في الصحيحين فهومن قول أبي هريرة كما وقع التصريح به منه حيث قال أنه من كيسه بكسر الكاف أي من استنباطه من المرفوع وقد وقع في رواية الأصيلي بفتح الكاف أي من فطنته وأما قول عمر فليس مما يحتج به وأجابوا عن الآية بأن ابن عباس وجماعة من التابعين قالوا نزلت فيمن كان يطلق فإذا كادت العدة تنقضي راجع ويجاب عن ذلك بأن الأحاديث المذكورة يقوي بعضها بعضا مع أنه لم يكن فيها قدح يوجب الضعف فضلا عن السقوط والآية المذكورة وإن كان سببها خاصا كما قيل فالأعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وأما استدلال الآخرين بقوله تعالى { لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها } قالوا وإذا أعسر ولم يجد سببا يمكنه به تحصيل النفقه فلا تكليف عليه بدلالة الآية فيجاب عنه بأنا لم نكلفه النفقة حال إعساره بل دفعنا الضرر عن امرأته وخلصناها من حباله لتكتسب لنفسها أو يتزوجها رجل آخر واحتجوا أيضا بما في صحيح مسلم من حديث جابر أنه دخل أبو بكر وعمر على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فوجداه حول نساؤه واجما ساكتا وهن يسألنه النفقة فقام كل واحد منهما إلى إبنته أبو بكر إلى عائشة وعمر إلى حفصة فوجاآ أعناقهما فأعتزلهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك فضربهما لابنتيهما في حضرته صلى الله عليه وآله وسلم لأجل مطالبتهما بالنفقة التي لا يجدها يدل على عدم التفرقة لمجرد الاعسار عنها قالوا ولم يزل الصحابة فيهم الموسر والمعسر ومعسروهم أكثر ويجاب عن الحديث المذكور بأن زجرهما عن المطالبة بما ليس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يدل على عدم جواز الفسخ لاجل الاعسار ولم يرواتهن طلبنه ولم يجبن إليه كيف وقد خيرهن صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك فاخترنه وليس النزاع جواز المطالبة للمعسر بما ليس عنده وعدمها بل محله هل يجوز الفسخ عند التعذر أم لا وقد أجيب عن هذا الحديث بأن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعد من النفقة بالكلية لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد استعاذ من الفقر المدقع ولعل ذلك إنما كان فيما زاد على قوام البدن مما يعتاد الناس النزاع في مثله وهكذا يجاب عن الاحتجاج بما كان عليه الصحابة من ضيق العيش . وظاهر الأدلة أنه يثبت الفسخ للمرأة بمجرد عدم وجدان الزوج لنفقتها بحيث يحصل عليها ضررمن ذلك وقيل انه يؤجل الزوج مدة فروى من مالك أنه يؤجل شهرا وعن الشافعية ثلاثة أيام ولها الفسخ في أول اليوم الرابع
وروى عن حماد أن الزوج يؤجل سنة ثم يفسخ قياسا على العنين وهل تحتاج المرأة إلى الرفع إلى الحاكم روى عن المالكية في وجه لهم أنها ترافعه إلى الحاكم ليجبره على الإنفاق أو يطلق عنهوفي وجه لهم آخر أنه ينفسخ النكاح بالأعسار لكن بشرط أن بثبت إعساره عند الحاكم والفسخ بعد ذلك إليها
وروي عن أحمد أنها إذا اختارت الفسخ رافعته إلى الحاكم والخيار إليه بين أن يجبره على الفسخ أو الطلاق وروي عن عبد الله بن الحسن العنبري أن الزوج إذا أعسر عن النفقة حبسه الحاكم حتى يجدها وهو في غاية الضعف لأن تحصيل الرزق غير مقدور له إذا كان من الذين أعوزته المطالب وأكدت عليه جميع المكاسب اللهم إلا أن يتقاعد عن طلب أسباب الرزق والسعي له مع تمكنه من ذلك فلهذا القول وجه وذهب ابن حزم إلا أنه يجب على المرأة الموسرة إنفاق زوجها المعسر ولا ترجع عليه إذا أيسر . وذهب ابن القيم إلى التفصيل وهو إذا تزوجت به عالمة بإعساره أو كان حال الزواج موسرا ثم أعسر فلا فسخ لها وإن كان هو الذي غرها عند الزواج بأنه موسر ثم تبين لها إعساره كان لها الفسخ ( واعلم ) أنه لا فسخ لأجل الإعسار بالمهر على ما ذهب إليه الجمهور . وذهب بعض الشافعية وهو مروى عن أحمد إلى أنه يثبت الفسخ لأجل ذلك والظاهر الأول لعدم الدليل الدال على ذلك وقد ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم بأن النساء عوان في يد الأزواج كما تقدم أي حكمهن حكم الإسراء لأن العاني الأسير والأسير لا يملك لنفسه خلاصا من دون رضا الذي هو في أسره فهكذا النساء ويؤيد هذا الحديث " الطلاق لمن أمسك بالساق " فليس للزوجة تخليص نفسها من تحت زوجها إلا إذا دل الدليل على جواز ذلك كما في الإعسار عن النفقة ووجود العيب المسوغ للفسخ وهكذا إذا كانت المرأة تكره الزوج كراهة شديدة وقد قدمنا الخلاف في ذلك

باب النفقة على الأقارب ومن يقدم منهم

1 - عن أبي هريرة قال " قال رجل يا رسول الله أي الناس أحق مني بحسن الصحبة قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أمك قال ثم من قال أبوك "
- متفق عليه . ولمسلم في رواية " من أبر قال أمك "

2 - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال " قلت يا رسول الله من أبر قال أمك قال قلت ثم من قال أمك قال قلت يارسول الله ثم من قال أمك قال قلت ثم من قال أباك ثم الأقرب فالأقرب "
- رواه أحمد وأبو داود والترمذي

3 - وعن طارق المحاربي قال " قدمت المدينة فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم على المنبر يخطب الناس وهو يقول يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك "
- رواه النسائي

4 - وعن كليب بن منفعة عن جده أنه " أتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله من أبر قال أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة "
- رواه أبو داود

- حديث بهز بن حكيم أخرجه أيضا الحاكم وحسنه أبو داود وحديث طارق المحابي أخرجه أيضا ابن حيان والدارقطني وصححاه وحديث كليب بن منفعة أورده الحافظ في التلخيص وسكت عنه وقد أخرجه البغوي وابن قانع والطبراني في الكبير والبيهقي ورجال اسناد أبي داود لابأس بهم ( وفي الباب ) عن المقدام ابن معد يكرب عند البيهقي باسناد حسن " سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول أن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بآبائكم ثم بالأقرب فالأقرب " وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأحمد وابن حبان والحاكم وصححاه بلفظ " إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم الأقرب فالأقرب " وأخرج الحاكم من حديث أبي رمثة بلفظ " أمك أمك وأباك ثم أختك وأخاك ثم أدناك أدناك " قوله " أمك " فيه دليل على أن الأم أحق بحسن الصحبة من الأب وأولى منه بالبر حيث لا يتسع مال الابن الالنفقة واحد منهما وإليه ذهب الجمهور كما حكاه القاضي عياض فانه قال ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل في البر على الأب وقيل انهما سواء وهو مروي عن مالك وبعض الشافعية
وقد حكى الحارث المحاسبي الاجماع على تفضيل الأم على الأب قوله " ثم الأقرب فالأقرب " فيه دليل على وجوب نفقة الأقارب سواء كانوا وارثين أم لا وقد قدمنا تفضيل الخلاف في ذلك واستدل من اعتبر الميراث بقوله تعالى { وعلى الوارث مثل ذلك } قوله ( يد المعطي العليا ) هو تفسير للحديث المتقدم بلفظ " اليد العليا خير من اليد السفلى " قوله " وابدأ بمن تعول " قد تقدم تفسيره قوله " ثم أدناك أدناك " هو مثل قوله " ثم الأقرب فالأقرب " وفي ذلك دليل على أن القريب الأقرب أحق بالبر والانفاق من القريب الابعد وان كانا جميعا فقيرين حيث لم يكن في مال المنفق إلا بمقدار ما يكفي أحدهما فقط بعد كفايته قوله " ومولاك الذي يلي ذاك " قيل أراد بالمولى هنا القريب ولعل وجه ذلك أنه جعله واليا للأم والأب والأخت والأخ ولا بد أن يكون الوالى لهم من في قرابة النسب . والظاهر أن المراد بالمولي هو المولي لغة وشرعا وجعله لمن ذكر لا يستلزم أن يكون من جنسهم في القرابة بل المراد أنه يليهم في استحقاق النفقة حيث لم يوجد معهم من هو مقدم عليه ولا يلزم من قوله بعد ذلك ورحم موصولة أن تكون الرحامة موجودة في جميع المذكورين بل يكفي وجودها في البعض كالأم والأب والأخت والأخ

باب من أحق بكفالة الطفل

1 - عن البراء بن عازب " أن ابنة حمزة اختصم فيها علي وجعفر وزيد فقال علي أنا أحق بها هي إبنة عمي وقال جعفر بنت عمي وخالتها تحتى وقال زيد ابنة أخي فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لخالتها وقال الخالة بمنرلة الأم
- متفق عليه ورواه أحمد أيضا من حديث علي وفيه " والجارية عند خالتها فإن الخالة والدة

- حديث علي رضي الله عنه أخرجه أيضا أبو داود والحاكم والبيهقي بمعناه " قوله " وخالتها تحتى " الخالة المذكورة هي أسماء بنت عميس قوله " وقال زيد ابنة أخي " إنما سمى حمزة أخاه لان النبي صلى الله عليه وآله وسلم آخى بينه وبينه قوله " الخالة بمنزلة الأم " فيه دليل على أم الخالة في الحضانة بمنزلة الأم وقد ثبت بالإجماع أن الأم أقدم الحواضن فمقتضى التشبيه أن تكون الخالة أقدم من غيرها من آمهات الأم وأقدم من الأب والعمات . وذهبت الشافعية والهادي الي تقديم الأب على الخالة . ذهب الشافعي والهادوية إلى تقدم أم الأم وأم الأب على الخالة أيضا . وذهب الناصر والمؤيد بالله وأكثر أصحاب الشافعي وهو رواية عن أبي حنيفة إلى الأخوات أقدم من الخالة . والأولى تقديم الخالة بعد الأم على سائر الحواضن لنص الحديث وفاء بحق التشبيه المذكور وإلا كان لغوا
وقد قيل إن الأب أقدم من الخالة بالإجماع وفيه نظر فإن صاحب البحر قد حكى عن الأصطخري أن الخالة أولى منه ولم يحكي القول بتقديم الأب عليها إلا عن الهادي والشافعي وأصحابه
وقد طعن ابن حزم في حديث البراء المذكور بأن في إسناده اسرائيل وقد ضعفه علي بن المديني وردعليه بأنه قد وثقه سائر أهل الحديث وتعجب أحمد من حفظه وقال ثقة
وقال أبو حاتم هو أتقن أصحاب أبي اسحاق وكفى باتفاق الشيخين على إخراج هذا الحديث دليلا . واستشكل كثير من الفقهاء وقوع القضاء منه صلى الله عليه وآله وسلم لجعفر وقالوا إن كان القضاء له فليس بمحرم لها وهو وعلي سواء في قرابتها وإن كان القضاء للخالة فهي مزوجة وسيأتي ان زواج الأم مسقط لحقها من الحضانة فسقوط حق الخالة بالزواج أولى . وأجيب عن ذلك بأن القضاء للخالة والزواج لا يسقط حقها من الحضانة مع رضا الزوج كما ذهب إليه أحمد والحسن البصري والإمام يحيى وابن حزم وقيل أن النكاح إنما يسقط حضانة الأم وحدها حيث كان المنازع لها الأب ولا يسقط حق غيرها ولا حق الأم حيث كان المنازع لها غير الأب و يجمع بين حديث الباب وحديث " أنت أحق به ما لم تنكحي " الآتي واليه ذهب ابن جريج

2 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص " أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء وزعم أبوه أنه ينزعه مني فقال أنت أحق به ما لم تنكحي "
- رواه أحمد وأبو داود لكن في لفظه " وأن أباه طلقني وزعم أن ينتزعه مني "

- الحديث أخرجه أيضا البيهقي وصححه وهو من حديث عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده قوله " وعاء " بفتح الواو والمد وقد يضم وهو الظرف وقرأ السبعة { قبل وعاء أخيه } بالكسر . والحواء بكسر الحاء والمد اسم لكل شيء يحوي غيره أي يجمعه . والسقاء بكسر السين أي يسقي منه اللبن . ومراد الأم بذلك أنها أحق به لاختصاصها بهذه الأوصاف دون الأب . قوله " أنت أحق به " فيه دليل على أن الأم أولى بالولد من الأب ما لم يحصل مانع من ذلك كالنكاح لتقييده صلى الله عليه وآله وسلم للأحقية بقوله " ما لم تنكحي " وهو مجمع على ذلك كما حكاه صاحب البحر فإن حصل منها النكاح بطلت حضانتها وبه قال مالك والشافعية والحنفية والعترة
وقد حكى ابن المنذر الاجماع عليه
وروي عن عثمان أنها لا تبطل بالنكاح وإليه ذهب الحسن البصري وابن حزم واحتجوا بما روي أن أم سلمة تزوجت بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبقي ولدها في كفالتها وبما تقدم في حديث ابنة حمزة . ويجاب عن الأول بأن مجرد البقاء مع المنازع لا يصلح للاحتجاج به على محل النزاع لاحتمال أنه لم يبق له قريب غيرها . وعن الثاني بأن ذلك في الخالة ولا يلزم في الأم مثله
وقد ذهب أبو حنيفة والهادوية إلى أن النكاح إذا كان بذي رحم محرم للمحضون لم يبطل به حق حضانتها
وقال الشافعي يبطل مطلقا لأن دليل لم يفصل وهو الظاهر وحديث ابنة حمزة لا يصلح للتمسك به لأن جعفرا ليس بذي رحم محرم لابنة حمزة
وأما دعوى دلالة القياس على ذلك كما زعمه صاحب البحر فغير ظاهر
وقد أجاب ابن حزم عن حديث الباب بأن في أسناده عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولم يسمع أبوه من جده وإنما هو صحيفة كما سبق تحقيقه ورد بأن حديث عمرو بن شعيب قبله الأئمة وعملوا به ( وقد استدل ) لمن قال بأن النكاح إذا كان بذي رحم للمحضون لم يبطل حق المرأة من الحضانة بما رواه عبد الرزاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن " أنها جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت أن أبي أنكحني رجلا لا أريده وترك عم ولدي فأخذ مني ولدي فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أباها ثم قال لها اذهبي فانكحي عم ولدك " وهذا مع كونه مرسلا في إسناده رجل مجهول ولم يقع التصريح فيه بأنه أرجع الولد اليها عند أن زوجها بذي رحم له

3 - وعن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خير غلاما بين أبيه وأمه " رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه . في رواية " أن امرأة جاءت فقالت يا رسول الله إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني من بئر أبي عنبة وقد نفعني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استهما عليه فقال زوجها من يحاقني في ولدي فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا أبوك وهذه أمك فخذ بيد أيهما شئت فأخذ بيد أمه فانطلقت به "
- رواه أبو داود وكذلك النسائي ولم يذكر " فقال استهما عليه " ولأحمد معناه لكنه قال فيه " جاءت امرأة قد طلقها زوجها " ولم يذكر فيه قولها قد سقاني ونفعني

4 - وعن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري عن جده " أن جده أسلم وأبت امرأته أن تسلم فجاء بابن له صغير لم يبلغ قال فأجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأب ههنا والأم ههنا ثم خيره وقال اللهم أهده فذهب إلى أبيه "
- رواه أحمد والنسائي وفي رواية عن عند الحميد بن جعفر " قال أخبرني أبي عن جدي رافع بن سنان أنه أسلم وأبت امرأته أن تسلم فأتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت ابنتي وهي فطيم أو شبهه وقال رافع ابنتي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اقعد ناحية وقال لها اقعدي ناحية فأقعد الصبية بينهما ثم قال ادعوها فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم اهدها فمالت إلى أبيها فأخذها "
- رواه أحمد وأبو داود وعبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن رافع بن سنان الأنصاري

- حديث أبي هريرة رواه باللفظ الأول أيضا أبو داود ورواه بنحو اللفظ الثاني بقية أهل السنن وابن أبي شيبة وصححه الترمذي وابن حبان وابن القطان . وحديث عبد الحميد باللفظ الآخر أخرجه أيضا النسائي وابن ماجه والدارقطني وفي اسناده اختلاف كثير وألفاظه مختلفة ورجح ابن القطان رواية عبد الحميد بن جعفر وقال ابن المنذر لا يثبته أهل النقل وفي إسناده مقال ولكنه قد صححه الحاكم وذكر الدارقطني أن البنت المخيرة اسمها عميرة وقال ابن الجوزي رواية من روى أنه كان غلاما أصح
وقال ابن القطان لو صح رواية من روى أنها بنت لأحتمل أنهما قصتان لاختلاف الخرجين
قوله : " خير غلاما " الخ فيه دليلعلى أنه إذا تنازع الأب والأم في ابن لهما كان الواجب هو تخييره فمن اختاره ذهب به
وقد أخرج البيهقي عن عمر أنه خير غلاما بين أبيه وأمه
وأخرج أيضا هم علي أنه خير عمارة الجذامي بين أمه وعمته وكان ابن سبع أو ثمان سنين وقد ذهب إلى هذا الشافعي وأصحابه وإسحاق بن راهويه وقال أحب أن يكون مع الأم إلى سبع سنين ثم يخير وقيل إلى خمس . وذهب أحمد إلى أن الصغير دون سبع سنين أنه أولى به وان بلغ سبع سنين فالذكر فيه ثلاث روايات . يخير وهو المشهور عن أصحابه وإن لم يختر أقرع بينهما . والثانية أن الأب أحق به . والثالثة أن الأب أحق بالذكر والأم أحق بالأنثى إلى تسع ثم يكون الأب أحق بها . والظاهر من أحاديث الباب أن التخيير في حق من بلغ من الأولاد إلى سن التمييز هو الواجب من غير فرق بين الذكر والأنثى . وحكى في البحر عن مذهب الهادوية وأبي طالب وأبي حنيفة وأصحابه ومالك أنه لا تخيير بل متى استغنى بنفسه فالأب أولى بالذكر والأم بالأنثى . وعن مالك الأنثى للأم حتى تزوج وتدخل والأب للذكر حتى يبلغ . وحد الاستعناء عند أبي حنيفة وأصحابه وأبي العباس وأبي طالب أن يأكل ويشرب ويلبس . وعند الشافعي والمؤيد بالله والإمام يحيى هو بلوغ السبع . وتمسك النافون للتخيير بحديث " أنت أحق ما لم تنكحي " ويجاب عنه بأن الجمع ممكن وهو أن يقال المراد بكونها أحق به فيما قبل السن التي يخير فيها لا فيما بعدها بقرينة أحاديث الباب
قوله : " استهما عليه " فيه دليل على أن القرعة طريق شرعية عند تساوي الأمرين وأنه يجوز الرجوع اليها كما يجوز الرجوع إلى التخيير
وقد قيل إنه يقدم التخيير عليها وليس في حديث أبي هريرة المذكور ما يدل على ذلك بل ربما دل على عكسه لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمرهما أولا بالاستهام ثم لما لم يفعلا خير الولد
وقد قيل إن التخيير أولى لاتفاق ألفاظ الحديث عليه وعمل الخلفاء الراشدين به . وقوله " من يحاقني " الحقاق والحتقاق الخصام والاختصام كما في القاموس أي من يخاصمني في ولدي قوله " فمالت إلى أمها فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم اهدها " استدل بذلك على جواز نقل الصبي إلى من اختار ثانيا وقد نسبه صاحب البحر إلى القائلين بالتخيير واستدل بحديث عبد الحميد المذكور على ثبوت الحضانة للأم لأن التخيير دليل ثبوت الحق وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور . وذهب الجمهور إلى أنه لا حضانة للكافرة على ولدها المسلم وأجابوا عن الحديث بما تقدم من المقال وبما فيه من الاضطراب ويجاب بأن الحديث صالح للاحتجاج به والاضطراب ممنوع باعتبار محل الحجة
وأما احتجاجهم بمثل قوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } وبنحو حديث " الإسلام يعلو " فغير نافع لأنه عام وحديث الباب خاص . وأعلم أنه ينبغي قبل التخيير والاستهام ملاحظة ما فيه مصلحة للصبي فإذا كان أحد الأبوين أصلح للصبي من الآخر قدم عليه من غيرقرعة ولا تخيير هكذا قال ابن القيم واستدل بأدلة عامة نحو قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا } وزعم أن قول من قال بتقديم التخيير أو القرعة مقيد بهذا وحكى عن شيخه ابن تيمية أنه قال تنازع أبوان صبيا عند الحاكم فخير الولد بينهما فاختار أباه فقالت أمه سله لأي شيء يختاره فسأله فقال أمي تبعثني كل يوم للكاتب والفقيه يضرباني وأبي يتركني ألعب مع الصبيان فقضى به للأم ورجح هذا تيمية . واستدل له بنوع من أنواع المناسب ولا يخفى أن الأدلة المذكورة في خصوص الخضانة خالية عن مثل هذا الاعتبار مفوضة حكم الأحقية إلى محض الاختيار فمن جعل المناسب صالحا لتخصيص الأدلة أو تقييدها فذاك ومن أبى ووقف علي مقتضاها كان في تمسكه وموافقته له أسعد من غيره

باب نفقة الرقيق والرفق بهم

1 - عن عبد الله بن عمرو " أنه قال لقهرمان له هل أعطيت الرقيق قوتهم قال لا قال فانطلق فأعطهم فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال كفى بالمرء إنما أن يحبس عمن يملك قوته "
- رواه مسلم

2 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق "
- رواه أحمد ومسلم

3 - وعن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " هم اخوانكم وخولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فأن كلفتموهم فأعينوهم عليه "
- متفق عليه

4 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا أتي أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه منه فليناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فانه ولى حره وعلاجه "
- رواه الجماعة

5 - وعن أنس قال " كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه الصلاة وما ملكت أيمانكم " - رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

- حديث أنس أخرجه أيضا النسائي وابن سعد وله عند النسائي أسانيد منها مارجاله رجال الصحيح وله شاهد من حديث علي عند أبي داود وابن ماجه زاد فيه " الزكاة بعد الصلاة "

- ( وأحاديث الباب ) فيها دليل على وجوب نفقة المملوك وكسوته وهو مجمع على ذلك كما حكاه صاحب البحر وغيره وظاهر حديث عبد الله ابن عمرو وحديث أبي هريرة أنه لا يتعين على اطعامه مما يأكل بل الواجب الكفاية بالمعروف وظاهر حديث أبي ذر يجب على السيد إطعامه مما يأكل وكسوته مما يلبس وهو محمول على الندب والقرينة الصارفة إليه الاجماع على أنه لا يجب على السيد ذلك وذهبت العترة والشافعي إلى أن الواجب الكفاية بالمعروف كما وقع في رواية فلا يحوز التقتير الخارج عن العادة ولا يجب بذل فوق المعتاد قدرا وجنسا وصفة قوله " ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " فيه دليل على تحريم تكليف العبيد والاماء فوق ما يطيقونه من الأعمال وهذا مجمع عليه قوله " إذا أتى أحدكم خادمه بنصب أحدكم ورفع خادمه " والخادم يطلق على الذكرو الأنثى وهو أعم من الحر والمملوك قوله " فان لم يجلسه " أي لم يجلس المخدوم الخادم قوله " لقمة أو لقمتين " بضم اللام وهي العين المأكولة من الطعام وروي بفتح اللام والصواب الأول إذا كان المراد العين وهو ما يلتقم والثاني إذا كان المراد الفعل وهكذا قوله " أكلة أو أكلتين " وهو شك من الراوي وفي هذا دليل على أنه لا يجب اطعام المملوك من جنس ما يأكله المالك بل ينبغي أن يناوله منه ملء فمه للعلة المذكورة آخرا وهي توليه لحره وعلاجه ويدفع إليه ما يكفيه من أي طعام أحب على حسب ماتقتضيه العادة لما سلف من الاجماع وقد نقله ابن المنذر فقال الواجب عند جميع أهل العلم اطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في تلك البلد وكذلك الادام والكسوة وللسيد أن يستأثر بالنفيس من ذلك وان كان الأفضل المشاركة وقال الشافعي بعد أن ذكر الحديث هذا عندنا على وحهين الأول أن أجلاسه معه أفضل فإن لم يفعل فليس بواجب الثاني أنه يكون الخيار إلى السيد بين أن يجلسه أو يناوله ويكون اختيارا غير حتم
قوله : " كانت عامة وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فيه دليل على وقوع الوصية منه صلى الله عليه وآله وسلم وقد قدمنا الكلام على ذلك في كتاب الوصايا
قوله : " يغرغر " بغينين معجمتين وراءين مهملتين مبني للمجهول . قوله " الصلاة وما ملكت أيمانكم " أي حافظوا على الصلاة وأحسنوا إلى المملوكين

باب نفقة البهائم

1 - عن ابن عمر " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لاهي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولاهي تركتها تأكل من حشائش الأرض "
- وروى أبو هريرة مثله

2 - وعن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فيها فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ماء ثم أمسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له قالوا يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا فقال في كل كبد رطبة أجر "
- متفق عليهن

3 - وعن سراقة بن مالك قال " سألت النبي الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الضالة من الإبل تغشى حياضي قد لطنها للإبل هل لي من أجر في شأن ما أسقيها قال نعم في كل ذات كبد حراء أجر "
- رواه أحمد

- حديث سراقة أخرجه أيضا ابن ماجه وأبو يعلي والبغوي والطبراني في الكبير والضياء في المختارة
قوله : " عذبت امرأة " قال الحافظ لم أقف على اسمها ووقع في رواية أنها حميرية وفي أخرى أنها من بني اسرائيل كما في مسلم والجمع ممكن لأن طائفة من حمير دخلوا في اليهودية فيكون نسبتها إلى بني اسرائيل لأنهم أهل دينها وإلى حمير لأنهم قبيلتها قوله " في هرة " أي بسبب هرة والهرة أنثى السنور قوله " خشاش الأرض " بفتح الخاء المعجمة ويجوز ضمها وكسرها وبعدها معجمتان بينهما ألف والمراد هوام الأرض وحشراتها قال النووي وروي بالحاء المهملة والمراد نبات الأرض قال وهو ضعيف أو غلط
وفي رواية من حشرات الأرض وقد استدل بهذا الحديث على تحريم حبس الهرة وما يشابهها من الدواب بدون طعام ولاشراب لأن ذلك من تعذيب خلق الله وقد نهى عنه الشارع
قال القاضي عياض يحتمل أن تكون عذبت في النار صحيحة أو بالحساب لأن من نوقش الحساب عوقب ولا يخفى أن قوله فدخلت فيها النار يدل على الاحتمال الأول وقد قيل أن المرأة كانت كافرة فدخلت النار بكفرها وزيد في عذابها لأجل الهرة قال النووي وإلا ظهر أنها كانت مسلمة وإنما دخلت النار بهذه المعصية
قوله : " يلهث " قال في القاموس اللهثان العطشان وبالتحريك العطش كاللهث واللهاث وقد لهث كسمع وكغراب حر العطش وشدة الموت قال ولهث كمنع لهثا ولهاثا بالضم أخرج لسانه عطشا أو تعبا أو إعياء كاللهث واللهثة بالضم التعب والعطش انتهى
قوله : " الثرى " هو التراب الندي كما في القاموس قوله " في كل كبد رطبة " الرطب في الأصل ضد اليابس وأريد به هنا الحياة للأن الرطوبة في البدن تلازمها وهي كذلك الحرارة في الأصل ضد البرودة وأريد بها هنا الحياة لأن الحرارة تلازمها وقد استدل باحاديث الباب على وجوب نفقة الحيوان على مالكه وليس فيها ما يدل على الوجوب المدعى أما حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة الأول الذي أشار إليه المصنف فليس فيهما إلا وجوب انفاق الحيوان المحبوس على حابسه وهو أخص من الدعوى اللهم إلا أن يقال إن مالك الحيوان حابس له في ملكه فيجب الإنفاق على كل مالك لذلك ما دام حابسا له إلا إذا سيبه فلا وجوب عليه لقوله في الحديث " ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض " كما وقع التصريح بذلك في كتب الفقه ولكن لا يبرأ بالتسييب إلا إذا كان في مكان معشب يتمكن الحيوان فيه من تناول ما يقوم بكفايته وأما حديث أبو هريرة الثاني فليس فيه إلا أن المحسن إلى الحيوان عند الحاجة إلى الشراب ويلحق به الطعام مأجور وليس النزاع في استحقاق الأجر بما ذكر إنما النزاع في الوجوب وكذلك حديث سراقة بن مالك ليس فيه مجرد الأجر للفاعل وهو يحصل بالمندوب فلا يستفاد منه الوجوب غاية الأمر إن الإحسان إلى الحيوان المملوك أولى من الإحسان إلى غيره لأن هذه الأحاديث مصرحة بأن الإحسان إلى غير المملوك موجب للأجر وفحوى الخطاب يدل على أن المملوك أولى بالإحسان لكونه محبوسا عن منافع نفسه بمنافع مالكه وأما إن المحسن إليه أولى بالأجر من المحسن إلى غير المملوك فلا فأولى ما يستدل به على وجوب إنفاق الحيوان المملوك حديث الهرة لأن السبب في دخول تلك المرأة النار ليس مجرد ترك الإنفاق بل مجموع الترك والحبس فإذا كان هذا الحكم ثابتا في مثل الهرة فثبوته في مثل الحيوانات التي تملك أولى لانها مملوكة محبوسة مشغولة بمصالح المالك
وقد ذهبت العترة والشافعي وأصحابه إلى أن مالك البهيمة إذا تمرد عن علفها أو بيعها أو تسييبها أجبر كما يجبر مالك العبد بجامع كون كل منهم مملوكا ذا كبد رطب مشغولا بمصالح مالكه محبوسا عن مصالح نفسه وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن مالك الدابة يؤمر بأحد تلك الأمور استصلاحا لا حتما قالوا إذ لا يثبت لها حق ولا خصومة ولا ينصب عنها فهي كالشجرة وأجيب بأنها ذات روح محترم فيجب حفظه كالآدمي وأما الشجر فلا يجبر على إصلاحه اجماعا لكونه ليس بذي روح فافترقا والتخيير بين الأمور المذكورة إنما هو في الحيوان الذي دمه محترم وأما الحيوان الذي يحل أكله فيخير المالك بين تلك الأمور الثلاثة أو الذبح قوله " قد لطتها " بضم اللام وبالطاء المهملة وهو في الأصل اللزوم والستر والالصاق كما حققه صاحب القاموس والمراد هنا اصلاح الحياض يقال لاط حوضه يليطه إذا أصلحه بالطين والمدر ونحوها ومنه قيل اللائط لمن يفعل الفاحشة

كتاب الدماء

باب إيجاب القصاص بالقتل العمد وأن مستحقه بالخيار بينه وبين الدية

1 - عن ابن مسعود قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا اله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة "
- رواه الجماعة

2 - وعن عائشة " لا يحل دم امرئ مسلم الامن ثلاثة إلا من زنى بعدما أحصن أو كفر بعدما أسلم أو قتل نفسا فقتل بها "
- رواه أحمد والنسائي ومسلم بمعناه وفي لفظ " لا يحل قتل مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال زان محصن فيرجم ورجل يقتل مسلما متعمدا ورجل يخرج من الاسلام فيحارب الله عز و جل ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض "
- رواه النسائي وهو حجة في أنه لا يؤخذ مسلم بكافر

- حديث عائشة باللفظ الآخر أخرجه أيضا أبو داود والحاكم وصححه قوله " امرئ مسلم " فيه دليل على أن الكافر يحل دمه لغير الثلاث المذكورة لأن التوصيف بالمسلم يشعر بأن الكافر يخالفه في ذلك ولا يصح أن تكون المخالفة إلى عدم حل دمه مطلقا
قوله : " يشهد أن لا اله إلا الله " الخ هذا وصف كاشف لأن المسلم لا يكون مسلما إلا إذا كان يشهد تلك الشهادة
قوله : " إلا بإحدى ثلاث " مفهوم هذا يدل على أنه لا يحل بغير هذه الثلاث وسيأتي ما يدل على أنه يحل بغيرها فيكون عموم هذا المفهوم مخصصا بما ورد من الأدلة الدالة على أنه يحل دم المسلم بغير الأمور المذكورة قوله " الثيب الزاني " هذا مجمع عليه على ما سيأتي بيانه إن شاء الله قوله " والنفس بالنفس " المراد به القصاص وقد يستدل به من قال أنه يقتل الحر بالعبد والرجل بالمرأة والمسلم بالكافر لما فيه من العموم وسيأتي تحقيق الخلاف وما هو الحق في هذه المواطن قوله " والتارك لدينه " ظاهره أن الرد من موجبات قتل المرتد لأي نوع من أنواع الكفر كانت و المراد بمفارقة الجماعة مفارقة جماعة الإسلام ولا يكون ذلك إلا بالكفر لا بالبغي والابتداع ونحوهما فإنه وإن كان في ذلك مخالفة للجماعة فليس فيه ترك للدين إذ المراد الترك الكلي ولا يكون إلا بالكفر لا مجرد ما يصدق عليه اسم الترك وإن كان لخصلة من خصال الدين للإجماع على أنه لا يجوز قتل العاصي بترك أي خصلة من خصال الإسلام اللهم إلا أن يراد أنه يجوز قتل الباغي ونحوه دفعا لا قصدا ولكن ذلك ثابت في كل فرد من الأفراد فيجوز لكل فرد من أفراد المسلمين أن يقتل من بغى عليه مريدا لقتله أو أخذ ماله ولا يخفى أن هذا غير مراد من حديث الباب بل المراد بالترك للدين والمفارقة للجماعة الكفر فقط كما يدل على ذلك قوله في الحديث الآخر " أو كفر بعدما أسلم " وكذلك قوله " أو رجل يخرج من الإسلام " قوله يخرج من الإسلام هذا مستثنى من قوله مسلم باعتبارما كان عليه لا باعتبار الحال الذي قتل فيه فإنه صار كافرا فلا يصدق عليه أنه امرؤ مسلم
قوله : " فيقتل أو يصلب أو ينفى " هذه الأفعال أوائلها مضمومة مبنية للمجهول وفيه دليل على أنه يجوز أن يفعل بمن كفر وحارب أي نوع من هذه الأنواع الثلاث ويمكن أن يراد بقوله ورجل يخرج من الإسلام المحارب ووصفه بالخروج عن الإسلام بقصد المبالغة ويدل على إرادة هذا المعنى تعقيب الخروج عن الإسلام بقوله " فيحارب الله ورسوله " لما تقرر من أن مجرد الكفر يوجب القتل وإن لم ينضم إليه المحاربة ويدل على إرادة ذلك المعنى أيضا ذكر حد المحارب عقب ذلك بقوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض فأن هذا هو الذي أمر الله به في حق المحاربين بقوله { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم أرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض }

3 - وعن أبي هريرة " أن التبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفتدي وإما أن يقتل "
- رواه الجماعة لكن لفظ الترمذي " إما أن يعفو وإما أن يقتل "

4 - وعن أبي شريح الخزاعي " قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول من أصيب بدم أو خبل والخبل الجراح فهو بالخيار بين إحدى ثلاث إما أن يقتص أو يأخذ العقل أويعفو فإن أراد رابعة فخذوا على يديه "
- رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه

5 - وعن ابن عباس قال " كان في بني اسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية فقال الله تعالى لهذه الأمة كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر الآية فمن عفى له من أخيه شيء قال فالعفو أن يقبل في العمد الدية والإتباع بالمعروف يتبع الطالب بمعروف ويؤدى إليه المطلوب بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فيما كتب على من كان قبلكم "
- رواه البخاري والنسائي والدار قطني

- حديث أبو شريح الخزاعي في إسناده محمد بن إسحاق وقد أورده معنعنا وهو معروف بالتدليس فإذا عنعن ضعف حديثه كما تقدم تحقيقه غير مرة وفي إسناده أيضا سفيان بن أبي العرجاء السلمى قال أبو حاتم الرازي ليس بالمشهور وقد أخرج الحديث المذكور النسائي وأصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة بمعناه كما في حديثه المذكور وأبو شريح بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون التحتية وبعدها حاء مهملة اسمه خويلد بن عمرو ويقال كعب بن عمرو ويقال هانئ ويقال عبد الرحمن بن عمرو وقيل غير ذلك والأول هو المشهور
قوله : " بخير النظرين " " إما أن يفتدي وإما أن يقتل " ظاهره أن الخيار إلى الأهل الذين هم الوارثون للقتيل سواء كانوا يرثونه بسبب أو نسب وهذا مذهب العترة والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه
وقال الزهري ومالك يختص بالعصبة إذ شرع لنفي العار كولاية النكاح فإن عفوا فالدية كالتركة
وقال ابن سيرين يختص بالورثة من النسب إذ شرع للتشفي والزوجية ترتفع بالموت فلا تشفى وأجيب بأنه شرع لحفظ الدماء لقوله تعالى { ولكم في القصاص حياة } وظاهر الحديث أن القصاص والدية واجبان على التخيير وإليه ذهبت الهادوية والناصر وأبو حامد والشافعي في قول له وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه والناصر والداعي والطبري إن الواجب بالقتل هو القصاص لا الدية فليس للولي اختيارها لقوله تعالى { كتب عليكم القصاص في القتلى } ولم يذكر الدية ويجاب بأن عدم الذكر في الآية لا يستلزم عدم الذكر مطلقا فإن الدية قد ذكرت في حديثي الباب وأيضا تقدير الآية فمن اقتص فالحر بالحر ومن عفى له من أخيه شيء فالدية ويدل على ذلك تفسير ابن عباس المذكور . وظاهر الحديث أيضا أن الولي إذا عفا عن القصاص لم تسقط الدية بل يجب على القاتل تسليمها وروى عن مالك وأبي حنيفة والشافعي في قول له والمؤيد بالله في قول له أيضا أنها تتبع القصاص في السقوط ويؤيد عدم السقوط قوله تعالى { فمن عفى له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } وأجاب القائلون بالسقوط بأن المعروف والإحسان التفضل لا الوجوب كما تقتضيه العبارة لأن الوجوب يقتضي العقاب على الترك والمعروف والإحسان لا يقتضيان ذلك بدليل قوله تعالى { ذلك من ربكم ورحمة } ورد بأن التخفيف المذكور هو بالتخيير بين القصاص والدية لهذه الأمة بعد أن كان الواجب على بني اسرائيل هو القصاص فقط ولم يكن فيهم الدية ولا شك أن التخيير بين أمرين أوسع وأخف من تعيين واحد كما في كلام ابن عباس المذكور في الباب ويدل على عدم سقوط الدية بسقوط القصاص حديث أبي هريرة وأبي شريح المذكوران وقد أخرج الترمذي وابن ماجة حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ " من قتل متعمدا أسلم إلى أولياء المقتول فإن احبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا العقل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين خلفة في بطونها أولادها " وفي الكشاف في تفسير الآية المذكورة ما لفظه فأبتاع بالمعروف فليكن اتباع أو بالأمر اتباع وهذه توصية للمعفو عنه العافي جميعا فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف عليه وأن لا يطالبه إلا مطالبة جميلة وليؤد إليه القاتل بدل دم المقتول اداء بإحسان بأن لا يمطله ولا يبخسه ذلك الحكم المذكور من العفو والدية تخفيف من ربكم ورحمة لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة وحرم العفو وأخذ الدية وعلى أهل الأنجيل العفو وحرم القصاص والدية وخيرت هذه الامة بين الثلاث القصاص والدية والعفو توسعة عليهم وتيسيرا انتهى . والمراد بقوله في حديث أبي شريح فإن أراد رابعة فخذوا على يديه أي إذا أراد زيادة على القصاص أو الدية أو العفو ومن ذلك قوله تعالى { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }

باب ما جاء لا يقتل مسلم بكافر والتشديد في قتل الذمي وما جاء في الحر بالعبد

1 - عن أبي جحيفة قال " قلت لعلي هل عندكم شيء من الوحي ما ليس في القرآن فقال والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن ومافي هذه الصحيفة قلت وما في هذه الصحيفة قال العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر "
- رواه أحمد والبخاري والنسائي وأبو داود والترمذي

2 - وعن علي رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال المؤمنون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم ألا لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده "
- رواه أحمد والنسائي وأبو داود وهو حجة في أخذ الحر بالعبد

3 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن لا يقتل مسلم بكافر "
- رواه أحمد وابن ماجة والترمذي
وفي لفظ " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده "
- رواه أحمد وأبو داود

- حديث علي الآخر أخرجه أيضا الحاكم وصححه وحديث عمرو بن شعيب سكت عنه أبو داود والمنذري وصاحتب التلخيص ورجالة رجال الصحيح إلى عمرو بن شعيب " وفي الباب " عن ابن عمر عند ابن حبان في صحيحه وأشار إليه الترمذي وحسنه . وعن ابن عباس عند ابن ماجة وروي الشافعي من حديث عطاء وطاوس ومجاهد والحسن مرسلا " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم الفتح لا يقتل مؤمن بكافر " وروى البيهقي من حديث عمران بن حصين نحو ما في الباب وكذلك رواه البزار من حديثه وروى أبو داود والنسائي والبيهقي من حديث عائشة نحوه وقال الحافظ في الفتح بعد أن ذكر حديث علي الآخر وحديث عمرو بن شعيب وحديث عائشة وابن عباس لأن طرقها كلها ضعيفة إلا الطريق الأولى والثانية فإن سند كل منهما حسن انتهى
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن مسلما قتل رجلا من أهل الذمة فرفع إلى عثمان فلم يعتله وغلظ عليه الدية
قال ابن حزم هذا في غاية الصحة فلا يصح عن أحد من الصحابة شيء غير هذا إلا ما رويناه عن عمر أنه كتب في مثل ذلك أن يقاد به ثم ألحقه كتابا فقال لا تقتلوه ولكن أعتقلوه
قوله : " هل عندكم " الخطاب لعلي ولكنه غلبه على غيره من أهل البيت لحضوره وغيبتهم أو للتعظيم قال الحافظ وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن لأهل البيت لا سيما علي اختصاصا بشيء من الوحي لم يطلع عليه غيرهم وقد سأل عليا عن هذه المسألة قيس بن عبادة والأشتر النخعي قال والظاهر أن المسؤل عنه هنا ما يتعلق بالأحكام الشرعية من الوحي الشامل للكتاب والسنة فإن الله سبحانه سماها وحيا إذا فسر قوله تعالى وما ينطق من الهوى بما هو أعم من القرآن ويدل على ذلك قوله وما في هذه الصحيفة فإن المذكور فيها ليس من القرآن بل من أحكام السنة وقد أخرج أحمد والبيهقي أن عليا كان يأمر بالأمر فيقال قد فعلناه فيقول صدق الله ورسوله فلا يلزم منه نفي من ينسب إلى علي من علم الجفر ونحوه أو يقال هو مندرج تحت قوله الافهما يعطيه الله تعالى رجلا في القرآن فإنه ينسب إلى كثير ممن فتح الله عليه بأنواع العلوم أنه يستنبط ذلك من القرآن . ومما يدل على اختصاص علي بشيء من الأسرار دون غيره حديث المخدج المقتول من الخوارج يوم النهروان كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود يومئذ التمسوا فيهم المخدج . يعني في القتلى فلم يجدوه فقام الإمام علي بنفسه حتى أتى أناسا قد قتل بعضهم على بعض فقال أخرجوهم فوجدوه مما يلي الأرض فكبر وقال صدق الله وبلغ رسوله فقام إليه عبيدة السلماني فقال يا أمير المؤمنين والله الذي لا اله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أي والله الذي لا اله ألاهو حتى استحلفه ثلاثا وهو يحلف . والمخدج المذكور هو ذو الثدية وكان في يده مثل ثدي المرأة على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعرات مثل سبالة السنور
قوله : " إلا فهمها " هكذا في رواية بالنصب على الاستثناء
وفي رواية بالرفع على البدل والفهم بمعنى المفهوم من لفظ القرآن أو معناه
قوله : " وما في هذه الصحيفة " أي الورقة المكتوبة والعقل الدية وسميت بذلك لأنهم كانوا يعطون الإبل ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال وهو الحبل
وفي رواية الديات أي تفصيل أحكامها
قوله : " وفكاك الأسير " بكسر الفاء وفتحها أي أحكام تخليص الأسير من يد العدو والترغيب فيه
قوله : " وأن لا يقتل مسلم بكافر " دليل على أن المسلم لا يقاد بالكافر أما الكافر الحربي فذلك إجماع كما حكاه صاحب البحر الذمي فذهب فذهب إليه الجمهور لصدق اسم الكافر عليه وذهب الشعبي والنخعي وابن حنيفة وأصحابه إلا أنه يقتل المسلم بالذمي واستدلوا بقوله في حديث علي وعمرو بن شعيب " ولا ذو عهد في عهده " ووجهه أنه معطوف على قوله مؤمن فيكون التقدير ولا ذو عهد في عهده بكافر كما في المعطوف عليه والمراد بالكافر المذكور في المعطوف هو الحربي فقط بدليل جعله مقابلا للمعاهد لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهدا مثله من الذميين اجماعا
فيلزم أن يقيد الكافر في المعطوف عليه بالحربى كما قيد في المعطوف لأن الصفة بعد متعددة ترجع إلى الجميع اتفاقا فيكون التقدير لا يقتل مؤمن بكافر حربي ولا ذو عهد في عهده بكافر حربي وهو يدل بمفهومه على أن المسلم يقتل بالكافر الذمي ويجاب أولا بأن هذا مفهوم صفة والخلاف في العمل به مشهور بين أئمة الأصول ومن جملة القائلين بعدم العمل فيه أبو حنيفة فكيف يصح احتجاجهم به وثانيا بأن الجملة المعطوفة أعني قوله ولا ذو عهد في عهده لمجرد النهي عن قتل المعاهد فلا تقدير فيها أصلا ورد بأن الحديث مسوق لبيان القصاص لا للنهي عن القتل فإن تحريم قتل المعاهد معلوم من ضرورة أخلاق الجاهلية فضلا عن الإسلام وأجيب عن هذا الرد بأن الأحكام الشرعية إنما تعرف من كلام الشارع وكون تحريم قتل المعاهد معلوما من أخلاق الجاهلية لا يستلزم معلوميته في شريعة الإسلام كيف والأحكام الشرعية جاءت بخلاف القواعد الجاهلية فلا بد من معرفة أن الشريعة الإسلامية قررته ويؤيد ذلك أن السبب في خطبته صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح بقوله " لا يقتل مسلم بكافر " ما ذكره الشافعي في الأم حيث قال وخطبته يوم الفتح كانت سبب القتيل الذي قتلته خزاعة وكان له عهد فخطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت " لو قتلت مسلما بكافر لقتلته به " وقال " لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده " فأشار بقوله لا يقتل مسلم بكافر إلى تركه الاقتصاص من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله وبقوله ولا ذو عهد في عهده إلى النهي عن الإقدام على ما فعله القاتل المذكور فيكون قوله ولا ذو عهد في عهده كلاما تاما لا يحتاج إلى تقدير ولا سيما وقد تقرر أن التقدير خلاف الأصل فلا يصار إليه إلا لضرورة ولا ضرورة كما قررناه ويجاب ثالثا بأن الصحيح المعلوم من كلام المحققين من النحاة وهو نص عليه الرضى أنه لا يلزم أشتراك المعطوف والمعطوف عليه إلا في الحكم الذي لأجله وقع العطف وهو هنا النهي عن القتل مطلقا من غير نظر إلى كونه قصاصا أو غير قصاص فلا يستلزم كون إحدى الجملتين في القصاص أن تكون الآخرى مثلها حتى يثبت ذلك التقدير المدعي وأيضا تخصيص العموم بتقدير ما أضمر في المعطوف ممنوع لو سلمنا صحة التقدير المتنازع فيه كما صرح بذلك صاحب المنهاج وغيره من أهل الأصول " ومن جملة " ما أحتج به القائلون بأنه يقتل المسلم بالذمي عموم قوله تعالى { النفس بالنفس } ويجاب بأنه مخصص بأحاديث الباب ومن أدلتهم ما أخرجه البهيقي من حديث عبد الرحمن بن البيلماني " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتل مسلما بمعتهد وقال أنا أكرم من وفى بذمته " وأجيب عنه بأنه مرسل ولا تثبت بمثله حجة وبأن ابن البيلماني المذكور ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف إذا أرسله كما قال الدار قطني قال أبو عبيد القاسم بن سلام هو حديث ليس بمسند ولا يجعل به إماما تسفك به دماء المسلمين
وأما ما وقع في رواية عمار بن مطر عن ابن البيلماني عن ابن عمر فقال البهيقي هو خطأ من وجهين أحدهما وصله بذكر ابن عمر والآخر أنه رواه عن إبراهيم عن ربيعة وإنما رواه أبراهيم عن ابن المنكدر والحمل فيه على ابن عمار ابن مطر الرهاوي فقد كان يقلب الأسانيد ويسرق الأحاديث حتى كثر ذلك في رواياته وسقط عن حد الاحتجاج به وروي عن البهيقي أنه قال لم يسنده غير أبي يحيى يعني إبراهيم المذكور وقد ذكرناه في غير موضع من هذا الشرع أنه لا يحتج بمثله لكونه ضعيفا جدا وقد قال علي بن المديني إن هذا الحديث إنما يدور عن إبراهيم ابن أبي يحيى وقيل أن كلام المديني هذا غير مسلم فإن أبا داود أخرجه في المراسيل وكذلك الطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن أبي البيلمان فلم يكن دائر على إبراهيم ويجاب بأن ابن المديني إنما أراد أن الحديث المسند بذكر ابن عمر يدور على إبراهيم بن أبي يحيى فقط ولم يرد أن المسند والمرسل يدوران عليه فلا استدراك وقد أجاب الشافعي في الأم عن حديث ابن البيلماني المذكور بأن كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية فلو ثبت لكان منسوخا لأن حديث لا يقتل مسلم بكافر خطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب وقصة عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان واستدلوا بما أخرجه الطبراني " أن عليا أتى برجل من المسلمين قتل رجل من أهل الذمة فقامت عليه البينة فأمر بقتله فجاء أخوه فقال إني قد عفوت قال فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك قال لا ولكن قتله لا يرد علي أخي وعرضوا لي ورضيت قال أنت أعلم من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا وهذا مع كونه قول صحابي ففي إسناده أبو الجنوب الأسدي وهو ضعيف الحديث كما قال الدار القطني
وقد روى علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه لا يقتل مسلم بكافر كما في حديث الباب والحجة إنما هي في روايته وروي عن الشافعي في هذه القضية إنه قال مادلكم إن عليا يروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ويقول بخلافه واستدلوا أيضا بما رواه البيهقي عن عمر في مسلم قتل معاهدا فقال إن كانت طيرة في غضب فعلى القاتل أربعة آلاف وإن كان القاتل لصا عاديا فيقتل ويجاب عن هذا أولا بأنه قول صحابي ولاحجة فيه وثانيا بأنه لا دلالة فيه على محل النزاع لأنه رتب القتل على كون القاتل لصا عاديا وذلك خارج عن محل النزاع وأسقط القصاص عن القاتل في غضب وذلك غير مسقط لو كان القصاص واجبا وثالثا بأنه قال الشافعي في القصص المروية عن عمر في القتل بالمعاهد أنه لا يعمل بحرف منها لأن جميعها منقطعات أو ضعاف أو تجمع الأنقطاع والضعف وقد تمسك بما روي عن عمر مما ذكرنا مالك والليث فقالا يقتل المسلم بالذمي إذا قتله قال والغيلة أ يضجعه فيذبحه ولامتمسك لهما في ذلك لما عرفت إذا تقرر هذا علم أن الحق ما ذهب إليه الجمهور ويؤيده قوله تعالى { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } ولو كان للكافر أن يقتص من المسلم لكان في ذلك أعظم سبيل وقد نفى الله تعالى أن يكون له عليه السبيل نفيا مؤكدا وقوله تعالى { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة }
ووجهه أن الفعل الواقع في سياق النفي يتضمن النكرة فهو في قوة الاستواء فيعم كل أمر من الأمور إلا ما خص ويؤيد ذلك أيضا قصة اليهودي الذي لطمه المسلم لما قال لا والذي اصطفى موسى على البشر فلطمه المسلم فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يثبت له الاقتصاص كما في الصحيح وهو حجة على الكوفيين لأنهم يثبتون القصاص باللطمة . ومن ذلك حديث الإسلام يعلو ولا يعلى عليه وهو وإن كان فيه مقال لكنه قد علقه البخاري في صحيحه . وقوله " المؤمنون تتكافأ دماؤهم " أي تتساوى في القصاص والديات . والكفء النظير والمساوى ومنه الكفاءة في النكاح أنه لا فرق بين الشريف والوضيع في الدم بخلاف ما كان عليه الجاهلية من المفاضلة وعدم المساواة
قوله : " وهم يد على من سواهم " أي هم مجتمعين على أعدائهم لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا
قوله : " ويسعى بذمتهم أدناهم " يعني أنه إذا أمن المسلم حربيا كان أمانه أمانا من جميع المسلمين ولو كان ذلك المسلم امرأة بشرط أن يكون مكلفا فيحرم النكث من أحدهم من بعد أمانه

4 - وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها يوجد من مسيرة أربعين عاما "
- رواه أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه

5 - وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إلا من قتل نفسا معاهدة لها ذمة الله وذمة رسوله فقد أخفر ذمة الله ولا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين خريفا "
- رواه ابن ماجه والترمذي وصححه

- حديث أبي هريرة قال الترمذي بعد أن قال إنه حسن إنه قد روي عن أبي هريرة من غير وجه مرفوعا
قوله : " معاهدا " المعاهد هو الرجل من أهل دار الحرب يدخل إلى دار الإسلام بأمان فيحرم على المسلمين قتله بلا خلاف بين أهل الإسلام حتى يرجع إلى مأمنه ويدل على ذلك قوله تعالى { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه }
قوله : " لم يرح رائحة الجنة " بفتح الأول من يرح وأصله راح الشيء أي وجد ريحه ولم يرحه أي لم يجد ريحه ورائحة الجنة نسميها الطيب وهذا كناية عن عدم دخول من قتل معاهدا الجنة لأنه إذا لم يشم نسيمها وهو يوجد من مسيرة أربعين عاما لم يخلها قوله " فقد أخفر ذمة الله " بالخاء والفاء والراء أي نقض عهده وغدر ( والحديثان ) اشتملا على تشديد الوعيد على قاتل المعاهد لدلالتهما على تخليده في النار وعدم خروجه عنها وتحريم الجنة عليه مع أنه قد وقع الخلاف بين أهل العلم في قاتل المسلم هل يخلد فيها أم يخرج عنها فمن قال أنه يخلد تمسك بقوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا فجزاؤه جهنم خالدا فيها } الآية ومن قال بعدم خليده على الدوام قال الخلود في اللغة اللبث الطويل ولا يدل على الدوام وسيأتي الكلام عليه وأما قاتل المعاهد فالحديثان مصرحان بأنه لا يجد رائحة الجنة وذلك مستلزم لعدم دخولها أبدا وهذان الحديثان وأمثالهما ينبغي أن يخصص بهما عموم الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار ودخولهم الجنة بعد ذلك
وقال في الفتح أن المراد بهذا النفي إن كان عاما التخصيص بزمان ما لتعاضد الأدلة العقلية والنقلية أن من مات مسلما وكان من أهل الكبائر فهو محكوم بإسلامة غير مخلد في النار ومآله إلى الجنة ولو عذب قبل ذلك انتهى
وقد ثبت في الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ " سبعين خريفا " ومثله روى أحمد عن رجل من الصحابة وفي رواية للطبراني من حديث أبي هريرة بلفظ " مائة عام " وفي أخرى له عن أبي بكرة بلفظ " خمسمائة عام " ومثله في الموطأ
وفي رواية في مسند الفردوس من حديث جابر بلفظ " ألف عام " وقد جمع صاحب الفتح بين هذه الأحاديث

6 - وعن الحسن عن سمرة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه "
- رواه الخمسة
وقال الترمذي حديث حسن غريب وفي رواية لأبي داود والنسائي " ومن خصى عبده خصيناه " قال البخاري قال علي بن المديني سماع الحسن من سمرة صحيح وأخذ بحديثه من قتل عبده قتلناه وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل السيد بعبده وتأولوا الخبر على أنه أراد من كان عبده لئلا يتوهم تقدم الملك مانعا "
وقد روى الدار قطني بإسناده عن إسماعيل بن عياش عن الأوزاعي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " إن رجلا قتل عبده متعمدا فجلده النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به وأمره أن يعتق رقبة " وإسماعيل بن عياش فيه ضعف إلا أحمد قال ما روي عن الشاميين صحيح وما روي عن أهل الحجاز فليس صحيح وكذلك قول البخاري فيه

- حديث سمرة قال الحافظ في بلوغ المرام أن الترمذي صححه والصواب ما قاله المصنف هنا فانا لم نجد في نسخ من الترمذي إلا لفظ حسن غريب كما قال المصنف . والزيادة التي ذكرها أبو داود والنسائي صححها الحاكم وفي اسناد الحديث ضعف لأنه من رواية الحسن عن سمرة وفي سماعه منه خلاف طويل فقال يحيى بن معين أنه لم يسمع منه شيئا
وقال علي بن المديني إن سماعه منه صحيح كما حكى ذلك المصنف عنه وعن بعض أهل العلم أنه لم يسمع منه إلا حديث العقيقة المتقدم فقط وقد قدمنا الخلاف في سماعه وعدمه بما هو أطول من هذا
وقد روى أبو دارد عن قتادة باسناد شعبة أن الحسن نسي هذا الحديث فكان يقول لا يقتل حر بعبده ( وحديث الباب ) مروى من طريق قتادة عنه . وحديث إسماعيل بن عياش رواه عن الأوزاعي كما ذكره المصنف والأوزاعي شامي دمشقي وإسماعيل قوى في الشاميين لكن دونه محمد بن عبد العزيز الشامي قال فيه أبو حاتم لم يكن عندهم بالمحمود وعنده غرائب ( وفي الباب ) عن عمر عند البيهقي وابن عدي قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يقاد مملوك من مالك ولا ولد من والده " وفي اسناده عمر بن عيسى الأسلمي وهو منكر الحديث كما قال البخاري . وعن ابن عباس عند الدار قطني والبيهقي مرفوعا " لا يقتل حر بعبد " وفيه جويبر وغيره من المتروكين . وعن ابن علي قال " من السنة لا يقتل حر بعبد " ذكره صاحب التلخيص وأخرجه البيهقي
وفي اسناده جابر الجعفي وهو ضعيف
وأخرجه البيهقي عن علي قال " أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برجل قتل عبده متعمدا فجلده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مائة ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين ولم يقده به " وهو شاهد لحديث عمرو بن شعيب المذكور في الباب
وأخرج البيهقي أيضا من حديث عبد الله بن عمرو في قصة زنباع لماجب عبده وجدع أنفه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من مثل بعبده أو حرفه بالنار فهو حر وهو مولى الله ورسوله فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يقتص من سيده " وفي اسناده المثني بن الصباح وهو ضعيف لا يحتج به وله طريق أخرى فيها الحجاج بن أرطأة وهو أيضا ضعيف . وله أيضا طريق ثالثة فيها سواد بن حمزة وليس بالقوى
وفي سنن أبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال " جاء رجل مستصرخ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال حادثه لي يا رسول الله فقال ويحك مالك فقال شر أبصر لسيده جارية فغار فجب مذاكيره فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بالرجل فطلب فلم يقدر عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اذهب فأنت حر فقال يا رسول الله على من نصرتي قال على كل مؤمن أو قال على كل مسلم " وأخرج أحمد وابن أبي شيبة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد " وأخرج البيهقي عن أبي جعفر عن بكيرأنه قال " مضت السنة بأن لا يقتل الحر بالعبد وإن قتله عمدا " وكذلك أخرج عن الحسن وعطاء والزهري من قولهم ( وقد اختلف ) أهل العلم في قتل الحر بالعبد . وحكى صاحب البحر الاجماع على أنه لا يقتل السيد بعبده إلا عن النخعي وهكذا حكى الخلاف عن النخعي وبعض التابعين الرمذي وأما قتل الحر بعبد غيره فحكاه في البحر عن أبي حنيفة وأبي يوسف وحكاه صاحب الكشاف عن سعيد والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأبي حنيفة وأصحابه . وحكى الترمذي عن الحسن البصري عطاء بن أبي رباح وبعض أهل العلم انه ليس بين الحر والعبد قصاص لا في النفس ولا فيما دون النفس
قال وهو قول أحمد وإسحاق وحكاه صاحب الكشاف عن عمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء عكرمة ومالك والشافعي . وحكاه في البحر عن علي وعمر وزيد بن ثابت وابن الزبير والعترة جميعا فقال وقال بعضهم إذا قتل عبده لا يقتل به وإذا قتل عبد غيره قتل به وهو قول سفيان الثوري انتهى ( وقد احتج ) المثبتون للقصاص بين الحر والعبد بحديث سمرة المذكور وهو نص في قتل السيد بعبده ويدل بفحوى الخطابعلى أن غير السيد بالعبد بالأولى وأجاب عنه النافون أولا بالمقال الذي تقدم فيه وثانيا بالأحاديث القاضية بأنه لا يقتل حر بعبد فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوى بعضها بعضا فتصاح للاحتجاج وثالثا بأنه خارج مخرج التحذير ورابعا بأنه منسوخ ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه وخامسا بأن النهي أرجح من غيره كما تقرر في الأصول ( والأحاديث ) المذكورة في أنه لا يقتل حر بعبد مشتملة عليه وسادسا بأنه يفهم من دليل الخطاب في قوله تعالى { الحر بالحر والعبد بالعبد } أنه لا يقتل الحر بالعبد ولا يخفى أن هذه الأجوبة يمكن مناقشة بعضها وقد عكس دعوى النسخ المثبتون فقالوا إن الآية المذكورة منسوخة بقوله تعالى { النفس بالنفس } واستدلوا أيضا بالحديث المتقدم في أول الباب عن علي " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويجاب عن الاحتجاج بالآية المذكورة أعني قوله { النفس بالنفس } بأنها حكاية لشريعة بني اسرائيل لقوله تعالى في أول الآية { وكتبنا عليهم أن النفس بالنفس } بخلاف قوله تعالى { الحر بالحر والعبد بالعبد } فإنها خطاب لأمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وشريعة من قبلنا إنما تلزمنا إذا لم يثبت في شرعنا ما يخالفها وقد ثبت ما هو كذلك على أنه اختلف في التعبد بشرع من قبلنا من الأصل كما ذلك معروف في كتب الأصول ثم أنا لو فرضنا أن الآيتين جميعا تشريع لهذه الأمة لكانت آية البقرة مفسرة لما أبهم في آية المائدة أو تكون آية المائدة مطلقة وآية البقرة مقيدة والمطلق يحمل على المقيد وقد أيد بعضهم عدم ثبوت القصاص بأنه لا يقتص من الحر بأطراف العبد إجماعا فكذا النفس وأيد آخر ثبوت القصاص فقال إن العنق يقارن المثلة فيكون جناية على حر في التحقيق حيث كان الجاني سيده ويجاب عن هذا بأنه إنما يتم على فرض بقاء المجني عليه بعد الجناية زمنا يمكن فيه أن يتعقب الجناية العتق ثم يتعقبه الموت لأنه لا بد من تأخر المعلول عن العلة في الذهن وإن تقارنا في الواقع وعلى فرض أن العبد يعتق بنفس المثلة لا بالمرافعة وهو محل خلاف
وقد أجاب صاحب المنحة عن هذا الإشكال فقال إنه يتم في صورة جدعه وخصيه لا في صورة قتله انتهى . وهذا وهم لأن المراد بالمثلة في كلام المورد للتأييد هي المثلة بالعبد الموجبة لعتقه بالضرب واللطم ونحوهما لا المثلة المخصوصة التي سرى ذهن صاحب المنحة إليها وقد أورد على المستدلين بقوله تعالى { الحر بالحر والعبد بالعبد } إنه يلزم على مقتضى ذلك أن لا يقتل العبد بالحر وأجيب بأن قتل العبد بالحر مجمع عليه فلا يلزم التساوي بينهما في ذلك . وأورد أيضا بأنه يلزم أن لا يقتل الذكر بالأنثى ولا الأنثى بالذكر وسيأتي الجواب عن ذلك

باب قتل الرجل بالمرأة والقتل بالمثقل وهل يمثل بالقاتل إذا مثل أم لا

1 - عن أنس " أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها من فعل بك هذا فلان أو فلان حتى سمى اليهودي فأومأت برأسها فجيء به فأعترف فأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرض رأسه بحجرين "
- رواه الجماعة

- قوله " رض رأس جارية " في رواية لمسلم " فقتلها بحجر فجيء بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبها رمق "
وفي رواية أخرى " قتل جارية من الأنصار على حلى لها ثم ألقاها في قليب ورضح رأسها بالحجارة فأمر به أن يرجم حتى يموت فرجم حتى مات " والحديث يدل على أنه يقتل الرجل بالمرأة وإليه ذهب الجمهور وحكى ابن المنذر الإجماع عليه إلا رواية عن علي و عن الحسن وعطاء ورواه البخاري عن أهل العلم وروي في البحر عن عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وعكرمة وعطاء ومالك وأحد قولى الشافعي أنه لا يقتل الرجل بالمرأة وإنما تجب الدية وقد رواه أيضا عن الحسن البصري أبو الوليد الباجي والخطابي وحكى هذا القول صاحب الكشاف عن الجماعة الذين حكاه صاحب البحر عنهم ولكنه قال وهو مذهب مالك والشافعي ولم يقل وهو أحد قولي الشافعي كما قال صاحب البحر وقد أشار السعد في حاشيته على الكشاف إلى أن الرواية التي ذكرها الزمخشري وهم محض قال ولا يوجد في كتب المذهبين يعني مذهب مالك والشافعي تردد في قتل الذكر بالأنثى انتهى
وأخرج البيهقي عن أبي الزناد أنه قال كان من أدركته من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم منهم سعيد بن المسب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار في مشيخة جلة من سواهم من نظرائهم أهل فقه وفضل إن المرأة تقاد من الرجل عينا بعين وأذنا بأذن وكل شيء من الجراح على ذلك وإن قتلها قتل بها ورويناه عن الزهري وغيره وعن النخاعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز قال البيهقي وروينا عن الشعبي وإبراهيم خلافه فيما دون النفس وأختلف الجمهور هل يتوفى ورثة الرجل من ورثة المرأة أم لا فذهب الهادي والقاسم والناصر وأبو العباس وأبو طالب إلى أنهم يتوفون نصف دية الرجل وحكاه البيهقي عن عثمان البتى وحكاه أيضا السعد في حاشية الكشاف عن مالك وذهبت الشافعية والحنفية وزيد بن على والمؤيد بالله والإمام يحيى إلى أنه يقتل الرجل بالمرأة ولا توفية وقد احتج القائلون بثبوت القصاص بقوله تعالى { النفس بالنفس } ويجاب عن ذلك بما قدمنا في الباب الأول من أن هذه الآية حكاية عن بني اسرائيل كما يدل على ذلك قوله تعالى { وكتبنا عليهم فيها } أي في التوراة
وقد صرح صاحب الكشاف بأنها واردة لحكاية ما كتب في التوراة على أهلها فتكون هذه الآية مفسرة أو مقيدة أو مخصصة بقوله تعالى { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } وهذه الآية تدل على اعتبار الموافقة ذكورة وأنوثة وحرية وقد أجاب عن هذا في حاشيته على الكشاف بوجوه . الأول أن القول بالمفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للقيد فائدة وههنا الفائدة أن الآية إنما نزلت لذلك . والثاني أنه لو أعتبر ذلك لزم أن لا تقتل الأنثى بالذكر نظرا إلى مفهوم بالأنثي قال وهذا يرد على ما ذكرنا أيضا ويدفع بأنه يعلم بطريق الأولى . والثالث أنه لا عبرة بالمفهوم في مقابلة المنطوق الدال على قتل النفس بالنفس كيفما كانت ( لا يقال ) تلك حكاية عما في التوراة لا بيان للحكم في شريعتنا لأنا نقول شرائع من قبلنا لا سيما إذا ذكرت في كتابنا حجة وكم مثلها في أدلة أحكامنا حتى يظهر الناسخ وما ذكرنا هنا يعني في البقرة يصلح مفسرا أفلا يجعل ناسخا وأما أن تلك يعني آية المائدة ليست ناسخة لهذه فلأنها مفسرة بهافلا تكون هي منسوخة بها . ودليل آخر على عدم النسخ أن تلك أعني النفس بالنفس حكاية لما في التوراة وهذه أعني الحر بالحر الخ خطاب لنا وحكم علينا فلا ترفعها تلك وغلى ذلك أشار يعني الزمخشري بقوله
ولأن تلك عطفا على مضمون قوله ويقولون هي مفسرة لكنهم يقولون أن الحكي في كتابنا من شريعة من قبلنا بمنزلة المنصوص المقرر فيصلح ناسخا وما ذكرنا من كونه مفسرا إنما يتم لو كان قولنا النفس بالنفس مبهما ولا إبهام بل هو عام والتنصيص على بعض الأفراد لا يدفع العموم سيما والخصم يدعى تأخر العام حيث يجعله ناسخا لكن يرد عليه أنه ليس فيه رفع شيء من الحكم السابق بل إثبات زيادة حكم آخر اللهم إلا أن يقال أن في قوله الحر بالحر الآية دلالة على وجوب المساواة في الحرية والذكورة دون الرق والأنوثة انتهى كلام السعد ( الحاصل ) إن الاستدلال بالقرآن على قتل الحر بالعبد أو عدمه أو قتل الذكر بالأثثى أو عدمه لا يخلو عن إشكال في عضد الظن الحاصل بالاستدلال فالأولي التعويل على ما سلف من الأحاديث القاضية بأنه لا يقتل الحر بالعبد وعلى ما ورد من الأحاديث والآثار القاضية بأنه يقتل الذكر بالأنثى منها حديث الباب وإن كان لا يخلو عن إشكال لأن قتل الذكر الكافر بالأنثى المسلمة لا يستلزم قتل الذكر المسلم بها لما بينهما من التفاوت ولو لم يكن إلا ما أسلفنا من الأدلة القاضية بأنه لا يقتل المسلم بالكافر . ومنها ما أخرجه مالك والشافعي من حديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتب في كتابه إلى أهل اليمن أن الذكر يقتل بالأنثى وهو عندهما عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن في الكتاب الذي كبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن حزم أن الذكر يقتل بالأنثى ووصله نعيم بن حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن لم يسمع منه كما قال الحافظ . وكذا أخرجه عبد الرزاق عن معمر ومن طريقه الدارقطني . ورواه أبو داود والنسائي من طريق ابن وهب عن يونس عن الزهري مرسلا . ورواه أبو داود في المراسيل عن ابن شهاب قال " قرأة في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم " . ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبهيقي موصولا مطولا من حديث الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده وفرقة الدارمى في مسنده عن الحكم مقطعا
قال الحافظ وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا الحديث فقال أبو داود في المراسيل قد أسند هذا الحديث ولا يصح والذي في إسناده سليمان بن داود وهم إنما هو سليمان بن أرقم وقال في موضع آخر لا أحدث به وقد وهم الحكم بن موسى في قوله سليمان بن داود وقد حدثني محمد بن الوليد الدمشقي أنه قرأفي أصل يحيى بن حمزة سليمان بن أرقم وهكذا قال أبو زرعة الدمشقي أنه الصواب وتبعه صالح بن محمد جزرة وأبو حسن الهروى وغيرهما
وقال صالح جزرة حدثنا دحيم قال قرأت في كتاب يحيى بن حمزة حديث عمرو بن حزم فإذا هو عن سليمان بن أرقم قال صالح كتب عني هذه الحكاية مسلم بن الحجاج
قال الحافظ أيضا ويؤيد هذه الحكاية ما رواه النسائي عن الهيثم بن مروان عن محمد بن بكار عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن أرقم عن الزهري وقال هذا أشبه بالصواب
وقال ابن حزم في المحلى صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقول بها حجة وسليمان بن داود الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف ويقال أنه سليمان بن أرقم وتعقبه ابن عدي فقال هذا خطأ إنما هو سليمان بن داود وقد جوده الحكم بن موسى وقال أبو زرعة عرضت على أحمد فقال سليمان بن داود اليمامي ضعيف وسليمان بن داود الخولاني ثقة وكلاهما يروي عن الزهري والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني فمن ضعفه فإنما ظن أن الراوي هو اليمامي وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ . وحكى الحاكم عن أبي حاتم أنه سئل عن عمرو بن حزم فقال سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به وقد صحح هذا الحديث ابن حبان والحاكم والبهيقي ونقل عن أحمد أنه قال أرجو أن يكون صحيحا وصححه أيضا من حيث الشهرة لا من حيث الإسناد جماعة من الأئمة منهم الشافعي فإنه قال في رسالته لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وقال ابن عبد البر هذا كتاب مشهور عند أهل السير معروف ما فيه عند أهل العلم يستغني بشهرته عن الإسناد لأته أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة
قال ويدل على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك عن الليث ابن سعد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
وقال العقيلي هذا حديث ثابت محفوظ إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموع عمن فوق الزهري
وقال يعقوب ابن أبي سفيان لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم
قال الحاكم قد شهد عمر بن عبد العزيز وأمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب ثم ساق ذلك بسنده إليهما وسيأتي لفظ هذا الحديث في أبواب الديات هذا غاية ما يمكن الاستدلال به للجمهور . ومما يقوي ما ذهبوا إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " وهم يقتلون قاتلها " وسيأتي في باب أن الدم حق لجميع الورثة من الرجال والنساء . ووجهه ما فيه من العموم الشامل للرجل والمرأة . ومما يقوي ما ذهبوا إليه أيضا أنا قد علمنا أن الحكمة في شرعية القصاص هي حقن الدماء وحياة النفوس كما يشير إلى ذلك قوله تعالى { ولكم في القصاص حياة } وترك الاقتصاص للأنثى من الذكر يفضي إلى إتلاف نفوس الإناث لأمور كثيرة . منها كراهية توريثهن
ومنها مخافة العار لاسيما عند ظهور أدنى شيء منهن لما بقي في القلوب من حمية الجاهلية التي نشأ عنها الوأد ومنها كونهن مستضعفات لا يخشى منرام القتل لهن أن يناله من المدافعة ما يناله من الرجال فلا شك ولا ريب أن الترخيص في ذلك من أعظم الذرائع المفضية إلى هلاك نفوسهن ولا سيما في مواطن الأعراب المتصفين بغلط القلوب وشدة الغيرة والأنفة اللاحقة بما كانت عليه الجاهلية ( يلزم مثل هذا في الحر إذا قتل عبدا لأن الترخيص في القود يفضي إلى مثل ذلك الأمر لأنا نقول هذه المناسبة إنما تعتبر مع عدم معارضتها لما هو مقدم عليها من الأدلة فلا يعمل بها في الاقتياد للعبد من الحر لما سلف من الأدلة القاضية بالمنع ويعمل بها في الاقتياد للأنثى من الذكر لأنها لم تعارض ما هو كذلك بل جاءت مظاهرة للأدلة القاضية بالثبوت ( وفي حديث الباب ) دليل على أنه يثبت القصاص في القتل بالمثقل وسيأتي بيان الخلاف فيه
وفيه أيضا دليل على أنه يجوز القود بمثل ما قتل به المقتول وإليه ذهب الجمهور ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به } وقوله تعالى { فاعتدوا عليه بمثل ما أعتدي عليكم } وقوله تعالى { وجزاء سيئة سيئة مثلها } وما أخرجه البيهقي والبزار عنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث البراء وفيه " ومن حرق حرقناه ومن غرق غرقناه "
قال البهيقي في إسناده بعض من يجهل وإنما قاله زياد في خطبته وهذا إذا كان السبب الذي وقع القتل به مما يجوز فعله لا إذا كان لا يجوز كمن قتل غيره بإبجاره الخمر أو اللواط به . وذهبت العترة والكوفيون ومنهم أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الاقتصاص لا يكون إلا بالسيف . واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ابن ماجه والبزار والطحاوي والطبراني والبيهقي بألفاظ مختلفة . منها لاقود إلا بالسيف وأخرجه ابن ماجه أيضا والبزار والبيهقي من حديث أبي بكرة
وأخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة
وأخرجه الدارقطني من حديث علي
وأخرجه البيهقي والطبراني من حديث ابن مسعود
وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلا وهذه الطرق كلها لا تخلو واحدة منها من ضعيف أو متروك حتى قال أبو حاتم حديث منكر
وقال عبد الحق وابن الجوزي طرقه كلها ضعيفة
وقال البيهقي لم يثبت له إسناده . ويؤيد معنا هذا الحديث الذي يقوي بعض طرقه بعضا حديث شداد بن أوس عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال إذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة " وإحسان القتل لا يحصل بغير ضرب العنق بالسيف كما يحصل به ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بضرب عنق من أراد قتله حتى صار ذلك هو المعروف في أصحابه فإذا رأوا رجلا يستحق القتل قال قائلهم يا رسول الله دعني أضرب عنقه حتى قيل إن القتل بغير ضرب العنق بالسيف مثلة وقد ثبت النهي عنها كما سيأتي
وأما حديث ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يقتل القاتل ويصبر الصابر " أخرجه البيهقي والدارقطني وصححه ابن قطان . بالأشهر فيه رواية معمر عن إسماعيل بن أمية مرسلا
وقد قال الدارقطني الإرسال فيه أكثر
وقال البيهقي الموصول غير المحفوظ
وأما حديث أنس المذكور في الباب فقد أجيب عنه بأنه فعل لا ظاهر له فلا يعارض ما ثبت من الأقوال في الأمر بإحسان القتلة والنهي عن المثلة وحصر القود في السيف

2 - وعن حمل بن مالك قال " كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جنينها بغرة وأن تقتل بها "
- رواه الخمسة إلا الترمذي

3 - وعن أنس قال " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحث في خطبته على الصدقة وينهي عن المثلة "
- رواه النسائي

4 - وعن عمران بن حصين قال " ما خطبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطبة إلا أمرنا بالصدقة ونهانا عن المثلة "
- رواه أحمد . وله مثله من رواية سمرة

- الحديث الأول أصله في الصحيحين من حديث أبي هريرة والمغيرة بن شعبة ولكن بدون زيادة قوله " وأن تقتل بها " التي هو المقصود من ذكر الحديث ههنا وقد قال المنذري أن هذه الزيادة لم تذكر في غير هذه الرواية . وحديث أنس رجال إسناده ثقات فإن النسائي قال أخبرنا محمد بن المثني حدثنا عبد الصمد حدثنا هشام عن قتادة عن أنس فذكره . وحديث عمر أن ابن حصين في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الكبير وفيه من لم أعرفهم انتهى . وأحاديث النهي عن المثلة أيضا أصلها في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن يزيد الأنصاري وفي غيره من حديث ابن عباس قال الترمذي وفي الباب يعني في النهي عن المثلة عن عبد الله بن مسعود وشداد بن أوس وسمرة والمغيرة ويعلى بن مرة وأبي ايوب انتهى
قوله : " بمسطح " بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الطاء المهملة أيضا بعدها حاء مهملة
قال أبو داود قال النضربن شميل المسطح هو الصولج انتهى . والصولج الذي يرققبه الخبز وقال أبو عبيد هو عود من أعواد الخباء
وقد استدل المصنف رحمه الله بحديث حمل بن مالك المذكور على أنه يثبت القصاص في القتل بالمثقل وإليه ذهب الجمهور ومن أدلتهم أيضا حديث أنس المذكور أول الباب . وحكى في البحر عن الحسن البصري والشعبي والنخعي وأبي حنيفة أنه لا قصاص بالمثقل واحتجوا بما أخرجه البهيقي من حديث النعمان بن بشير قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل شيء خطا إلا السيف ولكل خطأ أرش " وفي لفظ " كل شيء سوي الحديدة خطأ أرش " وهذا الحديث يدور على جابر الجعفي وقيس بن الربيع ولا يحتج بهما وأيضا هذا الدليل أخص من الدعوى فإن أبا حنيفة يوجب القصاص بالمحدد ولو كان حجرا أو خشبا ويوجبه أيضا بالمنجنيق لكونه معروفا بقتل الناس وبالإلقاء في النار فالراجح ما ذهب إليه الجمهور لأن المقصود بالقصاص صيانة الدماء من الأهدار والقتل بالمثقل كالقتل بالمحدد في إتلاف النفوس فلو لم يجب به القصاص كان ذلك ذريعة إلى إزهاق الأرواح والأدلة الكلية القاضية بوجوب القصاص كتابا وسنة وردت مطلقة غير مقيدة بمحدد أو غيره وهذا إذا كانت الجناية بشيء يقصد به القتل في العادة وكان الجاني عامدا لالو كانت بمثل العصا والسوط والبندقة ونحوها فلا قصاص فيها عند الجمهور وهي شبه العمد على ما سيأتي تحقيقه وسيأتي أيضا بقية الكلام على حديث حمل بن مالك في باب دية الجنين من أبواب الديات ( وقد استدل ) بالأحاديث المذكورة في النهي عن المثلة القائلون بأنه لا يجوز الاقتصاص بغير السيف وقد قدمنا الخلاف في ذلك
قال الترمذي وكره أهل العلم المثلة

باب ما جاء في شبه العمد

1 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عقل شبه العمد مغلظ مثل عقل العمد ولا يقتل صاحبه وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتكون دماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح "
- رواه أحمد وأبو داود

2 - وعن عبد الله بن عمرو " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال إلا أن قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط أو العصا فيه مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها "
- رواه الخمسة إلا الترمذي . ولهم من حديث عبد الله بن عمر مثله

- حديث عمرو بن شعيب في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد يكلم فيه غير واحد ووثقه غير واحد . والحديث الثاني أخرجه أيضا البخاري في التاريخ وساق اختلاف الرواة فيه وأخرجه الدار قطني في سننه وساق أيضا فيه الاختلاف وقد صححه ابن حبان
وقال ابن القطان هو صحيح ولا يضره الاختلاف . وحديث عبد الله بن عمر الذي أشار إليه المصنف لفظه في سنن أبو داود قال " خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح على درجة البيت لأو الكعبة " وذكر مثل الحديث الذي قبله وذكر له طرقا في بعضها على بن يزيد بنجدعان ولا يحتج بحديثه وسيأتي في باب أجناس مال الدية حديث عقبة بن أوس عن رجل من الصحابة وهو مثل حديث عبد الله بن عمرو الثاني ( وفي الباب ) عن علي عند أبي داود أنه قال في شبه العمد أثلاثا ثلاث وثلاثون حقة . وثلاث وثلاثون جذعة . وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها كلها خلفة
وفي أسناده عاصم بن ضمرة وقد تكلم فيه غير واحد . وعن علي أيضا عند أبي داود " قال في الخطأ أرباعا خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض " . وعن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت عند أبي داود قالا في المغلظة أربعون جذعة خلفة وثلاثون حقة وثلاثون بنات لبون وفي الخطأ ثلاثون حقة وثلاثون بنات لبون وعشرون بني لبون ذكورا وعشرون بنات مخاض
وأخرج أبو داود عن علقة والأسود أنهما قالا قال عبد الله في شبه العمد خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض ( وقد استدل ) بأحاديث الباب من قال إن القتل على ثلاثة أضرب : عمد . وخطأ وشبه عمد . وإليه ذهب زيد بن علي والشافعية والحنفية والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماهير من العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم فجعلوا في العمد القصاص
وفي الخطأ الدية التي سيأتي تفصيلها
وفي شبه العمد وهو ما كان بما مثله لا يقتل في العادة كالعصا والسوط والأبرة مع كونه قاصدا للقتل دية مغلظة وهي مائة من الأبل أربعون منها في بطونها أولادها
وقال ابن أبي ليلى إن قتل بالحجر أو العصا فإن كرر ذلك فهو عمد وإلا فخطأ
وقال عطاء وطاوس شرط العمد أن يكون بسلاح
وقال الجصاص القتل ينقسم إلى عمد وخطأ وشبه العمد وجار مجرى الخطأ وهو ما ليس انهاء كفعل الصلحاء
قال الإمام يحيى ولا ثمرة للخلاف إلا في شبه العمد
وقال مالك والليث والهادي والناصر والمؤيد بالله وأبو طالب إن القتل ضربان عمد وخطأ فالخطأ ما وقع بسبب من الأسباب أو من غير مكلف أو غير قاصد للمقتول أو للقتل بما مثله لا يقتل في العادة والعمد ما عداه والأول لا قود فيه
وقد حكى صاحب البحر الإجماع على ذلك والثاني فيه القود . ولا يخفى أن أحاديث الباب صالحة للاحتجاج بها قسم ثالث وهو شبه العمد وإيجاب دية مغلظة على فاعله وسيأتي تفصيل الديات وذكر أجناسها إن شاء الله تعالى

باب من أمسك رجلا وقتله آخر

1 - عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر يقتل الذي قتل ويحبس الذي أمسك "
- رواه الدارقطني

2 - وعن على رصي الله عنه " أنه قضى في رجل قتل رجلا متعمدا وأمسكه آخر قال يقتل القاتل ويحبس الآخر في السجن حتى يموت "
- رواه الشافعي

- حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني من طريق الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ورواه معمر وغيره عن إسماعيل
قال الدارقطني والإرسال أكثر
وأخرجه أيضا البيهقي ورجح المرسل وقال إنه موصول غير محفوظ
قال الحافظ في بلوغ المرام ورجاله ثقات وصححه ابن القطان
وقد روى أيضا عن إسماعيل عن سعيد بن المسيب مرفوعا والصواب عن إسماعيل قال " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " الحديث . ورواه ابن المبارك عن معمر عم سفيان عن إسماعيل يرفعه قال اقتلوا القاتل وأصبروا الصابر يعني احبسوا الذي أمسك . وأثر علي رضي الله عنه هو من طريق سفيان عن جابر عن عامر عنه ( والحديث ) فيه دليل على أن الممسك للمقتول حال قتل القاتل له لا يلزمه القود ولا يعد فعله مشاركة حتى يكون ذلك من باب قتل الجماعة بالواحد بل الواجب حبسه فقط
وقد حكى صاحب البحر هذا القول عن العترة والفريقين يعني الشافعية والحنفية ( وقد استدل ) لهم بالحديث والأثر المذكورين وبقوله تعالى { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } وحكى في البحر أيضا عن النخعي ومالك والليث أنه يقتل الممسك كالمباشر للقتل لأنهما شريكان إذ ذلك تسبيب مع مباشرة ولا حكم له معها والحق العمل بمقتضى الحديث المذكور لأن إعلاله بالإرسال غير قادح على ما ذهب إليه أئمة الأصول وجماعة من أئمة الحديث وهو الراجح لأن الإسناد زيادة مقبولة يتحتم الأخذ بها والحبس المذكور جعله الجمهور موكولاغلى نظر الإمام في طول المدة وقصرها لأن الغرض تأديبه وليس بمقصود استمراره إلى الموت وقد أخذ بما روى عن علي رضي الله عنه من الحبس إلى الموت ربيعة

باب القصاص في كسر السن

1 - عن أنس " أن الربيع عمته كسرت ثنية جارية فطلبوا إليها العفو فأبوا فعرضوا الأرش فأبوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأبوا إلا القصاص فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالقصاص فقال أنس بن النضر يا رسول الله أتكسر ثنية الربيع لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم فعفو فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره "
- رواه البخاري والخمسة إلا الترمذي

- قوله " الربيع " بضم الراء وهي بنت النضر
قوله : " فطلبوا إليها العفو أي طلب أهل الجانية إلى المجني عليها العفو فأبى أهل الجني عليها
وفي رواية للبخاري فطلبوا إليهم العفو فأبوا أي إلى أهل المجني عليها
قوله : " فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الخ فيه دليل على وجوب القصاص في السن وقد حكى صاحب البحر الاجماع على ذلك وهو نص القرآن وظاهر الحديث وجوب القصاص ولو كان ذلك كسرا لا قلعا ولكن بشرط أن يعرف مقدار المكسور ويمكن أخذ مثله من سن الكاسر فيكون الأقتصاص بأن تبرد سن الجاني إلى الحد الذاهب من سن المجني عليه كما قال أحمد بن حنبل وقد حكى الاجماع على أنه لاقصاص في العظم الذي يخاف منه الهلاك وحكى عن الليث والشافعي والحنفية أنه لاقصاص في العظم الذي ليس بسن لان المماثلة متعذرة لحيلولة اللحم والعصب والجلد قال الطحاوي اتفقوا على أنه لاقصاص في عظم الرأس فيلحق به سائر العظام وتعقب بأنه مخالف لحديث الباب فيكون فاسد الاعتبار وقد تأول من قال بعدم القصاص في العظم مطلقا إذا كسر هذا الحديث بأن المراد بقوله كسرت ثنية جارية أي قلعتها وهو تعسف
قوله : " لا والذي بعثك بالحق " الخ قيل لم يرد بهذا القول رد حكم الشرع وإنما أراد التعريض بطلب الشفاعة وقيل أنه وقع منه ذلك قبل علمه بوجوب القصاص إلا أن يختار المجني عليه أو ورثته الدية أو العفو وقيل غير ذلك وجميع ما قيل لا يخلو من بعد ولكنه يقر به ما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من الثناء عليه بأنه ممن أبر الله ولو كان مريدا بيمينه رد ما حكم الله به لكان مستحقا لأوجع القول وأفظعه
قوله : " كتاب الله " الأشهر فيه الرفع على أنه مبتدا والقصاص خبره ويجوز فيه النصب على المصدرية لفعل محذوف كما في صبغة الله ووعد الله ويكون القصاص مرفوعا على أنه خبر مبتدأ محذوف وأشار صلى الله عليه وآله وسلم بذلك إلى قوله تعالى { والجروح قصاص } وقيل إلى قوله تعالى { والسن بالسن } وهو الظاهر

باب من عض يد رجل فانتزعها فسقطت ثنيته

1 - عن عمران بن حصين " إن رجلا عض يد رجل فنزع يده من فيه فوقعت ثنيتاه فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال يعض أحدكم يد أخيه كما يعض الفحل لا دية لك "
- رواه الجماعة إلا أبا داود

2 - وعن يعلى بن أمية قال " كان لي أجير فقاتل انسانا فعض أحدهما صاحبه فانتزع أصبعه فأندر ثنيته فسقطت فأيطلق إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأهدر ثنيته وقال أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل "
- رواه الجماعة إلا الترمذي

- في رواية مسلم عن عمر إن بن حصين إنه قال " قاتل يعلى بن أمية رجلا فعض أحدهما صاحبه " ظاهر يخالف ما في حديث يعلى المذكور من قوله " كان لي أجير فقاتل انسانا " وسيأتي الجمع
قوله : " عض يد رجل " في رواية لمسلم " عض ذراع رجل " وفي رواية للبخاري " فعض أصبع صاحبه " وقد جمع بتعدد القصة وقيل رواية الذراع أرجح من رواية الأصبع لأنها من طريق جماعة كما حقق ذلك صاحب الفتح
قوله : " ثنيتاه " هكذا في رواية البخاري عند الأكثر
وفي رواية للكشميهني ثناياه بصيغة الجمع
وفي رواية بصيغة الافراد كما وقع في حديث يعلي ويجمع بين ذلك بأنه أريد بصيغة الأفراد الجنس وجعل صيغة الجمع مطابقة لصيغة التثنية عند من يجيز إطلاق صيغة الجمع على المثني ولكنه وقع في رواية للبخاري إحدى ثنيتيه وهي مصرحة بالأفراد والجمع بتعدد الواقعة بعيد
قوله : " فاختصموا " في رواية بصيغة التثنية
قوله : " يعض أحدكم " بفتح أوله وبفتح العين المهملة بعدها ضاد معجمة مشددة لأن أصله عضض بكسر الضاد الأولى يعضض بفتحها ثم أدغمت ونقلت الحركة التي عليها إلى ما قبلها والمراد بالفحل الذكر من الأبل
قوله : " فعض أحدهما صاحبه " لم يصرح بالفاعل وقد ورد في بعض الروايات أن رجلا من بني تميم قاتل رجلا فعض يده ويعلى هو من بني تميم ويدل على ذلك رواية مسلم المتقدمة واستبعد القرطبي وقوع مثل ذلك من مثل يعلى وأجيب باحتمال أن يكون ذلك في أول الإسلام قال النووي إن الرواية الأولى من صحيح مسلم تدل على أن المعضوض يعلى
وفي الرواية الثانية والثالثة منه أن المعضوض أجير يعلى وقد رجح الحافظ أن المعضوض أجير يعلى قال ويحتمل أنهما قصتان وقعتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين وقد تعقب الزين العراقي في شرح الترمذي ما قاله النووي بأنه ليس في رواية مسلم ولا غيره من الكتب السنة ولا غيرها ما يدل على أن يعلى هو المعضوض لا صريحا ولا إشارة قال فيتعين أن يكون يعلى هو العاض انتهى . ولكنه يشكل على ذلك ما في حديث يعلى المذكور في الباب من أن المقاتلة وقعت بين أجيره وإنسان آخر فلا بد من الجمع بتعدد القضة كما سلف
قوله : " فاندر " بالنون والدال المهملة والراء أي أزال ثنيته
قوله : " يقضمها " بسكون القاف وفتح الضاد المعجمة على الأفصح وهو الأمساك باطراف الأسنان ( والحديثان ) يدلان على أن الجناية إذا وقعت على المجني عليه بسبب منه كالقصة المذكورة وما شابهها فلا قصاص ولا أرش وإليه ذهب الجمهور ولكن بشرط أن يتمكن المعضوض مثلا من إطلاق يده أو نحوها بما هو أيسر من ذلك وأن يكون ذلك العض مما يتألم به المعضوض وظاهر الدليل عدم الاشتراط وقد قيل أنه من باب التقييد بالقواعد الكلية وفي وجه للشافعية أنه يهدر مطلقا
وروى عن مالك أنه يجب الضمان في مثل ذلك وهو محجوج بالدليل الصحيح وقد تأول أتباعه ذلك الدليل بتأويلات في غاية السقوط وعارضوه بأقيسة باطلة . وما أحسن ما قال بن يحيى بن يعمر لو بلغ مالكا هذا الحديث لم يخالفه وكذا قال ابن بطال

باب من اطلع في بيت قوم مغلق عليهم بغير إذنهم

1 - عن سهل بن سعد " أن رجلا اطلع في حجر في باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مدري يرجل به رأسه فقال له لو أعلم إنك تنظر طعنت به في عينك إنما جعل الأذن من أجل البصر "

2 - وعن أنس " أن رجلا اطلع في بعض حجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقام إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمشقص أو بمشاقص فكأ في أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه "

3 - وعن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " لو أن رجلا اطلع بغير أذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح "
- متفق عليهن

4 - وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه "
- رواه أحمد ومسلم
وفي رواية " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فلا دية له ولا قصاص "
- رواه أحمد والنسائي

- اللفظ الآخر من حديث أبي هريرة الآخر أخرجه أيضا ابن حيان وصححه
قوله : " مدرى " للمدرى بكسر الميم وسكون الدال المهملة عود يشبه أحد أسنان المشط وقد يجعل من حديد
قوله : " بمشقص " بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وفتح القاف بعدها صاد
قال في القاموس المشقص كمنبر نصل عريض أو سهم فيه ذلك والنصل الطويل أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش
قوله : " يختل " بفتح الياء التحتية وسكون الخاء المعجمة بعدها مثناة مكسورة وهو الخدع والاختفاء على ما في القاموس
قوله : " ليطعنه " بضم العين وقد تفتح
قوله : " فخذفته " الخذف بالخاء المعجمة الرمي الحصاة وأما بالحاء المهملة فهو بالعصا لا بالحصا ( وقد استدل ) بأحاديث الباب من قال إن من قصد النظر إلى مكان لا يجوز له الدخول إليه بغير إذن جاز للمنظور إلى مكانه أن يفقأ عينه ولا قصاص ولا دية للتصريح بذلك في الحديث الآخر ولقوله " فقد حل لهم أن يفقؤا عينه " ومقتضى الحل أنه لا يضمن ولا يقتص منه ولقوله " ما كان عليك من جناح " وإيجاب القصاص أو الدية جناح ولأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم المذكور لو أعلم إنك تنظر طعنت به في عينك يدل على الجواز
وقد ذهب إلى مقتضى هذه الأحاديث جماعة من العلماء منهم الشافعي . وخالفت المالكية هذه الأحاديث فقالت إذا فعل صاحب المكان بمن اطلع عليه ما أذن به النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجب عليه القصاص أو الدية وساعدهم على ذلك جماعة من العلماء وغاية ما عولوا قولهم إن المعاصي لا تدفع بمثلها وهذا من الغرائب التي يتعجب المنصف من الاقدام على التمسك بمثلها في مقابلة تلك الأحاديث الصحيحة فإن كل عالم يعلم أن ما أذن فيه الشارع ليس بمعصية فكيف يجعل فقء عين المطلع من باب مقابلة المعاصي بمثلها ومن جملة ما عولوا عليه قولهم إن الحديث وارد على سبيل الغليظ والارهاب ويجاب عنه بالمنع والسند ان ظاهر ما بلغنا عنه صلى الله عليه وآله وسلم محمول على التشريع إلا لقرينة تدل على إرادة البالغة وقد تخلص بعضهم عن الحديث بأنه مؤول بالإجماع على أن من قصد النظر على عورة غيره لم يكن ذلك مبيحا لفقء عينه ولا سقوط ضمانها ويجاب أولا بمنع الإجماع وقد نازع القرطبي في ثبوته وقال إن الحديث يتناول كل مطلع قال لان الحديث المذكور إنما هو لمظنة الاطلاع على العورة فبالأولى نظرها المحقق ولو سلم الاجماع المذكور لم يكن معارضا لما ورد به الدليل لانه في امر آخر فأن النظر إلى البيت ربما كان مفضيا إلى النظر إلى الحرم وسائر ما يقصد صاحب البيت ستره عن أعين الناس : وفرق بعض الفقهاء بين من كان من الناظرين في الشارع وفي خالص ملك المنظور إليه فرق بين من رمى الناظر قبل الإنذار وبعده وظاهر أحاديث الباب عدم الفرق ( والحاصل ) أن لاهل العلم في هذه الأحاديث تفاصيل وشروطا واعتبارات يطول استيفاؤها وغالبها مخالف لظاهر الحديث وعاطل عن دليل خارج عنه وما كان هذا سبيله فليس في الاشتغال ببسطه ورده كثير فائدة وبعضها مأخوذ من فهم المعنى المقصود بالأحاديث المذكورة ولا بد أن يكون ظاهر الإرادة واضح الاستفادة وبعضها مأخوذ من القياس وشرط تقييد الدليل به أن يكون صحيحا معتبرا على سنن القواعد المعتبرة في الأصول

باب النهي عن الاقتصاص في الطرف قبل الإندمال

1 - عن جابر " إن رجلا جرح فأراد أن يستقيد فنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح "
- رواه الدارقطني

2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رجلا طعن رجلا بقرن في ركبته فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أقدني فقال حتى تبرأ ثم جاء إليه فقال أقدني فأقاده ثم جاء إليه فقال يا رسول الله عرجت قال قد نهيتك فعصيتني فأبعدك الله وبطل عرجك ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه "
- رواه أحمد والدارقطني

- حديث جابر أيضا أبوبكر بن أبي شيبة ابن علية عن أيوب عن عمرو بن دينار عنه
وأخرجه أيضا عثمان بن أبي شيبة بهذا الإسناد وقال أبو الحسن الدارقطني أخطأ فيه ابنا أبي شيبة وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره فرووه عن ابن علية عن أيوب عن عمرو مرسلا وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه وهو المحفوظ يعني المرسل وأخرجه أيضا البيهقي من حديث جابر مرسلا باسناد آخر
وقال تفرد به عبد الله الأموي عن ابن جريج وعنه يعقوب ابن حميد وأخرجه أيضا من وجه آخر عن جابر قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تقاس الجراحات ثم يتأنى بها ثم يقضي فيها بقدر ما انتهت إليه " وفي اسناده ابن لهيعة رواه جماعة من الضعفاء عن أبي الزبير من وجهين آخرين عن جابر ولم يصح شيء من ذلك وحديث عمرو بن شعيب
قال الحافظ في بلوغ المرام وأعل بالإرسال وقد تقدم الخلاف في سماع عمرو بن شعيب واتصال اسناده
وأخرجه أيضا الشافعي والبيهقي من طريق عمرو بن دينار عن محمد بن طلحة ( واستدل ) بالحديثين المذكورين من قال إنه يجب الانتظار إلى أن يبرأ الجرح ويندمل ثم يقتص المجروح بعد ذلك وإليه ذهبت العترة وأبو حنيفة ومالك وذهب الشافعي إلى أنه يندب فقط وتمسك بتمكينه صلى الله عليه وآله وسلم الرجل المطعون بالقرن المذكور في حديث الباب من القصاص قبل البرء . واستدل صاحب البحر على الوجوب بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " اصبروا حتى يسفر الجرح " . وأصله " أن رجلا طعن حسان بن ثابت فاجتمعت الأنصار ليأخذ لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم القصاص فقال انتظروا حتى يبرأ صاحبكم ثم أقتص لكم فبرئ حسان ثم عفا " . وهذا الحديث إن صح فحديث عمرو بن شعيب قرينة لصرفه من معناه الحقيقي إلى معناه المجازي كما أنه قرينة لصرف النهي المذكور في حديث جابر إلى الكراهة
وأما ما قيل من أن ظهور مفسدة التعجيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قرينة أن أمره الأنصار بالانتطار للوجوب لأن دفع المفاسد واجب كما قال في ضوء النهار فيجاب عنه بأن محل الحجة هو اذنه صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتصاص قبل الاندمال وهو لا يأذن إلا بما كان جائزا وظهور المفسدة غير قادح في الجواز المذكور وليس ظهورها بكلى ولا أكثرى حتى تكون معلومة عند الاقتصاص قبل الاندمال أو مظنونة فلا يجب ترك الإذن دفعا للمفسدة الناشئة منه نادرا نعم قوله " ثم نهى أن يقتص من جرح " الخ يدل على تحريم الاقتصاص قبل الاندمال لأن لفظ ثم يقتضي الترتيب فيكون النهى الواقع بعدها ناسخا للاذن الواقع قبلها

باب في أن الدم حق لجميع الورثة من الرجال والنساء

1 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن يعقل عن المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثوا منها إلا ما فضل عن ورثتها وان قتلت فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها "
- رواه الخمسة إلا الترمذي

2 - وعن عائشة " إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة "
- رواه أبو داود والنسائي . وأراد بالمقتتلين أولياء المقتول الطالبين القود وينحجزوا أي ينكفوا عن القود بعفو أحدهم ولو كان امرأة . وقوله " الأول فالأول " أي الأقرب فالأقرب

- حديث عمر بن شعيب في اسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد وثقه غير واحد وتكلم فيه غير واحد وهو حديث طويل هذا طرف منه وقد بسطه أبو داود في سننه وحديث عائشة في اسناده حصن بن عبد الرحمن ويقال ابن محصن أبو حذيفة الدمشقي
قال أبو حاتم الرازي لا أعلم روى عنه غير الأوزاعي ولا أعلم أحدا نسبه
قوله : " ان يعقل " العقل الدية والمراد ههنا بقوله أن يدفع عن المرأة ما لزمها من الدية عصبتها والعصبة محركة الذين يرثون الرجل عن كلالة من غير والد ولا ولد فأما في الفرائض فكل من لم تكن له فريضة مسماة فهو عصبة إن بقي بعد الفرض أحد وقوم الرجل الذين يتعصبون له كذا في القاموس
قوله : " أن ينحجزوا " بحاء مهملة ثم جيم ثم زاي وقد فسره أبو داود بما ذكره المصنف وقد استدل المصنف بالحديثين المذكورين على أن المستحق للدم جميع ورثة القتيل من غير فرق بين المذكر والأنثى والسبب والنسب فيكون القصاص إليهم جميعا وإليه ذهبت العترة والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وذهب الزهري ومالك إلى أن ذلك يختص بالعصبة قالا لانه مشروع لنفي العار كولاية النكاح فإن وقع العفو من العصبة فالدية عندهما كالتركة وقال ابن سيرين انه يختص بدم المقتول الورثة من النسب إذ هو مشروع للتشفي والزوجية ترتفع بالموت ورد بأنه شرع لحفظ الدماء واستدل لذلك في البحر بقوله تعالى { ولكم في القصاص حياة } وبقول عمر حين عفت أخت المقتول عتق عن القتل قال ولم يخالف وسيأتي في باب ما تحمله العاقلة بيان كيفية العفو واختلاف الأدلة في ثبوته إن شاء الله تعالى

باب فضل العفو عن الأقتصاص والشفاعة في ذلك

1 - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قال ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا "
- رواه أحمد ومسلم والترمذي وصححه

2 - وعن أنس " قال ما رفع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر فيه القصاص إلا أمر فيه بالعفو "
- رواه الخمسة إلا الترمذي

3 - وعن أبي الدرداء قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول ما من رجل يصاب بشيء في جسده فيتصدق به إلا رعفه الله به درجة وحط به عنه خطيئة "
- رواه ابن ماجه والترمذي

4 - وعن عبد الرحمن بن عوف " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ثلاث والذي نفس محمد بيده ان كنت لحالفا عليهن لا ينقص مال من صدقة فتصدقوا ولا يعفوعبد عن مظلمة يبتغي بها وجه الله عز و جل إلا زاده الله بها عزا يوم القيامة ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر "
- رواه أحمد

- حديث أنس سكت عنه أبو داود والمنذري واسناده لا بأس به . وحديث أبي الدرداء هو من رواية أبي السفر عن أبي الدرداء قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ولا أعرف لأبي السفر سماعا من أبي الدرداء وأبو السفر اسمه سعيد بن أحمد ويقال ابن محمد الثوري وحديث عبد الرحمن بن عوف أخرجه أيضا أبو يعلى والبزار وفي اسناده رجل لم يسم
وأخرجه البزار من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه وقال أن الرواية هذه أصح ويشهد لصحته ما ورد من الأحاديث في الترغيب في الصدقة والتنفير عن المسألة وقد تقدمت وأما فضل العفو وأما فضل العفو المذكور فيه فهو مثل حديث أبي هريرة المذكور في الباب والترغيب في العفو ثابت بالأحاديث الصحيحة ونصوص القرآن الكريم ولا خلاف في مشروعية العفو في الجملة وإنما وقع الخلاف فيما هو الأولى للمظلوم هل العفو عن ظالمه أو الترك فمن رجح الأول قال إن شاء الله سبحانه لا يندب عباده إلى العفو إلا ولهم فيه مصلحة راجحة على مصلحة الأنتصاف من الظالم فالعافي له من الأجر بعفوه عن ظالمه فوق ما يستحقه من العوض عن تلك المظلمة من أخذ أجرأ ووضع وزر لو لم يعف عن ظالمه ومن رجح الثاني قال انا لا نعلم هل عوض المظلمة أنفع للمظلوم أم أجر العفو ومع التردد في ذلك ليس إلى القطع بأولوية العفو طريق ويجاب بأن غاية هذا عدم الجزم بأولوية العفو لا الجزم بأولوية الترك الذي هو الدعوى ثم الدليل قائم على أولوية العفو لأن الترغيب في الشيء يستلزم راجحيته ولا سيما إذا نص الشارع على أنه من موجبات رفع الدرجات وحط الخطيئات وزيادة العز كما وقع في أحاديث الباب ونحن لا ننكر أن المظلوم الذي لم يعف عن ظلامته عوضا عنها فيأخذ من حسنات ظالمه أو يضع عليه من سيآته ولكنه لا يساوي الأجر الذي يستحقه العافي لأن الندب إلى العفو والأرشاد إليه والترغيب فيه يستلزم ذلك وإلا لزم أم يكون ما هو الصفة مساويا أو مفضولا فلا يكون للدعاء إليه فائدة على فرض المساواة أو يكون مضرا بالعافي على فرض أن العفو مفضول لأنه كان سببا في نقصان ما يستحقه من عوض المظلمة واللازم باطل فالملزوم مثله

باب ثبوت القصاص بالإقرار

1 - عن وائل بن حجر قال " أني لقاعد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال يا رسول الله هذا قتل أخي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقتلته فقال إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة قال نعم قتلته قال كيف قتلته قال كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل لك من شيء تؤديه عن نفسك قال مالي مال الإكسغائي وفأسي قال فترى قومك يشترونك قال أنا أهون على قومي من ذاك فرمى إليه نسعته وقال دونك صاحبك قال فانطلق به الرجل فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن قتله فهو مثله فرجع فقال يا رسول الله بلغني أنك قلت إن قتله فهو مثله وأخذته بأمرك فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك فقال يا نبي الله لعله قال بلى قال فإن ذلك كذلك فرمى بنسعته وخلى سبيله " رواه مسلم والنسائي وفي رواية " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحبشي فقال إن هذا قتل أخي قال كيف قتله قال ضربت رأسه بالفأس ولم أرد قتله قال وهل لك مال تؤدي ديته قال لا أفرأيت أن أرسلتك تسأل الناس تجمع ديته قال لا قال فمواليك يعطونك ديته قال لا قال للرجل خذه فخرج به ليقتله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أما إنه إن قتله كان مثله فبلغ به الرجل حيث سمع قوله فقال هوذا فمر فيه ما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أرسله يبوء بإثم صاحبه وإثمه فيكون من أصحاب النار "
- رواه أبو داود

- هذه الرواية الآخرة سكت عنها أبو داود والمنذري وعزاها إلى مسلم والنسائي ولعله باعتبار اتفاقها في المعني هي والرواية الأولى
وفي رواية أخرى من حديث وائل بن حجر أخرجها أبو داود والنسائي
قال " كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ جيء برجل قاتل في عنقه النسعة قال فدعا ولي المقتول فقال أتعفو قال لا قال أفتأخذ الدية قال لا قال أفتقتل قال نعم قال فاذهب به فلما كان في الرابعة قال أما أنك إن عفوت عنه فإنه يبوء بإثمه وإثم صاحبه قال فعفا عنه قال فأنا رأيته يجر النسعة " قوله : " بنسعه " بكسر النون وسكون السين بعدها عين مهملة
قال في القاموس النسع بالكسر سير ينسج عريضا على هيئة أعنة البغال تشد به الحال والقطعة منه نسعة وسمي نسا لطوله الجمع نسع بالضم ونسع بالكسر كعنب وأنساع ونسوع
قوله : " نحتطب " من الاحتطاب . ووقع في نسخة نختبط من الاختباط
قوله : " إن قتله فهو مثله " قد استشكل هذا بعد إذنه صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتصاص وإقرار القاتل بالقتل على الصفة المذكورة والأولى حمل هذا المطلق على المقيد بأنه لم يرد قتله بذلك الفعل
قال المصنف رحمة الله تعالى وقال ابن قتيبة في قوله إن قتله فهو مثله لم يرد أنه مثله في المأثم وكيف يريده والقصاص مباح ولكن أحب له العفو فعرض تعريضا أوهمه به أنه إن قتله كان مثله في الإثم ليعفو عنه وكان مراده أنه يقتل نفسا كما أن الأول قتل نفسا وإن كان الأول ظالما والآخر مقتصا
وقيل كان معناه كان مثله في حكم البواء فصارا متساويين لا فضل للمقتص إذا استوفى على المقتص منه
وقيل أراد ردعه عن قتله لأن القاتل إدعى أنه لم يقصد قتله فلو قتله الولى كان في وجوب القود عليه مثله لو ثبت منه قصد القتل يدل عليه ما روى أبو هريرة قال " قتل رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فدفع القايل إلى وليه فقال القاتل يا رسول الله والله ما أردت قتله فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إما أنه إن كان صادقا فقتلته دخلت النار فخلاه الرجل وكان مكتوفا بنسعة فخرج يجر نسعته قال قال فكان يسمي ذا النسعة " رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه انتهى
وأخرج هذا الحديث أيضا النسائي وهو مشتمل على زيادة وهي تقييد الإقرار بأنه لم يرد القتل بذلك الفعل فيتعين قبولها ويحمل المطلق على المقيد كما تقدم فيكون عدم قصد القتل إنما يصير القتل من جنس الخطأ إذا كان بما مثله لا يقتل في العادة لا إذا كان مثله يقتل في العادة فإنه بكون عمدا وإن يقصد به القتل وغلى هذا ذهبت الهادوية والحديث يرد عليهم ( لا يقال الحديث ) مشكل من جهة أخرى وهي أنه صلى الله عليه وآله وسلم أذن لولي المجني عليه بالاقتصاص ولو كان القتل خطأ لم يأذن له بذلك إذ لا قصاص في قتل الخطأ إجماعا كما حكاه صاحب البحر وهو صريح القرآن والسنة لأنا نقول لم يمنعه صلى الله عليه وآله وسلم من الاقتصاص بمجرد تلك الدعوى لاحتمال أن يكون المدعي كاذبا فيها بل حكم علي القاتل بما هو ظاهر الشرع ورهب ولي الدم عن القود بما ذكره معلقا لذلك على صدقة
قوله : " أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك " أما كون القاتل يبوء بإثم المقتول فظاهر وأما كونه يبوء بإثم وليه فلانه لما قتل قريبه وفرق بينه وبينه كان جانيا عليه جناية شديدة اما جرت به عادة البشر من التألم لفقد القريب والتأسف على فراق الحبيب ولا سيما إذا كان ذلك بقتله ولا شك أن ذلك ذنب شديد ينضم إلى ذنب القتل فإذا عفا ولى الدم عن القاتل كانت ظلامته بقتل قريبه وإحراج صدره باقية في عنق القاتل فينتصف منه يوم القيامة بوضع ما يساويها من ذنوبه عليه فيبوء بإثمه
قوله : " قال يا بني الله لعله " أي لعله أن لا يبوء بإثمي وإثم صاحبي فقال صلى الله عليه وآله وسلم بلى يبوء بذلك
وأما قوله في الرواية الأخرى بإثم صاحبه وإثمه فلا أشكال فيه وهو مثل ما حكاه الله في القرآن عن ابن آدم حيث قال { إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك } . والمراد بالبواء الاحتمال
قال في القاموس وبذنبه بوأو بواء أحتمله أو اعترف به وذمه بدمه عدله وبفلان قتل به فقاومه انتهى
وقد استدل المصنف رحمه الله بحديث وائل بن حجر على أنه يثبت القصاص على الجاني بإقراره وهو مما لا أحفظ فيه خلافا إذا كان الإقرار صحيحا متجردا عن الموانع

باب ثبوت القتل بشاهدين

1 - عن رافع بن خديج قال " أصبح رجل من الأنصار بخيبر مقتولا فإنطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذكروا ذلك له فقال لكم شاهد أن يشهدان على قتل صاحبكم فقالوا يا رسول الله لم يكن ثم أحد من المسلمين وإنما هم يهود قد يجترئون على أعظم من هذا قال فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم فوداه النبي صلى الله عليه وآله وسلم "
- رواه أبو داود

2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن ابن محيضة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته فقاليا رسول الله ومن أين أصيب شاهدين وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم قال فتحلف خمسين قسامة فقال يا رسول الله فكيف أحلف على ما لم أعلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستحلف منهم خمسين قسامة فقال يا رسول الله كيف نستحلفهم وهم اليهود فقسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ديته عليهم وأعلنهم بنصفها "
- رواه النسائي

- الحديث الأول سكت عنه أبو داود والمنذري ورجاله رجال الحصيح
إلا الحسن بن علي بن راشد وقد وثق . والحديث الثاني في إسناده عمرو بن شعيب وقد تقدم الكلام عليه والراوي عنه عبيد الله بن الأخنس وقد حسن الحافظ في الفتح إسناد هذا الحديث والكلام على ما أشتمل عليه الحديثان من أحكام القسامة يأتي في بابها وأوردها المصنف ههنا للاستدلال بهما على أنه يثبت القتل بشهادة شاهدين ولا أحفظ عن أحد من أهل العلم أنه يقول باشتراط زيادة على شهادة شاهدين في القصاص ولكنه وقع الخلاف في قبول شهادة النساء في القصاص كالمرأتين مع الرجل فحكى صاحب البحر عن الأوزاعي والزهري أن القصاص كالأموال فيكفي فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وظاهر اقتصاره على حكاية ذلك عنهما فقط أن من عداهما يقول بخلافه والمعروف من مذهب الهادوية أنها لا تقبل في القصاص إلا شهادة رجلين أصلين لافرعين والمعروف في مذهب الشافعية أنه يكفي في الشهادة على المال والعقود المالية شهادة رجلين أو رجل وامرأتين وفي عقوبة لله تعالى كحد الشرب وقطع الطريق أو لآدمي كالقصاص رجلان قال النووي في المنهاج مالفظه ولمال وعقد مالي كبيع وحوالة وضمان وحق مالي كخيار رجلان أو رجل وامرأتان ولغير ذلك من عقوبة لله تعالى أو لآدمي وما يطلع عليه رجال غالبا كنكاح وطلاق ورجعة وإسلام وردة وجرح وتعديل وموت وإعسار ووكالة ووصاية وشهادة على شهادة رجلان انتهى . واستدل الشارح المحلى للأول بقوله تعالى ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) قال عموم الأشخاص مستلزم لعموم الأحوال المخرج منه ما يشترط فيه الأربعة ومالا يكتفي فيه بالرجل والمرأتين واستدل للثاني بما رواه مالك عن الزهري قال مضت السنة أنه لا يجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح والطلاق وقال وقيس على الثلاثة باقي المذكورات بجامع أنها ليست بمال ولا يقصد منها مال والقصد من الوكالة والوصاية الراجعتين إلى المال الولا ية والخلافة لا المال انتهى
وقد أخرج قول الزهري المذكور ابن أبي شيبة بإسناد فيه الحجاج ابن أرطأة وهو ضعيف مع كون الحديث مرسلا لا تقوم بمثله الحجة فلا يصلح لتخصيص عموم القرآن باعتبار ما دخل تحت نصه فضلا عما لم يدخل تحته بل ألحق به بطريق القياس وأما الحديثان المذكوران في الباب فليس فيهما إلا مجرد التنصيص على شهادة الشاهدين في القصاص وذلك لا يدل على عدم قبول شهادة رجل وامرأتين وغاية الأمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب ما هو الأصل الذي لا يجزى عنه غيره إلا مع عدمه كما يدل عليه قوله تعالى { فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان } والأصل مع إمكانه متعين لا يجوز العدول إلى بدله مع وجوده فذلك هو النكثة في التنصيص في حديثي الباب على شهادة الشاهدين
قوله : " إن ابن محيصة " بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر التحتانية وتشديدها وفتح الصاد المهملة
قوله : " برمته " بضم الراء وتشديد الميم وهي الحبل الذي يقاد به
قوله : " فقسم ديته عليهم " هو مخالف لما في المتفق عليه الآتي وسيأتي الكلام على ذلك

باب ما جاء في القسامة

1 - عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الأنصار " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية "
- رواه أحمد ومسلم والنسائي

2 - وعن سهل ابن أبي حثمة قال " انطلق عبد الله بن سهل ومحيصه بن مسعود إلى خيبر وهو يومئذ صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا فدفنه ثم قدم المدينة فانطلق عبد الرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال كبر كبر وهو أحدث القوم فسكت فتكلما قال أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم فقالوا وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر قال فتبرئكم يهود بخمسين يمينا فقالوا كيف نأخذ إيمان قوم كفار فعقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عنده "
- رواه الجماعة

3 - وفي رواية متفق عليها " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته فقلوا أمر لم نشهده كيف نحلف قال فتبرئكم يهود بإيمان خمسين منهم قالوا يا رسول الله قوم كفار " وذكر الحديث بنحوه وهوحجة لمن قال لا يقسمون على أكثر من واحد

4 - وفي لفظ لأحمد " فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينا ثم نسلمه " وفي رواية متفق عليها " فقال لهم تأتون بالبينة على من قتله قالوا مالنا من بينة قالفيحلفون قالوا لا نرضى بإيمان اليهود فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يبطل دمه فوداه بمائة من إبل الصدقة

- قوله " ما جاء في القسامة " بفتح القاف وتخفيف السين المهملة وهي مصدر أقسم والمراد بها الأيمان وأشتقاق القسامة من القسم كاشتقاق الجماعة من الجمع وقد حكى إمام الحرمين أن القسامة عند الفقهاء اسم للأيمان وعند أهل اللغة اسم للحالفين وقد صرح بذلك في القاموس وقال في الضياء أنها الأيمان
وقال في المحكم أنها في اللغة الجماعة ثم أطلقت على الأيمان
قوله : " أقرأ القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية " القسامو في الجاهلية قد أخرج البخاري والنسائي صفتها عن ابن عباس أن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى فانطلق معه في إبله فمر به رجلمن بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل فأعطاه عقالا فشد به عروة جوالقه فلما نزلوا عقلت الإبلإلا بعيرا واحدا فقال الذي استأجره ما بال هذا البعير لم يعقل من بين الإبلقال ليس له عقال قال فأين عقاله فخذفه بعصا كان فيه أجله فمر به رجل من أهل اليمن فقال أتشهد الموسم قال ما أشهده وربما شهدته قال هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر قال نعم فإذا شهدت فناد يا قريش فإذا أجابوك فناد ياآل بني هاشم فإن أجابوك فسل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال ومات المستأجر فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال ما فعل صاحبنا قال مرض فأحسنت القيام عليه ووليت دفنه قال قد كان أهل ذاك منك فمكث حينا ثم أن الرجل الذي أوصى أليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال يا قريش قالوا هذه قريش قال يا آل بني هاشم قالوا هذه بنو هاشم قال أين أبو طالب قالوا هذا أبو طالب قال أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانا قتله في عقال فأناه أبو طالب فقال اختر منا إحدى ثلاث إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا وإن شئت حلف خمسون من قومك أنك لم تقتله فإن أبيت قتلناك به فأتى قومه فأخبرهم فقلوا نحلف فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم كانت قد ولدت منه فقالت يا أبا طالب أحب أن تجير ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصير يمينه الأيمان ففعل فأتاه رجل منهم فقال يا أبا طالب أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل فيصيب كل رجل بعيران هذان البعيران فاقبلهما مني ولا تصير يميني حيث تصير الأيمان فقبلها وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا قال ابن عباس فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية والأربعين عين تطرف انتهى
وقد أخرج البيهقي من طريق سليمان بن يسار عن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم فأقرها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما كانت عليه في الجاهلية وقضى بها بين أناس من الأنصار من بني حارثة إدعوا إلى اليهود
قوله : " عن سهل بن أبي حثمة قال انطلق " هكذا في كثير من روايات البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم " عن رجال من كبراء قومه " قوله " محيصة " قد تقدم ضبطه في الباب الذي قبل هذا وهو ابن عم عبد الله بن سهل
قوله : " يتشحط في دمه " بالشين المعجمة والحاء المهملة المشددة بعدها طاء مهملة أيضا وهو الاضطراب في الدم . كما في القاموس
قوله : " حويصة " بضم الحاء المهملة وفتح الواو وتشديد الياء مصغرا وقد روي التخفيف فيه وفي محيصة
قوله : " كبر كبر " أي دع من هو أكبر منك سنا يتكلم هكذا في رواية يحيى بن سعيد أن الذي تكلم هو عبد الرحمن بن سهل وكان أصغرهم
وفي رواية أن الذي تكلم هو محيصة وكان أصغر من حويصة
قوله : " أتحلفون وتستحقون صاحبكم " فيه دليل على مشروعية القسامة وإليه ذهب جمهور الصحابة والتابعين والعلماء من الحجاز والكوفة والشام حكى ذلك القاضي عياض ولم يختلف هؤلاء في الجملة إنما اختلفا في التفصيل على ما سيأتي بيانه روى القاضي عياض عن جماعة من السلف منهم أبو قلابة وسالم بن عبد الله والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلو بن خالد وعمر بن عبد العزيز في رواية عنه أن القسامة غير ثابتة لمخالفتها لأصول الشريعة من وجوه . منها أن البينة على المدعي واليمين على المنكر في أصل الشرع
ومنها أن اليمين لا يجوز إلا على ما علمه الإنسان قطعا بالمشاهدة الحسية أو ما يقوم مقامها وأيضا لم يكن في حديث الباب حكم بالقسامة وإنما كانت القسامة من أحكام الجاهلية فتلطف لهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليريهم كيف بطلانها وغلى عدم ثبوت القسامة أيضا ذهب الناصر كما حكاه عنه صاحب البحر . وأجيب بأن القسامة أصل من أصول الشريعة مستقل لورود الدليل بها فتخصص بها الدلة العامة وفيها حفظ للدماء وزجر للمعتدين ولا يحل طرح سنة خاصة لأجل سنة عامة وعدم الحكم في حديث سهل ابن أبي حثمة لا يستلزم عدم الحكم مطلقا فإنه صلى الله عليه وآله وسلم قد عرض على المتخاصمين اليمين وقال إما أن يدوا صاحبكم وأما أن يأذنوا بحرب كما في رواية متفق عليها وهو لا يعرض إلا ما كان شرعا وأما دعوى أنه قال ذلك للتلطف بهم وإنزالهم من حكم الجاهلية فباطلة كيف وفي حديث أبي سلمة المذكور في الباب أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقد قدمنا صفة الواقعة التي وقعت لأبي طالب مع قاتل الهاشمي
وقد أخرج أحمد والبيهقي عن أبي سعيد قال وجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتيلا بين قريتين فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذرع ما بينهما فوجد أقرب إلى أحد الجانبين بشير فألقى ديته عليهم قال البيهقي تفرد به أبو اسرائيل عن عطية ولا يحتج بهما وقال العقيلي هذا الحديث ليس له أصل
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن الشعبي أن قتيلا وجد بين وادعة وشاكر فأمرهم عمر بن الخطاب ان يقيسوا ما بينهما فوجدوه إلى وادعة أقرب فأحلفهم عمر خمسين يمينا كل رجل ما قتله ولا علمت قاتلا ثم أغرمهم الدية فقالوا يا أمير المؤمنين لا أيماننا دفعت عن أموالنا ولا أموالنا دفعت عن أيماننا فقال عمر كذلك الحق
وأخرج نحو الدارقطني والبيهقي عن سعيد بن المسيب وفيه أن عمر قال إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم قال البيهقي رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم منكر وفيه عمر ابن صبيح أجمعوا على تركه وقال الشافعي ليس بتكذيب إنما رواه الشعبي عن الحرث الأعور وقال البيهقي روي عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عمر
وروى عن مطرف عن أبي إسحاق عن الحرث بن الأزمع لكن لم يسمعه أبو إسحاق من الحرث وأخرج مالك والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي عن سليمان بن يسار وعراك ابن مالك أن رجلا من بني سعد بن ليث أجرى فرسا فوطئعلى أصبع رجل من جهينة فمات فقال عمر للذين أدعى عليهم أتحلفون خمسين يمينا ما مات منها فأبوا فقال لآخرين احلفوا أنتم فأبوا فقضى عمر بشطر الدية على السعديين وسيأتي حكمة صلى الله عليه وآله وسلم على اليهود بالدية
قوله : " فيدفع برمته " قد تقدم ضبط الرمة وتفسيرها في الباب الأول وقد استدل بهذا من قال أنه يجي القود بالقسامة وإليه ذهب الزهري وربيعة وأبو الزناد ومالك والليث والأوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ومعظم الحجايين
وحكاه مالك عن ابن الزبير واختلف في ذلك على عمر بن عبد العزيز وحكى في البحر عن أمير المؤمنين رضي الله عنه ومعاوية والمرتضى والشافعي في أحد قوليه أنه لا يجب القود بالقسامة وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين وكثير من البصريين وبعض المدنيين والثورى والأوزاعي والهادوية بل الواجب عندهم جميعا اليمين فيحلف خمسون رجلا من أهل القرية خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا قاتله ولا يمين على المدعي فإن حلفوا لزمتهم الدية عند جمهورهم وقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن أن أبا بكر وعمر والجماعة الأولى لم يكونوا يقتلون بالقسامة
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر أن القسامة إنما توجب العقل ولا تشيط الدم وقال عبد الرزاق في مصنفه قلت لعبيد الله بن عمر العمري أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقاد بالقسامة قال لا قلت فأبو بكر قال لا قلت فعمر قال لا قلت فلم تجترؤن عليها فسكت
وقد استدل بقوله صلى الله عليه وآله وسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته أحمد ومالك في المشهور عنه أن القسامة إنما تكون على رجل واحد وقال الجمهور يشترط أن تكون على معين سواء كان واحد أو أكثر وأختلفوا هل يختص القتل بواحد من الجماعة المعينين أو يقتل الكل وقال أشهب لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحد للقتل ويسجن الباقون عاما ويضربون مائة مائة قال الحافظ وهو قول لم يسبق إليه
وقال جماعة من أهل العلم أن شرط القسامة أن تكون على غير معين واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن أبي حثمة المذكور فإن الدعوى فيه وقعت على أهل خيبر من غير تعيين . ويجاب عن هذا إبان غايته أن القسامة تصح على غير معين وليس فيه ما يدل على اشتراط كونها على غير معين ولا سيما وقد ثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قرر القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية وقد قدمنا أن أول قسامة كانت في الجاهلية قسامة أبي طالب وهي دعوى على معين كما تقدم ( فإن قيل ) إذا كانت على معين كان الواجب في العمد القود وفي الخطأ الدية فما وجه إيجاب القسامة فيقال لما لم يكن على ذلك المعين بينة ولم يحصل منه مصادقة كان ذلك مجرد لوث فإن اللوث في الأصل هو ما يثمر صدق الدعوى وله صور ذكرها صاحب البحر . منها وجود القتيل في بلد يسكنه محصورون فإن كان يدخله غيرهم اشترط عداوة المستوطنين للقتيل كما في قصة أهل خيبر ومنها وجوده في صحراء وبالقرب منه رجل في يده سلاح مخضوب بالدم ولم يكن هناك غيره . ومنها وجوده بين صفي القتال ومنها وجوده ميتا بين مزدحمين في سوق أو نحوه ومنها كون الشهاد على القتل نساء أو صبيانا لا يقدر تواطؤهم على الكذب هذا معنى كلام البحر ومن صور اللوث أن يقول المقتول في حياته دمي عند فلان أو هو قتلني أو نحو ذلك فإنها تثبت القسامة بذلك عند مالك والليث وادعى مالك أن ذلك مما أجمع عليه الأئمة قديما وحديثا واعترض هذه الدعوى ابن العربي وفي الفتح أنه لم يقل بذلك غيرهما ومنها إذا كان الشهود غير عدول أو كان الشاهد واحد فإنها تثبت القسامة عند مالك والليث ولم يحك صاحب البحر اشتراط اللوث إلا عن الشافعي وحكى عن القاسمية والحنفية أنه لا يشترط ورد بأن عدم الاشتراط غفلة عن أن الاختصاص بموضع الجناية نوع من اللوث والقسامة لا تثبت بدونه
قوله : " فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم " أي يخلصونكم عن الأيمان بأن يحلفوا فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شيء وخلصتم أنتم من الأيمان والجمع بين هذه الرواية والرواية الأخرى التي فيهاتقدم طلب البينة على اليمين حيث قال يأتون بالبينة على من قتله قالوا ما لنا بينة بأن يقال أن الرواية الأخرى مشتملة على زيادة هي طلب البينة أولا ثم اليمين ثانيا
ولا وجه لما زعمه بعضهم من كون طلب البينة وهم في الرواية المذكورة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين
قال الحافظ إن سلم أنه لم يسكن مع اليهود أحد من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا فيجوز أن يكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك ثم قال وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدا وذكر حديث عمرو بن شعيب وحديث رافع بن خديج المتقدمين في الباب الأول
قوله : " أن يبطل دمه " في رواية للبخاري " أن يطل دمه " بضم أوله وفتح الطاء وتشديد اللام أي يهدر
قوله : " فوداه بمائة من إبل الصدقة " في الرواية الأولى فعقله أي أعطى ديته وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أعطى عقله والعقل الدية كما تقدم وقد زعم بعضهم أن قوله من إبل الصدقة غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد بقوله فعقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من عنده وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده أو المراد بقوله من عنده أي من بيت المال المرصد للمصالح وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا وحمله بعضهم على ظاهره وقد حكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة واستدل بهذا الحديث وغيره قال القاضي عياض وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعى عليهم في اليمين إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور يبدأ بالمدعين وردها إن أبوا على المدعى عليهم وقال بعكسه أهل الكوفة وكثير من أهل البصرى وبعض أهل المدينة وقال الأوزاعي يستحلف من أهل القرية خمسون رجلا جمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا من قتله فإن حلفوا برئوا وإن نقصت قسامتهم عن عدد أو نكول حلف المدعون على رجل واحد واستحقوا دمه فإن نقصت قسامتهم عادت دية وقال عثمان البتى يبدأ المدعى عليهم بالأيمان فإن حلفوا فلا شيء عليهم وقال الكوفيون إذا حلفوا وجبت عليهم الدية قال في الفتح واتفقوا كلهم على أنها لا تجب القسامة بمجرد دعوى الأولياء حتى يقترنوا بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها واختلفوا بتصوير الشبهة على سبعة أوجه ثم ذكرها وذكر الخلاف في كل واحدة منها وهي ما أسلفناه في بيان صور اللوث
قال في الفتح بعد أن ذكر السابعة من تلك الصور وهي أن يوجد القتيل في محلة أو قبيلة أنه لا يوجب القسامة عند الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأتباعهم إلا هذه الصورة ولا يجب فيما سواها . وبهذا يتبين لك أن عدم اشتراط اللوث مطلقا بعد الاتفاق على تفسيره بما سلف غير صحيح ومن شروط القسامة عند الجميع إلا الحنفية أن يوجد بالقتيل أثر والحاصل أن أحكام القسامة مضطربة غاية الاضطراب والأدلة فيها واردة على أنحاء مختلفة ومذاهب العلماء في تفاصيلها متنوعة إلى أنواع ومتشعبة إلى شعب فمن رام الإحاطة بها فعليه بكتب الخلاف ومطولات شروح الحديث

3 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال البينة على المدعي اليمين على من أنكر إلا في القسامة "
- رواه الدارقطني

4 - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن يسار عن رجل من الأنصار " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لليهود وبدأهم يحلف منكم خمسون رجلا فأبوا فقال للأنصار استحقوا فقالوا أنحلف على الغيب يا رسول الله فجعلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية على اليهود لأنه وجد بين أظهرهم "
- رواه أبو داود
الحديث الأول أخرجه أيضا ابن عبد البر والبيهقي من حديث مسلم بن خالد عن ابن جريح عن عمرو بن شعيب به قال البخاري أن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب وقد روي عن عمرو مرسلا من طريق عبد الرزاق وهو أحفظ من مسلم بن خالد وأوثق ورواه ابن عدي والدارقطني من حديث عثمان بن محمد بن سالم عن ابن جريج عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ الحديث المذكور قال الحافظ في التلخيص وهو ضعيف . والحديث الثاني الراوي له عن أبي سلمة وسليمان هو الزهري قال المنذري في مختصر السنن بعد ذكره قال بعضم وهذا ضعيف لا يلتفت إليه
وقد قيل للأمام الشافعي ما منعك أن تأخذ بحديث ابن شهاب يعني هذا فقال مرسل والقتيل أنصاري والأنصاريون بالعناية أولى بالعلم به من غيرهم إذ كان كل ثقة وكل عندنا بنعمة الله ثقة قال البيهقي وأظنه أراد بحديث الزهري ما روي عنه معمر عن أبي سلمة وسليمان بن يسار عن رجال من الأنصار وذكر هذا الحديث وقد استدل بالحديث الأول على أن أحكام القسامة مخالفة لما عليه سائر القضايا من إيجاب البينة على المدعى واليمين على على المدعى عليه فيندفع به ما أورده النافون للقسامة من مخالفتها لما عليه سائر الأحكام الشرعية وقد تقدم تفضيل ذلك . واستدل بالحديث الثاني من قال بإيجاب الدية على من وجد القتيل بين أظهرهم ويعارضه حديث عمرو بن شعيب المتقدم في الباب الأول فان فيه أنه اعانهم بنصف الدية ويعارض الجميع ما في المتفق عليه من حديث سهل بن أبي حثمة ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم عقله من عنده فان أمكن حمل ذلك على قصص متعددة فلا أشكال وإن لم يمكن وكان الخرج متحدا فالمصير إلى ما في الصحيحين هو المتعين ولا سيما مع ما في حديث أبي سلمة المذكور في الباب . وحديث عمرو ابن شعيب المذكور في الباب الأول من الحكم بالدية بدون أيمان
قوله : " فقال للأنصار استحقوا " فقال في القاموس استحقه استوجبه اهو المراد ههنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر الأنصار بان يستوجبوا الحق الذي يدعونه على اليهود بأيمانهم فأجابوا بأنهم لا يحلفون على الغيب

باب هل يستوفي القصاص والحدود في الحرم أم لا

1 - عن أنس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر فلما نزعه جاءه رجل فقال ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال اقتلوه "

2 - وعن أبي هريرة قال " لما فتح الله على رسوله مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمسلمين وأنها لم تحل لأحد قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار وإنها لا تحل لأحد بعدي "

3 - وعن أبي شريح الخزاعي " أنه قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة أئذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغد من يوم الفتح سمعته أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلم به حمد الله وأثنى عليه ثم قال إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس فلا يحل لإمرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما ولا يعضد بها شجرة فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها فقولوا له إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس فليبلغ الشاهد الغائب فقيل لأبي شريح ماذا قال لك عمرو قال قال أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح أن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا فارا بخربة "

4 - وعن ابن عباس قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم فتح مكة إن هذا البلد حرام حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة وأنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي ولم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة "
- متفق على أربعتهن

5 - وعن عبد الله بن عمر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال أن أعدي الناس على الله عز و جل من قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل بذحول الجاهلية "
- رواه أحمد وله من حديث أبي شريح الخزاعي نحوه وقال ابن عمر " لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته " وقال ابن عباس في الذي يصيب حدا ثم يلجأ إلى الحرم يقام عليه الحد إذا خرج من الحرم حكاهما أحمد في رواية الأثرم

- حديث عبد الله بن عمر أخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه وحديث أبي شريح الآخر الذي أشار إليه المصنف أخرجه أيضا الدارقطني والطبراني والحاكم ورواه الحاكم والبيهقي من حديث عائشة بمعناه
وروى البخاري في صحيحه عن ابن عباس مرفوعا " أبغض الناس إلى الله ثلاث ملحد في الحرم ومتبع في الإسلام سنة جاهلية ومطلب دم بغير حق ليهريق دمه " والملحد في الأصل هو الماثل عن الحق
وأخرجه عمر بن شيبة عن عطاء بن يزيد قال قتل رجل بالمزدلفة يعني في غزوة الفتح فذكر القصة وفيها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال وما أعلم أحدا أعتى على الله من ثلاثة رجل قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أم قتل بذحل في الجاهلية
قوله : " عن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم دخل مكة " الخ قد نقدم هذا الحديث وشرحهفي باب دخول مكة من غير إحرام من أبواب الحج
قوله : " إن الله حبس عن مكة الفيل " هو الحيوان المشهور وأشار بحبسه عن مكة إلى قضية الحبشة وهي مشهورة ساقها ابن إسحاق مبسوطة . وحاصل ما ساقه أن أبرهة الحبشي لما غلب على اليمن وكان نصرانيا بنى كنيسة وألزم الناس بالحج إليها فعمد بعض العرب فاستغفل الحجبة وتغوط وهرب فغضب أبرهة وعزم على تخريب الكعبة فتجهز في جيش كثيف واسطحب معه فيلا عظيما فلما قرب من مكة خرج إليه عبد المطلب فأعظمه وكان جميل الهيئة فطلب منه أن يرد عليه إبل نهبت فاستقصر همته وقال لقد ظننت أنك لا تسألني إلا في الأمر الذي جئت فيه يقال إن لهذا البيت ربا سيحميه فأعاد إليه إبله وتقدم أبرهة بجيوشه فتقدموا الفيل فأرسل الله عليهم طيرا مع كل واحدة ثلاثة أحجار حجران في رجليه وحجر في منقاره فألقتها عليهم فلم يبق منهم أحد إلا أصيب
وأخرج ابن مردوية بسند حسن عن عكرمة عن ابن عناس قال جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح وهو بكسر المهملة ثم فاء ثم مهملة موضع خارج مكة من جهة طريق اليمن فأتاهم عبد المطلب فقال إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحدا فقالوا لا نرجع حتى نهدمه فكانوا لا يقدمون الفيل قبلهم ألا تأخر فدعا الله الطير إلا بابيل فأعطاها حجارة سودا فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة فكان لا يحك أحدهم جلده إلا تساقط لحمه
قال ابن إسحاق حدثني يغوث بن عتبة قال حدثت أن أول ما وقعت الحصبة والجدري بأرض العرب يومئذ . وعند الطبري بسند صحيح عن عكرمة أنها كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رؤوس كرؤوس السباع . ولابن أبي حاتم من طريق عبيد بن عمير بسند قوي بعث الله عليهم طيرا أنشأها من البحر كأمثال الخطاطيف فذكر نحو ما تقد
قوله : " لعمرو بن سعيد " هو المعروف بالأشدق وكان أميرا على دمشق من جهة عبد الملك بن مروان فقتله عبد الملك وقصته مشهورة
قوله : " ولا يعضد بها شجرة " قد تقدم ضبطه وتفسيره في الحج
قوله : " فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها " أي استدل بقتاله صلى الله عليه وآله وسلم فيها على أن القتال فيها لغيه مرخص فيه
قوله : " إن الحرم لا يعيذ عاصيا " هذا من عمرو المذكور معارضته لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برأيه وهو مصادم للنص ولا جرم فالمذكور من عتاة الأمة النابين عن الحق
قوله : " ولا فارا بخربة " بضم الخاء ويجوز فتحها وسكون الراء بعدها باء موحدة وهي في الأصل سرقة الإبل وفي البخاري أنها الخيانة
وقال الترمذي قد روى بخزية بالزاي والياء التحتية أي بجريمة يستحي منها
قوله : " أن أعدي الناس " في رواية " أن أعتى الناس " وهما تفضيل أي الزائد في التعدي أو العتو على غيره والعتو التكبر والتجبر
وقد أخرج البيهقي عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده أنه قال وجد في قائم سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتاب أن أعدى الناس على الله الحديث
وأخرجه من حديث سليمان بلفظ " إن أعتى الناس على الله " وأخرج أيضا حديث أبي شريح بلفظ " إن أعتى الناس على الله الحديث "
قوله : " بذحول الجاهلية " جمع ذحل بفتح الذال المعجمة وسكون الحاء المهملة وهو الثار وطلب المكافاة والعداوة أيضا والمراد هنا من كان له دم في الجاهلية بعد دخوله في الإسلام والمراد أن هؤلاء الثلاثة أعتى أهل المعاصي وأبغضهم إلى الله وإلا فالشرك أبغض إليه من كل معصية كذا قال المهلب وغيره
وقد استدل بحديث أنس المذكور على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب ولا يؤخر لأجله عن وقته كذا قال الخطابي وقد ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وهو اختيار ابن المنذر ويؤيد ذلك عموم الأدلة القاضضية باستيفاء الحدود في كل مكان وزمان . وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم والحنفية وسائر أهل العراق وأحمد ومن وافقه من أهل الحديث والعترة إلا أنه لا يحل لأحد أن يسفك بالحرم دما ولا يقيم به حدا حتى يخرج عنه من لجأ إليه . واستدلوا على ذلك بعموم حديث أبي هريرة وأبي شريح وابن عباس . عبد الله بن عمرو وعموم قوله تعالى { ومن دخله كان آمنا } وهو الحكم الثابت قبل الإسلام وبعده فإن الجاهلية كان يرى أحدهم قاتل إبنه فلا يهيجه وكذلك في الإسلام كما قال ابن عمر في الأثر المذكور كما روى الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب أنه قال لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه وهكذا روى عن ابن عباس أنه قال لو وجدت قاتل أبي في الحرم ما هجته
وأما الاستدلال بحديث أنس المذكور فوهم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بقتل ابن خطل في الساعة التي أحل له الله القتال بمكة وقد أخبرنا بأنها لم تحل لأحد قبله ولا لأحد بعده وأخبرنا أن حرمتها قد عادت بعد تلك الساعة كما كانت وأما الاستدلال بعموم القاضية بلاستيفاء الحدود فيجاب أولا بمنع عمومها لكل مكان وكل زمان لعدم التصريح بهما وعلى تسليم العموم فهو محصص بأحاديث الباب لأنها قاضية بمنع ذلك في مكان خاص وهي متأخرة فإنها في حجة الوداع بعد شرعية الحدود هذا إذا ارتكب ما يوجب حدا أو قصاصا في الحرم فذهب بعض العترة إلى أنه يخرج من الحرم ويقام عليه الحد . روى أحمد عن ابن عباس أنه قال من سرق أو قتل في الحرم أقيم عليه في الحرم . ويؤئد ذلك قوله تعالى { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ويؤيده أيضا أن الجاني في الحرم هاتك لحرمته بخلاف الملتجئ إليه وأيضا لو ترك الحد والقصاص على من فعل ما يوجبه في الحرم لعظم الفساد في الحرم . وظاهر أحاديث الباب المنع المطلقا من غير فرق بين اللاجئ إلى الحرم والمرتكب لما يوجب حدا أو قصاصا في داخله وبين قتل النفس أو قطع العضو والآية التي فيها الإذن بمقاتلة من قاتل عند المسجد الحرام لا تدل إلا على جواز المدافعة لمن قاتل حال المقاتلة كما يدل على ذلك التقييد بالشروط وقد اختلف العلماء في كون هذه الآية منسوخة أو محكمة حتى قال أبو جعفر في كتاب الناسخ والمنسوخ أنها من أصعب ما في الناسخ والمنسوخ فمن قال بأنها محكمة مجاهد وطاوس وأنه لا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم تمسكا بظاهر الآية وبأحاديث الباب
وقال في جامع البيان أن هذا قول الأكثر ومن القائين بالنسخ قتادة قال والناسخ لهما قوله تعالى { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة } وقيل بآية التوبة كما ذكره النجري قال أبو جعفر وهذا قول أكثر أهل النظر وأن المشركين يقاتلون في الحرم وغيره بالرآن والسنة قال الله تعالى { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وبراءة نزلت بعد البقرة بسنتين وقال تعالى { وقاتلوا المشركين كافة } وأما السنة فما روى أنه صلى الله عليه وآله وسلم " دخل وعلى رأسه المغفر فقتل ابن خطل " وقد اختار صاحب تيسير البيان القول الأول وقرره ورد دعوى النسخ أما بالآية براءة فلأن قوله تعالى في المائدة { لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام } موافق لآية البقرة والمائدة نزلت بعد براءة في قول أكثر أهل العلم بالقرآن ثم أن كلنة حيث تدل على المكان فهي عامة في إفراد الأمكنة وآية البقرة نص في النهي عن القتال في مكان مخصوص وهو المسجد الحرام فتكون مخصصة لآية براءة ويكون التقدير فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم إلا أن يكونوا في المسجد الحرام فلا تقتلوهم حتى يقاتلوكم فيه
وأما قوله تعالى { قاتلوهم حتى لا تكون فتنة } فهو مطلق في الأمكنة والأزمنة والأحوال وآية البقرة مقيدة ببعض الأمكنة فيكون ذلك المطلق مقيدا بها وإذا أمكن الجمع فلا نسخ هذا معنى كلامه وهو طويل ولكن في كون العام المتأخر يخصص بالخاص المتقدم خلاف بين أهل الأصول والراجح والتخصيص وفي كون عموم الأشخاص لا يستلزم عموم الأحوال والأمكنة والأزمنة خلاف أيضا معروف بين أهل الأصول

باب ما جاء في توبة القاتل والتشديد في القتل

1 - عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء "
- رواه الجماعة إلا أبا داود

2 - وعن ابن مسعود قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تقتل نفسا ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها لأنه كان أول من سن القتل "
- متفق عليه

3 - وعن أبي هريرة " قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أعان على قتل مؤمن بشطر كلمة لقى الله عز و جل مكتوب بين عينيه آيس منرحمة الله "
- رواه أحمد وابن ماجة

4 - وعن معاوية قال " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كل ذنب عسى الله يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا "
- رواه أحمد والنسائي . ولأبي داود من حديث أبي الدرداء كذلك

- حديث أبي هريرة أخرجه أيضا البيهقي وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف وقد روى عن الزهري مرسلا أخرجه البيهقي من طريق فرح بن فضالة عن الضحاك عن الزهري يرفعه وفرح ضعيف وقد قواه أحمد . وبالغ ابن الجوزي فذكر الحديث في الموضوعات وسبقه إلى ذلك أبو حاتم فإنه قال في العلل أنه باطل موضوع
وقد رواه أبو نعيم في الحلية من طريق حكيم بن نافع عن خلف بن حوشب عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن المسيب سمعت عمر فذكره وقال تفرد به حكيم عن خلف . ورواه الطبراني من حديث ابن عباس نحوه وأورده ابن الجوزي من طريق أخرى عن أبي سعيد الخدري بلفظ " يجيء القاتل يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله " وأعله بعطية ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة قال الحافظ ومحمد لا يستحق أن يحكم على أحاديثه بالوضع فأما عطية فضعيف لكن حديثه يحسنه الترمذي إذا توبع . وحديث معاوية جميع رجال إسناده ثقات ويشهد له مافي هذا الباب من الأحاديث القاضية بعدم المغفرة للقاتل . وحديث أبي الدرداء الذي أشار إليه المصنف لفظه قال أبو الدرداء " سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا أو مؤمن قتل مؤمنا متعمدا " وروى أبو داود أيضا عن عبادة بن الصامت أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال " من قتل مؤمنا فاغتبط بقتله لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا " قال الخطابي فاغتبط أي فقتله بغير سبب وفسره بحيى بن يحيى الغساني بأنه الذي يقتل صاحبه في الفتنة فيرى أنه على هدى لا يستغفر الله من ذلك . وهذان الحديثان سكت عنهما أبو داود والمنذري في مختصر السنن ورجال إسناده كل واحد منهما موثقون
قوله : " أول ما يقضي بين الناس " الخ فيه دليل على عظم ذنب القتل لأن الابتداء إنما يكون بالأهم وعائد الموصول محذوف والتقدير أول ما يقضى فيه ويجوز أن تكون مصدرية ويكون تقديره أول قضاء في الدماء أو يكون المصدر بمعنى اسم المفعول أي أول مقتضىفيه الدماء
وقد استشكل الجمع بين هذا الحديث وبين الحديث الذي أخرجه أصحاب السنن عن أبي هريرة بلفظ " أول ما يحاسب العبد عليه صلاته " وأجيب بأن الأول يتعلق بمعاملات العباد والثانيي بمعاملات الله
قال الحافظ على أن النسائي أخرجهما في حديث واحد أورده من طريق أبي وائل عن مسعود رفعه " أول ما يحاسب العبد به الصلاة وأول ما يقضى بين الناس في الدماء " وقد استدل بحديث ابن مسعود الأول المذكور على أن القضاء يختص بالناس ولا يكون بين البهائم وهو غلط لأن مفاده حصر الأولية في القضاء بين الناس وليس فيه نفي القضاء بين البهائم مثلا بعد القضاء ين الناس
قوله : " على بن آدم الأول " وهو قابيل عند الأكثر وعكس القاضي جمال الدين من واصل في تاريخه فقال اسم المقتول قابيل اشتق من قبول قربانه وقيل اسمه قابن بنون بدل اللام بغير ياء وقيل قبن مثله بغير ألف . وعن الحسن لم يكن ابن آدم المذكور وأخوه المقتول من صلب آدم وإنما كانا من بني إسرائيل أخرجه الطبري . وعن مجاهد أنهما كانا ولدي آدم لصلبه وهذا هو المشهور وهو الظاهر من حديث الباب لقوله " الأول " أي أول من ولد لآدم ويقال أنه لم يولد لآدم في الجنة غيره وغير توأمته ومن ثم فخر على أخيه هابيل فقال نحن من أولاد الجنه وأنتم من أولاد الأرض ذكر ذلك ابن إسحاق في المبتدأ
قوله : " كفل من دمها " بكسر الكاف وسكون الفاء وهو النصيب وأكثر ما يطلق على الأجر كقوله تعالى { كفلين من رحمته } ويطلق على الاسم كقوله تعالى { من يشفع شفاعة سيئة يكون له كفل منها } . قوله " لأنه أول من سن القتل " فيه دليل على أن من سن شيئا كتب له أو عليه وهو أصل في أن المعونة على ما لا يحل حرام وقد أخرج مسلم من حديث جرير " من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة " وهو محمول على من لم يتب عن ذلك الذنب
قوله : " بشطر كلمة " قال الخطابي قال ابن عيينة مثل أن يقول اق من قوله اقتل وفي هذا من الوعيد الشديد ما لا يقادر قدره فإذا كان شطر الكلمة موجبا لكتب الإياس من الرحمة بين عيني قائلها فكيف بمن أراق دم المسلم ظلما وعدوانا بغير حجة نيرة وقد استدل بهذا الحديث وبحديث معاوية وأبي الدرداء المذكورين بعده على أنها لا تقبل التوبة من قاتل العمد وسيأتي بيان ما هو الحق إن شاء الله

5 - وعن أبي بكرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا تواجه المسلمان بسيفهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار فقيل هذا القاتل فما بال المقتول قال قد أراد قتل صاحبه "
- متفق عليه

6 - وعن جندب البجلي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كان ممن كان قبلكم رجل به جرح فجزع فأخذ سكينا فخز بها يده فمارقأ الدم حتى مات قال الله تعالى بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة "
- أخرجاه

7 - وعن أبي هريرة قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأبها في بطنه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو متردفي نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا "

8 - وعن المقداد بن أسود أنه قال " يا رسول الله أرأيت أن لقيت رجل من الكفار فقاتلني فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها ثم لاذمني بشجرة فقال أسلمت لله أفأقتله يا رسول الله بعد أن قالها قال لا تقتله قال فقلت يا رسول الله إنه قطع يدي ثم قال ذلك بعد أن قطعها أفأقتله قال لا تقتله فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله وأنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال "
- متفق عليه

9 - وعن جابر قال " لما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة هاجر إليه الطفيل بن عمرو وهاجر معه رجل من قومه فاجتووا المدينة فمرض فجزع فأخذ مشاقص فقطع بها برامجه فخشبت يداه حتى مات فرآهالطفيل بن عمرو في منامه وهيئته حسنة ورآه مغطيا يديه فقال له ما صنع بك ربك قال غفر لي بهجرتي إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال مالي أراك مغطيا يديك قال قيل لي لن نصلح منك ما أفسدت فقصها الطفيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وليديه فاغفر "
- رواه أحمد ومسلم

- قوله " فالقاتل في النار " قال في الفتح قال العلماء معني كونهما في النار إنهما يستحقان ذلك ولكن أمرهما إلى الله إن شاء عاقبهما ثم أخرجهما من النار كسائر الموحدين وإن شاء الله عفا عنهما أصلا
وقيل هو محمول على من استحل ذلك ولا حجة فيه للخوارج ومن قال من المعتزلة بأن أهل المعاصي مخلدون في النار لأنه لا يلزم من قوله القاتل والمقتول في النار استمرار بقائهما فيها وأحتج به من لم ير القتال في الفتنة وهم كل من ترك القتال مع على في حروبه كسعد ابن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وأبي بكرة وغيرهم وقالوا يجب الكف حتى لو أراد قتله لم يدفعه عن نفسه ومنهم من قال لا يدخل في الفتنة فأن أحد أراد قتله دفع عن نفسه انتهى . ويدل على القول الآخر حديث أبي هريرة عند أحمد ومسلم وقد تقدم في باب دفع الصائل من كتاب الغصب وفيه أرايت ان قاتلني قال قاتله ويدل على القول الأول ما تقدم من الأحاديث في باب الدفع لا يلزم المصول عليه من ذلك الكتاب
قوله : في الفتح وذهب جمهور الصحابة والتابعين إلى وجوب نصرة الحق وقتال الباغين وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في ذلك على من ضعف عن القتال أو قصر عن معرفة صاحب الحق قال واتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ماوقع لهم من ذلك ولو عرف المحق منهم لأنهم لم يقاتلوا في تلك الحروب إلا عن اجتهاد وقد عفا الله عن المخطئ في الاجتهاد بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا وأن المصيب يؤجر أجرين قال الطبري لو كان الواجب في كل اختلاف يقع بين المسلمين الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حق ولا أبطل باطل ولوجد أهل الفسوق سبيلا إلى ارتكاب المحرمات من أخذ الاموال وسفك الدماء وسبي الحريم بأن يحاربوهم ويكف المسلمون أيديهم ويقولوا هذه فتنة وقد نهينا عن القتال فيها وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدي السفهاء اه
وقد أخرج البزار زيادة في هذا الحديث تبين المراد وهي " إذا اقتتلتم على الدنيا فالقاتل والمقتول في النار " ويؤيده ما أخرجه مسلم بلفظ " لا تذهب الدنيا حتى يأتي على الناس زمان لا يدري القاتل فيم قتل ولا المقتول فيم قتل فقيل كيف يكون ذلك قال الهرج القاتل والمقتول في النار " قال القرطبي فبين هذا الحديث أن القتال إذا كان على جهل من طلب دنيا أو اتباع هوى فهو الذي أريد بقوله القاتل والمقتول في النار
قال الحافظ ومن ثم كان الذين توقفوا عن القتال في الجمل وصفين أقل عددا من الذين قاتلوا وكلهم متأول مأجور إن شاء الله بخلاف من جاء بعدهم ممن قاتل على طلب الدنيا اه . وهذا يتوقف على صحة نيات جميع المقتتلين في الجمل وصفين وأرادة كل واحد منهم الدين لا الدنيا وصلاح أحوال الناس لامجرد الملك ومناقشة بعضهم لبعض مع علم بعضهم بأنه المبطل وخصمه المحق ويبعد ذلك طل البعد ولا سيما في حق من عرف منهم الحديث الصحيح انها تقتل عمارا الفئة الباغية فإن إصراره بعد ذلك على مقاتلة من كان معه عمار معاندة للحق وتماد في الباطل كما لا يخفى على منصف وليس هذا منامحبة لفتح باب المثالب على بعض الصحابة فانا كما علم الله من أشد الساعين في سد هذا الباب والمنفرين للخاص والعام عن الدخول فيه حتى كتبنا في ذلك رسائل وقعنا بسببها مع المتظهرين بالرفض والمحبين له بدون تظهر في أمور يطول شرحها حتى رمينا تارة بالنصب وتارة بالإنحراف عن مذاهب أهل البيت وتارة بالعداوة للشيعة وجاءتنا الرسائل المشتملة على العتاب من كثير من الأصحاب والسباب من جماعة من غير ذوي الألباب . ومن رأي مالأهل عصرنا من الجوابات على رسالتنا التي سميناها ارشاد الغبي إلى مذهب أهل البيت في صحب النبي وقف على بعض أخلاق القوم وماجبلوا عليه من عداوة من سلك مسلك الأنصاف وآثر نص الدليل على مذاهب الأسلاف وعداوة الصحابة الأخيار وعدم التقييد بمذاهب الأل الأطهار فانا قد حكينا في تلك الرسالة اجماعهم على تعظيم الصحابة رضي الله عنهم وعلى برك السب لأحد منهم من ثلاث عشرة طريقا وأقمنا الحجة على من يزعم أنه من أتباع أهل البيت ولا يتقيد بمذاهبهم في مثل هذا الأمر الذي هو مزلة أقدام المقصرين فلم يقابل ذلك بالقبول والله المستعان وأقول
أني بليت بأهل الجهل في زمن قاموا به ورجال العلم قد قعدوا
اه
ومما يؤيد ما تقدم من التأويل للحديث المذكور ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة يرفعه من قاتل تحت راية عمية فغضب لغضبه أو يدعو إلى عصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتله جاهلية وقد قدمنا ما هو أبسط من هذا الكلام في باب دفع الصائل وباب أن الدفع لا يلزم المصول عليه من كتاب الغضب فراجعة
قوله : " فقيل هذا القاتل فما بال المقتول " القائل هو أبو بكرة كما وقع مبينا في رواية مسلم ومعنى ذلك أن هذا القاتل قد استحق النار بذنبه وهو الإقدام على قتل صاحبه فما بال المقتول أي فما ذنبه
قوله : " قال قد أراد قتل صاحبه في لفظ للبخاري في كتاب الأيمان إنه كان حريصا على قتل صاحبه " وقد استدل " بذلك من ذهب إلى المؤاخذة بالعزم وإن لم يقع الفعل وأجاب من لم يقل بذلك أن في ذلك فعلا وهو المواجهة بالسلاح ووقوع القتال ولا يلزم من كون القاتل والمقتول في النار أن يكونا في مرتبة واحدة فالقاتل يعذب على القتال والقتل والمقتول يعذب على القتال فقط فلم يقع التعذيب على العزم المجرد ويؤيد هذا حديث أن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به نفسها ما لم يتكلموا به أو يعملوا
قال في الفتح والحاصل أن المراتب ثلاث الهم والمجرد وهو يثاب عليه ولا يؤاخذ به واقتران الفعل بالهم أو بالعزم ولا نزاع في المؤاخذة به والعزم وهو أقوى من الهم وفيه النزاع
قوله : " يتوجأ " أي يضرب بها نفسه وحديث جندب البجلي وأبي هريرة يدلان على أن من قتل نفسه من المخلدين في النار فيكون عموم أخراج الموحدين مخصصا بمثل هذا وما ورد في معناه كما حققنا ذلك مرارا . وظاهر حديث جابر المذكور يخالفهما فإن الرجل الذي قطع براجمه بالمشاقص ومات من ذلك أخبر بعد موته الرجل الذي رآه في المنام بأن الله تعالى غفر له ووقع منه صلى الله عليه وآله وسلم التقرير لذلك بل دعاله ويمكن الجمع بأنه لم يرد قتل نفسه بقطع البراجم وإنما حمله الضجر وما حل به من المرض على ذلك بخلاف الرجل المذكور في حديث جندب فإنه قطع يده مريد القتل نفسه وعلى هذا فتكون الأحاديث الواردة في تخليد من قتل نفسه في النار وتحريم الجنة عليه مقيدة بأن يكون مريدا للقتل
وقد أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة قال " شهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لرجل ممنيدعي الإسلم هذا من أهل النار فلما حضر القتال قاتل قتالا شديدا فأصابه جراح فقيل يا رسول الله الذي قلت آنفا أنه من أهل النار قد قاتل قتالا شديدا وقد مات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى النار فكاد بعض المسلمين يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل له أنه لم يمت ولكن به جراح شديدة فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فأخذ ذباب سيفه فتحامل عليه فقتل نفسه فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال الله أكبر أشهد أني عبد الله ورسوله ثم أمر بلالا فنادى في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة وإن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجال الفاجر
وأخرج أبو داود من حديث جابر بن سمرة قال أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل قتل نفسه فقالا لا أصلى عليه
قوله : " أرأيت إن لقيت رجلا " في رواية للبخاري " أني لقيت كافرا فأقتتلنا فضرب يدي فقطعها " وظاهرها أن ذلك وقع والذي في نفس الأمر بخلافه وإنما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع كما في حديث الباب
وفي لفظ للبخاري في غزوة بدربلفظ " أرأيت أن لقيت رجلا من الكفار " الحديث
قوله " ثم لاذمني بشجرة " أي التجأ إليها
وفي رواية للبخاري " ثم لاذ بشجرة " قوله " فقال أسلمت لله " أي دخلت في الإسلام
قوله : " فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله " قال الكرماني القتل ليس سببا لكون كل منها بمنزلة الآخر لكنه عند النحاة مؤول بالأخبار أي هو سبب لإخباري لك بذلك وعند البيانيين المراد لازمه
قوله : " وأنت بمنزلته قبل أن يقول كلمته " قال الخطابي معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم فإن قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحا بحق القصاص كالكافر بحق الدين وليس المراد الحاقه به في الكفر كما يقوله الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة وحاصله اتحاد المنزلتين مع أختلاف المأخذ أي أنه مثلك في صون الدم وأنك مثله في الهدر . ونقل ابن التين عن الداودي أن معناه أنك صرت قاتلا كما كان هو قاتلا وهذا من المعاريض لأنه أراد الإغلاظ بظاهر اللفظ دون باطنه وإنما أراد أن كلا منهما قاتل ولم يرد أنه صار كافرا بقتله إياه ونقل ابن بطال عن المهلب أن معناه أنك بقصدك لقتله عمدا آثم كما كان هو بقصده لقتلك آثما فأنتما في حالة واحدة من العصيان
وقيل المعني أنت عنده حلال الدم قبل أن يسلم كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك وقيل معناه أنه مغفورله بشهادة التوحيد كما أنك مغفور لك بشهادة بدر ونقل ابن بطال عن ابن القصار أن معنى قوله وأنت بمنزلته أي في إباحة الدم وإنما قصد بذلك ردعه وزجره عن قتله لأن الكافر إذا قال أسلمت حرم قتله وتعقب بأن الكافر مباح الدم والمسلم الذي قتله إن لم يتعمد قتله ولم يكن عرف أنه مسلم وإنما قتله متأولا فلا يكون بمنزلته في إباحة الدم
وقال القاضي عياض معناه أنه مثله في مخالفة الحق وارتكاب الأثم وإن اختلف النوع في كون أحدهما كفر أو الآخر معصية واستدل بهذا الحديث على صحة اسلام من قال أسلمت لله ولم يزد على ذلك
وقد ورد في بعض طرق الحديث " انه قال لا اله إلا الله " كما في صحيح مسلم
قوله : " فاجتووا المدينة " أي استوخموها
قوله " فأخذ مشاقص " جمع مشقص وقد تقدم تفسيره في باب من أطلع في بيت قوم مغلق عليهم بغير إذنهم وقد تقدم أيضا في الحج قوله " براجمه " جمع برجمة بضم الموحدة وسكون الراء وضم الجيم
قال في القاموس وهي المفصل الظاهر أو الباطن من الأصابع والأصبع الوسطى من كل طائر أو هي الأصابع كلها أو ظهور العصب من الأصابع أو رؤوس السلاميات إذا قبضت كفك نشزت وارتفعت اه
قوله : " فشخبت " بفتح الشين والخاء المعجمتين والباء الموحدة أي انفجرت يداه دما قوله " لن يصلح منك ما أفسدت " فيه دليل على أن من أفسد عضوا من أعضائه لم يصلح يوم القيامة بل يبقى على الصفة التي هي عليها عقوبة له

10 - وعن عبادة بن الصامت " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال وحوله عصابة من أصحابه بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيدكم ولا تعصوا في معروف فمن وفى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله أن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه فبايعناه على ذلك " وفي لفظ " فلا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق "

11 - وعن أبي سعيد " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال أنه قد قتل تسعة وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا فقتله فكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال أنه قتل مائة نفس فهل له من توبة فقال نعم من يحول بينك وبين التوبة إلى أرض كذا وكذا فإن بها اناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء فأنطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائبا مقبلا فقبله الله وقالت ملائكة العذاب إنه لم يعمل خيرا قط فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا من بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة "
- متفق عليهما

12 - وعن واثلة بن الأسقع قال " أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صاحب لنا أوجب يعني النار بالقتل فقال أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوا منه من النار "
- رواه أحمد وأبو داود

- حديث واثلة أخرجه أيضا النسائي وابن حبان والحاكم . قوله " وحوله عصابة " بفتح اللام على الظرفية . والعصابة بكسر العين الجماعة من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها وقد جمعت على عصائب وعصب
قوله : " بايعوني " المبايعة هنا عبارة عن المعاهدة سميت بذلك تشبيها بالمعارضة المالية كما في قوله تعالى { أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } قوله " ولا تقتلوا أولادكم " قال محمد بن إسماعيل التيمي وغيره خص القتل بالأولاد لأنه قتل وقطيعة رحم فالعناية بالنهي عنه آكد ولأنه كان شائعا فيهم وهو وأد البنات أو قتل البنين خشية الأملاق أو خصهم بالذكر لأنهم بصدد أن لا يدفعوا عن أنفسهم
قوله : " ولا تأتوا ببهتان " البهتان الكذب الذي يبهت سامعه وخص الأيدي والأرجل بالافتراء لأن معظم الأفعال يقع بهما إذا كانت هي العوامل والحوامل للمباشرة والسعي ولذا يسمون الصنائع الأيادي وقد يعاقب الرجل بجناية قولية فيقال هذا بما كسبت يداك ويحتمل أن يكون المراد لا تبهتوا الناس كفاحا وبعضكم شاهد بعضا كما يقول قلت كذا بين يدي فلان قال الخطابي وقد تعقب بذكر الأرجل وأجاب الكرماني بأن المراد الأيدي وذكر الأرجل للتأكيد ( ومحصله ) إن ذكر الأرجل إن لم يكن مقتضيا فليس بمانع ويحتمل أن يكون المراد بما بين الأرجل والأيدي القلب لأنه هو الذي يترجم اللسان عنه فلذلك نسب إليه الافتراء وقال أبو محمد بن أبي جمرة يحتمل أن يكون قوله بين أيديكم أي في الحال . وقوله وأرجلكم أي في المستقبل لأن السعي من أفعال الأرجل وقال غيره أصل هذا كان في بيعة النساء وكني به كما قال الهروي عن نسبة المرأة الولد الذي تزني به أو تلقطه إلى زوجها ثم لما استعمل هذا اللفظ في بيعة الرجال أحتيج إلى حمله على غير ما ورد فيه أولا
قوله : " ولا نعصوا في معروف " هو ما عرف من الشارع حسنه نهيا وأمرا قال النووي يحتمل أن يكون المراد ولا تعصوني ولا أحدا ولى الأمر عليكم في المعروف فيكون التقييد بالمعروف متعلقا بشيء بعده وقال غيره نبه بذلك على أن طاعة المخلوق إنما تجب فيما كان غير معصية لله فهي جديرة بالتوقي في معصية الله
قوله : " فمن وفى منكم " أي ثبت على العهد ولفظ وفي بالتخفيف وفي رواية بالتشديد وهما بمعنى
قوله : " فأجره على الله " هذا على سبيل التفخيم لأنه لما ذكر المبالغة المقتضية لوجود العوض أثبت ذكر الأجر وقد وقع التصريح في رواية في الصحيحين بالعوض فقال في الجنة
قوله : " ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو " أي العقاب كفارة له قال النووي عموم هذا الحديث مخصوص بقوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به } فالمرتد إذا قتل على ارتداده لا يكون القتل له كفارة
قال الحافظ وهذا بناء على أن قوله من ذلك شيئا يتناول جميع ما ذكر وهو ظاهر
وقد قيل يحتمل أن يكون المراد ما ذكر بعد الشرك بقرينة أن المخاطب بذلك المسلمون فلا يدخل حتى يحتاج إلى إخراجه ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأشعث عن عبادة في هذا الحديث ومن أتى منكم حدا إذ القتل على الشرك لا يسمى حدا ويجاب بأن خطاب المسلمين لا يمنع التحذير لهم من الإشراك
وأما كون القتل على الشرك لا يسمى حدا فإن أراد لغة أو شرعا فممنوع وإن أراد عرفا فذلك غير نافع فالصواب ما قاله النووي وقال الطيبي الحق أن المراد بالشرك الأصغر وهو الرياء ويدل عليه تنكير شيئا أي شركا أياما كان وتعقب بأن عرف الشارع إذا أطلق الشرك إنما يريد به ما يقابل التوحيد وقد تكرر هذا اللفظ في الكتاب والأحاديث حيث لا يراد به إلا ذلك
وقال القاضي عياض ذهب أكثر العلماء إلى أن الحدود كفارات واستدلوا بالحديث
ومن العلماء من وقف لأجل حديث أبي هريرة الذي أخرجه الحاكم في المستدرك والبزار من رواية معمر عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لا أدري الحدود كفارة لاهلها أم لا " قال الحافظ وهو صحيح على شرط الشيخين وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر وذكر الدارقطني أن عبد الرزاق تفرد بوصله وأن هشام بن يوسف رواه عن معمر فأرسله
وقد وصله الحاكم من طريق آدم بن أبي اياس عن ابن أبي ذئب فقويت رواية معمر قال القاضي عياض لكن حديث عبادة أصح إسنادا ويمكن الجمع بينهما أن يكون حديث أبي هريرة ورد أولا قبل أن يعلمه الله ثم أعلمه بعد ذلك وهذا جمع حسن لولا أن القاضي ومن تبعه جازمون بأن حديث عبادة المذكور كان بمكة ليلة العقبة لما بايع الأنصار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيعة الأولى بمنى وأبو هريرة إنما أسلم بعد ذلك بسبع سنين عام خيبر فكيف يكون حديثه متقدما ويمكن أن يجاب بأن أبا هريرة لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإنما سمعه من صحابي آخر كان سمعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قديما ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك أن الحدود كفارة كما سمع عبادة ولا يخفى ما في هذا من التعسف على انه يبطله أن أبا هريرة صرح بسماعه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأن الحدود لم تكن نزلت إذ ذاك ورجح الحافظ أن حديث عبادة المذكور لم يقع ليلة العقبة وإنما وقع في ليلة العقبة ما ذكره ابن إسحاق وغيره من أهل المغازي " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمن حضر من الأنصار أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم فبايعوه على ذلك وعلى أن يرحل إليهم هو وأصحابه " وقد ثبت في الصحيح من حديث عبادة أنه قال : " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره " الحديث ساقه البخاري في كتاب الفتن من صحيحه وأخرج أحمد والطبراني من وجه آخر عن عبادة أنها جرت له قصة مع أبي هريرة عند معاوية بالشام فقال يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة والنشاط والكسل وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول بالحق ولا نخاف في الله لومة لائم وعلى أن ننصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع به أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة الحديث
قال الحافظ والذي يقوي أن هذه البيعة المذكورة في حديث عبادة وقعت بعد فتح مكة بعد أن نزلت الآية التي في الممتحنة وهو قوله تعالى { يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك } ونزول هذه الآية متأخر بعد قصة الحديبية بلاخلاف والدليل على ذلك ما عند البخاري في كتاب الحدود في حديث عبادة هذا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما بايعهم قرأ الآية كلها وعنده في تفسير الممتحنة من هذا الوجه قال قرأ النساء . ولمسلم من طريق معمر عن الزهري قال فتلا علينا آية النساء قال " أن لا يشركن بالله شيئا " وللطبراني من هذا الحديث " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما بايع عليه النساء يوم الفتح " ولمسلم " أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما أخذ على النساء " فهذه أدلة ظاهرة في هذه البيعة إنما صدرت بعد نزول الآية بل بعد صدور البيعة بل بعد فتح مكة وذلك بعد اسلام أبي هريرة بمدة وقد أطال الحافظ في الفتح الكلام في كتاب الإيمان على هذا فمن رام الاستكمال فليراجعه ( وأعلم ) إن عبادة بن الصامت لم يتفرد برواية هذا المعنى بل روى ذلك على ابن أبي طالب وهو في الترمذي وصححه الحاكم وفيه " من أصاب ذنبا فعوقب به في الدنيا فالله فالله أكرم من أن يثني العقوبة على عبده في الآخرة " وهو عند الطبراني بإسناد حسن ولفظه من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارة له . وللطبراني عن ابن عمر مرفوعا " ما عوقب رجل على ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصيب من ذلك الذنب " قال ابن التين يريد بقوله فعوقب به أي بالقطع في السرقة والجلد أو الرجم في الزنا وأما قتل الولد فليس له عقوبة معلومة إلا أن يريد قتل النفس فكني عنه
وفي رواية الصنابحي عن عبادة في هذا الحديث ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولكن قوله في حديث الباب فعوقب بع هو أعم من أن تكون العقوبة حدا أو تعزيرا قال ابن التين وحكى عن القاضي إسماعيل وغيره أن قتل القاتل إنما هو إرداع لغيره وأما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لأنه لم يصل إليه حق
قال الحافظ بل وصل إليه حق وأي حق فإن المقتول ظلما تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ورد في الخبر الذي صححه ابن حبان أن السيف محاء للخطايا
وروى الطبراني عن ابن مسعود قال إذا جاء القتل محا كل شيء وللطبراني أيضا عن عن الحسن بن علي نحوه . وللبزار عن عائشة مرفوعا لا يمر القتل بذنب إلا محاهفلولا القتل ما كفرت ولو كان حد القتل إنما شرع للإرداع فقط لم يشرع العفو عن القاتل ويستفاد من الحديث أن إقامة الحد كفارة للذنب ولو لم يتب المحدود
قال في الفتح وهو قول الجمهور وقيل لا بد من التوبة وبذلك جزم بعض التابعين وهو قول المعتزلة ووافقهم ابن حزم ومن المفسرين البغوي وطائفة يسيرة
قوله : " فهو إلى الله " قال المازرى فيه رد على الخوارج الذين يكفرون بالذنوب ورد على المعتزله الذين يوجبون تعذيب الفلسق إذا مات بلا توبة لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرنا بأنه تحت المشيئة ولم يقل لابد أن يعذبه وقال الطيبي فيه إشارة إلى الكف عن الشهادة بالنار على أحد أو بالجنة لأحد إلا من ورد النص فيه بعينه
قوله " إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه " يشمل من تاب من ذلك ومن لم يتب وغلى ذلك ذهبت طائفة وذهب الجمهور إلى أن من تاب لا يبقى عليه مؤاخذة ومع ذلك لا يأمن من مكر الله لأنه لا إطلاع له هل قبلت توبته أم لا وقيل يفرق بين ما يجب فيه الحد وما لا يجب
قوله : " انطلق إلى أرض كذا وكذا " الخقال العلماء في هذا استحباب مفارقة التائب للمواضع التي أصاب بها الذنوب والأخدان المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم وأن يستبدل بهم صحبة الخير والصلاح والمتعبدين الورعين
قوله : " نصف الطريق " هو بتخفيف الصاد أي بلغ نصفها كذا قال النووي
قوله : " فقال قيسوا ما بين الأرضين " هذا محمول على أن الله أمرهم عند اشتباه الأمر عليهم واختلافهم فيه أن يحكموا رجلا يمر بهم فمر الملك في صورة رجل فحكم بذلك
وقد استدل بهذا الحديث على قبول توبة القاتل عمدا
قال النووي هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر والتورية لا إنه يعتقد بطلان توبته وهذا الحديث وإن كان شرع من قبلنا وفي الاحتجاج به خلاف فليس هذا موضع الخلاف وإنما موضعه إذا لم يرد شرعنا بموافقته وتقديره فإن ورد كان شرعنا لنا بلا شك وهذا قد ورد شرعنا به وذلك قوله تعالى { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس } إلى قوله { إلا من تاب } الآية وأما قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها " فقال النووي في شرح مسلم إن الصواب في معناها أن جزاءه جهنم فقد يجازى بذلك وقد يجازى بغيره وقد لا يجازى بل يعفى عنه فإن قتل عمدا مستحلا بغير حق ولا تأويل فهو كافر مرتد يخلد في جهنم بالإجماع وإن كان غير مستحل بل معتقدا تحريمه فهو فاسق عاص مرتكب كبيرة جزاؤها جهنم خالدا فيها وكن تفضل الله تعالى وأحبر أنه لا يخلد من مات موحدا فيها فلا يخلد هذا وكن قد يعفى عنه ولا يدخل النار أصلا وقد لا يعفى عنه بل يعذب كسائر عصاة الموحدين ثم يخرج معهم إلى الجنة ولا يخلد في النار قال فهذا هو الصواب في معنى الآية ولا يلزم من كونه يستحق أن يجازى بعقوبة مخصوصة أن يتحتم ذلك الجزاء وليس في الآية إخبار بأنه يخلد في جهنم وإنما فيها أنها جزاؤه أي يستحق أن يجازى بذلك وقد وردت الآية في رجل بعينه وقيل المراد بالخلود طول المدة لا الدوام وقيل معناها هذا جزاؤه أن جازاه وهذه الأقوال كلها ضعيفة أو فاسدة لمخالفتها حقيقة لفظ الآية ثم قال فالصواب حقيقة ما قدمناه اه كلام النووي . وينبغي أن نتكلم أولا في معنى الخلود ثم نبين ثانيا الجمع بين هذه الآية وما خالفها فنقول معنى الخلود الثبات الدائم قال في الكشاف عند الكلام على قوله تعالى { ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون } ما لفظه . والخلد الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع قال الله تعالى { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون } وقال أمرؤ القيس ألا أنعم صباحا أيها الطل البالي وهل ينعمن من كان في العصر الخالي وهل ينعمن إلا سعيد مخلد قليل الهموم لا يبيت على حال
اه
وقال في القاموس وخلد خلودا دام اه وأما بيام الجمع بين هذه الآية وما خالفها فنقول لا نزاع أن قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا } من صيغ العموم الشاملة للتائب وغير التائب بل للمسلم والكافر والاستثناء المذكور في آية الفرقان أعني قوله تعالى { إلا من تاب } بعد قوله تعالى { ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق } مختص بالتائبين فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا } إلا على ما هو المذهب الحق من أنه ينبني العام على الخاص مطلقا تقدم أو تأخر أو قارن فظاهر وأما على مذهب من قال أن العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم فإذا سلمنا تأخر قوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا } على آية الفرقان فلا نسلم تأخرها عن العمومات القاضية بأن القتل مع التوبة من جملة ما يغفر الله كقوله تعالى { يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله أن الله يغفر الذنوب جميعا } وقوله تعالى { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } ومن ذلك ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه } وما أخرجه الترمذي وصححه من حديث صفوان بن عسال قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باب من قبل المغرب يسير الراكب في عرضه أربعين أو سبعين سنة خلقه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض مفتوح للتوبة لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها
وأخرج الترمذي أيضا عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أن الله عز و جل يقبل توبة العبد ما لم يغرغر " وأخرج مسلم من حديث أبي موسى { أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال أن الله عز و جل يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها } ونحو هذه الأحاديث مما يطول تعداده ( لا يقال ) إن هذه المعلومات مخصصة بقوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } الآية . لأنا نقول الآية أعم من وجه وهو شمولها للتائب وغيره وأخص من وجه وهو كونها في القاتل وهذه العمومات أعم من وجه وهو شمولها لمن كان ذنبه القتل ولمن كان ذنبه غير القتل وأخص من وجه وهو كونها في التائب وإذا تعارض عمومان لم يبق إلا الرجوع إلى الترجيح ولا شك أن الأدلة القاضية بقبول التوبة مطلقا أرجح لكثرتها وهكذا أيضا يقال أن الأحاديث القاضية بخروج الموحدين من النار وهي متواترة المعني كما يعرف ذلك من له المام بكتب الحديث تدل على خروج كل موحد سواء كان ذنبه القتل أو غيره والآية القاضية بخروج من قتل نفسا هي أعم من أن يكون القاتل موحدا أو غير موحد فيتعارض عمومان وكلاهما ظني الدلالة
ولكن عموم آية القتل قد عورض بما سمعته بخلاف أحاديث خروج الموحدين فإنها إنما عورضت بما هو أعم منها مطلقا كآيات الوعيد للعصاة الدالة على الخلود الشاملة للكافر والمسلم ولا حكم لهذه المعارضة أو بما هو أخص منها مطلقا كالأحاديث القاضية بتخليد بعض أهل المعاصي نحو من قتل نفسه وهو يبني العام على الخاص وبما قررناه يلوح لك انتهاض القول بقبول توبة القاتل إذا تاب وعدم خلوده في النار إذا لم يتب ويتبين لك أيضا أنه لا حجة فيما احتج به ابن عباس من أن آية الفرقان مكية منسوخة بقوله تعالى { ومن يقتل مؤمنا متعمدا } الآية كما أخرج ذلك عنه البخاري ومسلم وغيرهما وكذلك لا حجة له فيهما أخرجه النسائي والترمذي عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " يجيء المقتول متعلقا بالقاتل يوم القيامة ناصيته ورأسه بيده وأوداجه تشخب دما يقول يا رب قتلني هذا حتى يدنيه من العرش " وفي رواية للنسلئي " فيقول أي رب سل هذا فيما قتلني " لأن غاية ذلك وقوع المنازعة بين يدي الله عز و جل وذلك لا يستلزم أخذ التائب بذلك الذنب ولا تخليده في النار على فرض عدم التوبة والتوبة النافعة ههنا هي الاعتراف بالقتل عند الوارث إن كان له وارث أو السلطان إن لم يكن له وارث والندم عن ذلك الفعل والعزم على ترك العود إلى مثله لا مجرد الندم والعزم بدون اعتراف وتسليم للنفس أو الدية إن اختارها مستحقها لأن حق الآدمي لا بد فيه من أمر زائد على حقوق الله وهو تسليمه أو تسليم عوضه بعد الاعتراف به ( فإن قلت ) فعلام تحمل حديث أبي هريرة وحديث معاوية المذكورين في أول الباب فإن الأول يقضي بأن القاتل أو المعين على القتل ياقى الله مكتوبا بين عينيه الإياس من الرحمة والثاني يقضي بأن ذنب القتل لا يغفره الله . قلت هما محمولان على عدم صدور التوبة من القاتل والدليل على هذا التأويل ما في الباب من الأدلة القاضية بالقبول عموما وخصوصا واو لم يكن من ذلك إلا حديث الرجل القاتل للمائة التي تنازعت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب . وحديث عبادة بن الصامت المذكور قبله فإنهما يلجئان إلى المصير إلى ذلك اليأويل ولا سيما مع ما قدمنا من تأخر تاريخ حدبث عبادة ومع كون الحديثين في الصحيحين بخلاف حديث أبي هريرة و معاوية وأيضا في حديث معاوية نفسه ما يرشد إلى هذا التأويل فإنه جعل الرجل القاتل عمدا مقترنا بالرجل الذي يموت كافرا ولا شك أن الذي يموت كافرا مصرا على ذنبه غير تائب من المخلدين في النار فيستفاد من هذا التقييد أن التوبة تمحو ذنب الكفر فيكون ذلك القرين الذي هو القتل أولى بقبولها
وقد قال العلامة الزمخشري في الكشلف أن هذه الآية يعني قوله { ومن يقتل مؤمنا } فيها من التهديد والإيعاد والإبراق والإرعاد أمر عظيم وخطب غليظ قال ومن ثم روى عن ابن عباس ما روى من أن توبة قاتل المؤمن عمدا غير مقبولة . وعن سفيان كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا لا توبة له وذلك محمول منهم على الاقتداء بسنة الله في التغليظ والتشديد وإلا فكل ذنب ممحو بالتوبة وناهيك بمحو الشرك دليلا ثم ذكر حديث " لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم " وهو عند النسائي من حديث بريدة . وعند ابن ماجه من حديث البراء . وعند النسائي أيضا من حديث ابن عمر
وأخرجه أيضا الترمذي
وأما حديث وائلة بن الأسقع الذي ذكره المصنف في الرجل الذي أوجب على نفسه النار بالقتل فأمرهم صلى الله عليه وآله وسلم بأن يعتقوا عنه فهو من أدلة قبول توبة القاتل عمدا ولا بد من حمله على التوبة فإذا تاب القاتل عمدا فإنه يشرع له التفكير لهذا الحديث وهو دليل على ثبوت الكفارة في قتل العمد كما ذهب إليه الشافعي وأصحابه . ومن أهل البيت القاسم والهادي والمؤيد بالله والإمام يحيى وقد حكى في البحر عن الهادي عدم الوجوب في العمد ولكنه نص في الأحكام والمنتخب على الوجوب فيه وهذا إذا عفى عن القاتل أو رضي الوارث بالدية وأما إذا اقتص منه فلا كفارة عليه بل القتل كفارته لحديث عبادة المذكور في الباب . ولما أخرجه أبو نعيم في المعرفة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال القتل كفارة " وهو من حديث خزيمة بن ثابت وفي إسناده ابن لهيعة قال الحافظ لكنه من حديث ابن وهب عنه فيكون حسنا . ورواه الطبراني في الكبير عن الحسن بن علي موقوفا عليه
وأما الكفارة في قتل الخطأفهي واجبة بالإجماع وهو نص القرآن الكريم

باب دية النفس وأعضائها ومنافعها

1 - عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتب إلى أهل اليمن كتابا وكان في كتابه أن من اعتبط مؤمناقتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضي أولياء المقتول وأن في النفس الدية مائة من الإبل وأن في الأنف إذا أوعب جدعه الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل الواحدة نصف الدية وفي المأمومة ثلث الدية وفي المنقلة خمسة عشرمن الإبل وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل وفي السن خمس من الإبل وفي الموضحة خمس من الإبل وأن الرجل يقتل بالمرأة وعلى أهل الذهب ألف دينار "
- رواه النسائي
وقال وقد روى هذا الحديث يونس عن الزهري مرسلا

- الحديث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبار وابن الجارود والحاكم والبيهقي موصولا
وأخرجه أيضا أبو داود في المراسيل وقد صححه جماعة من أئمة الحديث منهم أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقي وقد قدمنا بسط الكلام عليه واختلاف الحفاظ فيه في باب قتل الرجل بالمرأة
قوله : " من اعتبط " بعين مهملة فمثناة فوقية فموحدة فطاء مهملة وهو القتل بغير سبب موجب وأصله من اعتبط الناقة إذا ذبحها من غير مرض ولا داء فمن قتل مؤمنا كذلك وقامت عليه البينة بالقتل وجب عليه القود إلا أن يرضي أولياء المقتول بالدية أو يقع منهم العفو
قوله : " وإن في النفس مائة من الإبل " الاقتصار على هذا النوع من أنواع الديةيدل على أنه الأصل في الوجوب كما ذهب إليه الشافعي ومن أهل البيت القاسم بن إبراهيم قالا وبقية الأصناف كانت مصالحة لا تقديرا شرعيا
وقال أبو حنيفة وزفر والشافعي قي قوله له بل هي من الإبلللنص ومن النقدين تقويما إذ هما قيم المتلفات وما سواهما صلح وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الدية من الإبلمائة ومن البقر مائتان ومن الغنم ألفان ومن الذهب ألف مثقال واختلفوا في الفضة الهادي والمؤيد بالله إلى أنها عشرة آلاف درهم وذهب مالك والشافعي في قوله له إلى أنها إثني عشر ألف درهم
قال زيد بن علي والناصر أو مائتا حلة الحلة إزار ورداء أو قميص وسراويل وستأتي أدلة هذه الأقوال في باب أجناس الدية وسيأتي أيضا الخلاف في صفة الإبل وتنوعها
قوله : " وإن في الأنف إذا أوعب جدعه الدية " بضم الهمزة من أوعب على البناء للمجهول أي قطع جميعه وفي هذا دليل على أنه يجب في قطع الأنف جميعه الدية قال في البحر فصل والأنف مركبة من قصبة ومارن وأرنبة وروثة وفيها الدية إذا استؤصلت من أصل القصبة إجماعا ثم قال فرع قال الهاديوفي كل واحد من الأربع حكومة وقال الناصر والفقهاء بل في المارن وفي بعض حصته وأجاب عن ذلك بأن المارن وحده لا يسمى أنفا وإنمار الدية في الأنف ورد بما رواه الشافعي عن طاوس أنه قال عندنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي النف إذا قطع مارنه مائة من الإبل
وأخرج البيهقي من حديث عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده قال " قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا جدعت ثندوة الأنف بنصف الفقل خمسون من الإبل وعدلها من الذهب والورق "
قال في النهاية أراد بالثندوة هنا روثة الأنف وهي طرفه ومقدمه اه . وإنما قال أراد بالثندوة هنا لأنها في الأصل لحم الثدي أواصله على ما في القاموس وفي القاموس أيضا أن المارن الأنف أو طرفه أو ما لان منه وفيه أن الأرنبة طرف الأيف وفيه أيضا أن الروث طرف الأرنبة قال في البحر فرع فإن قطع الأرنبة وهي الغضروف الذي يجمع المنخرين ففيه الدية إذ هو زوج كالعينين وفي الوترة حكومة وهي الحاجزة بين المنخرين وفي إحداهما نصف الدية وفي الحاجز حكومة فإن قطع المارن والقصبة أو المارن والجلدة التي تحته لزومت دية وحكومة اه والوترة هي الوتيرة
قال في القاموس وهي حجاب ما بين المنخرين
قوله : " وفي اللسان الدية " فيه دليل على أن الواجب في اللسان إذا قطع جميعه الدية
وقد حكى صاحب البحر الإجماع على ذلك قال فإن جنى ما أبطل كلامه فدية أبطل بعضه فحصته ويعتبر بعدد الحروف وقيل بعدد حروف اللسان فقط وهي ثمانية عشر حرفا لا بما عداها واختلف في لسان الأخرس إذا قطعت فذهب الأكثر إلى أنها يجي فيها حكومة فقط وذهب النخعي إلى أنها يجب فيها دية
قال " وفي الشفتين الدية " إلى هذا ذهب جمهور أهل العلم وقيل إنه مجمع عليه قال في البحر وحدهما من تحت المنخرين إلى منتهى الشدقين في عرض الوجه ولا فضل لأحدهما على الأخرى عند أبي حنيفة والشافعي والناصر والهادوية . وذهب زيد بن ثابت إلى أن دية العليا ثلث والسفلى ثلثان ومثله في المنتخب قال في البحر إذ منافع السفلى أكثر للجمال والإمساك يعني للطعام والشراب وأجاب عنه بقوله صلى الله عليه وآله وسلم " وفي الشفتين الدية " ولم يفصل ولا يخفي أن غاية ما في هذا أنه يجب في المجموع دية وليس ظاهرا في أن لكل واحدة نصف دية حتى يكون ترك الفصل منه صلى الله عليه وآله وسلم مشعرا بذلك ولا شك أن في السفلى نفعا زائدا على النفع الكائن في العليا ولو لم يكن إلا الإمساك للطعام والشراب على فرض الاستواء في الجمال
قوله " وفي البيضتين الدية " وفي رواية " وفي الأنثيين الدية " ومعناهما ومعنى البيضتين واحد كما في الصحاح والضياء والقاموس . وذكر في الغيث أن الأنثيين هما الجلدتان المحيطتان بالبيضتين فينظر في أصل ذلك فإن كتب اللغة على خلافه وقد قيل أن وجوب الدية في البيضتين مجمع عليه وذهب الجمهور إلى أنه الواجب في كل واحدة نصف الدية وحكى في البحر عن علي عليه السلام أن في اليسرى ثلثي الدية إذ النسل منها وفي اليمنى ثلثها وروي نحو ذلك عن سعيد بن المسيب
قوله : " وفي الذكر الدية " هذا مما لا يعرف فيه خلاف بين أهل العلم وظاهر الدليل عدم الفرق بين ذكر الشاب والشيخ والصبي كما صرح به الشافعي والإمام يحيى أما ذكر العنين والخصى فذهب الجمهور إلى أن فيه حكومة وذهب البعض إلى أن فيه الدية إذ لم يفصل الدليل
قوله : " وفي الصلب الدية " قال في القاموس الصلب بالضم وبالتحريك عظم من لدن الكاهن إلى العجب اه ولا أعرف خلافا في وجوب الدية فيه وقد قيل المراد بالصلب هنا هو ما في الجدول المنحدر من الدماغ لتفريق الرطوبة في الأعضاء لانفس المتن بدليل ما رواه ابن المنذر عن علي عليه السلام أنه قال في الصلب الدية إذا منع من الجماع هكذا في ضوء النهار والأولي حمل الصلب في كلام الشارع على المعنى اللغوي وعلى فرض صلاحية قول علي لتقييد ما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم فليس من لازمه تفسير الصلب بغير المتن بل غايته أن يعتبر مع كسر المتن زيادة وهي الإفضاء إلى منع الجماع لا مجرد الكسر مع إمكان الجماع
قوله : " وفي العينين الدية " هذا مما لا أعرف فيه خلافا بين أهل العلم وكذلك لا يعرف الخلاف بينهم في أن الواجب في كل عين نصف الدية وإنما أختلفوا في عين الاعور فحكي في البحر عن الأوزاعي والنخعي والعترة والحنفية والشافعية أن الواجب فيها نصف الدية إذا لم يفصل الدليل . وحكي أيضا عن علي عليه السلام وعمر وابن عمر والزهري ومالك والليث وأحمد وأسحق أن الواجب فيها دية كاملة لعماه بذهابها . وأجاب عنه بأن الدليل لم يفصل وهو الظاهر ثم حكي أيضا عن العترة والشافعية والحنفية أنه يقتص من الأعور إذا أذهب عين من له عينان وخالف في ذلك أحمد بن حنبل والظاهر ما قاله الأولون
قوله : " وفي الرجل الواحدة نصف الدية " هذا أي أيضا مما لا أعرف فيه خلافا وهكذا لا خلاف في أن في اليدين دية كاملة
قال في البحر وحد موجب الدية مفصل الساق واليدان كالرجلين بلا خلاف والحد الموجب للدية من الكوع كما حكاه صاحب البحر عن العترة وأبي حنيفة والشافعي فإن قطعت اليد من المنكب أو الرجل من الركبة ففي كل واحدة منها نصف دية وحكومة عند أبي حنيفة ومحمد والقاسمية والمؤيد بالله وعند أبي يوسف والشافعي في قول له أنه يدخل الزائد على الكوع ومفصل الساق في دية اليد والرجل فلا تجب حكومة لذلك :
قوله " وفي المأمومة ثلث الدية " هي الجناية البالغة أم الدماغ وهو الدماغ أو الجلدة الرقيقة التي عليه كما حكاه صاحب القاموس وإلى إيجاب ثلث الدية فقط في المأمومة ذهب علي وعمر والحنفية والشافعية وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يجب مع ثلث الدية حكومة لغشاوة الدماغ . وحكى ابن المنذر الإجاع على أنه يجب في المأمومة ثلث الدية إلا عن مكحول فإنه قال يجب الثلث مع الخطأ والثلثان مع العمد
قوله : " وفي الجائفة ثلث الدية " قال في القاموس الجائفة هي الطعنة التي تبلغ الجوف أو تنفذه ثم فسر الجوف بالبطن
وقال في البحر هي ما وصل جوف العضو من ظهر أو صدر أو ورك أو عنق أو ساق أو عضد مما له جوف وهكذا في الانتصار وفي الغيث أنها ما وصل الجوف وهو من ثغرة النحر إلى المثانة اه . وهذا هو المعروف عند أهل العلم والمذكور في كتب اللغة . وإلى وجوب ثلث الدية في الجائفة ذهب الجمهور وحكى في نهاية المجتهد الإجماع على ذلك
قوله : " وفي المنقلة خمسة عشر من الأبل " في رواية " خمس عشرة " قال في القاموس هي الشجة التي ينقل منها فراش العظام وهي قشور تكون على العظم دون اللحم وفي النهاية إنها التي تخرج صغار العظام وتنتقل عن أماكنها وقيل التي تنقل العظم أي تكسره وقد حكى صاحب البحر القول بإيجاب خمس عشرة ناقة عن علي وزيد بن ثابت والعترة والفريقين يعني الشافعية والحنفية
قوله : " وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل " هذا مذهب الأكثرين وروي عن عمر أنه كان يجعل في الخنصر ستا من الإبل وفي البنصر تسعا وفي الوسطى عشرا وفي اسبابة اثنتي عشرة وفي الإبهام ثلاث عشرة ثم روي عنه الرجوع عن ذلك وروي عن مجاهد أنه قال في الإبهام خمس عشرة وفي التي تليها عشر وفي الوسطى عشر وفي التي تليها ثمان وفي الخنصر سبع وهو مردود بحديث الباب وبما سيأتي قريبا من حديث أبي موسى وعمرو بن شعيب وذهبت الشافعية والحنفية والقاسمية إلى أن في كل أنملة ثلث دية الأصبع إلا أنملة الإبهام ففيها النصف وقال مالك بل الثلث
قوله : " وفي السن خمس من الإبل " ذهب إلى هذا جمهور العلماء . وظاهر الحديث عدم الفرق بين الثنايا والأنياب والضروس لأنه يصدق على كل منها أنه سن
وروي عن علي أنه يجب في الضرس عشر من الأبل وروي عن عمر وابن عباس أنه يجب في كل ثنية خمسون دينارا وفي الناجذ أربعون وفي الناب ثلاثون وفي كل ضرس خمسة وعشرون
وروى مالك والشافعي عن عمران في كسر الضرس جملا قال الشافعي وبه أقول لانى لا أعلم له مخالفا من الصحابة وفي قول للشافعي في كل سن خمس من الإبل ما لم يزد على دية النفس وإلا كفت في جميعها دية وأجاب عنه في البحر بأنه خلاف الإجماع ورد بأنه لا وجه للحكم بمخالفة الإجماع لاختلاف الناس في دية الأسنان وسيأتي قريبا ما يدل على أن جميع الأسنان مستوية قوله " وفي الموضحة خمس من الإبل " هي التي تكشف العظم بلا هشم وقد ذهب إلى إيجاب الخمس في الموضحة الشافعية والحنفية والعترة وجماعة من الصحابة وروي عن مالك أن الموضحة إن كانت في الأنف أو اللحى الأسفل فحكومة وإلا فخمس من الإبل . ذهب سعيد بن المسيب إلى أنه يجب في الموضحة عشر الدية وذلك عشر من الإبل وتقدير أرش الموضحة المذكورة في الحديث إنما هو في موضحة الرأس والوجه لا موضحة ما عداهما من البدن فأنها على النصف من ذلك كما هو المختار لمذهب الهادوية وكذلك الهاشمية والمنقلة والدامية وسائر الجنايات وحكى في البحر عن الإمام يحيى أن الموضحة والهاشمة والمنقلة إنما إرشدها المقدر في الرأس وفيها في غيره حكومة وقيل بل البدن لحصول معناها حيث وقعت
قال في البحر وهو الأقرب للمذهب لكن ينسب العضو قياسا على الرأس ففي الموضحة نصف عشر دية ما هي فيه اه وحكى في البحر أيضا في موضع آخر عن الإمام يحيى والقاسمية وأحد قولي الشافعي أن في الموضحة ونحوها في غير الرأس حكومة إذا لم يقدر الشرع أرشها إلا فيه وحكى الشافعي في قول له أن الحكم واحد قال الإمام يحيى وهو غير بعيد إذا لم يفصل الخبر اه وهو يستفاد أيضا من العموم المستفاد من تحلية الموضحة بالالف واللام وأخرج البيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أبا بكر وعمر قالا في الموضحة في الوجه والرأس سواء
وأخرج البيهقي أيضا عن سليمان بن يسار نحو ذلك
قوله : " وإن الرجل يقتل بالمرأة " قد تقدم الكلام على هذا مبسوطا
قوله : " وعلى أهل الذهب ألف دينار " فيه دليل لمن جعل الذهب من أنواع الدية الشرعية كما سلف

2 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى في الأنف إذا جدع كله بالعقل كاملا وإذا جدعت أرنبته فنصف العقل وقضي في العين نصف العقل والرجل نصف العقل واليد نصف العقل والمأمومة ثلث العقل والمنقلة خمسة عشر من الإبل "
- رواه أحمد . ورواه أبو داود وابن ماجه ولم يذكرا فيه العين ولا المنقلة

3 - وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " هذه وهذه سواء يعني الخنصر والبنصر والإبهام "
- رواه الجماعة إلا مسلما
وفي رواية قال " دية أصابع اليدين والرجلين سواء عشر من الإبل لكل أصبع " . رواه الترمذي وصححه

4 - وعن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال الإسنان سواء الثنية والضرس سواء "
- رواه أبو داود وابن ماجه

5 - وعن أبي موسى " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في الأصابع بعشر عشر من الإبل "
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي

6 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل أصبع عشر من الإبل وفي كل سن خمس من الإبل والإصابع سواء والأسنان سواء "
- رواه الخمسة إلا الترمذي

7 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال في المواضح خمس خمس من الإبل "
- رواه الخمسة

8 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في العين العوراء السادة لمكانها إذا نزعت بثلث ديتها "
- رواه النسائي . ولأبي داود منه " قضى في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية

9 - وعن عمر بن الخطاب " أنه قضى في رجل ضرب رجلا فذهب سمعه وبصره ونكاحه وعقله بأربع ديات
- ذكره أحمد بن حنبل في رواية أبي الحرث وابنه عبد الله

- حديث عمرو بن شعيب الأول في اسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد تكلم فيه جماعة من أهل العلم ووثقه جماعة ولفظ أبي داود " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأنف إذا جدع الدية كاملة وإن جدعت ثندوته فنصف العقل خمسون من الإبل أو عدلها من الذهب أو الورق أو مائة بقرة أو ألف شاة وفي اليد إذا نصف العقل وفي الرجل نصف العقل وفي المأمومة ثلث العقل ثلاث وثلاثون وثلث أو قيمتها من الذهب أو الورق أو البقر أو الشاة والجائفة مثل ذلك وفي الأصابع في كل أصبع عشر من الإبل " وهو حديث طويل وحديث ابن عباس الثاني أخرجه أيضا التزار وابن حبان ورجال اسناده رجال الصحيح . وحديث أبي موسى أخرجه أيضا ابن حبان وابن ماجة وسكت عنه أبو داود والمنذري وإسناده لابأس به وحديث عمرو بن شعيب الثاني سكت عنه أبو داود والمنذري وصاحب التلخيص ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثفات . وحديثه الثالث أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن الجارود وصححاه . وحديثه الرابع سكت عنه أبو داود والنسائي ورجال إسناده إلى عمرو بن شعيب ثقات . وأثر عمر أخرجه أيضا ابن شيبة عن خالد عن عوف سمعت شيخا في زمن الحاكم وهو ابن المهلب عم أبي قلابة قال رمى رجل رجلا بحجر في رأسه في زمن عمر فذهب سمعه وبصره وعقله وذكره فلم يقرب النساء فقضي عمر فيه بأربع ديات وهو حي وقدمنا الكلام المتعلق بفقه أكثر هذه الأحاديث في شرح حديث عمرو بن حزم المذكور في أول الباب ونتكلم الآن على ما لم يذكر هنا لك
قوله : " فنصف العقل " أي الدية
قوله : " هذه وهذه سواء " الخ هذا نص صريح يرد القول بالتفاضل بين الأصابع ولا أعرف مخالفا من أهل العلم لما يقضيه إلا ما روي عن عمر ومجاهد وقد قدمنا أنه روي عن عمر الرجوع
قوله : " الأسنان سواء " هذه جملة مستقلة لفظ الأسنان فيها مبتدأ ولفظ سواء وإنما تعرضنا لمثل هذا مع وضوحه لأنه ربما ظن أن سواء الأولي بمعني غير وأن الخبر عن الأسنان هو سواء الثانية ويكون التقدير الأسنان غير الثنية والضرس سواء ولا شك أن هذا غير مراد بل المراد الحكم على جميع الأسنان التي يدخل تحتها الثنية والضرسإنما هو لدفع توهم عدم دخولهما تحت الأسنان ولهذا أقتصر في الرواية الثانية على قوله الأسنان سواء وبهذا يندفع قول من ذهب إلى تفضيل الثنية والضرس من الصحابة وغيرهم وقول من حكم في الأسنان بأحكام مختلفة كما سلف
قوله : " قضى قي العين العوراء السادة لمكانها " أي الباقية التي لم يذهب إلا نورها والمراد بالطمس ذهاب جرمها وإنما وجب فيها ثلث دية دية العين الصحيحة لأنها كاتن بعد ذهاب بصرها باقية الجمال فإذا قلعت أو فقئت ذهب ذلك
قوله : " وفي اليد الشلاء " الخ هي التي لا نفع فيها وإنما وجب فيها ثلث دية الصحيحة لذهاب الجمال أيضا
قوله : " وفي السن السوداء " الخ نفع السن السوداء باق وإنما ذهب منها مجرد الجمال فيكون على هذا التقدير ذهاب النفع كذهاب الجمال وبقاؤه فقط كبقائه وحده قال في البحر مسألة وإذا اسود السن وضعف ففيه الدية لذهاب الجمال والمنفعة ولقول علي عليه السلام إذا اسودت فقد تم عقلها أي ديتها فإن لم تضعف فحكومة وقال الناصر وزفر وكذا لو اصفرت أو احمرت وقيل لا شيء في الاصفرار إذ أكثر الأسنان كذلك قلنا إذا لم يحصل بجناية اه
قوله : " بأربع ديات " فيه دليل على أنه يجب في كل واحد من الأربعة المذكورة دية عند من يجعل قول الصحابي حجة وقد استدل بها صاحب البحر ةزعم أنه لم ينكره أحد من الصحابة فكان إجماعا وقد قال الحافظ ابن حجر في التلخيص أنه وجد في حديث معاذ في السمع الدية قال وقد رواه البيهقي من طريق قتادة عن ابن المسيب عن علي رضي الله عنه وقد زعم الرافعي أنه ثبت في حديث معاذ أنه في البصر الدية
قال الحافظ لم أجدهوروى البيهقي من حديث معاذ في العقل الدية وسنده ضعيف
قال البيهقي وروينا عن عمر وعن زيد بن ثابت مثله
وقد زعم الرفاعي أن ذلك في حديث عمر بن حزم وهو غلط
وأخرج البيهقي عن زيد من أسلم بلفظ " مضت السنة في أشياء من الإنسان إلى أن قال وفي اللسان الدية وفي الصوت إذا انقطع الدية "
والحاصل أنه قد وردالنص بإيجاب الدية فيبعض الحواس الخمس الظاهرة كما عرفت ويقاس ما لم يرد فيه نص منها على ما ورد فيه وقد قيل أنها تجب الدية في ذهاب القول بغير قطع اللسان فياس على السمع بجامع فوات القوة والأولى التعويل على النص المذكور في حديث زيد بن مسلم وأما ذهاب النكاح فيمكن أن يستدل لإيجاب الدية فيه بالقياس على سلس البول فإنه قد روى محمد بن منصور بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن علي أنه قضي بالدية لمن ضرب حتى سلس بوله والجامع ذهاب القوة ولكن هذا على القول بحجية قول علي عليه السلام قال في البحر وفي إبطال مني الرجل بحيث لا يقع منه حمل دية كاملة إذ هو إبطال منفعة كانلة كالشلل ويخالف مني المرأة ولبنها ففيهما حكومة إذ يطرأ ويزول بخلافه من الرجل فيستمر وإذا انقطع لم يرجع اه وهذا إذا كان ذهاب النكاح بغير قطع الذكر أو الأنثيين فإن كان بذلك دخلت ديته في دية ذلك المقطوع وهكذا ذهاب البصر إذا كان بغير قلع العينين أوفقئها وإلا وجبت الدية للعينين ولا شيء لذهابه وهكذا السمع لو ذهب بقطع الأذنين

باب دية أهل الذمة

1 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال عقل الكافر نصف دية المسلم "
- رواه أحمد والنسائي والترمذي
وفي لفظ " قضي أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين وهم اليهود والنصارى " . رواه أحمد والنسائي وابن ماجه
وفي رواية " كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانمائة دينار وثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلم قال وكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال إن الإبل قد غلت قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق إثني عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة قال وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية " . رواه أبو داود

2 - وعن سعيد بن المسيب قال " كان عمر يجعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف والمجوسي ثمانمائة "
- رواه الشافعي والدارقطني

- حديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي وصححه ابن الجارود . وأثر عمر أخرجه أيضا البيهقي وأخرج ابن حزم في الإيصال من طريق ابن لهيعة عن يزيد بن حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال دية ثمانمائة درهم " وأخرجه أيضا الطحاوي وابن عدي والبيهقي وإسناده ضعيف من أجل ابن لهيعة وروى البيهقي عن ابن مسعود وعلي عليه السلام إنهما كانا يقولان في دية المجوسي ثمانمائة درهم
وفي إسناده ابن لهيعة
وأخرج البيهقي أيضا عن عقبة بن عامر نحوه وفيه أيضا ابن لهيعة وروي نحو ذلك ابن عدي والبيهقي والطحاوي عن عثمان وفيه ابن لهيعة
قوله : " عقل الكافر نصف دية المسلم " أي دية الكافر نصف دية المسلم فيه دليل على أن دية الكافر الذمي نصف دية المسلم وإليه ذهب مالك وذهب الشافعي والناصر إلى أن دية الكافر أربعة آلاف درهم والذي في منهاج النووي أن دية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم ودية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم قال شارحه المحلي أنه قال بالأول عمر وعثمان وبالثاني عمر وعثمان أيضا وابن مسعود . ثم قال النووي في المنهاج وكذا وثني له امان يعني أن ديته دية مجوسي ثم قال والمذهب أن من لم يبلغه الإسلام إن تمسك بدين لم يبدل فديته دية دينه وإلا فكمجوسي وحكى في البحر عن زيد بن علي والقاسمية وأبي حنيفة وأصحابه إن دية المجوسي كالذمي وعن الناصر والإمام يحيى والشافعي ومالك إنها ثمانمائة درهم . وذهب الثوري والزهري وزيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه والقاسمية إلى أن دية الذمي كدية المسلم وروي عن أحمد أن ديته مثل دية المسلم إن قتل عمدا وإلا فنصف دية احتج من قال إن ديته ثلث دية المسلم بفعل عمر المذكورمن عدم رفع دية أهل الذمة وإنها كانت في عصره أربعة آلاف درهم ودية المسلم أثني عشر ألف درهم ويجاب عنه . بأن فعل عمر ليس بحجة على فرض عدم معارضته لما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف وهو هنا معارض للثابت قولا وفعلا وتمسكوا في جعل دية المجوسي ثلثي عشر دية المسلم بفعل عمر المذكور في الباب ويجاب عنه بما تقدم ويمكن الاحتجاج لهم بحديث عقبة بن عامر الذي ذكرناه فإنه موافق لفعل عمر لأن ذلك المقدار هو ثلثا عشر الدية إذ هي اثنا عشر ألف درهم وعشرها اثنا عشر ومائة وثلثا عشرها ثمانمائة ويجاب بأن اسناده ضعيف كما أسلفنا فلا يقوم بمثله حجة ( لا يقال ) أن الرواية لأنه لم يدرك عمر ولا عثمان
قوله : " فإنه لو مات وديته " في هذا الحديث دليل على أنه إذا مات رجل بحد من الحدود لم يلزم الإمام ولا نائبه الأرش ولا القصاص إلا حد الشرب
وقد أختلف أهل العلم في ذلك فذهب الشافعي وأحمد بن حنبل والهادي والقاسم والناصر وأبو يوسف ومحمد إلى أنه لا شيء فيمن مات بحد أو قصاص مطلقا من غير فرق بين حد الشرب وغيره وقد حكى النووي الإجماع على ذلك وفيه نظر فإنه قد قال أبو حنيفة وابن أبي ليلى أنها تجب الدية على العاقلة كما حكاه في البحر وأجابا بأن عليا لم يرفع هذه المقالة إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل أخرجها مخرج الاجتهاد وكذلك يجاب عن رواية عبيد بن عمير أن عليا وعمر قالا من مات من حد أو قصاص فلا دية له الحق قتله ورواه بنحوه ابن المنذر عن أبي بكر واحتجا بأن اجتهاد بعض الصحابة لا يجوز به أهدار دم امرئ مسلم مجمع على أنه لا يهدر وقد أجيب عن هذا بأن الهدر ما ذهب بلا مقابل له ودم المحدود مقابل للذنب ورد بأن المقابل للذنب عقوبة لا تفضي إلى القتل وتعقب هذا الرد بأنه تسبب بالذنب إلى ما يفضي إلى القتل في بعض الأحوال فلا ضمان وأما من مات بتعزيز فذهب الجمهور إلى أنه يضمنه الأمام وذهبت الهادوية إلى أنه لا شئ فيه كالحد . وحكى النووي عن الجمهور من العلماء أنه لا ضمان فيمن مات بتعزيز لا على الإمام ولا على عاقلته ولا في بيت المال وحكى عن الشافعي أنه يضمنه الإمام ويكون على عاقلته
قوله " لم يسنه " قد قدمنا الجمع بين هذا وبين روايته السابقة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جلد أربعين
قوله : " فجلده ثمانين " هذا يخالف ما تقدم في أول الباب أن عليا أمر بجلده أربعين وظاهر هذه الرواية أنه جلده بنفسه وأن جملة الجلد ثمانون وقد جمع المصنف بين الروايتين بما ذكره من رواية أبي جعفر ولا بد من الجمع بمثل ذلك لأن حمل ذلك على تعدد الواقعة بعيد جدا فإن المحدود في القصتين واحد وهو الوليد بن عقبة وكان ذلك بين يدي عثمان في حضرة علي
قوله : " نشوان " بفتح النون وسكون الشين قال في القاموس " رجل نشوان " ونشيان سكران بين النشوة انتهى
قوله : " في دباءة " بضم الدال وتشديد الباء الموحدة واحدة الدباء وهي الآنية التي تتخذ منه
قوله : " نهز " بضم النون وكسر الهاء بعدها زاي وهو الدفع باليد قال في القاموس نهزه كمنعه ضربه ودفعه
قوله : " ونهى عن الزبيب والتمر " يعني أن يخلطا العامريين دية الحر المسلم وكان لهما عهد " وأخرج أيضا من وجه آخر أنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل دية المعاهدين دية المسلم
وأخرج أيضا عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ودى ذميا دية مسلم " ويجاب عن حديث ابن عباس بأن في اسناده أبا سعيد البقال واسمه سعيد بن المرزبان ولا يحتج بحديثه والراوي عنه أبو بكر ابن عياش . وحديث الزهري مرسل ومراسيله قبيحة لانه حافظ كبير لا يرسل إلا لعلة . وحديث ابن عباس الآخر في اسناده أيضا أبو سعيد البقال المذكور وله طريق أخرى فيها الحسن بن عمارة وهو متروك وحديث ابن عمر في اسناده أبو كرز وهو أيضا متروك ومع هذه العلل فهذه الأحاديث معارضة بحديث الباب وهو أرجح منها من جهة صحته وكونه قولا وهذه فعلا والقول أرجح من الفعل وهو سلمنا صلاحيتها للاحتجاج وجعلناها مخصصة لعموم حديث الباب كان غاية ما فيها اخراج المعاهد ولا ضير في ذلك فإن بين الذمي والمعاهد فرقا لأن الذمي ذل ورضي بما حكم به عليه من الذلة بخلاف المعاهد فلم يرض بما حكم عليه به منها فوجب دمه وماله الضمان الاصلي الذي كان بين أهل الكفر وهو الدية الكاملة التي ورد الإسلام بتقريرها ولكنه يعكر على هذا ما وقع في رواية من حديث عمرو بن شعيب عند أبي داود بلفظ " دية المعاهد نصف دية الحر " وتخلص عن هذا بعض المتأخرين فقال أن لفظ المعاهد يطلق على الذمي فيحمل ما وقع في حديث عمرو بن شعيب عليه ليحصل الجمع بين الأحاديث ولا يخفى ما في ذلك من التكلف والراجح العمل بالحديث الصحيح وطرح ما يقابله ممالا أصل له في الصحة وأما ما ذهب إليه أحمد من التفصيل باعتبار العمد والخطأ فليس عليه دليل

باب المرأة في النفس وما دونها

1 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من الدية "
- رواه النسائي والدارقطني

2 - وعن ربيعة ابن أبي عبد الرحمن " أنه قال لسعيد بن المسيب كم في أصبع المرأة قال عشر من الإبل قلت في أصبعين قال عشرون من الإبل قلت فكم في ثلاث أصابع قال ثلاثون من الإبل قلت فكم في أربع أصابع قال عشرون من الإبل قلت حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال سعيد أعراقي أنت قلت بل عالم متثبت أو جاهل متعلم قال هي السنة يا ابن أخي "
- رواه مالك في الموطأ عنه

- حديث عمرو بن شعيب هو من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عنه وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة كما حكى ذلك عنه في بلوغ المرام . وحديث سعيد ابن المسيب أخرجه أيضا البيهقي وعلى تسليم أن قوله من السنة يدل على الرفع فهو مرسل وقد قال الشافعي فيما أخرجه عنه البيهقي أن قول سعيد من السنة يشبه أن يكون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو عن عامة من أصحابه ثم قال وقد كنا نقول إنه على هذا المعنى ثم وقفت عنه واسأل الله الخير لا ناقد نجد منهم من يقول السنة نفاذا إنها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والقياس أولى بنافيها
وروي صاحب التلخيص عن الشافعي أنه قال كان مالك يذكر أنه السنة وكنت أتابعه عليه وفي نفسي منه شيء ثم علمت أنه يريد أنه سنة أهل المدينة فرجعت عنه . ( وفي الباب ) عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " قال دية المرأة نصف دية الرجل " قال البيهقي إسناده لا يثبت مثله
وقد أخرج علي عليه السلام أنه قال دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل وهو من رواية إبراهيم النخعي عنه وفيه انقطاع
وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه
وأخرجه أيضا من وجه آخر عنه . وعن عمر قوله " عقل المرأة مثل عقل الرجل في الجراحات التي لا يبلغ أرشها إلى ثلث دية الرجل وفيما بلغ أرشه إلى مقدار الثلث من الجراحات يكون أرشها فيه كنصف أرش الرجل لحديث سعيد بن المسيب المذكور . وغلى ذلك ذهب الجمهور من أهل المدينة منهم مالك وأصحابه وهو مذهب سعيد بن المسيب كما تقدم في رواية مالك عنه . ورواه أيضا عن عروة بن الزبير وهو مروى عن عمر وزيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز وبه قال أحمد وإسحاق والشافعي في قول وصفة التقدير أن يكون على الصفة المذكورة في حديث الباب عن سعيد بن المسيب فإنه جعل أرش إصبعها وأرش الإصبعين عشرين وأرش الثلاثة ثلاثين لإنها ثلث دية الرجل فلما سأله السائل عن أرش الأربع الأصابع جعفلها عشرين من الإبل لإنها لما جاوزت ثلث دية الرجل ولما كان أرش الأصابع الأربع من الرجل أربعين من الإبل كان أرش الأربع من المرأة عشرين وهذا كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن إن المرأة حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها والسبب في ذلك أن سعيدا جعل التصنيف بعد بلوغ الثلث من دية الرجل راجعا إلى جميع الأرش ولو جعل التنصيف باعتبار المقدار الزائد على الثلث لا باعتبار ما دونه فيكون مثلا في الإصبع الرابعة من المرأة خمس من الإبل لأنها هي التي جاوزت الثلث ولا يحكم في التنصيف في الثلاث الأصابع فإذا قطعت من المرأة أربع أصابع كان فيها خمس وثلاثون ناقة لم يكن في ذلك إشكال ولم يدل حديث عمر بن شعيب المذكور إلا على أن أرشها الثلث فما دون مثل أرش الرجل وليس في ذلك دليل على أنها إذا حصلت المجاوزة للثلث لزم تنصيف ما لم يجاوز الثلث من الجنايات على فرض وقوعها متعددة كالأصابع والأسنان وأما لو كانت جناية واحدة مجاوزة للثلث من دية الرجل فيمكن أن يقال باستحقاق نصف أرش الرجل في الكل فإن كان ما أفتى به سعيد مفهوما من مثل حديث عمرو بن شعيب فغير مسلم وإن كان حفظ ذلك التفصيل من السنة التي أشار إليها فإن أراد سنة أهل المدينة كما تقدم عن الشافعي فليس في ذلك حجة وإن أراد السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وآله وسلم فنعم ولكن مع الاحتمال لا ينتهض إطلاق تلك السنة للاحتجاج به ولا سيما بعد قول الشافعي أنه علم أن سعيدا أراد سنة أهل المدينة ومع ذلك فالمرسل لا تقوم به حجة فالأولى أن يحكم في الجنايات المتعددة بمثل أرش الرجل في الثلث فما دون وبعد المجاوزة يحكم بتنصيف الزائد على الثلث فقط لئلا يقتحم الإنسان في مضيق مخالف للعدل والعقل والقياس بلا حجة نيرة وحكى صاحب البحر عن ابن مسعود وشريح أن أرش المرأة يساوي أرش الرجل حتى يبلغ أرشها خمسا من الإبل ثم ينصف
قال في المجتهد أن الأشهر عن ابن مسعود وعثمان وشريح وجماعة أن دية جراحة المرأة مثل دية جراحة الرجل إلا الموضحة فإنها على النصف وحكي في البحر أيضا عن زيد بن ثابت وسليمان بنيسار أنهما يستويان حتى يبلغ أرشها خمس عشرة من الإبل . وعن الحسن البصري يستويان إلى النصف ثم ينصف وهذه الأقوال لا دليل عليها وذهب علي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والليث والثوري والعترة والشافعية والحنفية كما حكى عنهم صاحب البحر إلى أن أرش المرأة نصف أرش الرجل في القليل والكثير واستدلوا بحديث معاذ الذي ذكرناه وهو مع كونه لا يصلح للاحتجاج به لما سلف يمكن الجمع بينه وبين حديث الباب إما بحمله على الدية الكاملة كما هو ظاهر اللفظ . وذلك مجمع عليه كما حكاه في البحر في موضعين . حكي في أحدهما بعد حكاية الإجماع خلافا للأصم وابن علية أن ديتها مثل دية الرجل ويمكن الجمع بوجه آخر على فرض أن لف الدية يصدق على دية النفس وما دونها وهو أن يقال هذا العموم مخصوص بحديث عمرو بن شعيب المذكور فتكون ديتها كنصف دية الرجل فيما جاوز الثلث فقط

باب دية الجنين

1 - عن أبي هريرة قال " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ثم أن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وإن العقل على عصبتها " وفي رواية " لاقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة وقضى بدية المرأة على عاتقها "
- متفق عليهما وفيه دليل على أن دية شبه العمد تحملها العاقلة

2 - وعن المغيرة بن شعبة عن عمر " أنه استشارهم في أملاص المرأة فقال المغيرة قضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيه بالغرة عبد أو أمة فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى به "
- متفق عليه

3 - وعن المغيرة " أن امرأة ضربتها ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها وهي حبلى فأتى فيها النبي ؟ ؟ ؟ فقضى فيها على عصبة القاتلة بالدية بالجنين غرة فقال عصبتها أندى مالا طعم ولا شراب ولا صاح ولا استهل مثل ذلك يطل فقال سجع مثل سجع الأعراب "
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي . وكذلك الترمذي ولم يذكر اعتراض العصبة وجوابه

4 - وعن ابن عباس في قصة حمل بن مالك قال " فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا وماتت المرأة فقضي على العاقلة بالدية فقال عمها إنها قد اسقطت يا نبي الله غلاما قد نبت شعره فقال أبو القاتلة إنه كاذب أنه والله ما استهل ولا شرب فمثله يطل فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم أسجع الجاهلية وكهانتها ؟ أد في الصبي غرة "
- رواه أبو داود والنسائي وهو دليل على أن الأب من العاقلة

- حديث ابن عباس أخرجه أيضا ابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححاه
قوله : " في جنين امرأة " الجنين بفتح الجيم وبعده نونان بينهما ياء تحتية ساكنة بوزن عظيم وهو حما المرأة ما دام في بطنها سمي كذلك لاستتاره فإن خرج حيا فهو ولد أو ميتا فهو سقط
وقد يطلق عليه جنين
قال الباجي في شرح رجال الموطأ الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد سواء كان ذكر أم أنثى ولم يستهل صارخا
قوله " بغرة " بضم الغين المعجمة وتشديد الراء وأصلها البياض في وجه الفرس قال الجوهري كأنه عبر الغرة عن الجسم كله كما قالوا أعتق رقبة
وقوله : " عبد وأمة " تفسير للغرة وقد اختلفهل لفظ غرة مضاف إلى عبد أو منون قال الإسماعيلي قرأه العامة بالإضافة وغيرهم بالتنوين وحكى القاضي عياض الاختلاف وقال التنوين أوجه . لأنه بيان للغرة ما هي وتوجيه الإضافة أن الشيء قد يضاف إلى نفسه لكنه نادر يحتمل أن تكون أو شكا من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة . ويحتمل أن تكون للتنويع وهو الأظهر
قال في الفتح قيل المرفوع من الحديث قوله بغرة
وأما قوله عبد أو أمة فشك من الراوي في المراد بها وروى عن عن أبي عمر وبن العلاء أنه قال الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء فلا يجزى عنده في دية الجنين الرقبة السواد
وقال مالك الحمر أن أولي من السودان قال في الفتح وفي رواية ابن أبي عاصم ماله عبد ولا أمة قال عشر من الإبل أو مائة شاة . ووقع في حديث أبي هريرة قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل وكذا وقع عند عبد الرزاق عن حمل بن النابغة " قضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالدية في المرأة والجنين غرة عبد أو أمة أو فرس " . وأشار البيهقي أن ذكر الفرس في المرفوع وهم وأن ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرة وذكر أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس بلفظ " فقضى أن في الجنين غرة " قال طاوس الفرس غرة وكذا أخرج الإسماعيلي عن عروة قال الفرس غرة وكأنهما رأيا أن الفرس أحق بإطلاق الغرة من الآدمي . ونقل ابن المنذر والخطابي عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير الغرة عبدا أو أمة أو فرس . وتوسع داود ومن تبعه من أهل الظاهر فقالوا يجزي كل ما وقع عليه اسم غرة . وحكى في الفتح عن الجمهور أن أقل ما يجزى من العبد والأمة ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع لأن المعيب ليس من الخيار واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعا به بشرط أن لا ينقص عن سبع سبين لأن من لم يبلغها لا يستقل غالبا بنفسه فيحتاج إلى التعهد بالتربية فلا يجبر المستحق على أخذه ووافقه على ذلك القاسمية وأخذ بعضهم من لفظ الغلام المذكور في رواية أن لا يزيد على خمس عشرة ولا تزيد الجارية على عشرين
وقال ابن دقيق العيد إنه يجزي ولو بلغ الستين وأكثر منها ما لم يصل إلى سن الهره ورجحه الحافظ وذهب الباقر والصادق والناصر في أحد قوليه إلى أن الغرة عشر الدية وخالفهم في ذلك الجمهور وقالوا الغرة ما ذكر في الحديث
قال في الفتح وتطلق الغرة على الشيء النفيس آدميا كان أم غيره ذكرا أم أنثى
وقيل أطلق على الآدمي غرة لأنه أشرف الحيوان فإن محل الغرة الوجه وهو أشرف الأعضاء قال في البحر واشتقاقها من غرة الشيء أي خياره وفي القاموس والغرة بالضم العبد والأمة
قوله : " ثم أن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت " . في الرواية الثانية " فقتلتها وما في بطنها " وفي رواية المغيرة المذكورة " فقتلتها وهي حبلى " وفي حديث ابن عباس المذكور " فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا وماتت المرأة " ويجمع بين هذه الروايات بأن موت المرأة تأخر عن تأخر عن موت ما في بطنها فيكون قوله " فقتلتها وما في بطنها " إخبار بنفس القتل وسائر الروايات يدل على تأخر موت المرأة
قوله : " في أملاص المرأة " وقع تفسير الأملاص في الاعتصام من البخاري هو أن تضرب المرأة في بطنها فتلقي جنينها وهذا التفسير أخص من قول أهل اللغة أن الإملاص أن تزلقه المرأة قبل الولادة أي قبل حين الولادة هكذا نقله أبو داود في السنن عن ابن عبيد وهو كذلك في الغريب له وقال الخليل أملصت الناقة إذا رمت ولدها وقال ابن القطاع أملصت الحامل ألقت ولدها ووقع في بعض الروايات ملاص بغير ألف كأنه اسم فعل الولد فحذف وأقيم المضاف مقامه أو اسم لتلك الولادة كالخداج وروى الإسماعيلي عن هشام أنه قال الملاص الجنين
وقال صاحب البارع الإملاص الإسقاط قوله " فشهد محمد بن سلمة " زاد البخاري في رواية فقال عمر من يشهد معك فقام محمد بن سلمة فشهد له
وفي رواية له أن عمر قال للمغيرة لا تبرح حتى تجيء بالمخرج مما قلت قال فخرجت فوجدت محمد بن سلمة فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى به
قوله : " فسطاط " هو الخيمة
قوله : " قضى فيها على عصبة القاتلة " في حديث أبي هريرة المذكور " وقضى بدية المرأة على عاقلتها " وفي حديث ابن عباس المذكور أيضا " فقضى على العاقلة بالدية " وظاهر هذه الروايات يخالف ما في الرواية الأولى من حديث أبي هريرة حيث قال ثم أن المرأة التي قضى عليها بالغرة ويمكن الجمع بأن نسبة القضاء إلى كونه على المرأة باعتبار أنها هي المحكوم عليها بالجنابة في الأصل فلا ينافي ذلك الحكم على عصبتها بالدية والمراد بالعاقلة المذكورة هي العصبة وهم من عدا الولد وذوي الأرحام ووقع في رواية عن البيهقي فقال أبوها إنما يعقلها بنوها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال الدية على العصبة وفي حديث أبي هريرة المذكور " فقضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأن ميراثها لزوجها وبنيها وأن العقل على عصبتها وسيأتي الكلام على العاقلة وضمانها لدية الخطأ في باب العاقلة وما تحمله ( وقد استدل ) المصنف بحديث أبي هريرة المذكور على أن دية شبه العمد تحملها العاقلة وسيأتي تكميل الكلام عليه : قوله " مثل ذلك بطل " بضم أوله وفتح الطاء المهملة وتشديد اللام أي يبطل ويهدر يقال طل القتل يطل فهو مطلفول وروى بالباب الموحدة وتخفيف اللام على أنه فعل ماض من البطلان
قوله : " فقال سجع مثل سجع الأعراب " استدل بذلك على ذم السجع في الكلام ومحل الكراهية إذا كان ظاهر التكلف وكذا لو كان منسجما لكنه في إبطال حق أو تحقيق باطل فأما لو كان منسجما وهو حق أو في مباح فلا كراهية بل ربما كان في بعضه ما يستحب مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة وعلى هذا يحمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكذا عن غيره من السلف الصالح
قال الحافظ والذي يظهر لي أن الذي جاء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن عن قصد إلى التسجيع و'نما جاء اتفاقا لعظم بلاغته وأما من بعده فقد يكون ذلك وقد يكون عن قصد وهو الغالب ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدا
وفي قوله في حديث ابن عباس المذكور " اسجع الجاهلية ومكانتها " دليل على أن المذموم من السجع إنما هو ما كان من ذلك القبيل الذي يراد به إبطال شرع أو إثبات باطل أو كان متكلفا وقد حكى النووي عن العلماء أن المكروه منه إنما هو ما كان كذلك لا غير
قوله : " حمل بن مالك " بفتح الحاء المهملة والميم وفي بعض الروايات حمل بن النابغة وهو نسبة إلى جده وإلا فهو حمل بن مالك بن النابغة
قوله : " فقال أبو القاتلة " في رواية لمسلم وأبي داود فقال حمل بن النابغة وهو زوج القاتلة
وفي رواية للبخاري فقال ولي المرأة
وفي حديث أبي هريرة المذكور فقال عصبتها
وفي رواية للطبراني فقال أخوها العلاء بن مسروح
وفي رواية للبيهقي من حديث أسامة بن عمير فقال أبوها ويجمع بين الروايات بأن كل واحد من أبيها وأخيها وزوجها قال ذلك لأنهم كلهم من عصبتها بخلاف المقتولة فإن في حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية والقاتلة هذلية فيبعد أن تكون عصبة إحدى المرأتين عصبة للأخرى مع اختلاف القبيلة ( وقد استدل ) بأحاديث الباب على أنه يجب في الجنين على قاتله الغرة إن خرج ميتا
وقد حكي في البحر الإجماع على أن المرأة إذا ضربت فخرج جنينها بعد موتها ففيها القود أو الدية
وأما الجنين فقد ذهبت العترة والشافعي إلى أن فيه الغرة وهو ظاهر أحاديث الباب . وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يضمن وأما إذا مات الجنين بقتل أمه ولم ينفصل فذهبت العترة والحنفية والشافعية إلى أنه لا شيء فيه وقال الزهري أن سكنت حركته ففيه الغرة ورد بأنه يجوز بأن يكون غير آدمي فلا ضمان مع الشك
قال في الفتح وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الجنين ميتا بسبب الجناية فلو انفصل حيا ثم مات وجب فيه القود أو الدية كاملة انتهى . فإن أخرج الجنين رأسه ومات ولم يخرج الباقي فذهبت الحنفية والشافعية والهادوية إلى أن فيه الغرة أيضا وذهب مالك إلى أنه لا يجب فيه شيء
قال ابن دقيق العيد ويحتاج من اشترط الإنفصال إلى تأويل الرواية وحملها على أنه انفصل وإن لم يكن في اللفظ ما يدل عليه وتعقب بما في حديث ابن عباس المذكور أنها أسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا فإنه صريح في الإنفصال وبما في حديث أبي هريرة المذكور في الباب بلفظ " سقط ميتا " وفي لفظ للبخاري فطرحت جنينها وقيل هذا الحكم مختص بولد الحرة لأن القصة وردت في ذلك وما وقع في الأحاديث بلفظ إملاص المرأة ونحوه فهو وإن كان فيه عموم لكن الراوي ذكر أنه شهد واقعة مخصوصة
وقد ذهب الشافعية والهادوية وغيرهم إلى أن في جنين الأمة كما أن الواجب في جنين الحرة عشر ديتها

باب من قتل في المعترك من يظنه كافرا فبان مسلما من أهل دار الإسلام

1 - عن محمود بن لبيد قال " اختلفت سيوف المسلمين على اليمان أبي حذيفة يوم أحد ولا يعرفونه فقتلوه فأراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يديهفتصدق أبو حذيفة بديته على المسلمين "
- رواه أحمد

2 - وعن عروة بن الزبير قال " كان أبو حذيفة اليمان شيخا كبيرا فرفع في الآطام مع النساء يوم أحد فخرج يتعرض للشهادة فجاء من ناحية المشركين فأبتدره المسلمون فتوشقوه بأسيافهم وحذيفة يقول أبي أبي فلا يسمعونه من شغل الحرب حتى قتلوه فقال حذيفة غفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فقضى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بديته "
- رواه الشافعي

- حديث محمود بن لبيد في إسناده محمد بن إسحاق وهو مدلس وبقية رجاله رجال الصحيح . وأصل الحديثين في صحيح البخاري وغيره عن عروة عن عائشة قالت لما كان أحد هزم المشركون فصاح ابليس أي عباد الله أخراكم فرجعت أولادهم فاجتلدت هي وأخراهم فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال أي عباد الله أبي أبي قالت فوالله ما احتجزوا حتى قتلوه قال حذيفة غفر الله لكم قال عروة فما زلت في حذيفة منه بقية خير حتى لحق بالله " وقد أخرج أبو إسحاق الفزاري قي السيرة عن الأوزاعي عن الزهري قال أخطأ المسلمون بأبي حذيفة يوم أحد حتى قتلوه فقال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فبلغت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوداه من عنده
وأخرج أبو عباس السراج في تاريخه من طريق عكرمة أن والد حذيفة قتل يوم أحد قتله بعض المسلمين وهو يظن أنه من المشركين فوداه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في الفتح ورجاله ثقات مع إرساله انتهى . وهذان المرسلان يقويان مرسل عروة المذكور في الباب في دفع أصل الدية وإن كان حديث عروة يدل على أنه لم يحصل منه صلى الله عليه وآله وسلم إلا مجرد القضاء بالدية ومرسل الزهري وعكرمة يدلان على أنه صلى الله عليه وآله وسلم وداه من عنده . وحديث محمود بن لبيد المذكور يدل على أن حذيفة تصدق بدية أبيه على المسلمين ولا تعارض بينه وبين تلك المرسلات لأن غاية ما فيها أنه وقع القضاء منه صلى الله عليه وآله وسلم بالدية أو وقع منه الدفع لها من بيت المال وليس فيها أن حذيفة قبضها وصيرها من جملة ماله حتى ينافي ذلك تصدقه بها عليهم . ويمكن الجمع أيضا بين تلك المرسلات بأنه وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم القضاء بالدية ثم الدفع لها من بيت المال ثم تعقب ذلك التصدق بها من حذيفة ( وقد استدل ) المصنف رحمه الله تعالى بما ذكره على الحكم فيمن قتله قاتل في المعركة وهو يظن أنه كافرا ثم انكشف مسلما مقد ترجم البخاري على حديث عائشة الذي ذكرناه فقال فقال باب إذا مات من الزحام وترجم عليه في باب آخر فقال باب العفو في الخطأ بعد الموت
قال ابن بطال اختلف على عمر وعلي عليه السلام هل تجب الدية في بيت المال أولا وبه قال إسحاق أي بالوجوب وتوجيهه أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين فوجبت ديته في بيت مال المسلمين
وروى مسدد في مسنده من طريق يزيد بن مذكور أن رجلا زحم يوم الجمعة فمات فوداه على رضي الله تعالى عنه من بيت مال المسلمين
وقال الحسن البصري إن ديته تجب على جميع من حضروه إلى ذلك ذهبت الهادوية
وقال الشافعي ومن وافقه أنه يقال لولي المقتول أدع عليمن شئت وأحلف فإن حلفت استحقفت الدية وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب ومنها قول مالك دمه هدر وتوجيهه إن لم يعلم قاتله بعينه أستحال أن يؤخذ به أحد
قوله : " الآطام " جمع أطم وهو بناء مرتفع كالحصن
قوله : " توشقوه " بالشين المعجمة وبعدها قاف أي قطعوه بأسيافهم ومنه الوشيقة وهي اللحم يغلى ثم يقدد

باب ما جاء في مسألة الزبية والقتل بالسبب

1 - عن حنش بن المعتر عن علي رضوان الله عليه قال " بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن فانتهينا إلى قوم قد بنوا زبية للأسد فبينما هم كذلك يتدافعون إذ سقط رجل فتعلق بآخر ثم تعلق الرجل بآخر حتى صاروا فيها أربعة فجرحهم الأسد فانتدب له رجل بحربة فقتله وماتوا من جراحتهم كلهم فقام أولياء الأول إلى أولياء الآخر فأخرجوا السلاح ليقتتلوا فأتاهم علي رضوان الله عليه على تفئة ذلك فقال تريدون أن تقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حي إني أقضي بينكم قضاء إن رضيتم به فهو القضاء وإلا حجر بعضكم على بعض حتى تأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون هو الذي يقضي بينكم فمن عدا بعد ذلك فلا حق له اجمعوا من قبائل الذين حضروا البئر ربع الدية وثلث الدية ونصف الدية والدية كاملة فللأول ربع الدية لأنه هلك من فوقه ثلاثة وللثاني ثلث الدية وللثالث نصف الدية وللرابع الدية فأبوا أن يرضوا فأتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو عند مقام إبراهيم فقصوا عليه القصة فأجازه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "
- رواه أحمد ورواه بلفظ آخر نحو هذا وفيه " وجعل الدية على قبائل الذين ازدحموا

2 - وعن علي بنرياح اللخمي " أن أعمى كان ينشد في الموسم في خلافة عمر بن الخطاب وهو يقول
يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا
خرا معا كلاهما تكسرا
وذلك أن أعمى كان يقوده بصير فوقعا في بئر فوقع الأعمى على البصير فمات البصير فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى "
- رواه الدارقطني
وفي الحديث " أن رجلا أتى أهل أبيات فاستسقاهم فلم يسقوه حتى مات فأغرمهم عمر الدية " حكاه أحمد في رواية ابن المنصور وقال أقول به

- حديث حنش بن المعتمر أخرجه أيضا البيهقي والبزار قال ولانعلمه يروي إلا عن علي ولا نعلم له إل هذه الطريقة وحنش ضعيف وقد وثقه أبو داود قال في مجمع الزوائد وبقية رجاله رجال الصحيح . وأثر علي بن رياح أخرجه أيضا البيهقي وهو من رواية موسى بن علي بن رياح عن أبيه قال الحافظ وفيه انقطاع ولفظه " فقضي عمر بعقل البصير على الأعمى فذكر أن الأعمى كان ينشد ثم ذكر الأبيات "
قوله : " زبية للأسد " بضم الزاي وسكون الموحدة بعدها تحتية وهي حفرة الأسد وتطلق أيضا على الرابية بالراء قال في القاموس الزبية بالضم الرابية لا يعلوها ماء ثم قال وحفرة للأسد انتهى . والمقصود هنا الحفرة التي يحفرها الناس ليقع فيها الأسد فيقتلونه ومن أطلاق الزبية على المحل المرتفع قول عثمان بن عفان يخاطب علي بن أبي طالي رضي الله عنه أيام حصره في الدار قد بلغ السيل الزبى ونالني ما حسبي به وكفى
قوله : " على تفئة ذلك " يالتاء الفوقية المفتوحة وكسر الفاء ثم همزة مفتوحة
قال في القاموس تفئة الشيء حينه وزمانه ( وقد استدل ) بهذا القضاء الذي قضى به أمير المؤمنين وقرره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن دية المتجاذبين في البئر تكون على الصفة المذكورة فيؤخذ من قوم الجماعة الذين ازدحموا على البئر وتدافعوا ذلك المقدار ثم يقسم على تلك الصفة فيعطى الأول من المتردين ربع الدية ويهدر من دمه ثلاثة أرباع لأنه هلك بفعل المزدمين وبفعل نفسه وهو جذبه لمن بجنبه فكأن موته وقع بمجموع الإزدحام ووقوع الثلاثة الأنفار عليه ونزل الإزدحام منزلة سبب واحد من الأسباب التي كان بها موته ووقوع الثلاثة عليه منزلة ثلاثة أسباب فهدر من ديته ثلاثة أرباع واستحق الثاني ثلث الدية لأنه هلك بمجموع الجذب المتسبب عن الإزدحام ووقوع الاثنين عليه ونزل الإزدحام منزلة سبب واحد ووقوع الاثنين عليه منزلة سببين فهدر من دمه الثلثان لأن وقوع الاثنين عليه كان بسببه واستحق الثالث نصف الدية لأنه هلك بمجموع الجذب ممن تحته المتسبب عن الإزدحام وبوقوع من فوقه عليه وهو واحد وسقط نصف ديته ولزم نصفها والرابع كان هلاكه بمجرد الجذب له فقط فكان مستحقا للدية كاملة ولم يجعل للجناية التي وقعت من الأسد عليهم حكم جناية من تضمن جنايته حتى ينظر في مقدار ما شاركها من الوقوع الذي كان هلاك الواقعين بمجموعها والمعروف في كتب الفقه أنه إذا تجاذب جماعة في بئر بأنه سقط الأول ثم جذب من بجنبه فوقع عليه ثم كذلك حتى صار الواقعون في البئر مثلا أربعة فإنه يهدر من الأول سقوط الثاني عليه لأنه بسببه وهو ربع الدية ويضمن الحافر ربع ديته والثالث والرابع نصفها ويهدر من الثاني سقوط الثالث عليه وحصته ثلث ديته ويضمن الأول ثلث ديته والثالث ثلثها ويهدر من الثالث وقوع الرابع عليه وحصته نصف الدية ويضمن الباقي نصفها ويضمن الثالث جميع دية الرابع هذا إذا هلكوا بمجموع الوقوع في البئر وصدم بعضهم لبعض وأما إذا لم يتصادموا بل تجاذبوا ووقع كل واحد منهم بجانب من البئر غير جانب صاحبه فإنها تكون دية الأول على الحافر ودية الثاني على الأول ودية الثالث على الثاني ودية الرابع على الثالث
وأما إذا تصادموا في البئر ولم يتجاذبوا فربع دية الأول على الحافر وعلى الثلاثة ثلاثة أرباع ونصف دية الثاني على الثالث والنصف الآخر على الرابع ودية الثالث على الرابع وبهدر الرابع وهذا إذا كان الموت وقع بمجرد المصادمة من دمن أن يكون للهوى تأثير وإلا كان على الحافر من الضمان بقدر ذلك ويكون الضمان في صورة التصادم والتجاذب على عاقلة الحافر
وفي أموال المتجاذبين المتصادمين وفي صورة التجاذب فقط كذلك
وأما في صورة التصادم فقط فعلى عواقلهم فقط وأما إذ لم يكن تجاذب ولا تصادم فالديات كلها على عاقلة الحافر ( والحاصل ) أن من كان جانيا على غيره خطأ فما لزم بالجناية على عاقلته ومن كان جانيا عمدا فمن ماله وتحمل قصة الأعمى المذكورة في الباب على أنه لم يقع على البصير بجذبه له وإلا كان هدرا
قوله : " فاستسقاهم فلم يسقوه " الخ فيه دليل على أن من منع من غيره ما يحتاج إليه من طعام أو شراب مع قدرته على ذلك فمات ضمنه لأنه متسبب بذلك لموته وسد الرمق واجب وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا مات الشخص بسبب ومباشر يكون الضمان على المباشر فقط
قال في البحر مسألة ومن سقط في بئر فجر آخر فماتا بالتصادم والهوى ضمن الحافر نصف دية الأول فقط وهدر نصف إذ مات بسببين منه ومن الحافر
وقيل لا شيء على الحافر إذ هو فاعل سبب والجذب مباشرة وأما المجذوب فعلى الجاذب قولا واحدا إذ هو المباشر انتهى

باب أجناس مال الدية وأسنان إبلها

1 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى أن من قتل خطأ فديته مائة من الإبل ثلاثون بنت مخاض وثلاثون بنت لبون وثلاثون حقه وعشرة بني لبون "
- رواه الخمسة إلا الترمذي

2 - وعن الحجاج بن أرطأة عن زيد بن جبيرعن خشف بن مالك الطائي عن ابن مسعود قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في دية الخطأ عشرون حقة وعشرون جذعة وعشرون بنت مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون ابن مخاض ذكرا "
- رواه الخمسة وقال ابن ماجة في اسناده عن الحجاج حدثنا زيد بن جبير قال أبو حاتم الرازي الحجاج يدلس عن الضعفاء فإذا قال حدثنا فلان فلا يرتاب به

- الحديث الأول سكت عنه أبو داود وقال المنذري في اسناده عمر وبن شعيب وقد تقدم الكلام عليه ومن دون عمرو بن شعيب ثقات إلا محمد بن راشد المكحولي وقد وثقه أحمد وابن معين والنسائي وضعفه ابن حبان وأبو زرعة
قال الخطابي هذا الحديث لا أعرف أحدا قال به من الفقهاء . والحديث الثاني أخرجه أيضا اليزار والبيهقي والدارقطني وقال عشرون بنو لبون مكان قوله عشرون ابن مخاض . رواه كذلك من طريق أبي عبيدة عن أبيه بن مسعود موقوفا وقال هذا اسناد حسن . وضعف الأول من أوجه عديدة وتعقبه البيهقي بأن الدارقطني وهم فيه والجواد قد يعثر
قال رأيته في جامع سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم عن عبد الله وعن ابن إسحاق عن علقمة عن عبد الله وعن عبد الرحمن بن مهدي عن يزيد بن هرون عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن أبي عبيدة عن عبد الله وعند الجميع بنو مخاض
قال الحافظ وقدره يعني البيهقي على نفسه بنفسه فقال وقد رأيته في كتاب ابن خزيمة وهو إمام من رواية وكيع عن سفيان فقال بنو لبون كما قال الدارقطني فانتفى أن يكون الدارقطني عثر وقد تكلم الترمذي على حديث ابن مسعود المذكور فقال لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه وقد روي عن عبد الله موقوفا وقال أبو بكر وهذا الحديث لا نعلمه روى عن عبد الله مرفوعا إلا بهذا الإسناد . وذكر الخطابي أن خشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث وعدل الشافعي عن القول به لهذه العلة ولأن فيه بني مخاض ولا مدخل لبني المخاض في شيء من أسنان الصدقات
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة القسامة أنه ودى قتيل خيبر بمائة من الإبل الصدقة وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض وقال الدارقطني هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث وبسط الكلام في ذلك
وقال لا نعلمه رواه إلا خفش بن مالك عن ابن مسعود وهو رجل مجهول لم يرو عنه إلا زيد بن جبير ثم قال لا نعلم أحدا رواه عن زيد بن حبير الاحجاج بن أرطأة وهو رجل مشهور بالتدليس وبأنه يحدث عمن لم يلقه ولم يسمع منه ثم ذكر أنه قد اختلف فيه على الحجاج بن أرطأة وقال البيهقي خشف بن مالك مجهول وقال الموصلي خشف بن مالك ليس بذلك وذكر له هذا الحديث
قال المنذري بعد أن ذكر الخلاف فيه على الحجاج والحجاج غير محتج به وكذا قال البيهقي والصحيح أنه موقوف على عبد الله كما سلف ( وقد اختلف العلماء ) في دية الخطأ من الإبل بعد الأتفاق على أنها مائة فذهب الحسن البصري والشعبي والهادي والمؤيد بالله وأبو طالب إلى أنها تكون أرباعا ربعا جذاعا وربعا حقافا وربعا بنات لبون وربعا بنات مخاض وقد قدمنا تفسير هذه الأسنان في كتاب الزكاة . واستدلوا بحديث ذكره الأمير الحسين في الشفاء عن السائب ابن يزيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال دية الانسان خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض
وقد أخرجه أبو داود موقوفا على علي رضي الله عنه من طريق عاصم بن ضمرة قال في الخطأ أرباعا فذكره وأخرجه أيضا أبو داود عن ابن مسعود موقوفا من طريق علقمة والأسود قالا قال عبد الله في الخطأ شبه العمد خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون بنات لبون وخمس وعشرون بنات مخاض ولم أجد هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتاب حديثي فلينظر فيما ذكره صاحب الشفاء . وذهب ابن مسعود والزهري وعكرمة والليث والثوري . وعمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار ومالك والحنفية والشافعية إلى أن الدية تكون أخمسا خمسا جذاعا وخمسا حقاقا وخمسا بنات لبون وخمسا بنات مخاض وخمسا أبناء لبون . وحكى صاحب البحر عن أبي حنيفة أن النوع الخامس يكون أبناء مخاض وهو موافق لحديث الباب عن ابن مسعود مرفوعا والأول موافق للموقوف عن ابن مسعود كما ذكرنا وذهب عثمان بن عفان وزيد بن ثابت إلى أنها تكون ثلاثين جذعة وثلاثين حقة وعشرين ابن لبون وعشرين بنت مخاض وهذا الخلاف في دية الخطأ المحض وأما في دية العمد وشبهه نقد تقدم طرف من الخلاف في ذلك سيأتي الكلام عليه قريبا إن شاء الله تعالى

3 - وعن عطاء ابن أبي رياح " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى " وفي رواية عن عطاء عن جابر قال " فرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاء ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة "
- رواه أبو داود . وعن عمر وبن شعيب عن أبيه عن جده قال " قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن منكان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة "
- رواه الخمسة إلا الترمذي

- حديث عطاء رواه أبو داود مسندا بذكر جابر ومرسلا وهو من رواية محمد ابن إسحاق عنه وقد عنعن وهو ضعيف إذا عنعن لما اشتهر عنه من التدليس فالمرسل فيه علتان الإرسال وكونه من طريقه والمسند أيضا فيه علتان العلة الأولى كونه في إسناده محمد بن إسحاق المذكور والعلة الثانية كونه قال فيه ذكر عطاء عن جابر ابن عبد الله ولم يسم من حدثه عن عطاء فهي رواية عن مجهول . وحديث عمرو بن شعيب في إسناده محمد بن راشد الدمشقي المكحولي وقد تكلم فيه غير واحد ووثفه جماعة وهذا الذي ذكره المصنف ههنا بعض من الحديث وهو حديث طويل ساقه يجميعه أبو داود في سننه وقد استدل بحديثي الباب من قال أن الدية من الإبل مائة ومن البقر مائتان ومن الشاة ألفان ومن الحلل مائتان كل حلة ازار ورداء وقميص وسراويل وفيهما رد على من قال إن الأصل في الدية وبقية الأصناف مصالحة لا تقدير شرعي وقد قدمنا تفصيل الخلاف في ذلك في أول أبواب الديات ويدل على أن الدية من الذهب ألف دينار ماتقدم في حديث عمرو بن حزم بلفظ " على أهل الذهب ألف دينار " ويدل على أنها من الفضة اثنا عشر ألف درهم ما سيأتي قريبا وهو ما أخرجه أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ديته إثني عشر ألفا قال أبو داود رواه ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر عن ابن عباس
وأخرجه الترمذي مرفوعا ومرسلا وأرسله النسائي ورواه ابن ماجه مرفوعا قال الترمذي ولا نعلم أحدا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد ابن مسلم انتهى . ومحمد بن مسلم هذا هو الطائفي
وقد أخرج له البخاري في المتابعات ومسلم في الاستشهاد ووثقه يحيى بن معين
وقال مرة إذا حدث من حفظه يخطئ وإذا حدث من كتابه فليس به بأس وضعفه الإمام أحمد وقد أخرجه النسائي عن محمد بن ميمون عن ابن عيينة وقال فيه سمعنا مرة يقول عن ابن عباس وأخرجه الدارقطني في سننه عن أبي محمد بن صاعد وقال فيه عن ابن عباس
وقال فيه عن ابن عباس
وقال الدارقطني قال ابن ميمون وإنما قال لنا فيه عن ابن عباس مرة واحدة وأكثر ذلك كان يقول عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكره البيهقي من حديث الطائفي موصولا وقال رواه أيضا سفيان عن عمر بن دينار موصولا ومحمد بن ميمون المذكور هو أبو عبد الله المكي الخياط روى عن ابن عيينة وغيره قال النسائي صالح
وقال أبو حاتم الرازي كان أميا مغفلا ذكر لي منه أنه روي عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة حديثا باطلا وما يبعد أن يكون وضع للشيخ فإنه كان أميا
وقال في الخلاصة وثقه ابن حبان ويعارض هذا الحديث ما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثمانمائة دينار أو ثمانية آلاف درهم ودية أهل الكتاب على النصف من دية المسلمين قال فكان ذلك كذلك حتى استخلف عمر فقام خطيبا فقال إلا أن الإبل قد غلت قال ففرضها عمر على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا وعلى البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألفي شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية . ولا يخفى أن حديث ابن عباس فيه إثبات أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فرضها اثني عشر ألفا وهو مثبت فيقدم على النافي كما تقرر في الأصول وكثرة طرقه تشهد لصحته والرفع زيادة إذا وقعت من طريق ثقة تعين الأخذ بها

5 - وعن عقبة بن أوس عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم " خطب يوم فتح مكة فقال الأوان قتيل خطأ العمد بالسوط العصا والحجر دية مغلظة مائة من الإبل منها أربعون من ثنية إلى بازل عامها كلهن خلفة "
- رواه الخمسة إلا الترمذي

6 - وعن عكرمة عن ابن عباس " أن رجل قتل فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ديته إثنى عشر ألفا "
- رواه الخمسة إلا أحمد وروي ذلك عن عكرمة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا وهو أصح وأشهر

- الحديث الأول أخرجه أيضا البخاري في تاريخه الكبير وساق اختلاف الرواة فيه وأخرجه أيضا الدارقطني وساق أيضا الاختلاف ويشهد له ما أخرجه أبو داود عقبه من حديث ابن عمر بنحوه وقد قدمنا ما يشهد لذلك أيضا في باب ما جاء في شبه العمد . والحديث الثاني قد تقدم الكلام عليه وعلى فقهه في شرح الحديث الذي قبل حديث عقبة بن أوس المذكور وتقدم أيضا الخلاف في شبه العمد وأن القتل ينقسم إلى عمد وشبه عمد وخطأ في باب ما جاء في شبه العمد مستوفى
قوله : " خلفة " بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام بعدها فاء وهي الحامل وتجمع على خلفات وخلائف
وقد ذهب الشافعي إلى تغليظ الدية أيضا على من قتل في الحرم أو قتل محرما أو في الأشهر الحرم قال لأن الصحابة رضي الله عنهم غلظوا في هذه الأحوال وإن أختلفوا في كيفية التغليظ ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة فكان إجماعا ومن جملة من ذهب إلى التغليظ من السلف على ما حكاه في البحر عمر وعثمان وابن عباس والزهري وقتادة وداود وابن المسيب وعطاء وجابر بن زيد ومجاهد وسليمان بن يسار والنخعي والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم
وقد أخرج البيهقي من طريق مجاهد عن عمر أنه قضى فيمن قتل في الحرم أو في الشهر الحرام أو وهو محرم بالدية وثلث الدية وهو منقطع وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف
قال البيهقي وروي عن عكرمة عن عمر بن الخطاب ما يدل على التغليظ في الشهر الحرام
وقال ابن المنذر روينا عن عمر بن الخطاب أنه قال من قتل في الحرم أو قتل محرما أو قتل في الشهر الحرام فعليه الدية وثلث الدية وروى الشافعي والبيهقي عن عمر أيضا من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه أن رجلا أوطأ امرأة بمكة فقتلها فقضي فيها بثمانية آلاف درهم دية وثلث
وروى البيهقي وابن حزم وعن ابن عباس من طريق نافع بن جبير عنه قال يزاد في دية المقتول في الأشهر الحرم أربعة آلاف وفي دية المقتول في الحرم أربعة آلاف
وروى ابن حزم عنه " أن رجلا قتل في البلد الحرام في الشهر الحرام فقال ابن عباس جديته اثنا عشر ألفا وللشهر الحرام والبلد الحرام أربعة آلاف " وذهبت العترة وأبو حنيفة إلى عدم التغليظ في جميع ما سلف إلا في شبه العمد فإن أبا حنيفة يغلظ فيه

باب العاقلة وما تحملة

1 - صح عنه عليه السلام " أنه قضى بدية المرأة المقتولة ودية جنينها على عصبة القاتلة " وروى جابر قال " كتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كل بطن عقولة ثم كتب أنه لا يحل أن يتوالي مولي رجل مسلم بغير إذنه "
- رواه أحمد ومسلم والنسائي

2 - وعن عبادة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى في الجنين المقتول بغرة عبد أو أمة قال فورثها بعلها وبنوها قال وكان من امرأتيه كلتيهما ولد فقال أبو القاتلة المقضى عليه يا رسول الله كيف أغرم من لا صاح ولا استهل ولا شرب ولا أكل فمثل ذلك بطل فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا من الكهان "
- رواه عبد الله بن أحمد في المسند

3 - وعن جابر " أن امرأتين من هذيل قتلت احداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دية المقتولة على عافلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها قال فقال عاقلة المقتولة ميراثها لنا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا ميراثها لزوجها وولدها "
- رواه أبو داود وهو حجة في أن ابن المرأة ليس من عاقلتها

- الحديث الأول الذي أشار إليه المصنف بقوله صح عنه أنه قضى الخ قد تقدم قي باب دية الجنين . وحديث عبادة قد تقدم ما يشهد له في باب دية الجنين أيضا . وحديث جابر أخرجه أيضا ابن ماجه وصححه النووي في الروضة وفي اسناده مجالد وهو ضعيف لا يحتج بما انفرد به ففي تصحيحه ما فيه
وقد تكلم جماعة من الأئمة في مجالد بن سعيد وقد اختلفت الاحاديث ففي بعضها ما يدل على أن لكل واحدة من المرأتين المقتتلتين زوجا غير زوج الأخرى كما في حديث جابر المذكور في الباب وكما في حديث أبي هريرة عند الشيخين بلفظ " إن امرأتين من هذيل اقتتلتا لكل واحدة منهما زوج فبرأ الزوج والولد ثم ماتت القاتلة فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ميراثها لبنيها والعقل على العصبة
وفي بعض الاحاديث ما يدل على أن المرأتين المقتتلتين زوجهما واحد كما في حديث الباب وكما أخرجه الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمر الهذلى عن أبيه قال كان فينا رجل يقال له حمل بن مالك له امرأتان احداهما هذلية والأخرى عامرية فضربت الهذلية بطن العامرية وأخرجه الحرث من طريق أبي المليح فأرسله لم يقل عن أبيه ولفظه " أن حمل بن النابغة كان له امرأتان مليكة وامرأة منا يقال لها أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة فضربت أم عفيف مليكة وفي رواية لابن عباس عند أبي داود احداهما مليكة والأخرى أم عطيف
قوله : " باب العاقلة " بكسر القاف جمع عاقل وهو دافع الدية وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدرلأن الإبل كانت تعقل بفناء ولي المقتول ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلا وعاقلة الرجل قرابته من قبل الأب وهم عصبته وهم الذين كانوا يعقلون الإبل على باب ولي المقتول وتحميل العاقلة الدية ثابت بالسنة وهو إجماع أهل العلم كما حكاه في الفتح وتضمين العاقلة مخالف لظاهر قوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } فتكون الأحاديث يتضمين العاقلة مخصصة لعموم لما في ذلك من المصلحة لأن القاتل لو أخذ بالدية لأوشك أن تأتي على جميع ماله لأن تتابع الخطا لا يؤمن ولو ترك بغير تغريم لأهدر دم المقتول . وعاقلة الرجل عشيرته فيبدأ بفخذه الأدنى فإن عجزوا ضم إليهم الأقرب فالأقرب المكلف الذكر الحر من عصبة الذكر ثم من بيت المال
وقال الناصر أنها تجب على العصبة ثم السبب ثم أهل الديوان يعني جند السلطان وقال أبو حنيفة أنها تجب على أهل الديوان ولا شيء على الورثة لأن عمر جعلها على أهل الديوان دون أهل الميراث ولم ينكر هذا في البحر ولا يخفى ما في ذلك من المخالفة للأحاديث الصحيحة
وقد حكي عن الأعصم وابن علية وأكثر الخوارج أن الدية الخطا في مال القاتل ولا تلزم العاقلة . وحكي عن غلقمة وابن أبي ليلى وابن شبرمة والبتى وأبي ثور أن الذي يلزم العاقلة هو الخطا المحض وعمد الخطأ ي مال القاتل
قوله : " على كل بطن عقولة " بضم العين المهملة والقياس في مصدر عقل أن يأتي على العقل أو العقول وإنما دخلت الهاء لإفادة المرة الواحدة
قوله : " لا يحل ان يتولى مولى رجل " الخ فيه تحريم ان يتولى موالي رجل مولى رجل آخر وليس المراد بقوله بغير إذنه أنه يجوز ذلك مع الإذن بل المراد التأكيد كقوله تعالى { لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } قوله " قضى في الجنين المقتول بغرة " الخ قد تقدم تفسير الجنين والغرة وما يتعلق بهما في باب دية الجنين
قوله : " وبرأ زوجها وولدها " فيه دليل على أن الزوج والولد ليسا من العاقلة وإليه ذهب مالك والشافعي وذهبت العترة إلى أن الولد من جملة العاقلة وقد تقدم كلام في ذلك

4 - وعن عمران بن حصين " ان غلام لأناس فقراء قطع أذن غلام لأناس أغنياء فاتى أهله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا يا نبي الله إنا أناس فقراء فلم يجعل عليه شيئا "
- رواه أحمد وأبو داود والنسائي . وفقهه أن ما تحمله العاقلة يقط عنهم بفقرهم ولا يرجع على القاتل

- الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه وصحح الحافظ إسناده وهو عند أبي داود من رواية أحمد بن حنبل عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أبي نضرة عن عمران بن حصين وهذا إسناد صحيح ( وفي الحديث ) دليل على أن الفقير لا يضمن أرش ما جناه ولا يضمن عاقلته ايضا ذلك
قال البيهقي إن كان المراد فيه الغلام المملوك فإجماع أهل العلم على أن جناية العبد في رقبته وقد حمل الخطابي على أن الجاني كان حرا وكانت الجناية خطأ وكانت عاقلته فقراء فلم يجعل عليهم شيئا إما لفقرهم وإما لأنهم لا يعقلون الجناية الواقعة من العبد على العبد على فرض أن الجاني كان عبدا وقد يكون الجاني غلاما حرا وكانت الجناية عمدا فلم يجعل أرشها على عاقلته وكان فقيرا فلم يجعل في الحال عليه شيئا أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء فلم يجعل عليهم شيئا لفقرهم لا عليه لكون جنايته في حكم الخطأ هذا معنى كلا الخطابي وقد ذهب أكثر العترة إلى أن جناية الخطأ تلزم العاقلة وإن كانوا فقراء قالوا إذا شرعت لحقن دم الخاطئ الخاطئ نعم الوجوب وقال الشافعي لا تلزم الفقير وقال أبو حنيفة إذا كان له حرفة وعمل وقد ذهب الشافعي في أحد قوليه إلى ان عمد الصغير تلزم الفقير في ماله وكذلك المجنون ولا يلزم العاقلة . وذهبت العترة وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه إلى أن عمد الصبي والمجنون على عاقلتهما واستدل لهم في البحر بما روى عن علي عليه السلام أنه قال لا عمد للصبيان والمجانين قال وهو توقيف أو اجتهاد اشتهر ولم ينكر ولا بد من تأويل لفظ الغلام بما سلف لما تقدم من الإجماع وسيأتي أيضا حديث ان العاقلة لا تعقل جناية العبد

5 - وعن عمر بن الأحوص " أنه شهد حجة الوداع مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يجني جان إلا على نفسه لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده "
- رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه

6 - وعن الخشخاش العنبري قال " أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعي ابن لي فقالت ابنك هذا فقلت نعم قال لا يجني عليك و لا تجني عليه "
- رواه أحمد وابن ماجه

7 - وعن أبي رمثة قال " خرجت مع أبي حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرأيت برأسه ردع حناء وقال لأبي هذا ابنك قال نعم قال أما أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه وقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تزر وازرة وزر أخرى "
- رواه أحمد وأبو داود

8 - وعن ابن مسعود قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه "
- رواه النسائي

9 - وعن رجل من بني يربوع قال " أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يكلم الناس فقام إليه الناس فقالوا يا رسول الله هؤلاء بنو فلان الذين قتلوا فلانا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا تجن نفس على نفس "
- رواه أحمد والنسائي

- حديث عمرو بن الأحوص أخرجه أيضا أبو داود كما روى ذلك عنه صاحب التلخيص ورجال إسناده ثقات إلا سليمان بن عمرو بن الحوص وهو مقبول . وحديث الخشخاش أورده في التلخيص وسكت عنه وله طرق رجال أسانيدها ثقات وروى نحوه الطبراني مرسلا بإسناده رجال ثقات . وحديث أبي رمثة أخرجه أيضا النسائي والترمذي وحسنه وصححه ابن خزيمة وابن الحارود والحاكم
قال الحافظ و أخرج نحوه أحمد والنسائي من رواية ثعلبة بن زهدم . وللنسائي وابن ماجه وابن حبان من رواية طارق المحاربي . ولابن ماجه من رواية أسامة بن شريك انتهى . وحديث ابن مسعود أخرجه أيضا البزار ورجاله رجال الصحيح . وحديث الرجل من بني يربوع رجال أحمد رجال الصحيح . وأحاديث الباب يشهد بعضها لبعض ويقوي بعضها بعضا والثلاثة الأحاديث الأولة تدل على أنه لا يضمن الولد من جناية أبيه شيئا ولا يضمن الوالد من جناية ابنه شيئا أما عدم ضمان الولد فهو مخصوص من ضمان العاقلة بما سلف من حديث جابر
وأما الأب فقد استدل بهذه الأحاديث على أنه لا يضمن جناية ابنه كما أن الابن لا يضمن جناية الأب وإلى ذلك ذهب مالك والشافعي في الابن والأب كما تقدم وجعلا هذه الأحاديث مخصصة لعموم الأحاديث القاضية بضمان العاقلة على العموم فلا يكون الأب والابن من العاقلة التي تضمن الجناية الواقعة على جهة الخطأ وخالفتهما في ذلك العترة كما سلف ويمكن الاستدلال لهم بأن هذه الأحاديث قاضية بعدم ضمان البن لجناية الأب والأب لجناية الابن سواء كانت عمدا أو خطأ فتكون مخصصة بالأحاديث القاضية بضمان العاقلة وهذا وإن سلم فلا يتم باعتبار الابن لأنه خرج من عموم العاقلة بما تقدم من حديث جابر من أنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل دية المقتول على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها ( والحاصل ) أنه قد تعارض ههنا عمومان لأن الأحاديث القاضية بضمان العاقلة هي أعم من الأب وغيره من الأقارب كما سلف والأحاديث المذكورة هي أعم من جناية العمد والخطأ والقسامة ليس من تحمل عقوبة الجناية وإنما هو من باب النصرة والمعاضدة فيما بين الأقارب فلا معارصة بين هذه الأحاديث وأحاديث ضمان العاقلة وقد تقدم في باب دية الجنين من حديث ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي القاتلة أد في الصبي غرة " وجعله المصنف دليلا على أن الأب من العاقلة كما سلف
وأما حديث ابن مسعود وحديث الرجل الذي من بني يربوع فإنهما يدلان على أنه لا يؤاخذ أحد بذنب أحد في عقوبة ولا ضمان ولكنهما مخصصان بأحاديث ضمان العاقلة المتقدمة لأنهما أعم مطلقا كما خصص بها العموم قوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى } وقد قدمنا أن ضمان العاقلة لجناية الخطأ مجمع عليه على ما حكاه صاحب الفتح وقد حمل المصنف رحمه الله هذه المعلومات على جناية العمد كما سيأتي
قوله : " وعن خشخاش " بخائين معجمتين مفتوحتين وشينين معجمتين الأولى ساكنة
قوله : " عن أبي رمثة " بكسر الراء المهملة وبعدها ميم ساكنة وثاء مثلثة وتاء تأنيث واسمه رفاعة بن يثربي بفتح التحتية بعدها مثلثة ساكنة ثم راء مكسورة ثم باء موحدة ثم ياء النسبة وفي اسمه اختلاف كثير
قوله : " ردع " بفتح الراء وسكون الدال المهملة بعدها عين مهملة وهو لطخ من زعفران أو دم أو حناء أو طيب أو غير ذلك وهو هنا من حناء كما وقع مبينا في الرواية
قوله : " بجزيرة أبيه " بجيم فراء فتحتية فراء فهاء تأنيث قال في القاموس والجزيرة والذنب والجناية

10 - وعن عمر قال العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة "
- رواه الدارقطني وحكى أحمد عن ابن عباس مثله
وقال الزهري مضت السنة أن العاقلة لا تحمل شيئا من الدية إلا أن يشاؤا رواه عنه مالك في الموطأ . وعلى هذا وأمثاله تحمل العمومات المذمورة

- أثر عمر أخرجه أيضا البيهقي قال الحافظ وهو منقطع وفي إسناده عبد الملك ابن حسين وهو ضعيف قال البيهقي والمحفوظ أنه عن عامر الشعبي من قوله . وأثر ابن عباس أخرجه أيضا البيهقي ولفظه " لا تحمل العاقلة عمدا ولا صلحا ولا اعترافا ولا ما جنى الملوك " وقول الزهري روى معناه البيهقي عن أبي الزناد عن الفقهاء من أهل المدينة وفي الباب عن عبادة بن الصامت عند الدارقطني والطبراني " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لا تجعلوا على العاقلة من دية المعترف شيئا " وفي إسناده محمد بن سعيد المصلوب وهو كذاب
وفيه أيضا الحرث بن نبهان وهو منكر الحديث
وقد تمسك بما في الباب من قال إن العاقلة لا تعقل العمد ولا العبد ولا الصلح ولا الاعتراف وقد اختلف في المجني عليه إذا كان عبدا فذهب الحكم وحماد والعترة وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه إلى أن العاقلة تحمل العبد كالحر . وذهب مالك والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنها لا تحمله وقد أجيب عن قول عمر مع كونه مما لا يحتج به لكون أقوال الصحابة لا تكون حجة إلا إذا أجمعوا أن المراد أن العاقلة لا تعقل الجناية الواقعة من العبد على غيره كما يدل على ذلك قول ابن عباس الذي ذكرناه بلفظ " ولا ما جنى المملوك " ( والحاصل ) أنه لم يكن في الباب ما ينبغي إثبات الأحكام الشرعية بمثله فالمتوجه الرجوع إلى الأحاديث القاضية بضمان العاقلة مطلقا لجناية الخطأ ولا يخرج عن ذلك إلا ما كان عمدا وظاهره عدم الفرق بين كون الجناية الواقعة على جهة العمد من الرجل على غيره أو على نفسه وإليه ذهبت العترة والحنفية والشافعية وذهب الأوزاعي وأحمد وإسحاق إلى أن جناية العمد على نفس الجاني مضمونة على عاقلتة واعلم أنه قد وقع الإجماع على أن دية الخطأ مؤجلة على العاقلة ولكن اختلفوا فيمقدار الأجل فذهب الأكثر إلى أن الأجل ثلاث سنين
وقال ربيعة إلى خمس وحكى في البحر عن بعض الناس بعد حكايته للإجماع السابق إنها تكون حالة إذلم يرو عنه صلى الله عليه وآله وسلم تأجيلها
قال عمر وابن عباس ولم ينكر انتهى
قال الشافعي في المختصر لا أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدية على العاقلة في ثلاث سنين قال الرافعي تكلم أصحابنا في ورود الخبر بذلك فمنهم من قال ورد ونسبه إلى رواية علي عليه السلام ومنهم من قال ورد أنه صلى الله عليه وآله وسلم قضى بالدية على العاقلة وأما التأجيل فلم يرد به الخبر وأخذ ذلك من إجماع الصحابة
وقال ابن المنذر ما ذكره الشافعي لا نعرفه أصلا من كتاب ولا سنة وقد سئل عن ذلك أحمد بن حنبل فقال لا نعرف فيه شيئا فقيل أن أبا عبد الله يعني الشافعي رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال لعله سمعه من ذلك المدني فإنه كان حسن الظن به يعني إبراهيم بن أبي يحيى وتعقبه ابن الرفعة بأن من عرف حجة علي من لم يعرف
وروى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب قال من السنة أن تنجم الدية في ثلاث سنين وقد وافق الشافعي على نقل الإجماع الترمذي في جامعه وابن المنذر فحكى كل واحد منهما الإجماع
وقد روى التأجيل ثلاث سنين ابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي عن عمر وهو منقطع لأنه من رواية الشعبي عنه . رواه عبد الرزاق أيضا عن ابن جريج عن أبي وائل قال أن عمر بن الخطاب جعل الدية الكاملة في ثلاث سنين وجعل نصف الدية في سنتين وما دون النصف في سنة وروى البيهقي التأجيل المذكور عن أمير المؤمنين على رضوان الله تعالى عليه وهو منقطع وفي إسناده ابن لهيعة

كتاب الحدود

باب ما جاء في رجم الزاني المحصن وجلد البكر وتغريبها

1 - عن أبي هريرة وزيد بن خالد أنهما " قالا أن رجلا من الأعراب أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال يا رسول الله أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله وقال الخصم الآخر وهو أفقه منه نعم فاقض بيننا بكتاب الله وائذن لي فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قل قال أن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بأمرأته وأني أخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه شاة ووليدة فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام واغد يا أنيس لرجل من أسلم الي امرأة هذا فإن أعترفت فارجمها قال فغدا عليها فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجمت "
- رواه الجماعة
قال مالك العسيف الأجير ويحتج به من يثبت الزنا بالإقرار مرة يقتصر على الرجم

2 - وعن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى فيمن زنى ولم يحصن بنفي عام وإقامة الحد عليه "

3 - وعن الشعبي " أن عليا رضي الله عنه حين رجم المرأة ضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "
- رواهما أحمد والبخاري

4 - وعن عبادة بن الصامت قال " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة والهثيب بالثيب جلد مائة والرجم "
- رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي

5 - وعن جابر بن عبد الله " أن رجلا زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم "
- رواه أبو داود

6 - وعن جابر بن سمرة " أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رجم ماعز بن مالك ولم يذكر جلدا "
- رواه أحمد

- حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري وقد قدمنا في أول الكتاب أن ما سكتنا عنه فهو صالح للاحتجاج به وقد أخرجه أبو داود عنه من طريقين ورجال اسناده رجال الصحيح
وأخرجه أيضا النسائي . وحديث جابر ابن سمرة أخرجه أيضا البيهقي وأورده الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه وقد أخرجه أيضا البزار قال في الزوائد في اسناده صفوان بن المغلس لم أعرفه وبقية اسناده ثقات . وحديثه أصله في الصحيح وسيأتي " كتاب الحدود " الحد لغة المنع ومنه سمى البواب حدادا وسميت عقوبات المعاصي حدودا لأنها تمنع العاصي من العود إلى تلك المعصية التي حد لأجلها في الغالب . وأصل الحد الشيء الحاجز بين الشيئين ويقال على ما ميزا الشيء عن غيره ومنه حدود الدار والأرض ويطلق الحد أيضا على نفس المعصية ومنه ( وتلك حدود الله فلا تقربوها )
وفي الشرع عقوبة مقدرة لأجل حق الله فيخرج التعزيز لعدم تعديره والقصاص لأنه حق لآدمي
قوله : " أنشدك الله " بفتح الهمزة وسكون النون وضم المعجمة أي أذكرك الله
قوله : " إلا قضيت لي بكتاب الله أي لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله فالفعل مؤول بالمصدر للضرورة أو بتقدير حرف المصدر فيكون الاستثناء مفرغا . والمراد بكتاب الله ما حكم الله على عباده سواء كان من القرآن أو على لسان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقيل المراد به القرآن فقط
قوله : " وهو أفقه منه " لعل الراوي عرف ذلك قبل الواقعة أو استدل بما وقع منه في هذه القضية على أنه أفقه من صاحبه
قوله : " قال إن ابني هذا " الخ القائل هو الآخر الذي وصفه الراوي بأنه أفقه كما يشعر بذلك السياق
وقال الكرماني أن القائل هو الأول ويدل على ذلك ما وقع في كتاب الصلح من صحيح البخاري بلفظ " فقال الأعرابي إن ابني " بعد قوله في الحديث " جاء اعرابي " قال الحافظ والمحفوظ ما في سائر الطرق
قوله : " عسيفا على هذا " بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة أيضا وتحتية وفاء كالأجير وزنا ومعني وقد وقع تفسير ذلك في صحيح البخاري مدرجا كما أشار إليه المصنف ووقع في رواية للنسائي بلفظ " كان ابني اجيرا لامرأته " ويطلق العسيف على السائل والعبد والخادم . العسف في اصل اللغة الجور وسمي الأجير بذلك لأن المستأجر يعسفه على العمل أي يجور عليه . ومعنى قوله على قوله هذا عند هذا
قوله : " وأني أخبرت " على البناء للمجهول
قوله : " جلد مائة " بالإضافة في رواية الأكثرين وقريء بتنوين جلد ونصب مائة
قال الحافظ ولم يثبت رواية
قوله : " والغنم رد " أي مردود
وقد استدل بذلك على عدم حل الأموال المأخوذة في الصلح مع عدم طيبة النفس
قوله : " وعلى ابنك جلد مائة " حكمه صلى الله عليه وآله وسلم بالجلد دون سؤال عن الإحصان يشعر بأنه عالم بذلك من قبل
ووقع في رواية بلفظ " وابني لم يحصن " قوله " يا أنيس " بضم الهمزة بعدها نون ثم تحتية ثم سين مهملة مصغرا
قال ابن عبد البر هو ابن الضحاك الأسلمي وقيل ابن مرشد
وقال ابن السكن في كتاب الصحابة لم أدر من هو ولا ذكر إلا في هذا الحديث غلط بعضهم فقال أنه أنس بن مالك وليس الأمر كذلك فإن أنس بن مالك أنصاري وهذا أسلمى كما وقع التصريح بذلك في حديث الباب
قوله : " فإن اعترفت فارجمها " فيه دليل لمن قال إنه يكفي الإقرار مرة وسيأتي الخلاف في ذلك وبيان ماهو الحق وقد استشكل بعثه صلى الله عليه وآله وسلم إلى المرأة مع أمره لمن أتى الفاحشة بالستر وأجيب بأن بعثه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليها لم يكن لأجل إثبات الحد عليها بل لأنها لما قذفت بالزنا بعث إليها لتنكر فتطالب بحد القذف أو تقر بالزنا فيسقط حد القذف
قوله : " فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجمت " في رواية الأكثرين فأعترفت فرجمها
وفي رواية مختصرة " فغدا عليها فرجمها "
وفي رواية وأما امرأة هذا فترجم والرواية المذكورة في الباب أتم من سائر الروايات لاشعارها بأن انيسا أعاد جوابها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأمر بها فرجمها
قال الحافظ والذي يظهر أن أنيسا لما اعترفت أعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبالغة في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترفها ولكنه لابد من أن يقال أن أنيسا أعلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه غيره ممن يصح أن يثبت بشهادة حد الزنا لكنه اختصر ذلك في الرواية وإن كان قد استدل به البعض بأنه يجوز للحاكم أم يحكم بإقرار الزاني من غير أن يشهد عليه غيره وأنيس قد فوض إليه صلى الله عليه وآله وسلم الحكم وقد يجاب عنه بانها واقعة عين ويحتمل أن يكون أنيس قد أشهد قبل رجمها
وقد حكى القاضي عياض عن الشافعي في قوله وأبي ثور أنه يجوز للحاكم في الحدود أن بحكم بما أقربه الخصم عنده وأبى ذلك الجمهور . " قوله بنفى عام " في هذا الحديث
وفي حديث أبي هريرة المذكور قبله
وفي حديث عبادة بن الصامت المذكور بعده دليل على ثبوت التغريب ووجوبه على من كان غير محصن
وقد ادعى محمد بن نصر في كتاب الإجماع الاتفاق على نفي الزاني البكر إلا عن الكوفيين
وقال ابن المنذر أقسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله تعالى ثم قال إ عليه جلد مائة وتغريب عام وهو المبين لكتاب الله تعالى وخطب عمر بذلك على رؤوس المنابر وعمل به الخلفاء الراشدون ولم ينكره أحد فكان إجماعا
وقد حكى القول بذلك صاحب البحر عن الخلفاء الأربعة وزيد بن علي والصادق وابن أبي ليلى والثوري ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والإمام يحيى وأحد قولي الناصر . وحكى عن القاسمية وأبي حنيفة وحماد أنه التغريب والحبس غير واجبين واستدل لهم بقوله إذ لم يذكرا في آية الجلد وبقوله صلى الله عليه وآله وسلم " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها " الحديث وهذا الاستدلال من الغرائب فأن عدم ذكر التغريب في آية الجلد لا يدل على مطلق العدم وقد ذكر التغريب في الأحاديث الصحيحة الثابتة باتفاق أهل العلم بالحديث من طريق جماعة من الصحابة بعضها ذكره المصنف في الباب وبعضها لم يذكر وليس بين هذا الذكر وبين عدمه في الآية منافاة وما أشبه هذا الاستدلال بما استدل به الخوارج على عدم ثبوت رجم المحصن فقالوا لأنه لم يذكر في كتاب الله وأغرب من هذا استدلاله بعدم ذكر التغريب في قوله " إذا زنت أمة أحدكم " ( والحاصل ) أن أحاديث التغريب قد جاوزت حد الشهرة المعتبرة عند الحنفية فيما ورد من السنة زائدا على القرآن فليس لهم معذرة عنها بذلك وقد عملوا بما هو دونها بمراحل كحديث نقض الوضوء بالقهقهة وحديث جواز الوضوء بالنبيذ وهما زيادة على ما في القرآن وليس هذه الزيادة مما يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون مجزئا حتى تتجه دعوى النسخ وقد أجاب صاحب البحر عن أحاديث التغريب بأنه عقوبة لاحد ويجاب عن ذلك بالقول بموجبه فإن الحدود كلها عقوبات والنزاع في ثبوته لا في مجرد التسمية وأما الاستدلال بحديث سهل بن سعد عند أبي داود أن رجلا من بكر بن ليث أقر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه زنى بامرأة وكان بكرا فجلده النبي صلى الله عليه وآله وسلم مائة وسأله البينة على المرأة إذ كذبته فلم يأت بشيء فجلده حد الفرية ثمانين جلدة قالوا ولو كان التغريب واجبا لما أخل به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجاب عنه باحتمال ان يكون ذلك قبل مشروعية التغريب غاية الأمر احتمال تقدمه وتأخره على أحاديث التغريب والمتوجه عند ذلك المصير إلى الزيادة التي لم تقع منافيه للمزيد ولا يصلح ذلك للصرف عن الوجوب إلا على فرض تأخره ولم يعلم وهكذا يقال في حديث " إذا زنت أمة أحدكم " المتقدم وبه يندفع ما قاله الطحاوي من أنه ناسخ للتغريب معللا ذلك بأنه إذا سقط عن الأمة سقط عن الحرة لأنها في معناها قال ويتأكد ذلك بأحاديث " لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم " وقد تقدمت قال وإذا انتفى عن النساء انتفى عن الرجال قال وهو مبني على أن العموم إذا خص سقط الاستدلال به وهو مذهب ضعيف انتهى . وغاية الأمر أنا لو سلمنا تأخر حديث الأمة عن أحاديث التغريب كان معظم ما يستفاد منه أن التغريب في حق الأماء ليس بواجب ولا يلزم ثبوت مثل ذلك في حق غيرها أو يقال أن حديث الأمة المذكور مخصص لعموم أحاديث التغريب مطلقا على ما هو الحق من أنه يبني العام على الخاص تقدم أو تأخر أو قارن ولكن ذلك التخصيص باعتبار عدم الوجوب في الخاص لا باعتبار عدم الثبوت مطلقا فإن مجرد الترك لا يفيد مثل ذلك وظاهر أحاديث التغريب أنه ثابت في الذكر والأنثى وإليه ذهب الشافعي وقال مالك والأوزاعي لا تغريب عن المرأة لانها عورة وهو مروي عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وظاهرها أيضا أنه لا فرق بين الحر والعبد وإليه ذهب الثوري وداود والطبري والشافعي في قول له والإمام يحيى ويؤيده في قوله تعالى { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب }
وقد ذهب بعضهم إلى أنه ينصف في حق الأمة والعبد قياسا على الحد وهو قياس صحيح
وفي قول للشافعي إنه لا ينصف فيهما وذهب مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق والشافعي في قول له وهو مروي عن الحسن إلى أنه لا تغريب للرق واستدلوا بحديث " إذا زنت أمة أحدكم " المتقدم وقد تقدم الجواب عن ذلك وسيأتي الحديث أيضا في باب السيد يقيم الحد على رقيقه . وظاهر الأحاديث المذكورة في الباب أن التغريب هو نفي الزاني عن محله سنة وإليه ذهب مالك والشافعي وغيرهما ممن تقدم ذكره . والتغريب يصدق بما يطلق عليه اسم الغربة شرعا فلا بد من إخراج الزاني عن المحل الذي لا يصدق عليه اسم الغربة فيه قيل وأقله مسافة قصر . وحكي في البحر عن علي وزيد بن علي والصادق والناصر في أحد قوليه إن التغريب هو حبس سنة وأجاب عنه بأنه خالف لوضع التغريب وتعقبه صاحب ضوء النهار أن مخالفة الوضع لا تنافي التجوز وهما مشتركان في فقد الأنيس قال ومنه " بدا الدين غريبا وسيعود غريبا " وجعل قرينة المجاز حديث النهي عن سفر المرأة مع غير محرم ويجاب عن هذا التعقب بأن الواجب حمل الأحكام الشرعية على ما هي حقيقة فيه في لسان الشارع ولا يعدل عن ذلك إلى المجاز إلا المجيء ولا ملجئ هنا فأن التغريب المذكور في الأحاديث شرعا هو اخراج الزاني عن موضع اقامته بحيث يعد غريبا والمحبوس في وطنه لا يصدق عليه ذلك الاسم وهذا المعنى هو المعروف عند الصحابة الذين هم أعرف بمقاصد الشارع فقد غرب عمر من المدينة إلى الشام وغرب عثمان إلى مصر وغرب ابن عمر أمته إلى فدك
وأما النهي عن سفر المرأة فلا يصلح جعله قرينة على أن المراد بالتغريب هو الحبس . أما أولا فلأن النهي مقيد بعدم المحرم
وأما ثانيا فلانه عام مخصوص بأحاديث التغريب
وأما ثالثا فلان أمر التغريب إلى الإمام لا إلى المحدود ونهى المرأة عن السفر إذا كانت مختارة له وأما مع الإكراه من الإمام فلا نهى يتعلق بها قوله " جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله " في هذا الحديث وكذلك في حديث عبادة المذكور بعده . وحديث جابر بن عبد الله دليل على أنه يجمع للمحصن بين الجلد والرجم . أما الرجم فهو مجمع عليه وحكى في البحر عن الخوارج أنه غير واجب وكذلك حكاه عنهم أيضا ابن العربي وحكاه أيضا عن بعض المعتزلة كالنظام وأصحابه ولا مستند لهم إلا أنه لم يذكر في القرآن وهذا باطل فإنه قد ثبت بالسنة المتواترة المجمع عليها . وأيضا هو ثابت بنص القرآن لحديث عمر عند الجماعة أنه قال كان مما أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آية الرجم فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجمنا بعده ونسخ التلاوة لا يستلزم نسخ الحكم كما أخرجه أبو داود من حديث ابن عباس
وقد أخرج أحمد والطبراني في الكبيرمن حديث أبي أمامة بن سهل عن خالته العجماء أن فيما أنزل الله من القرآن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة
وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي بن كعب بلفظ " كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها آية الرجم الشيخ والشيخة " الحديث
وأما الجلد فقد ذهب إلى إيجابه على المحصن مع الرجم جماعة من العلماء منهم العترة وأحمد وإسحاق وداود الظاهري وابن المنذر تمسكا بما سلف وذهب مالك والحنفية والشافعية وجمهور العلماء إلى لا أنه يجلد المحصن بل يرجم فقط وهو مروي عن أحمد بن حنبل وتمسكوا بحديث سمرة في أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يجلد ماعزا بل اقتصر على رجمه قالوا وهو متأخر عن أحاديث الجلد فيكون ناسخا لحديث عبادة بن الصامت المذكور ويجاب بمنع التأخر المدعى فلا يصلح ترك جلد ماعز للنسخ لأنه فرع التأخر ولم يثبت ما يدل على ذلك ومع عدم ثبوت تأخره لا يكون ذلك الترك مقتضيا لإبطال الجلد الذي أثبته القرآن على كل من زنى ولا ريب أنه يصدق على المحصن أنه زان فكيف إذا انضم إلى ذلك من السنة ما هو صريح في الجمع بين الجلد والرجم للمحصن كحديث عبادة المذكور ولا سيما وهو صلى الله عليه وآله وسلم في مقام البيان والتعليم لأحكام الشرع على العموم بعد أن أمر الناس في ذلك المقام بأخذ ذلك الحكم عنه فقال خذوا عني خذوا عني
فلا يصلح الاحتجاج بعد نص الكتاب والسنة بسكوته صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المواطن أو عدم بيانه لذلك أو إهماله للأمر به وغاية ما في حديث سمرة أنه لم يتعرض لذكر جلده صلى الله عليه وآله وسلم لماعز ومجرد هذا لا ينتهض لمعارضة ما هو في رتبته فكيف بما بينه وبينه ما بين السماء والأرض وقد تقرر أن المثبت أولى من النافي ولا سيما كون المقام مما يجوز فيه أن الراوي ترك ذكر الجلد لكونه معلوما من الكتاب والسنة وكيف يليق بعالم أن يدعي نسخ الحكم الثابت كتابا وسنة بمجرد ترك الراوي لذلك الحكم في قضية عين لا عموم لها وهذا أمير المؤمنين على ابن أبي طالب رضي الله عنه يقول بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم بعدة من السنين لما جمع لتلك المرأة بين الرجم والجلد جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله فكيف يخفى على مثله الناسخ وعلي من بحضرته من الصحابة الأكابر ( وبالجملة ) أنا لو فرضنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بترك جلد ماعز وصح لنا ذلك لكان على فرض تقدمه منسوخا وعلي فرض التباس المتقدم بالمتأخر مرجوحا ويتعين تأويله بما يحتمله من وجوه التأويل وعلى فرض تأخره غاية ما فيه أنه يدل على أن الجلد لمن استحق الرجم غير واجب لا غير جائز ولكن أين الدليل على التأخر قال ابن المنذر عارض بعضهم الشافعي فقال الجلد ثابت على البكر بكتاب الله والرجم ثابت بسنة رسول الله كما قال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة وعمل به أمير المؤمنين علي ووافقه أبي وليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه وكونه الأفضل انتهى
وقد استدل الجمهور أيضا بعدم ذكر الجلد في رجم الغامدية وغيرها قالوا وعدم ذكره يدل على عدم وقوعه وعدم وقوعه يدل على عدم وجوبه ويجاب بمنع كون عدم الذكر يدل على عدم الوقوع لم لا يقال أن عدم الذكر لقيام أدلة الكتاب والسنة القاضية بالجلد وأيضا عدم الذكر لا يعارض صرائح الأدلة القاضية بالإثبات وعدم العلم ليس علما بالعدم ومن علم حجة على من لم يعلم

باب رجم المحصن من أهل الكتاب وإن الإسلام ليس بشرط في الإحصان

1 - عن ابن عمر " أن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم برجل وامرأة منهم قد زنيا فقال ما تجدون في كتابكم فقالوا تسخم وجوههما ويخزيان قال كذبتم إن فيها الرجم فأتوا بالتوراة فاتلوتها أن كنتم صادقين فجاؤا بالتوراة وجاؤا بقار لهم فقرأ حتى إذا انتهى إلى موضع منها وضع يده عليه فقيل له ارفع يدك فرفع يده فإذا هي تلوح فقال أو قالوا يا محمد إن فيها الرجم ولكنا كنا نتكاتمه بيننا فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجما قال فلقد رأيته يجنأ عليها يقيها الحجارة بنفسه " وفي رواية أحمد " بقار لهم أعور يقال له ابن صوريا "

2 - وعن جابر بن عبد الله قال " رجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلا من أسلم ورجلا من اليهود وامرأة "
- رواه أحمد ومسلم . وعن البراء بن عازب قال " مر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يهودي محمم مجلود فدعاهم فقال أهكذا تجدون حد الزنا في كتابكم قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم قال . لا ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم ولكن كثرفي أشرافنا وكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه فأمر به فرجم فأنزل الله عز و جل يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا إلى قوله إن أوتيتم هذا فخذوه يقولون أئتوا محمد أفإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا فأنزل الله تبارك وتعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون قال هي في الكفار كلها "
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود

- قوله " تسخم " بسين مهملة ثم خاء معجمة قال في القاموس السخم محركة السواد والأسخم الأسود ثم قال وقد تسخم عليه وسخم بصدره تسخيما أغضبه ووجهه سوده : قوله " ويخزيان " بالخاء والزاء المعجمتين أي يفضحان ويشهران
قال في القاموس خزي كرضي خزيا بالكسر وقع في بلية وشهرة فذل بذلك وأخزاه الله فضحه
قوله : " فإذا هي تلوح " يعني آية الرجم
قوله : " فلقد رأيته يجنأ " بفتح أوله وسكون الجيم وفتح النون بعدها همزة أي ينحني
قال في القاموس جنأ عليه كجعل وفرح جنوأ وجنأ أكب كاجنأ وجانأ وتجانأ وكفرح أشرف كاهله على صدره فهو اجنأ والمجنأ بالضم الترس لا حديد فيه انتهى
وفي هذه اللفظة روايات كثيرة هذه أصحها على ما ذكره صاحب المشارق : قوله " رجلا من أسلم " هو ماعزبن مالك الأسلمي
قوله : " وامرأة هي الجهنية " ويقال لها الغامدية : قوله " محمم " بضم الميم الأولى وفتح الحاء المهملة وتشديد الميم الثانية مفتوحة اسم مفعول أي مسود الوجه والتحميم التسويد
( وأحاديث الباب ) تدل على أن حد الزنا يقام على الكافر كما يقام على المسلم
وقد حكى صاحب البحر الإجماع على أنه يجلد الحربي
وأما الرجم فذهب الشافعي وأبو يوسف والقاسمية إلى أنه يرجم المحصن من الكفار . وذهب أبو حنيفة ومحمد وزيد بن علي والناصر والإمام يحيى إلى أنه يجلد ولا يرجم قال الإمام يحيى والذمي كالحربي في الخلاف وقال مالك لا حد عليه
وأما الحربي المستأمن فذهب العترة والشافعي وأبو يوسف إلى أنه يحد وذهب مالك وأبو حنيفة ومحمد إلى أنه لا يحد وقد بالغ ابن عبد البر فنقل الاتفاق على ان شرط الاحصان الموجب للرجم هو الاسلام وتعقب بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك ومن جملة من قال بأن الإسلام شرط ربيعة شيخ مالك وبعض الشافعية ( وأحاديث الباب ) تدل على أنه يحد الذمي كما يحد المسلم . والحربي والمستأمن يلحقان بالذمي بجامع الكفر وقد أجاب من اشترط الإسلام عن أحاديث الباب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أمضى حكم التوراة على أهلها ولم يحكم عليهم بحكم الإسلام وقد كان ذلك عند مقدمه المدينة وكان إذ ذاك مأمورا باتباع حكم التوراة ثم نسخ ذلك الحكم بقوله تعالى { واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم } ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف ونصب مثله في مقابلة أحاديث الباب من الغرائب وكونه صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك عند مقدمه المدينة لا ينافي ثبوت الشرعية فإن هذا الحكم شرعه الله لأهل الكتاب وقرره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لنا إلى ثبوت الأحكام التي توافق أحكام الإسلام إلا بمثل هذه الطريق ولم يتعقب ذلك في شرعنا ما يبطله ولا سيما وهو مأمور بأن يحكم بينهم بما أنزل الله ومنهى عن اتباع أهوائهم كما صرح بذلك القرآن وقد أتوه صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه عن الحكم ولم يأتوه ليعرفهم شرعهم فحكم بينهم بشرعه ونبههم على أن ذلك ثابت في شرعهم كثبوته في شرعه ولا يجوز أن يقال أنه حكم بينهم بشرعهم مع مخالفته لشرعه لأن الحكم منه عليهم بما هو منسوخ عنده لا يجوز على مثله وإنما أراد بقوله فإني أحكم بينكم بالتوراة . كما وقع في رواية من حديث أبي هريرة إلزامهم الحجة
وأما الاحتجاج بقوله تعالى { واللأتي يأتين الفاحشة من نسائكم } فغاية ما فيه أن الله شرع هذا الحكم بالنسبة إلى نساء المسلمين وهو مخرج على الغالب كما في الخطابات الخاصة بالمؤمنين والمسلمين مع أن كثيرا منها يستوي فيه الكافر والمسلم بالإجماع ولو سلمنا أن الآية تدل بمفهومها على أن الكفار خارجات عن ذلك الحكم فهذا المفهوم قد عارضه منطوق حديث ابن عمر المذكور في الباب فإنه مصرح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم رجم اليهودية مع اليهودي ومن غرائب التعصبات ما روي عن مالك أنه قال إنما رجم النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهوديين لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه وتعقب بأنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا أقام الحد على من لا ذمة له فلأن يقيمه على من له ذمة بالأولى كذا قال الطحاوي
وقال القرطبي معترضا على قول مالك على أن مجيء اليهود سائلين له صلى الله عليه وآله وسلم يوجب لهم عهدا كما لو دخلوا للتجارة فإنهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم . وأجاب بعضهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لما أمر برجمها من دون استفصال عن الإحصان كان دليلا على أنه حكم بينهم بشرعهم لأنه لا يرجم في شرعهم إلا المحصن وتعقب ذلك بأنه قد ثبت في طريق عند الطبراني أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدارس وقد زنى رجل منهم بامرأة بعد إحصانها
وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال " زنى رجل وامرأة من اليهود وقد أحصنا " وفي إسناده رجل من مزينة لم يسم
وأخرج الحاكم من حديث ابن عباس " أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يهودي ويهودية قد أحصنا " وأخرج البيهقي من حديث عبد الله بن الحرث الزبيدي أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيهودي و يهودية قد زنيا وقد اخصنا وأسناده ضعيف فهذا يدل على أنه صلى الله عليه وآله وسلم علم الإحصان بإخبارهم له لأنهم جاؤا إليه سائلين يطلبون رخصة فيبعد أن يكتبوا عنه مثل ذلك ( ومن جملة ) ما تمسك به من قال إن الإسلام شرط حديث ابن عمر مرفوعا وموقوفا " من أشرك بالله فليس بمحصن " ورجح الدارقطني وغيره الوقف
وأخرجه إسحاق ابن راهويه في مسنده على الوجهين ومنهم من أول الإحصان في هذا الحديث بإحصان القذف . ولأحاديث الباب فوائد ليس هذا موضع بسطها

باب اعتبار تكرار الإقرار بالزنا أربعا

1 - عن أبي هريرة قال " أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد فناداه فقال يا رسول الله أني زنيت فأعرض عنه حتى ردد عليه أربع مرات فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال أبك جنون قال لا قال أحصنت قال نعم فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم اذهبوا به فارجموه قال ابن شهاب فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى فلما أذلقته الحجارة هرب فأدركناه بالحرة فرجمناه "
- متفق عليه . وهو دليل على أ الإحصان يثبت بالإقرار مرة وإن الجواب بنعم إقرار

2 - وعن جابر بن سمرة قال " رأيت ماعز بن مالك حين جيء به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو رجل قصير أعضل ليس عليه رداء فشهد على نفسه أربع مرات أنه زنى فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلعلك قال لا والله أنه قد زنى الأخر فرجنه "
- رواه مسلم وأبو داود . ولأحمد " أن ماعزا جاء فأقر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع مرات فأمر برجمه "

3 - وعن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لماعز بن مالك أحق ما بلغني عنك قالو ما بلغك عني قال بلغني أنك وقعت بجارية آل فلان قال نعم فشهد أربع شهادات فأمر به فرجم "
- رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه
وفي رواية " قال جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين فقال شهدت على نفسك أربع مرات اذهبوا به فارجموه "
- رواه أبو داود

4 - وعن أبي بكر الصديق " كنت عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالسا فجاء ماعز بن مالك فاعترف عنده مرة فرده ثم جاء فاعترف عنده الثانية فرده ثم جاء فاعترف عنده الثالثة فرده فقلت له إنك أن اعترفت رجمك قال فاعترف الرابعة فحبسه ثم سأل عنه فقالوا ما نعلم إلا خيرا قال فأمر برجمه "

5 - وعن بريدة قال " كنا نتحدث أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يرجمه وإنما رجمه عند الرابعة "
- رواهما أحمد

6 - وعن بريدة أيضا قال " كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نتحدث أن الغامدية وماعز بن مالك لو رجعا بعد اعترافهما أو قال لو لم يرجعا بعد اعترافهما لم يطلبهما وإنما رجمها بعد الرابعة "
- رواه أبو داود

- قصة ماعز قد رواها جماعة من الصحابة منهم من ذكره المصنف ومنهم جماعة لم يذكرهم وقد أتفق عليها الشيخان من حديث أبي هريرة وابن عباس وجابر من دون تسمية صاحب القصة وقد أطال أبو داود في سننه واستوفى طرقها . وحديث أبي بكر أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني وفي اسانيدهم كلهم جابر الجعفي وهو ضعيف . وحديث بريدة الآخر أخرج نحوه النسائي وفي إسناده بشير بن مهاجر الكوفي الغنوي
وقد أخرج له مسلم ووثفه يحيى بن معين
وقال الإمام أحمد منكر الحديث يجيء بالعجائب مرجيء متهم وقال أبو حاتم الرازي يكتب حديثه ولكنه يشهد لهذا الحديث حديثه الأول الذي ذكره المصنف . وحديث أبي بكر الذي قبله وكذلك الرواية الأخرى من حديث ابن عباس التي عزاها المصنف إلى أبي داود لأن قوله فيها شهدت على نفسك أربع مرات اذهبوا فارجموه يشعر بأن ذلك هو العلة في ثبوت الرجم وقد سكت أبو داود والمنذري عن هذه الرواية ورجالها رجال الصحيح
قوله : " أبكى جنون " وقع في رواية من حديث بريدة فسأل أبه جنون فأخبر بأنه ليس بمجنون
وفي لفظ " فأرسل إلى قومه فقالوا ما نعلم إلا أنه في العقل من صالحينا " وفي حديث أبي سعيد ما نعلم به بأسا ويجمع بين هذه الروايات بأنه سأله أولا ثم سأل عنه احتياطا وفيه دليل على أنه يجب على الإمام الاستفصال والبحث عن حقيقة الحال ولا يعارض هذا عدم استفصال فيها لا يدل على العدم لاحتمال أن يقتصر الراوي على نقل بعض الواقع
قوله : " فهل أحصنت " بفتح الهمزة أن تزوجت وقد روى في هذه القصة زيادات في الاستفصال . منها في حديث ابن عباس عند البخاري والنسائي وأبي داود بلفظ " لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت " والمعنى أنك تجوزت بإطلاق لفظ الزنا على مقدماته
وفي رواية لهم من حديث ابن عباس أيضا " أفنكتها قال نعم " وسيأتي ذلك في باب استفسار المقر وفي رواية لمسلم وأبي داود من حديث بريدة " أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال له اشربت خمرا قال لا " وفيه " فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريحا "
قوله : " اذهبوا به فارجموه " فيه دليل على أنه لا يجب أن يكون الإمام أول من يرجم وسيأتي الكلام على ذلك في باب أن السنة بداءة الشاهد بالرجم وبداءة الإمام به
وفيه أيضا دليل على أنه لا يحب الحفر للمرجوم لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يأمرهم بذلك وسيأتي بيان ذلك في باب ما جاء في الحفر للمرجوم
قوله : " فلما أذلقته الحجارة " بالذال المعجمة والقاف أي بلغت منه الجهد
قوله : " أعضل " بالعين المهملة والضاد المعجمة أي ضخم عضلة الساق
قوله : " أنه قد زنى الأخر " هو مقصور بوزن الكبد أي الأبعد
قوله : " فاقر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربع مرات " قد تطابقت الروايات التي ذكرها المصنف في هذا الباب على أن ماعزا أقر أربع مرات . ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم بلفظ " فاعترف ثلاث مرات " ووقع عند مسلم من طريق شعبة عن سماك قال فرده مرتين وفي أخرى مرتين أو ثلاثا قال شعبة فذكرته لسعيد بن جبير فقال أنه رده أربع مرات وقد جمع بين الروايات بجعل رواية المرتين على أنه اعترف مرتين في يوم ومرتين في يوم آخر ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود عن ابن عباس قال جاء ماعز إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين كما في الرواية المذكورة في الباب فلعله اقتصر الراوي على ما وقع منه في أحد اليومين وأما رواية الثلاث فلعله أقتصر الراوي فيها على المرات التي رده فيها فإنه لم يرده في الرابعة بل استثبت وسأله عن عقله ثم أمر برجمه
قوله : " لو رجعا بعد اعترافهما " أي رجعا على رحالهما ويحتمل انه أراد الرجوع عن الإقرار ولكن الظاهر الأول لقوله أو قال لو لم يرجعا فإن المراد به لم يرجعا إليه صلى الله عليه وآله وسلم فيكون معنى الحديث لو رجعا إلى رحالهما ولم يرجعا إليه صلى الله عليه وآله وسلم بعد كمال الإقرار لم يرجمهما وقد استدل بأحاديث الباب القائلون بأنه يشرط في الإقرار بالزنا أن يكون أربع مرات فإن نقص عنها لم يثبت الحد وهم العترة وأبو حنيفة وأصحابه وابن أبي ليلى وأحمد وابن حنبل واسحاق و الحسن بن صالح هكذا في البحر وفيه أيضا عن أبي بكر وعمر والحسن البصري ومالك وحماد وأبي ثور والبتى والشافعي أنه يكفي وقوع الإقرار مرة واحدة وروى ذلك عن داود وأجابوا عن أحاديث الباب بما سلف من الاضطراب ويرد عليهم بما تقدم واستدلوا بحديث العسيف المتقدم فأن فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لانيس " واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها "
وبما أخرجه مسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبادة بن الصامت أنه صلى الله عليه وآله وسلم رجم امراة من جهينة ولم تقر إلا مرة واحدة وسيأتي الحديث في باب تأخير الرجم عن الحبلى . وكذلك حديث بريدة الذي سيأتي هنالك فإن فيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم رجمها قبل أن تقر أربعا ولما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث خالد بن اللجلاج عن أبيه أنه كان قاعدا يعمل في السوق فمرت امرأة تحمل صبيا فثار الناس معها وثرت فيمن ثار فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول من أبو هذا معك فسكتت فقال شاب خذوها أنا أبوه يا رسول الله فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض من حوله يسألهم عنه فقالوا ما علمنا إلا خيرا فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحصنت قال نعم فأمر به فرجم " وعن جابر بن عبد الله عند أبي داود " إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقر عنده رجل أنه زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم فجلد الحد ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم " وقد تقدم . ومن ذلك حديث الذي أقر بأنه زنى بامرأة وأنكرت وسيأتي في باب من أقر انه زنى بامرأة فجحدت . ومن ذلك حديث الرجل الذي أدعت المرأة أنه وقع عليها فأمر برجمه ثم قام آخر فاعترف أنه الفاعل ففي رواية أنه رجمه وفي رواية أنه عفا عنه وهو في سنن النسائي والترمذي . ومن ذلك حديث اليهوديين فإنه لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كرر عليهما الإقرار قالوا ولو كان تربيع الإقرار شرطا لما تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مثل هذه الواقعات التي يترتب عليها سفك الدماء وهتك الحرم . وأجاب الأولون عن هذه الأدلة بأنها مطلقة قيدتها الأحاديث التي فيها أنه وقع الإقرار أربع مرات ورد بأن الإطلاق والتقييد من عوارض الألفاظ وجميع الأحاديث التي ذكر فيها تربيع الإقرار أفعال ولا ظاهر لها وغاية ما فيها جواز تأخير إقامة الحد بعد وقوع الإقرار مرة إلى أن ينتهي إلى أربع ثم لا يجوز التأخير بعد ذلك وظاهر السياقات مشعر بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما فعل ذلك في قصة ماعز لقصد التثبت كما يشعر بذلك قوله له " أبك جنون " ثم سؤاله بعد ذلك لقومه فتحمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإقرار مرة على من كان أمره ملتبسا في ثبوت العقل واختلاله والصحو والسكر ونحو ذلك وأحاديث إقامة الحد بعد الإقرار مرة واحدة على من كان معروفا بصحة العقل وسلامة إقراره عن المبطلات
وأما ما رواه بريدة من أن الصحابة كانوا يتحدثون أنه لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يرجمه فليس ذلك مما تقوم به الحجة لأن الصحابي لا يكون فهمه حجة إذا عارض الدليل الصحيح . ومما يؤيد ما ذكرناه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قالت له الغامدية أتريد أن تردني كما رددت ماعزا لم ينكر ذلك عليها كما سيأتي في باب تأخير الرجم عن الحبلى ولو كان تربيع الإقرار شرطا لقال لها إنما رددته لكونه لم يقرأ ربعا وهذه الواقعة من أعظم الأدلة على أن تربيع الإقرار ليس بشرط للتصريح فيها بأنها متأخرة عن قضية ماعز وقد اكتفى فيها بدون أربع مرات كما سيأتي وأما قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن عباس المذكور في الباب شهدت على نفسك أربع شهادات فليس في هذا ما يدل على الشطية أصلا وغاية ما فيه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبره بانه قد استحق الرجم لذلك وليس فيه ما ينفي الاستحقاق فيما دونه ولا سيما وقد وقع منه الرجم بدون حصول التربيع كما سلف وأما الاستدلال بالقياس على شهادة الزنا فإنه لما أعتبر فيه أربعة شهود أعتبر في إقراره أن يكون أربع مرات ففي غاية الفساد لأنه يلزم من ذلك أن يعتبر في الإقرار بالأموال والحقوق أن يكون مرتين لأن الشهادة في ذلك لابد أن تكون من رجلين ولا يكفي فيها الرجل الواحد واللازم باطل بإجماع المسلمين فالملزوم مثله وإذا تقرر لك عدم اشتراط الأربع عرفت عدم اشتراط ما ذهبت إليه الحنفية والقاسمية من أن الأربع لا تكفي أن تكون في مجلس واحد بل لا بد أن تكون في أربعة مجالس لأن تعدد الأمكنة فرع تعدد الإقرار الواقع فيها وإذا لم يشترط الأصل تبعه الفرع في ذلك وأيضا لو فرضنا اشتراط كون الإقرار أربعا لم يستلزم كون مواضعه متعددة أما عقلا فظاهر لأن الإقرار أربع مرات وأكثر منها في موضع واحد من غير انتقال مما لا يخالف في امكانه عاقل وأما شرعا فليس في الشرع ما يدل على أن الإقرار الواقع بين يديه صلى الله عليه وآله وسلم وقع من رجل في أربعة مواضع فضلا عن وجود ما يدل على أن ذلك شرط وأكثر الألفاظ في حديث ماعز بلفظ أنه أقر أربع مرات أو شهد على نفسه أربع شهادات وأما الرد الواقع بعد كل مرة كما في حديث أبي بكر المذكور فليس في ذلك أنه رد المقر من ذلك الموضع إلى موضع آخر ولو سلم فليس الغرض في ذلك الرد هو بعدد المجالس بل الاستثبات كما يدل على ذلك ما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من الألفاظ الدالة على أن ذلك الرد لأجله ومما يؤيد ذلك حديث ابن عباس المذكور في الباب فإن فيه أنه جاء اليوم الأول فأقر مرتين فطرده ثم جاء اليوم الثاني فأقر مرتين فأمر برجمه وهكذا يجاب عن الاستدلال بما روى نعيم ابن هزال أنه صلى الله عليه وآله وسلم أعرض عن ماعز في المرة الأولى والثانية والثالثة كما أخرجه أبو داود وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي من حديث أبي هريرة والاعراض لا يستلزم أن تكون المواضع التي أقر فيها المقر أربعة بلا شك ولا ريب ولو سلم أنه يستلزم ذلك بقرينة ما روي أنه جاءه من جهة وجهه أولا ثم من عن يمينه ثم من عن شماله ثم من ورائه وسيأتي قريبا أنه كان يقر كل مرة في جهة غير الجهة الأولى فهذا ليس فيه أيضا أن الاعراض لقصد تعدد الإقرار أو تعدد مجالسه بل لقصد الاستثبات كما سلف لما سلف

باب استفسار المقر بالزنا واعتبار تصريحه بما لا تردد فيه

1 - عن ابن عباس قال " لما أتى ماعز بن مالك النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت قال لا يا رسول الله قال أفنكحتها لا يكنى قال نعم فعند ذلك أمر برجمه "
- رواه أحمد والبخاري وأبو داود

2 - وعن أبي هريرة قال " جاء الأسلمي إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات كل ذلك يعرض عنه فأقبل عليه في الخامسة فقال أنكتها قال نعم قال كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال نعم قال فهل تدري ما الزنا قال نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا قال فما تريد بهذا القول قال أريد تطهرني فأمر به فرجم "
- رواه أبو داود والدارقطني

- حديث أبي هريرة أخرجه أيضا النسائي وفي إسناده ابن الهضهاض ذكره البخاري في تاريخه وحكى الخلاف فيه وذكر له هذا الحديث وقال حديثه في أهل الحجاز ليس يعرف إلا بهذا الواحد : قوله " أو غمزت " بغين معجمة وزاي والمراد لعلك وقع منك هذه المقدمات فتجوزت بإطلاق لفظ الزنا عليها
وفي رواية " هل ضاجعتها قال نعم قال فهل باشرتها قال نعم قال هل جامعتها قال نعم " قوله " لا يكني " بفتح أوله وسكون الكاف من الكناية أي أنه ذكر هذا اللفظ صريحا ولم يكن عنه بلفظ آخر كالجماع : قوله " المرود " بكسر الميم الميل قوله " والرشاء " بكسر الراء قال في القاموس والرشاء ككساء الحبل وفي هذا من المبالغة في الاستثبات والاستفصال ما ليس بعده في تطلب بيان حقيقة الحال فلم يكتف بإقرار المقر بالزنا بل استفهمه بلفظ لا أصرح منه في المطلوب وهو لفظ النيك الذي كان صلى الله عليه وآله وسلم يتحاشى عن التكلم به في جميع حالاته ولم يسمع منه إلا في هذا الموطن ثم لم يكتف بذلك بل صوره تصويرا حسيا ولا شك أن تصوير الشيء بأمر محسوس أبلغ في الاستفصال من تسميته بأصرح أسمائه وأدلها عليه
وقد استدل بهذين الحديثين على مشروعية الاستفصال للمقر بالزنا وظاهر ذلك عدم الفرق بين من يجهل الحكم ومن يعلمه ومن كان منتهكا للحرم ومن لم يكن كذلك لأن ترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في المقال وذهبت المالكية إلى أنه لا يلقن من اشتهر بانتهاك الحرم
وقال أبو ثور لا يلقن إلا من كان جاهلا للحكم وإذا قصر الإمام في الاستفصال ثم انكشف بعد التنفيذ وجود مسقط للحد فقيل يضمن الدية من ماله إن تعمد التقصير وإلا فمن بيت المال
وقيل على عاقلة الإمام قياسا على جناية الخطأ قال في ضوء النهار والحق أنه إذا تعمد التقصير في البحث عن المسقط المجمع على اسقاطه اقتص منه وإلا فلا يضمن إلا الدية لما عرفت من كون الخلاف شبهة اه وهذا إنما يتم بعد تسليم ان استفصال المقر عن المسقطات المجمع عليها واجب على الإمام وشرط في إقامة الحد يستلزم عدمه العدم كما هو شأن سائر الشروط على ما عرف في الأصول والواجبات والشروط لا تثبت بمجرد فعله صلى الله عليه وآله وسلم وليس في المقام إلا ذلك وغايته الندب وأما الاستدلال على الوجوب بأن الإمام حاكم والحاكم يجب عليه التثبت فيمكن مناقشته بمنع الصغرى والسند أن الحاكم هو من يفصل الخصوماث بين العباد عند الترافع إليه ولا خصومة ههنا بل مجرد التنفيذ لما شرعه الله على من تعدى حدوده بشهادة لسانه عليه بذلك وكون المانع مجوزا لا يستلزم القدح في صحة الحكم الواقع بعد كمال السبب وهو الإقرار لشروطه والألزم ذلك في الإقرار بالأموال والحقوق فيجب على الحاكم مثلا بعد أن يقر عنده رجل بأنه أخذ مال رجل أن يقول له لعلك أردت المجاز ولم يصدر منك الأخذ حقيقة لعلك كذا لعلك كذا واللأزم باطل بالإجماع فالملزوم مثله وبيان الملازمة أن وجود المانع مجوز في الإقرار بالأموال والحقوق كما هو مجوز في الإقرار بالزنا فتقرر لك بهذا أن إيجاب